رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الرابع عشر 14 بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الرابع عشر 

ما إن سمعت ملوك اسمها حتي ارتعبت استدارت برهبه  لتجد أمامها الدكتور ماجد أحد زملائها السابقين. شعرت بالرعب يسري في أوصالها حين رأت عامر يتجه نحوهما بعيون صقرية تراقب كل حركة. 

همست لماجد بسرعة وتوسل.. أبوس إيدك أنا مش اسمي ملوك هنا.. اسمي ملك ومش دكتورة أوعى تقول إنني دكتورة بالله عليك داري عليا.. 

وصل عامر إليهما  وكان ماجد ينظر إليها بذهول وعدم استيعاب بينما ملوك تبتلع ريقها بصعوبة بالغة. 

هتف عامر بتسأل.... ِماجد  إنت اهنه فيه إيه.. انتو تعرفوا بعض ؟

ساد صمت ثقيل ونظر ماجد  لملوك التي بادرت بالكلام بارتباك واضح... آه.. يعرفني كنت.. كنت اشتغلت في المحاسبة عنده لما كان في المستشفى في القاهرة.. مش كدة يا دكتور؟

تلعثم أمجد ونظر إلى عامر ثم إليها... هاه آه.. آه صح اشتغلتي محاسبة فعلا. 

قطب عامر جبينه وشعر بنار الغضب والشك تشتعل في صدره فنبرة صوتهما والارتباك الظاهر يؤكدان أن هناك سرا كبيرا يخفى عنه. حاول عامر تمالك أعصابه وسأل... طيب يا ماجد حالة جدي إيه؟ طمنا يا ولد عمي الدكاترة جوه مش مريحين جلبي.

هتفت ملوك لا إراديا وباحترافية الطبيبة التي سكنت روحها.. هو حالته مش مستقرة ولازم راحة تامة ومحتاج أدوية معينة لازم تتجاب حالا لأن حالة القلب دي مش سهلة ومحتاجة مراقبة للـ...

قاطعها ماجد بسرعة قبل أن تفضح نفسها باسترسالها العلمي... أيوه.. زي ما هي جالتلك فعلا إنتِ ما شاء الله ذاكرتك جوية وحافظة الأدوية. 

ارتبكت ملوك وتراجعت للخلف وهي تلوذ بالصمت. نظر إليها ماجد بجدية ثم قال لها.. ممكن دقيقة... 

ابتعد ماجد  قليلا عن مسامع عامر وهتف بخوف... فيه إيه يا ملوك؟ إنتِ مش ملوك اللي أعرفها خايفة من إيه ومين عمل فيكي كدة وإيه علاقتك بولاد الراوي تعرفيهم منين؟

هتفت بنبرة مرتعشة.. إنت تعرفهم يا ماجد كويس. 

رد أمجد بخوف حقيقي... مانا جولتلك جبل سابق أعرفهم دول من بلدنا.. عالم جادرة وجوية  مالهوش آخر لو حد وجف جصادهم. جوليلي يا ملوك إيه اللي رماكي في وسط الغيلان دول؟

هتفت ملوك بصوت خفيض يرتجف بتوسل وعينها تلمع بدموع محبوسة... معلش يا ماجد.. عندي مصايب فوق راسي وهبقى أحكيلك كل حاجة بعدين.. معلش سامحني بس أرجوك ماتقولش أي حاجة.. أنا اسمي هنا ملك ماشي؟

تنهد أمجد بحيرة وهز رأسه وهو لا يستوعب نظرة الرعب في عينيها وهتف.. طب أنا غيرت نمرتي خدي رني عليا عشان أسيف رقمك.

