رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثالث عشر
عمار كان يقف مراقبا في قمة هياجه يشعر بالنقص لأن مليكه لم تلتفت إليه وكأن وجوده عدم فقرر أن يطعنها في أثمن ما تملك أمام أختها.
هتف عمار بانفعال وجنون وهو يشير إليها بسخرية... وليه مخبية عليها إنك اتباستي عادي.. هو إنتو بتتباسو وتسكتو ما كنتي تجولي نزود الجرعة واخليكي تستفيدي.
اشتعلت الأجواء...كأن صاعقة ضربت ملوك تجمدت الدماء في عروقها..
لطمت نجوان.... يا مري يا مري..يافصحتنا يا حزنك ياخوي.
لثوان صمتت مذهوله قبل أن تتحول لنار تحرق الأخضر واليابس. استدارت ملوك بجنون وهجمت عليه كأنها لبؤة تدافع عن شبلها صرخت بوجهه وصوتها يزلزل الجدران... يا نهار ابوك أسود.. بوست أختي يا زبالة.. اه يا واطي يا عديم النخوة. يا عيله مافيهاش راجل يا شويه لمامه يا متحرش أنا هخرب بيتك.
انهالت عليه بضربات عشوائية وقوية...
لكن عمار بضخامته وقوته الصعيدية الغاشمة قبض على يدها بعنف لدرجة آلمتها وهتف بفحيح مرعب وهو يثبتها... عشان تعرفي إنكو رخاص وأهيه ماعملت حاجة وجعدت تتنحنح وخلاص اعرفو إنتو إيه ومع مين.
بأصابع ترتجف أمسكت نجوان هاتفها واتصلت بـ عامر وصوتها يخرج مشروخا من الرعب..
الحق يا عامر أخوك شبط في مرت أخوك.. الحزين باس أختها وهيموتوا بعض الدنيا جلبت حريجة هنا.
زلزل صراخ عامر سماعة الهاتف وهو لا يصدق ما يسمع...
بتجولي إيه ماسكها وحاضنها صوح؟ يتخانجو وحاضنها انطحي ماسكها إزاي جولي من انهي حته.. افتحي الزفت ده افتحي الاسبيكر.
انصاعت نجوان للأمر وفتحت الاسبيكر وهي تلهث ليأتي صوت عامر متصاعدا كالصاعقة هزت جدران المكان...
عمااااااار......
في تلك اللحظة تجمد عمار في مكانه وكأن صاعقة كهربائية ضربته. فصوت أخيه كان كفيلا بشل اندفاعه لكن ملوك لم تتوقف بل انقضت عليه تضربه بكل ما أوتيت من قوة وقهر تفرغ فيه غلها ووجعها.
صرخت نجوان وهي ترى ملوك تنهال عليه بالضرب وهو عاجز عن الرد..
الحق يا عامر البت جنت وهي عتاكل في أخوك ضرب وهو واجف زي الصنم.
تعالى صراخ عمار وهو يحاول حماية وجهه من ضربات ملوك المتلاحقة...
يا شيخة همد يدي عليكي واكسرها منك لله.. إنت جادره ليه اكد. كت مرت عمر إزاي منك لله.
جاء رد عامر عبر الهاتف بوعيد مرعب ....
يمين الله يا عمار لو مديت يدك عليها لكون جاي مفرغ الفرد في رجبتك.. واياك. المسها وإلا تمسكها من أي حته.. سيبها تضرب سيبها تبرد نارها.. عشان تبجى تبوس كويس بعد كدة يا واطي.
تعالى صراخ عمار وهو يحاول حماية وجهه من ضربات ملوك المتلاحقة...
انفجر عمار بصوته الجهوري وهو يوجه كلامه لملوك...
يا شيخة همد يدي عليكي واكسرها. منك لله يا عجربة.. اتهدي بقى.
كان عمار يصارع ملوك بين يديه ر يحاول عبثاً أن يهدئ من روع أخيه الذي يسبه في التليفون..
ما تسكت يا عامر بقى أنا انهريت ضرب منكوا لله إنتو الاتنين.. ما تبسي يا حداية.
لم تتوقف ملوك عن ضربه مما زاد من اشتعال الموقف فزجره عامر بغضب...
حداية تجطع في وشك اخرس وانكتم أنت التاني ماتجولهاش اكده ..
وصل عمار إلى ذروة انفجاره فصاح وهو يتلوى بين يديها..
ما تبس بقى أروح فين منك في انهي نصيبه ؟ ده بيشتمني في التليفون وإنت بتعجني فيا أكونش واجع ليكو بعدي..
هنا زلزل صوت عامر الجهاز وهو يصرخ عبر الاسبيكر بكل قوته
عمااااااار...
رد عمار بصوت مخنوق من كثرة الضرب والضغط..
الله يحرج عمار انهريت ضرب.. حوشيها يا نجوان همد يدي عليها بجد..
اندفع عمار يحاول التراجع وهو يصرخ في وجه ملوك التي كانت تلاحقه الإعصار...
بعدي عني بجولك.. بعدي بدل ما أتهور.
وملوك لا تسمع ولا ترى تصرخ بوجع وهي تضربه...
مش هبعد.. والنهاردة هعرفك مقامك يا واطي.
لم يحتمل دفعها عمار بقسوة لتسقط ملوك أرضا وفي تلك اللحظة شعرت مليكة لأول مرة بمرارة الرخص تسري في دمها رأت أختها سندها وكبيرة عائلته تُهان وتُضرب بسببها.
لم تحتمل المنظر اندفعت وارتمت في حضن ملوك وهي تنفجر ببكاء مرير شهقاتها كانت تمزق سكون المكان.
احتضنتها ملوك بقوة وبدأت تمسح على رأسها بجنون وهي تحاول حمايتها بجسدها.
بينما همست مليكه بصوت مخنوق بالدموع كلمات كانت كالسكاكين التي تُرشق في صدر عمار و ترج قلبه رغم جبروته همست مليكه وهيا محنيه الراس تخاطبه ....
إحنا عرفنا إحنا مع مين.. أنا ماقولتش عشان أختي ماتتاذاش. أنا أتأذى ألف مرة ولا هي تتأذى لأنها اتأذت كتير.. إنت خدت حاجة مش حقك لأن عمري ما حد قربلي.. إحنا مش رخاص.. أنا حتى ماعرفش أنت مين ولا عايزة أعرف ولا ببصلك من أساسه.. أيوه عرفنا أنتو مين.. أنتو ناس معدومي القلب.
قالت كلماتها وهي تحني رأسها في حضن ملوك رافضة تماما أن ترفع عينها فيه وكأنه مجرد حشرة لا تستحق الرؤية.
غليان الدماء في عروق عمار وصل لقمته شعر بالإهانة من تجاهلها أكثر من شتائم ملوك فصرخ بهياج وجنون وهو يحاول إنقاذ كبرياءه.