بيد مرتجفة أخرجت ملوك هاتفها وسجلت رقمه ليتابع أمجد بحسن نية..... طب الحج هيخرج بكرة تحبي أروحك في أي حتة أو أساعدك في أي حاجة؟

في هذه اللحظة كان عامر قد وصل لنقطة الغليان رؤيتها وهي تعطيه هاتفها وحديثهما الهامس وعرضه لتوصيلها أشعل نيرانا في جوفه لا تنطفئ. اندفع نحوهما كالإعصار ووقف بجانب ملوك بوضعية توحي بالامتلاك وهتف بصوت  يقطر تحديا.. 
متشكرين يا دكتور.. مرت أخوي  إني اللي هوصلها. 

قطب ماجد جبينه بذهول ونظر لعامر ثم لملوك بصدمة.. مرت أخوك.. هي مين دي اللي مرت أخوك؟

ارتبكت ملوك وشعرت أن أنفاسها تضيق فابتسم عامر بسخرية لاذعة ونظر إليها بحدة.. إيه يا ست الناس مابتجوليش للبيه إنك متجوزة ليه خير يا رب.. ده إنتِ حتى عندك عيل لساته واصل للدنيا مكملش شهرين  أهه.. 

وقع الكلمة كان كالصاعقة على ماجد الذي كان يعلم يقينا أنها لم تكن حاملا منذ أشهر قليلة فهتف بذهول.. إيه عيل.. مين.. جاب عيل. 

نظر أمجد لملوك التي كانت تنظر للأرض بغلب وقهر. كأنها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. نظرت ملوك إلى ماجد  بنظرة رجاء صامتة. كانت عيونها تتوسل إليه أن يصمت. 

لكن الصدمة كانت أقوى من استيعاب ماجد  الذي كان يراها منذ وقت ليس ببعيد لم تمسسها يد فكيف أصبحت الآن زوجة ولديها طفل. 

هتف أمجد بذهول لم يستطع كتمانه عيل؟ عيل إزاي ومنين  إنتِ اتجوزتي إمتى أصلا؟

تكهرب الجو تماما وعامر عينه كانت بتتنقل بين ذهول ماجد  وبين رعب ملوك. 

هنا تدخل عامر وكان صوته كفحيح الأفعى ونظراته تنهش في ملوك وماجد معا اقترب منهما أكثر ووضع يده على كتف ملوك بامتلاك مستفز وهتف...
إيه يا دكتور مالك اتجلب حالك كدة.. الجواز قسمة ونصيب ومرت أخوي كانت في عصمة عمر الراوي الله يرحمه والواد ده وريث عيلة الراوي.. إيه.. المحاسبة اللي كانت شغالة عندك ماجلتلكش عن بختها ؟

ارتبكت ملوك وشعرت بالأرض تهتز تحت قدميها فنظرت لماجد وقالت بصوت مختنق... أيوه يا ماجد .. حصل.. نصيب.. معلش يا دكتور انا لازم امشي الوقت أشوف أختي اتأخرنا. 

لم يقتنع ماجد كان ينظر إليها وكأنه يرى شبحا فهمس بذهول.. بس  إنتِ من كام شهر بس كنتِ...

قاطعه عامر بحدة وجذب ملوك من ذراعها بقوة ليلصقها بجمبه وهتف وهو يجز على أسنانة..
جولنا معلش يا دكتور البنت تعبانة من وجفة المستشفى وطالما اتطمنت على جدي يبجى كتر خيرك.. يلا يا مرت أخوي.

سحبها عامر بعنف فشدت يدها وقالت... عن اذنك هشوف أختي... ورحلت 
بينما ظل أمجد واقفا في مكانه كالمصعوق يضرب أخماسا في أسداس فهو يعلم يقينا أن ملوك لم تكن حاملا ولا متزوجة فمن أين أتى هذا الطفل؟ ومن هو عمر الراوي الذي يدعي هذا الجبل الواقف أمامه أنها كانت زوجته

اشتعل الموقف تماما وعامر أحس إن فيه لُغز كبير ورا ذهول ماجد  جعله يخرج عن شعوره أكتر.