أنتِ تطولي تبصيلي أصلا أو حتى أبصلك؟ أنتِ مين عشان أبصلك يا بت أنتِ. لا منظر ولا شكل.
كان يصرخ بلسانه لكن عيناه كانت تنطق بوجع وهزيمة لم يعرفها ابن الراوي زير النساء من قبل.. أدرك في تلك اللحظة أن القوة قد تكسر الجسد لكنها أبداً لن تجبر العين على النظر باحترام.
همت ملوك أن تقوم له فكلبشت فيها مليكة.... ثم . قالت بقهر وهي منحنية الرأس ودموعها تنهمر بحرقة على كفيها.... أنا مش حاجة ولا عايزة أبقى حاجة.. أنا ماليش إلا أختي ولا أعرف إلا هي ولا عايزة حاجة من الدنيا بتاعتكم دي..
أنا كنت فاكرة إن الصعيد رجولة وحماية.. . بس إنت طلعت أوحش من أي حد قابلته في حياتي. إنت مابستنيش يا استاذ.. إنت وصمتني بعار هيفضل يلاحقني بس العار ده مش ليا.. العار ده لاسمك اللي بتتباهى بيه. يوم ما مديت إيدك على واحدة ضعيفة لا حول لها ولا قوة. الفلوس دي.. خليهم ينفعوك لما تقابل ربنا هيسألك عليا . مشينا من هنا يا ملوك المستنقع ده هيخنقنا كلنا.
انفجرت في بكاء مرير هز كيان الغرفة لتسحبها ملوك إلى أحضانها بقوة وهي تهمس بحنان يحاول ترميم ما كُسر...
بطلي يا قلبي.. بطلي إنتِ أحسن واحدة في الدنيا وماتسمحيش لحد يخليكي تشكي في نفسك لحظة.
في تلك اللحظة لم تعد نجوان قادرة على الصمت أمام كبرياء أخويها الزائف فتدخلت بحدة وهي تنظر لعمار باحتقار...
بطلو عاد فرعنتكم دي هي ديت اللي ماهتبصلهاش دي فلجة جمر روح.. روح صحيح مابتعرفش في النسوان واصل خليك جافش في جلبك كدة لما تنجلط من كتمته واخرتها تلبس بهيمة من البهايم اللي حواليك.. البت الحنينة ليها راجلها اللي يعرف جيمتها..
صرخت بقرف مكمله .. من كتر النسوان إللي بتعرفهم ماعتش بتفرج ما بين المليحة والعفشه..
اشتعل عمار من كلام أخته فنظرت لمليكه مردده.. معلهش يا جلب اختك.. اخوي بيغير في النسوان زي شرابات.
فصرخ عمار يسكتها لا يعلم لماذا لا يريدها أن تعلم بمغامراته... ماتحترمي نفسك يا نجوان فيه ايه.
التفتت نجوان نحو عمار وعيناها تشتعلان بغضب وحرقة وقالت بصوت مهتز من كثرة ما عانت...
.. احترم نفسي ماشي يا عمار.. طب يا سي عمار أنا كلمت أمي.. أمي اللي طفشت منكوا ومن جبروتكوا بعد موت الغالي.. عرفتها كل اللي حصل وكانت هتتجنن..
تجمد عمار مكانه وهو يراقب انفعالها لتكمل هي بلهجة وعيد أرعبته..
إنت عارف إنها عند خالتي في بني سويف بس هي حالفة تطلع روحكوا كلكوا لما تيجي.. ست الدار راجعة يا عمار.. راجعة عشان حق الغالي وعيلته اللي رجعوا وحالفة مية يمين إنها ما هتسمحش لحد يمس طرفهم واصل.
بلع عمار ريقه فعوده آمة وحده كفيل بأن يربك حسابات أكبر رأس في عيلة الراوي بينما تابعت نجوان وهي تمسح دمعة قهر..
انت عارف أمي كويس.. دي اللي عملتكم رجالة وهتعرف تردكم لأصلكم.
اقتربت نجوان من مليكه وملوك متجاهله اخيها وقبضت على أيديهما بحماية... حجكو عليا يا خيتي يلا يا خيتي.. نروح نشوف جدي سعفان الدار دي مابقتش تطاق.
قامت مليكه ومسحت دموعها بكف يدها بحركة طفولية أوجعت قلب عمار الذي كان يراقبها بنظرات لا تحيد عنها نظرات مزيج بين الغيظ والرغبة في تملك تلك الرقة التي ترفض الاعتراف بوجوده.
خرجت نجوان لتستعد للذهاب إلى المستشفى بينما كان عمار يقف في الخارج والدماء تغلي في عروقه يكلم عامر وعامر يكيل له السباب... ومليكة منكمشة على نفسها تبكي برعب وملوك صامتة متجهمة تحتضن عمر بقوه...
وفجأة اقتحمت سعدات المكان بلسانها السليط لتكيل الإهانات قائلة... ارتحتوا يا خرّابين البيوت جبتوا أجل الكبير الراجل وجع من عمايلكم يا فجرة..
أحكمت ملوك قبضتها على صغيرها وهتفت بحدة... لمي نفسك يا ست إنتِ وخليكي في حالك..
صرخت مها بحقد. نخلينا في حالنا يا جرابيع؟ بيت هوانم يدخله أشكال زيكم.
ردت ملوك بصرخة زلزلت المكان... ماتغوري يا بت بدل ما أهرسك تحت إيدي.
حاولت مليكة سحب أختها وهي تبكي... تعالي نمشي يا ملوك.. دول ناس وحشين.
هجمت سعدات بغل وصاحت... هما مين ياختي أنتوا عايزين تتربوا..
وبدأت تضرب مليكة بعنف وهي تصرخ بينما حاولت ملوك الاندفاع للدفاع عنها لكنها كانت مقيدة بالطفل الذي تخشى عليه من بطشهم. فلن تتركه في مكان ابدا.
واندفعت مها هي الأخرى لتتشاجر مع ملوك لتسقط مليكة على الأرض وسعدات فوقها تضربها بحقد أعمى.
سمع عمار في الخارج صوت صرخات مليكة فكأن قلبه انفجر... وأخيه يصرخ... فيه ايه الأصوات ده...
لم يرد عمار اندفع كالإعصار لداخل الدار وتجمدت الدماء في عروقه وهو يرى مليكة مطروحة أرضا وشعرها بين يدي سعدات.
جرى عليها بلهفة واحتضنها ليبعدها عن مخالب سعدات ثم دفع مها بعيدا عن ملوك وهو يصرخ بجنون... هتمدي يدك عليها هجطعها لك اتخبلتوا البيت ده مافيهوش راجل إياك؟
تابع عمار بصوت أرعب الجميع وهو يرى مليكة ترتجف كالقطة بين يديه... البنت كيف القطة وإنتوا بتموتوها احترموا نفسكم جدي في المستشفى وإنتوا بتجلو في أدبكم فاكرين البيت مالهوش رابط. والله في سماه لأكون جايب رجابيكم الناس دي دخلت في أمان الراوية كلهم.. اتلموا..
كانت مليكة ترتجف وتبكي داخل حضن عمار وهو يضمها بقوة وقلبه يكاد يخرج من صدره يشعر برغبة عارمة في خطفها والابتعاد بها عن هذا السواد حتى اندفعت ملوك وشَدّت أختها من حضنه بقوة وهي منهارة.
نزلت نجوان على صوت الصراخ وهي تتساءل بذعر عما حدث لتصرخ ملوك... إحنا هنمشي مش قاعدة في البيت ده ثانية واحدة.
هتفت نجوان بفزع... مش إديتِ عهد لأخوي يا ملوك؟
تنهدت ملوك بقهر... همشي وآجي تاني يا نجوان.. أرجوكِ أختي شايفة حالتها عاملة إزاي؟
ردت نجوان بقلة حيلة... وجدي؟ بالله عليكي جدي لو صحي وما لجاكمش هيجرى له حاجة طب استني هكلم عامر.
شدت نجوان تليفونها من عماى وحكت له ما حدث فكان صوته عبر الهاتف هادرا من الغضب يكيل بالإهانة لسعدات ومها ثم هتفت نجوان برجاء .... هاتي خدي عايز يكلمك.
أخذت ملوك الهاتف بتنهيدة ثقيلة ليأتيها صوت عامر آمرا لا يقبل النقاش... أنا مستنيكي في المستشفى فاهمة وعهدك ليا ماهتنازلش عليه واصل تيجي دلوك.. وقفل الخط في وجهها لا يرضي أن تعارضه حتي .
عرض عمار أن يوصلهم بسيارته
لكن ملوك رفضت بعنف ونظرت إليه باحتقار وتركت المكان ومشت وهي تجر أختها خلفها بينما ظل عمار واقفا مكانه وعينه معلقة بمليكة التي تبعثرت كرامتها وثيابها بين يدي عائلته وقلبه يقطر دما عليها.
لاحظ عمار إيشارب مليكة الصغير ملقى على الأرض وهي تهم بالخروج وشعرها ينسدل على كتفيها فاندفع بلهفة وأمسكه من الأرض واتجه نحوها صائحا بلهجة آمرة... البسي.. غطي شعرك ده.
كانت ملوك قد جذبت أختها بالفعل لتخرج دون أن تعيره اهتماما فمليكة أصلا لم تكن محجبة.
لكن عمار اندفع خلفهما بهياج وصوت عال.......
ماهتخرجش بشعرها ده واصل بقولك غطي أختك إنتِ ليه سايباها أكده؟
صرخت ملوك بوجهه بضيق ونفاذ صبر... إنت مال أهلك؟ نغطي نولع.. مالكش فيه.
ابتلع عمار ريقه بصعوبة وهو يحاول السيطرة على غيرة مباغتة نهشت صدره وهتف بحدة... لأه.. دخلت عندنا متغطية تخرج متغطية..
انفعلت ملوك من إصراره المريب فجذبت الإيشارب من يده وصرخت في أختها المنهارة... اتهببي البسي وخلصينا..
فصرخ بهياج... انت بتزعجلها ليه اكده عبده عندك.
صرخت ملوك بهياج .. وانت مالك يا مخبول إنت دا مرار.
لبسته مليكة بعشوائية ويدها ترتجف وكان القماش ناعما ينزلق عن رأسها كلما وضعته فظل معظم شعرها ظاهرا من الخارج. التفتت لتمشي فصرخ عمار بجنون... ماتخبيه كويس إيه الحزن ده؟
صرخت ملوك مدافعة عن أختها... ماتزعقلهاش.. إنت مالك يا جدع إنت.
كانت مليكة لا تزال ترتجف وتبكي بصمت فاندفع عمار نحوها وهتف بتهكم يخفي وراءه لهفة... دي واحدة باينها هبلة بتعيط وبس مابتعرفش تعمل حاجة واصل..
وبحركة فاجأت الجميع بدأ يربط لها الإيشارب بنفسه يدس خصلات شعرها المتمردة بداخل القماش ويحكم غلقه حول وجهها.
بينما وقفت ملوك متسمرة مذهولة ونجوان تراقب الموقف بعيون مبرقة ومليكه لم تتحرك من مكانها من شدة الصدمة.
بمجرد أن انتهى اندفعت ملوك وشَدت أختها وخرجت بسرعة من الدار. ظل عمار واقفا مكانه يتنفس بصعوبة ونجوان لا تزال تنظر إليه بذهول لم تستطع إخفاء.
فصرخ فيها بهياج... إيه يا زفتة إنتِ؟ بتبصيلي على إيه؟
هتفت نجوان بحيرة... إنت كويس؟ إنت طبيعي يا عمار؟
صرخ فيها وهو يخرج عن طوره تماما... لاه.. بجطع هدومي بريل وبجري ورا العربيات زي الأهبل.. همي بلا هم أما أروح أشوف جدي..
ثم رزع المنضدة بقبضة يده فارتمى كل ما عليها أرضا وخرج من الدار كالإعصار تاركا نجوان مشلولة مكانها وهي تهمس...
فيه إيه هو اتخبل ماله ده..
اتجهت ملوك بمليكه نحو الخارج ونجوان تسير بجانبهما كحارس أمين.
ملوك برجاء... معلش يا نجوان ممكن ابره وفتله بس اخيط البلوزه..
أسرعت نجوان تأتي بالطلب ووقفت تساعدها وتحيط لها ماتمزق من جراء شدهم فيها.
وصلا إلى المستشفى وهناك . دخلت نجوان ملهوفة وجدت عامر يستند بظهره إلى أحد الجدران بوجه شاحب وعيون مظلمة بينما وقفت مليكه وملوك تنظران إليهم بترقب.
عمار كان قد وصل خلفهم مباشرة وأنفاسه لا تزال مضطربة من أثر المواجهة.فكانت عيناه معلقة بمليكه التي تختبئ خلف ظهر أختها رافضة تماما أن تمنحه حتى نظرة عتاب.
صرخت نجوان وهي تقترب من عامر... جدي فيه إيه يا عامر انطق يا خوي.. جدي جرى له إيه؟
رفع عامر عينيه ببطء وتلاقت نظرته بنظرة ملوك التي تقف أمامه الآن بكبرياء مجروح شعر براحه لرؤيتها.
هتف عامر بصوت مجهد وعيونه معلقة بباب العناية... حالته خطرة جلبه تعبان جوي والدكاترة هنا مابيجولوش حاجة واصل داخلين طالعين ووشوشهم ماتطمنش.
قطبت ملوك جبينها وفي تلك اللحظة نسيت كل إهاناتهم فالقَسم الذي أقسمته كطبيبة كان يحركها الآن. قررت أن تتدخل وتعرف حقيقة الوضع الطبي .