قطب عامر جبينه وهتف بلهجة حادة وهو بيراقب رد فعل ماجد... مالك مذهول كده عادي واحدة حبت واحد واتجوزت.. غريبة دي  ولا خابر عنها حاجة تانية؟

نظر إليه ماجد بمحاولة فاشلة لمداراة صدمته... لا غريبة في إيه.. أنا بس ماكنتش متوقع إنها تتجوز صعيدي. 

هتف عامر بكبرياء جريح.. وماله بقه الصعيدي.. مانت صعيدي.. ننعاب في إيه يا دكتور؟

رد ماجد وهو بيحاول ينهي الحوار قبل ما يغلط.. لا مفيش.. طيب ملو... أقصد ملك عموما هشوفها وأعرف كل حاجة.

هنا عامر غلى دمه وهتف بغضب.. وأظن ماينفعش تجابل حُرمة لوحدها ولا ده اللي اتعلمته في بلاد بره؟

هتف ماجد بتحد وهو بيفكر عامر بمكانه... أظن دي حاجة ترجع ليها هي يا عامر باشا.. انا أعرفها جبل منك يا ولد عمي ماتطلعش زرابينك أكده اهدي عن نفسك... 
واستدار وتركه يغلي مكانه.

استدار عامر كالإعصار وعاد لملوك وبمجرد ما وصل مسك إيدها واعتصرها بقوة وهو بيهتف بفحيح مرعب.. إيه.. مفكراها سايبة إياك.. 

بهتت ملوك من هجومه المفاجئ وشَدت إيدها بعنف وهي بتصرخ فيه... إيدك دي لو اتمدت عليا تاني هقطعهالك.. إنت حر. 

هتف ببرود مستفز وغضب مكتوم.. لاه.. داني همد يدي  ويدي وإن كان عاجبك. والا الأسرار ليها ناسها وكلامهم بيعجب. 

نظرت إليه ملوك بتحد رغم ارتجافها من نظراته الجنونية  وقالت بصوت حاولت جعله ثابتا... مفيش أسرار يا باشا.. إنت اللي مريض بالشك الراجل كان زميل عمل. 
واستغرب إني اختفيت فجأة وظهرت في الصعيد وبإيدي طفل.. ده رد فعل طبيعي لأي حد عنده دم .. 

ضغط عامر على ذراعها أكثر وهتف بوعيد... الدم اللي بتجولي عليه ده لو طلع فيه إنّ.. يمين الله يا ملك لأكون شارب منه... و ملمحه  جدام عيني ولحد ما نرجع الدار.. حسابك معايا هيبجى عسير. 

اشتعل الموقف تماما 
صرخت ملوك... حسابك  يمشئ علي نفسك يابن الروايه أنا ماحدش ليه حساب عليا.ودار إيه إللي هرجعها. 

نظرت إليه ملوك باحتقار وهتفت... تصدق إنت حد مش طبيعي.. ربنا يشفيك.

واستدارت لتمشي لكنه جذبها مرة تانية وهتف.. إني اللي مش طبيعي ولا الهانم اللي عايزة تخرج وتتكلم في التليفونات وتتواعد وجوزها لسه يا دوب مكملش سنة ميت؟

دفعت إيده بقوة ونظرت له بنظرة خلت دمه يفور وهتفت بسخرية لاذعة.. 

يا سبحان الله دلوقتي بقيت مرات عمر مش كنت من شوية غشاشة ونصابة وخطافة رجالة خير يا رب.... 

هتف عامر وهو بيقرب منها لدرجة إن أنفاسه لفتحت وشها وصوته بيتحول لرعد... إنتِ يا بت بتكلميني أكده ليه؟ مفكرة حالك مين داني عامر الراوي.. اللي الشنبات بتجفله زنهار (بتنحني له) بمجرد ما يطل. 