اقترب عامر من ملوك بخطوات هادئة وعيناه تتفحص وجهها بقلق حاول إخفاءه سألها بصوت منخفض وكأنه يطمئن قلبه قبلها...
عمار مد يده عليكي يا ملوك؟
رفعت ملوك رأسها بكبرياء جريح وعيناها تلمعان بتحد وهي ترد بحدة..
ماحدش يقدر يمد إيده عليا يا سياده المستشار ..
تنهد عامر براحة لكن ملوك لم تمنحه فرصة للكلام مدت يدها بالبدلة التي أعطاها لها سابقا في المكتب لتستر ثيابها الممزقة وقالت باقتضاب...
شكراً.. بدلتك.
تركت البدلة في يده وانصرفت بخطوات سريعة بينما ظل هو واقفاً في مكانه تابعه طيفها بعينيه حتى اختفت. وبحركة تلقائية رفع البدلة ولبسها.. وفي اللحظة التي استقرت فيها على كتفيه هجمت رائحة عطرها عليه تغلغلت في صدره وكأنها سكنت مسامه.
شعر بجسده يسترخي وقلبه بدأ يدق بعنف كأنه يضمها بين ذراعيه الآن. ركن بجسده إلى الحائط بصمت مطبق وأغمض عينيه يستنشق بقايا وجودها غارقا في إحساس غريب لم يذق طعمه من قبل.
قطع هذا السكون عمار الذي وقف ينظر لعامر باستغراب
عامر.. يا عامر..
لم يرد عامر كان في عالم آخر فتقدم عمار وهزه بقوة من كتفه. فجأة انتفض عامر وصرخ فيه بغضب أعمى..
ايه يا زفت بتزغدني كدة.. ليه؟..
تراجع عمار للخلف بذهول وهو يسأله..
مالك يا أخوي؟ مسهم في إيه وعامل كدة ليه؟ واجف كنك في غيبوبة..
حاول عامر يلغوش على الموقف ويخفي ارتباكه فصب غضبه على عمار مجددا..
إنت ليك عين تتكلم يا واطي. بتبوس البت ربنا ياخدك.. ملك هتجول علينا إيه دلوقتي.
هدر عمار بلامبالاة وهو يحاول الدفاع عن نفسه..
اللي يجولوه يجولوه يا عامر..
لكن عامر صرخ فيه بحدة أخرسته...
لاه.. ملك ماتطولش.. وتلم نفسك وتعرف حدودك معاها واصل فاهم ولا لأ؟
عند ملوك كانت تريد أن تذهب للاطمئنان عالجد. همست لمليكه بلهجة حازمة...
خدي عمر أنا هروح أشوف جده ماله بالظبط وأفهم من الدكاترة.
ارتعبت مليكه وتراجعت خطوة للخلف وهي تضم يديها لصدرها... لأ يا ملوك ماتسيبنيش لوحدي.. أنا خايفة وبترعش والله هوقع الواد من إيدي مش قادرة أصلب طولي.
نظرت إليها ملوك بغضب ونهرتها بصوت منخفض... بطلي طريقتك دي. اجمدي شوية وبطلي ضعف.. عمر محتاجك قوية.
بمجرد ما بدأت ملوك تتحرك ناحية أوضة الجد كان عامر واقف ورا الباب سامع كل كلمة وكأنها رصاصة بتصيب ضميره.
قالت ملوك لـ مليكة بصوت هادي وفيه تعب مكتوم..
لو جعانة يا مليكة أجيبلك اكل؟
ردت مليكة وهي بتبصلها بقلق..
لأ مش جعانة أنا فطرت.. بس إنتِ اللي على لحم بطنك من الصبح وشك دبلان وهتقعي مننا كدة ليه؟
رسمت ملوك ابتسامة باهتة وقالت وهي ماشية..
مش مهم أنا.. المهم أطمن على الجد دلوقت.»
مشيت ملوك وعامر فضل مكانه الكلمة رنت في ودنه... على لحم بطنك.. حس بوجع في قلبه أكتر من الوجع اللي كان عمار حاسس بيه من الضرب. عامر اللي كان لسه سايح في ريحة بدلتها فاق على حقيقة إن كبريائها مخليها ناسية نفسها وناسة جوعها عشان خاطر الكل.
استدارت ملوك وأعطتها عمر رغما عنها ورحلت بسرعة نحو مكتب الطبيب المسؤول.
كان عمار يقف بعيدا يراقب مليكه وهي ترتعش كعصفور بلله المطر ولم يفهم سر هذا الرعب القاتل في عينيها. الطفل بدأ يبكي بصوت عال ومليكه تحاول هدهدته بيدين مرتعشتين.
اقتربت نجوان بسرعة وأخذت الصغير منها وما إن استقر بين يدي نجوان حتى سكن ونام على الفور.
همست نجوان بحنان... سيبيه إني هشيله روحي إنتي ارتاحي شوية.
وقفت مريم تفرك يديها ببعضهما بتوتر وهستيريا وعمار عيونه لا تفارقها يشعر بشيء غريب يجذبه نحو هذا الضعف. اقترب عمار وجلس بجوار نجوان لكن ما أشعل غضبه هو ابتعاد مليكة فورا لتقف بجوار الحائط وهي ترتجف بعيدا عنه.
مر أحد الأطباء الشباب ولاحظ حالة وجهها الشاحب وعيونها التي تكاد تخرج من مكانها من التوتر. علم بخبرته أن بها خطبا ما فاقترب منها وهتف بحنان مهني... يا آنسة إنتي بخير؟
ارتبكت مليكه وهمست بصوت متقطع... هاه.. أه، أه.. أنا بخير.. شكرا.
هتف الطبيب بابتسامة مطمئنة... لأ شكلك متوترة جدا وممكن يحصلك مضاعفات تحبي أديكي حاجة مهدئة تساعدك؟
ابتسمت له مليكه بامتنان رقيق وهزت رأسها نافيه.. ليرد الطبيب وهو يخرج كارتا من جيبه... طب دي نمرتي.. لو حسيتي بأي حاجة أو احتجتي مساعدة كلميني فورا. أنا مكتبي في الدور ده.
لم يحتمل عمار أكثر اندفع نحو مليكه كالإعصار.....
🙄🙄🙄🙄😳😳😳😳😳😳😳😳😳😳😳
... اخيرا هنلاقي حد تآني ينضرب في الروايه دي.. 😂😂😂😂
الواد دمه غلى لما لقاها بتبتسم لغيره وهو اللي لسه كان بيقول لا منظر ولا شكل. أمال لو كانت عاجباك يا حزين كنت عملت إيه؟ إيه اللي بيتربط ده يا عمار..دخلي شعرك يا مليكه ابننا عبيط وبيغير بس مايعرفش 😂😂😂😂 اخوكي ملبوس يا نجوان
وعامر سايب الخناقه ويقولها لمسها فين
.. 😂😂😂 دانتو عيله حزينه.ااواد ساب أخوه أنضرب وانهري.
.أنا عيني على عامر بيه المستشار.. الراجل ساب المستشفى وساب جده وساب الدنيا وواقف يشمشم في الجاكتة بتاعته!.
ريحة ملوك سحرت الواد يا ولداه.. شم يا واد شم يبتليك بنصيبه يا عمار الواد كان شغال شمام علي أبوه 😂😂😂 عامر في سره اخويا بأس وانا مابوستش 😂😂😂
وكله كوم و'ست الدار' اللي راجعة من بني سويف كوم تاني! دي هتيجي تلاقي عامر بيشمشم، وعمار بيتربط، وسعدات ومها واخدين العلقة التمام من ملوك.. يا شماتة أبلة ظاظا فينا!"
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
رحل الطبيب قبل أن يصل عمار وترك وراءه عيونا تشع غضبا وجمرات تخرج من عيون عمار الذي كان يراقب المشهد بدم يغلي.
لم يحتمل عمار أكثر اندفع نحو مليكه كالإعصار.....
وجذبها من ذراعها بعنف لترتعب ويهرب الدم من عروقها. سحبها بعيدا نحو ممر خال وهي ترتجف وتشهق وشعرت أن صدمة عصبية على وشك مداهمتها.
هتف عمار بغضب مكتوم وهو يضغط على ذراعها... إيه مش عامله حساب للي واجفين واصل هاه. فاكرة إن هنا زي هناك.. تبتسمي وتتسايري وتكلمي أي حد وتجربي من أي حد وكأن مفيش رجالة واقفة؟
كانت مليكه تمر برعب حقيقي وأنفاسها بدأت تتسارع بشكل ينذر بالخطر بينما عمار لم يرَ سوى تلك الابتسامة التي منحتها للطبيب والتي رفضت أن تعطيها له هو.
كانت منحنية الرأس ترفض أن تمنحه حتى شرف النظر إليه مما أشعل نارا في جوف عمار فكيف ابتسمت لذلك الطبيب الغريب ورفضت حتى الالتفات إليه؟
بـغضب أعمى مد يده وأمسك وجهها ورفعه بعنف ليكون قبالة وجهه تماما وهتف بصوت كالرعد المكتوم... إيه مابتبصليش ليه جربة إياك ولا خايفة عيونك تتعبي من بصة رجالة الصعيد؟
كانت مليكه تشعر أن أنفاسها تنسحب وأن روحها قد تغادرها من فرط الرعب فصرخ فيها بهياج... بصيلي بجولك بصي في عيني وإني بكلمك وإلا ماهيحصلكش طيب واصل.
هنا ولأول مرة رفعت عيونها المليئة بالدموع لتصطدم بعينيه. في تلك اللحظة شعر عمار برجفة غريبة في قلبه لم يعهدها من قبل.. بدأت أنفاسه تتعالى وهو يغرق في صفاء عينيها الذي يسلب الأنفاس رغم الخوف الساكن فيهما. ظل ساهما مسحورا بتلك اللألىء التي تلمع وسط الدموع بينما هي ترتجف بين يديه ودموعها تنهمر كالأنهار.
وبدون مقدمات سكن غضبه وانت ملامحه وحل محله حنان غريب لم يدرك مصدره فهتف بصوت منخفض ومنكسر... بتعيطي ليه بطلي عياط عاد.. مابحبش أشوف عينيكي كدة.
لم يعلم لماذا قال ذلك لكن كلماته كانت القشة التي قصمت كبريائها فانفجرت في بكاء هستيري. لم يجد نفسه إلا وهو يشدها إلى صدره يعتصرها بين ذراعيه ويمسد على ظهرها وهي في حالة من التشنج العصبي محاولا امتصاص خوفها داخل ضلعه.
همس بلين ونوعومه.... اششششش خلاص والله خلاص بطلي طيب.. مافيش حاجه هتاذيكي
بدأت تشنجاتها تهدأ رويدا رويدا وهي تستنشق رائحته التي اختلطت برهبتها وحلت لحظة تيه من الزمن بينهما سكون مطبق وهدوء غريب لم يقطعه سوى دقات قلبيهما المتسارعة.
تململت مليكه بين يديه وهي تشعر بلمساته الحانية فأبعدها عنه قليلا بملامح مبهمة وسألها بصوت ناعم... بقيتي كويسة؟
هزت رأسها بإيجاب وهي لا تزال في حالة ذهول وهمت أن تبتعد إلا أنه مد يده بسرعة البرق إلى حقيبتها وفتحها مخرجا ذلك الكارت الذي أعطاه لها الطبيب ومزقه إربا أمام عينيها المذهولتين.
نظر إليها بصرامة وهتف بكبرياء صعيدي... لاه.. إحنا ماحدش يدي للحريم تليفونات وإحنا واجفين.. دي عيبة كبيرة في حجنا يا بت الناس.. ولا إنتو مابتعرفوش العيبة إياك؟
نظرت إليه بصمت والدهشة لا تزال تعقد لسانها .عادت إلى واقعها فورا وكأن تلك اللحظة من الحنان كانت مجرد سراب. شعرت بمقت شديد لهذا الغريب الذي يفرض سيطرته عليها حتى في أبسط حقوقها. عاد نفورها أقوى مما كان وتجهم وجهها وهي تتركه مسرعة لتلتصق بنجوان باحثة فيها عن الأمان من نظرات عمار التي كانت تخترق ظهرها.
جاءت ممرضة شابة اقتربت من مليكة برفق وجلست بجوارها وبدأت تربت على كتفها وتمسح دموعها بحنان وهي تمسك يدها المرتجفة بينما كان عمار يراقب المشهد باستغراب وتوجس.
همست الممرضة لمليكة محاولة تهدئتها.. يا حبيبتي اهدي إنتِ زي الجمر.. جولي لي إنتِ مخطوبة؟
كشر عمار وجهه فور سماع السؤال ودارت في رأسه تساؤلات غاضبة عن سبب هذا الفضول ليرى مليكة تهز رأسها بالنفي بضعف طفولي فابتسمت الممرضة وقالت... .. تعالي معايا بره الجو هنا كتمة تشربي حاجة وتهدي.
قامت الممرضة وأخذت مليكة من يدها وأثناء مرورهما بالممر كانت هناك ممرضتان واقفتان تتهامسان وتضحكان قالت إحداهما للأخرى... شوفتي الدكتور احمد؟ هينجن على البت أم خصله صفره دي وبعت ليلي مخصوص تجيبهاله الغرفة بحجة تشربها حاجة وتشم نفسها.. يلا ربنا يسعدهم ده دكتور طيب والبت فلجة جمر وتستاهل.