ملوك في اللحظة دي كانت واقفة بصلابة وعينيها فيها تحدي غريب.. 
هتفت ملوك بسخرية لاذعة.... 
عشان شنبات هفأ وأكلمك على كيف كيفي.. إنت مش اللي تقولي أتكلم إزاي ولا أعمل إيه سامع؟

نظر إليها عامر وعيونه تخرج منها نيران الغضب وجز على أسنانه وهو يقترب منها بخطوات تهديدية.. يعني برضك مش راضية تلايميها لسانك ده عايز الجطع. 

هتفت ملوك بغلّ وقهر وهي تلوح بيديها في الهواء.. إنت عايز مني إيه ده إيه المصايب اللي حدفتني عليكم دي. طب يا سيدي أنا زفت وأنا وحشة سيب الزفت في حاله وخليك في حالك.. أكلم أقابل مالكش فىه. 

اندفع عامر نحوها ومسك ذراعها بعنف اعتصر عظامها وهتف بصوت كالرعد... ليه مالكيش راجل يجف ويجيب رجبتك لو غلطتي؟

هتفت بصرخة هزت الممر.. لأ ماليش راجل راجلي مات.. مات وماعنديش رجاله عدمتهم . 

هنا فقد عامر السيطرة على أعصابه تماما.. وصرخ في وجهها بكلمة خرجت من أعماق غيرته الدفينة... لاه فيه إني موجود. 

ساد صمت مفاجئ أحس عامر أنه اندفع في كلامه وأخرج ما في قلبه دون قصد فحاول تدارك الموقف بسرعة وهتف بصوت أجش... إني وعمار رجالتك دلوك.. إحنا اللي شايلين اسم أخونا وعرضك من عرضنا.. 

ربعت ملوك يدها أمام صدرها ونظرت إليه بنظرة ساخرة قتلت كبرياء، وهتفت... بأمارة إيه قول.. بأمارة إنك معترف بيا وبابني ولا بأمارة الإهانة اللي شوفتها منكم؟

أخذت نفسا عميقا وتابعت بلهجة حاسمة.. اسمع يا ابن الناس.. أنا جيت هنا عشان أقابل الراجل اللي راقد جوه ده  هو اللي يلزمني.. إنما إنتو.. إنتو بره الحسبة من أساسه لا معتبراكم حاجة ولا عايزة أشوفكم ولا أعرفكم. 

استدارت ملوك وتركته يقف مشتعلا يغلي من فرط الغيظ والذهول. فكلماتها كانت أقسى من أي ضربة وقد أعلنت بوضوح أن عامر الراوي بكل جبروته ليس سوى صفر على شمال حياتها.

مر الوقت بطيئا كأنه دهر وبدأ الجد سعفان في استعادة وعيه تدريجيا. دخلوا عليه الغرفة بخطوات حذرة وما إن رآهم حتى هتف بصوت واهن مجهد... تعالي يا نجوان.. وريني حفيدي وريني ريحة الغالي.

اقتربت نجوان بالصغير وظل الجد ينظر إليه والدموع تنهمر من عينيه كأنها تغسل أوجاعه.

همست ملوك بنبرة طبية حانية رغم كل شيء.. ممكن ماتزعلش الزعل وحش قوي على قلبك في الحالة دي.

هتف الجد وهو يمسح دموعه بيده المرتجفة.. لاه يا بنتي مازعلانش.. إني بس حاسس إني شايف الغالي الحنين.. جلبي والله شايف كأنه أبوه عاد نفس الملامح ونفس النظرة.

تنهدت ملوك وحاولت أن تطمئن.. طب إنت ارتاح دلوقتي وإن شاء الله كل خير.

رد الجد بلهفة.. الخير في جعدة حفيدي معايا وفي نن عيوني  اللي نورت الدار. 

تنهدت ملوك وأنزلت بصرها.. إن شاء الله يا حاج تفرح بيه.. أنا هروح دلوقتي وأبقى أجيب عمر وأجي أطمن عليك الصبح.

هتف الجد بفزع وكأنه يخشى هروبها
هتمشي يا بنتي لاه ماتمشيش واصل.. الدار مش هتنور إلا بيكي وبالغالي اللي في يدك.