هاج عمار كالثور الهائج حين التقطت أذناه الكلمات واندفع نحو الفتيات كالإعصار وصاح فيهن بصوت أرعب الممر.. خدتها فين انطجي منك لها.
سكتت الفتيات بذعر وجفت الدماء في عروقهن فصرخ بهياج أرعب المرضى.. بجولكم خدتها فين؟
أشارت إحداهن برعب نحو غرفة الطبيب فاندفع عمار بخطوات زلزلت الأرض وفتح الباب بعنف دون استئذان.
تفاجأ عمار بالدكتور وهو يميل بجسده نحو مليكة يقدم لها كأسا من العصير بابتسامة يملؤها الهيام والإعجاب وكأنه يحاوطها بشباك حنانه.
لم يتمالك عمار نفسه فاندفع وشَدّ مليكة من يدها بعنف ليبعدها عن الطبيب وهو يصرخ..
. إنت جايبها هنا ليه؟
هتف الطبيب بذهول واستنكار.. فيه إيه يا أستاذ مالك فيه حد يدخل على مكتب دكتور بالطريقة دي؟
زعق عمار وهو يقف حائلا بينه وبين مليكة.. أمال أدخل إزاي وإنت باعت الممرضات يسحبوا البت لمكتبك بجلة أدب فاكرها سايبة إياك؟
شهقت مليكة برعب وتراجعت للخلف وهي ترتجف من هيئة عمار المرعبة بينما ضيق الطبيب عينيه ونظر لعمار بتحد وسخر.. وإنت مالك طيب مالك محروق دمك ومحروق كدة ليه هي تخصك في إيه؟
هوى السؤال على رأس عمار كالصاعقة فاندفع بصوت هز جدران المكتب..
آيوة حريمنا دي.. وعيب أكده وإلا عشان مصراوي ما تعرفش في الأصول.
انفعل الطبيب الشاب وقام من خلف مكتبه مواجهاً هياج عمار..
عيب يا أستاذ احترم نفسك حريمك مالهم؟ أنا عملت إيه دي كانت مرعوبة وأنا بساعدها.
صرخ عمار وهو يتقدم خطوة تهديدية..
ما لكش فيه حريمنا مابيجفوش مع حد.. ولا يشربوا عصير من حد.
كانت مليكة واقفة مذهولة من هذا الحصار المفاجئ ومن تلك الكلمة التي نطق بها فهمست بذهول لم تتمكن من كتمان...
أنا.. أنا مش حريمه..
في تلك اللحظة ارتسمت ابتسامة انتصار وسخرية على وجه الطبي بينما التفت عمار نحو مليكة بعينين يشتعل فيهما جنون مرعب وكأنه لم يصدق ما سمعه.
اقترب منها بخطوات مهلكة وقبض على ذراعها بقوة جعلتها تشهق وهو يهمس من بين أسنانه بصوتٍ مخيف...
بتجولي إيه... مش إيه انطجي.. حريمي ولا لاه؟
هزت مليكة رأسها برعب والدموع تحجرت في عينيها من قسوة نظرته وصوته الذي لا يقبل النقاش..
آيوة.. آيوة حريمه..
نظر عمار للطبيب بنظرة غطرسة وتحد فهتف الطبيب باستنكار..
فيه إيه يا آنسة بيهددك بإيه..
لم ينتظر عمار أن يكمل الطبيب جملته بل اندفع ودفعه في صدره بعنف أرجعه للخلف....
ماتوجهلهاش كلام واصل فاهم..
وسحب مليكة خلف ظهره ليخرج بها من الغرفة. وعندما كادا أن يبلغا الباب هتف الطبيب بمكر وغيظ وهو ينظر لمليك...
جبل ما نمشي يا انسه إنت مخطوبه.
هنا انطلقت صرخة هياج من صدر عمار فترك يد مليكة واندفع عائدا نحو الطبيب كالبركان الثائر ليلقنه درسا في الأصول التي تحدث عنها.
وفي تلك اللحظة تحديدا استغلت مليكة انشغاله وجنونه وأطلقت ساقيها للريح هاربة ومن عمار ومن ذلك الحصار الذي كاد أن يطبق على أنفاسها للأبد.
توارت مليكة خلف أحد الأعمدة الضخمة ترقب في ذعر حركات عمار . كانت دقات قلبها تتسارع وأنفاسها تخرج متقطعة وهي تهمس لنفسها برعب..
أعمل إيه أنا خايفة.. هيموتني والله أنا قلبي هيوقف ده جاي وعيونه بتطلع نار.. يا نهار أسود. هو متوحش ليه كده
وقعت عيناها على عربة أدوات التنظيف المركونة بإهمال وبجوارها خمار أسود قديم فجذبته بلهفة وارتدته فوق رأسها ثم جلست القرفصاء على الأرض محاولةً التواري خلف قماش الخمار المهتر وهي ترتعد.
كان عمار يضرب الأرض بخطواته الثقيلة يلتفت يمينا ويسارا وهو يتمتم بغيظ يمتزج بالقلق..
راحت فين دي؟ دي كيف القطة مابتعرفش تتصرف واصل.. إنت يا زفت خوفتها منك لله..
توقفت خطواته فجأة حين أبصر تلك الهيئة الجالسة على الأرض فاقترب بخطىً وئيدة وهو يسأل بلهجة غلب عليها التوتر..
يا حجة.. شفتيش بت معدية من هنا لابسة بنطلون وبلوزة سودة؟
هزت رأسها برعب وهي تخفي وجهها فهتف بإستغراب..
خالص أكده...طب وإنتِ جاعدة إكده ليه فيكي حاجة أساعدك؟
اندفعت مليكة بكلمات متلعثمة حاولت فيها تغيير نبرة صوتها..
لا.. لا يا بيه أنا بشحت.. شحاتة يا بيه..
توقف الزمن في عقل عمار فتلك النبرة الرقيقة مهما حاولت تبديلها لا تخطئها أذناه أبداً. ارتسمت ابتسامة ساخرة مليئة بالمكر وهمس لنفسه بمتعة..
كنك شحاتة.. اممم.
نزل عمار لمستواها وارتكز على قدميه قبالتها يراقب يديها الصغيرتين اللتين تفركان بعضهما فضحك بصدق لأول مرة وهتف بصوت منخفض..
قط صغير أقسم بالله.. قط عبيط عالآخر طب ماشي ما تيجي أشغلك عندنا ده بيتنا ماليان خير والله.
اندفعت مليكة بعفوية نسيت معها دور الشحات..
خير ده بيتكو بيت العقارب.
تعالت ضحكات عمار حتى ترددت في الممر وبلمحة خاطفة مد يده وقبض على يدها الرقيقة فشهقت بذعر محاولة سحبها...
أوعى سيب يدي.. هو فيه حد بيمسك ايد شحاتة عاد؟
ازدادت ضحكته اتساعا وهو يشدد قبضته فنظرت إليه من خلف الخمار بعينين تلمعان بالغيظ والخوف فغمز لها بمكر وهتف..
آيوة.. أنا بمسك يد الشحاتين اللي عينيهم كيف الغزلان أكده.
نهرته بغضب طفولى..
عيب يا أستاذ.. اختشي.. سيب.
بس يا حجة.. البوليس زمانه على وصول دلوك وهياخدك في العربية.
انتفضت مليكة برعب حقيقي وشعرت بقلبها سيسقط بين قدميها فهتفت بصوت مخنوق...
يكلبشوا مين أنا عملت إيه أنا لا مديت ايدي ولا خدت حاجة من حد ده أنا غلبانة يا بيه
عمار وهو يراقب تخبطها ببرود ممتع وابتسامته تزداد اتساعا خلف قناع الجدية الزائف..
ماهو ده النظام يا خالة.. بيمسكوا الشحاتين اللي بيجعدوا في الممرات يزحموا الطريج واصل الحكومة مابتغفلش عن حد دلوك.
مليكة بذعر طفولي وهي تلملم أطراف ثيابها المبهدلة..
طب والنبي.. والنبي هقوم أهوه والله همشي.. يلا همشي مش هتشوف وشي هنا تاني.
أوقفها و قال بنبرة فيها رجاء غريب
طب مش تدعيلي طيب جبل ما تمشي؟ جولنا الشحاتين دعوتهم مستجابة.اني عمار
مليكة وشعرت بشيء في نبرته لمس قلبها رغم خوفها منه فتنهدت بعمق،ط تنهيدة طويلة خرجت من وجدانها المنهك وهمست وهي تحني رأسها
ربنا يهـديك يا عمار.
في لحظة كان عمار قد قبض على يدها الرقيقة بقوة حانية وجذبها نحوه قليلا وهو يهمس بصوت هز كيانها..
أحلى دعوة سمعتها في حياتي.. بس جولتي بهديك يا إيه..
ارتجفت يدها بين يديه وشعرت أن الخمار لم يعد يحميها من نظراته التي تخترقها فتنهدت مرة أخرى برقة تذيب الصخر وهمست بلين غريب عليه..
يا عمار..
اتسعت ابتسامة عمار وظهرت في عينيه نظرة إعجاب وذهول لم يستطع إخفاءها وهمس وهو لا يزال ممسكا كفها الصغير
إنتِ.. إنتِ إزاي إكدة.
فجأة وبحركة مباغتة مد عمار يده الأخرى وجذب طرف الخمار برفق ليكشف وجهها المذعور وهو يميل نحو أذنها هامسا...
يا بوي عااللي طالع من تحت الخمار....
انتفضت مليكة كأن مسها التيار الكهربائي وأطلقت صرخة مكتومة وهي تدفعه في صدره بكل قوتها ثم انطلقت تجري في الممر .
بينما ظل عمار مكانه يراقب أثرها بضحكات لم يستطع كتمانها وقف مبتسما يطالع طيفها الهارب كأنها نسمة رقيقة مرت بجانبه.
إلا أنه فجأةً تصنم مكانة وكأن صاعقة ضربت كيانه وعاد لنفسه بقسوة..
هوى بيده على يده الاخري بعنف وكأنه يصفع قلبه الذي اهتز وهتف بفحيح غاضب وهو ينهر حاله:
بتضحك على إيه يا زبالة؟ إيه الجرف ده.. منك لله إنت نسيت نفسك واصل.
اشتعلت عيناه بشرارات الغل والكبرياء الزائف وتابع وهو يخطو خطوات مهتزة بعيداً عن المكان...
دول زبالة.. كسر ووجيع.. شوف كانت قاعدة مع التاني إزاي وبتتسهوك وتتمايع وإنت واجف تتمسخر وتضحك معاها زي العيل الصغير؟ لم نفسك يا ابن الراوي..
استدار غاضبا ينهش في كرامته التي يراها تتبعثر أمام رقة تلك القطة وهو يلعن اللحظة التي جعلت ضحكته تخرج بصدق من أجلها.
في هذه الأثناء كانت ملوك قد انتهت من حديثها مع مدير المستشفى الذي شرح لها خطورة حالة الجد سعفان مؤكدا أن قلبه لم يعد يحتمل أي انفعال. خرجت ملوك وهموم الدنيا فوق أكتافها فرغم كل شيء لم ترَ من هذا الجد إلا كل خير ومحبة.
اقترب عامر فجأه وجذبها بقوة من يدها ليدخل بها إلى غرفة خالية بالمستشفى صرخت فيه بذهول وهي تحاول التملص من قبضته..
فيه إيه يا جدع أنت.. بتشدني كدة ليه؟
توقف فجأة والتفت إليها وعيناه تشتعلان غضباً، هدر بصوت مكتوم..
بطلي كلمة جدع دي واصل هو إنتِ شيفاني من الشارع ليا اسم.. جولي يا عامر.
ردت ملوك بغضب مماثل ونبرة تقطر باستعلاء...
وأقولك ليه أكونش أعرفك عشان أناديك باسمك فيه حدود يا أستاذ.. لا مش أستاذ يا باشا.
نظر إليها بغيظ مكتوم ثم مد يده فجأة بحقيبة الطعام أمام وجهها وقال..
طب خدي ده.. أكل ومن غير كلام كتير..
نظرت إلى الطعام باستغراب ثم إليه وقالت ببرود وهي تحاول الالتفاف للخروج من الغرفة..
مش عايزة.. وسع من طريقي أحسن.
سد عامر الباب بجسده الضخم وقال بتحد..
مفيش خروج واصل.. إلا لما تاكلي.
هدرت بغضب وغيظ..
وسع من وشي أحسنلك
ابتسم عامر بسخرية ممتزجة بالوعيد
إيه هتضربيني برضك ماهي بقت سايبة يلا جربي حظك وإنتِ وبختك واللي هيطلع مني المرة. دي.
نظرت إليه بغيظ شديد ليتابع هو بإصرار...
هتاكلي يعني هتاكلي.. خلصينا.
بأمارة إيه بشتغل عندك مش عايزة منك طفح.
هنا هدأ صوته لدرجة مخيفة وأقسم بيقين..
طب يمين أتحاسب عليه.. مانتِ خارجة من هنا إلا لما تاكليه واللي يحصل يحصل.
صرخت ملوك وقد نفد صبرها..
ابعد عني هلم عليك الناس دلوقت.
لم يهتز بل اتسعت ابتسامته وقال ببرود استفزها..
يلا صوتي.. جولي ده بيتحرش بيا..
شهقت ملوك ونظرت إليه بذهول لم تصدق جرأته ليفاجئها بضحكة خافتة ساخرة..
إيه؟ مستغربة ليه صعبة أعملها ما أخوي الحزين عملها قبلي...
صرخت بذهول..
عيب كدة.. إيه ده؟
تنهد عامر محاولا تهدئة الأجواء قليلا..
-طب عموما أنا هطيب خاطر أختك.. عمار متهور.
ردت بحدة.... وسافل وقليل الأدب..
هز عامر رأسه ببرود..
-طب كلي وخلينا دلوقت نروح نشوف جدي..
نظرت إليه بحدة وشعرت أنها أمام سد من الجبروت لا يلين فقالت بشرط.
تمنه كام؟
رفع حاجبيه بدهشة وغضب
عايزة تدفعي تمن واكلك؟
لوت فمها ونظرت اليه بسخريه أثارت غضبه...
أصلكم ناس بتخافوا عالقرش لحسن تيجي بعد شوية تمنّ عليّ وتقولي أكلتك..
هنا انفجر صراخه ليزلزل جدران الغرفة...
إيه الخرف ده بطلي كلامك المسموم ده.. أنا عمري ما بصيت لفلوس واصل افهمي بقة.
تابعت ملوك كلامها بغضب يقطر سخرية..
أمال القصة دي كلها ليه والتمثيلية دي عشان إيه مش عشان الفلوس والهيلمان؟
زلزل صراخ عامر المكان وهو يرد عليها بعنف..
عشان عيلة الراوي وبس عامر الراوي معروف عنه مابيبصش إلا لعائلته واسمها.. إنما فلوس أنا مش بتاع فلوس اسألي عني وهتعرفي أنا مين..
ردت ببرود لا مبالِ وهي تشيح بوجهها
لا معلش.. مابسالش أنا ولا يهمني أعرف...
استشاط غيظا من برودها وصاح بها..
طب ما تسألي.. اسألي على الأقل عشان تعرفي إني إيه وقيمتي إيه.
ضحكت بسخرية واستهزاء أحرقت أعصابه..
وأعرف ليه؟.. هعوز منك إيه أصلا عشان أسأل وأعرف إنت ولا حاجة بالنسبة لي.
هجم عليها يصرخ بوجع مكتوم من قوتها..
إنتِ ليه كل شوية بتقللي مني..
ثبتت نظراتها في عينيه وقالت بقوة..
عشان إنت قللت مني. ومافيش حد في الدنيا أعلى مني.. أنا ملكة في نفسي واللي يقلل مني يبقى شايف نفسه أقل مني بكتير.
انفعل عامر وفقد سيطرته، فجذبها إليه بغضب عارم حتى التصقت بصدره لكنها لم ترمش بل نظرت إليه بقرف واستفزاز قاتل وقالت..
إيه؟ عايز تبوسني زي أخوك..
تسمر عامر في مكانه وكأن صاعقة ضربته جفلت ملامحه وسكت قليلا وسهم لوهله يتخيل نفسه معها.. إلا أنه انتفض وابتعد عنها فورا وهو يتنفس بصعوبة وقال بصوت مخنوق من شدة الإهانة..
أنا مابعملش العيبة يا بنت الناس.. كُلي وخلصي وكلك بلا وجع دماغ..
كان يغلي من الداخل فكرة أنها تضعه في خانة واحدة مع تصرف أخيه المتهور جرحت رجولته بعمق.
هجم عليها عامر بصوت مخنوق وعيناه تبحثان في برودها عن أي ثغرة لينفذ منها لقلبها..
إنتِ شايفاني عفريت واجف قدامك أنا مش زي ما إنتِ شايفة .. أنا عامر اللي الكل بيعمله حساب إشمعنى إنتِ؟
هزت كتفيها بلا مبالاة مستفزة وكأنها تقرأ تعبه وتدوس عليه فاندفع عامر يكمل بذهول وحيرة
إنتِ إزاي إكدة استحالة تكوني مرت أخوي عمر الله يرحمه كان حنين جوي ومرته لازمن تكون حنينة .. إيه الجسوة دي؟
تنهدت ببرود يجمد الدماء في العروق وقالت بنبرة قاطعة..
هنعييد تاني ما قلتلك اللي كانت حنينة ماتت مع عمر.. اللي قدامك دي واحدة تانية خالص.
فصرخ فيها عامر بوجع زلزل الغرفة وقد نفد صبره من جفاها..
هتكملي ميته جلبك إيه ده حجر ماحدش بيعيش إكدة يا بت الناس.. ليني شوية ليني للناس عشان تعرفي تعيشي.
ثبتت نظراتها في عينيه بقوة وقالت بسخرية لا ترحم..
ألين للناس.. وليه.. هو إنت لين للناس يا سيادة المستشار.. عموما. اللين ده سيبته للي بيعرفوا يقدروه إنما هنا..
استدارت ملوك ببرود وبدأت تأكل تحت مراقبته الصامتة. وما إن انتهت حتى قامت ومسحت يدها وأخرجت من حقيبتها خمسميت جنيها ووضعتها أمامه على الطاولة باستفزاز رغم أن ثمن الطعام كان أقل من ذلك بكثير.
نظر عامر إلى المال باستغراب وذهول لتقول هي باستهزاء لا يرحم..
أصل الأكل جالي دليفري لحد عندي..
ثم رفعت يدها وهتفت وهي تخرج من الغرفة دون أن تنظر خلفها.. ..
تشكر يا اللي جبت الأكل لملك الهاشمي.
تركته واقفا في مكانه يشعر بإهانة لا مثيل لها وبداخله رغبة عارمة في تحطيم كل ما حوله أو ربما تحطيم ذلك الكبرياء الذي يرفض الانحناء أمام جبروته. وخرج خلفها وبداخله غليان السنين.
كانت هيا تسير فشق هدوء الممر صوت طبيب يهتف بلهفة واستغرب... ملوك إيه اللي جابك هنا؟
تسمرت ملوك في مكانها برعب و......
... 😳😳😳😳😳😳
انشراااح.. إيه ده.. يا نصيبتنا ودا مين راخر.. ياختااااي هيا ناقصه سواد..
الواد كان بيأكلها باينه هطفحها اللقمة انت مين يا عم انا خوفت...
عموما ما علينا... اهو كلو حزن في حزن.. روايه قبضه الحزن المغلي والعيال المتحرشه..كل إما تتزنق احضن وبوس. 💋💋😁😁
سماح... بس شوفتو المستشار وهو بيفكر الواد عايز يبوس 😂😂😂 اشمعني أخوه... هتتباس يعني هتتباس..
انشراااح.. والنبى يا اختي ده لو كان حبسني أنا كنت أكلت الكيس بالشنطة بالدليفري باللي جابه.. ده ملوك دي جبارة!
سمااح... جبارة بس؟ دي البت حطتله 500 جنيه وقالتله خلي الباقي عشانك يا دليفري يا شماتة أبلة ظاظا في سيادة المستشار اللي كان فاكر إنه هيسيطر.. طلع طيار دلفري حزين
والا التاني اللي البت بصتله ساح وناح يا عيله واقعه 😂😂😂قوليلي يا عمار.. قوليلو يا محاميحو 😂😂😂😂