أجابت بوقار وهدوء يحسدانها عليه... 
مش همشي يا حاج إلا لما تقوم بالسلامة. أنا بعرف في الأصول كويس وملك الهاشمي كلمتها عقد.

نظر إليها الجد بعيون دامعة وصوت فيه بحة الرجاء... 
يا بنتي لو خايفة حد يمسك. إني كفيل للكل.. كفيل للكبير جبل الصغير. إني صحيح تعبان وجعيد فراش. بس ساعة الجد سعفان الراوي غير.. ده ولدنا بحج ربنا ليه في الدار زي ما ليهم. وإنتِ مرت الغالي تجعدي هانم في دار جوزك.. وماتخافيش من حد واصل طول ما فيّ نَفَس.

ابتسمت ملوك وشعرت أن كلمات هذا العجوز تذيب الجليد الذي أحاط بقلبها فهتفت برقة... 
أنا مش خايفة يا حاج وإلا ما كنتش جيت من أساسه.. وكلامك ده لوحده كفاية عندي.

اقتربت منه بحنان فطري وأمسكت يد الجد المرتجفة ووضعتها فوق رأس الصغير عمر وهمست بصوت مخنوق... 

ابني محدش كبر في ودنه يا حاج.. مفيش حد من عيلته كبر له.. يا ريت تاخد البركة وتعملها إنت وتدعي له يبقى زي أبوه.. طيب ومحترم.. ابني ملوش حد في الدنيا دي غيرك يا حاج. 

في تلك اللحظة كان عامر يقف بعيدا قليلا يراقب المشهد بصمت مطبق. لكن قلبه كان يتشنج بعنف. شعر بـنغزة في صدره كأن خنجراً غُرس فيه.. كلمات ملوك (مالوش حد غيرك) آلمته بشدة فكيف تمحي وجوده وهو الذي يقف كالجبل خلفها؟ 

نظر عامر للطفل الصغير وشعر لأول مرة برابط غريب يشده إليه. رابط لم يكن مجرد اسم عيلة أو أمانة أخ بل شيء أعمق.. شيء جعله يجز على أسنانه وهو يحاول كتمان تأثره..

بينما كانت ملوك تضع مصير ابنها بين يدي الجد متجاهلةً وجود المستشار تماما.
مال الجد سعفان بجسده  ووضع شفتيه قرب أذن الصغير عمر وبصوت يرتجف بالهيبة والتقوى. بدأ يكبر في أذنه كلمات التوحيد وصوت الآذان يخرج منه بنغمة شجية جعلت ملوك تغمض عينيها حتي لا تبكي. 

ما إن انتهى الجد  حتى أخرج من تحت وسادته رزمة أموال فئة المائتي جنيه ووضعها في يد الصغير وقبض عليها برفق وهو يبتسم.. 
خد يا غالي.. دي نُجوطك من جدك عشان تتربى في عزنا يا ولد الغالي.

هبت ملوك لتعترض بوقار.. 
لا يا حاج.. كفاية بركتك ودعائك مش عايزين فلوس والله.

هتف الجد بلهجة حازمة لا تقبل الجدل.. 
لاه.. ده سِلو يا بتي وواجب ربنا ما يجطعلنا عادة واصل.. الرجالة عندنا بـ 'تنط الشبل الجديد بتبارك له بالمال عشان يطلع سخي كريم زيهم.. خدي من جدك وما تكسفيش يدي."

في تلك اللحظة كان عامر يشاهد مراسم الاعتراف بحفيده وشعر بـأن كرامته تحثه على المشاركة لكنه تردد.. هل يخرج ماله الآن هل ستقبل منه ملوك وهي التي أعطته الخمس مئة جنيه منذ قليل كإهانة؟

عامر حط إيده في جيبه يلمس المحفظة..

******

 يا واخد القرد على ماله.. يروح المال ويفضل القرد على حاله (بس المشكلة إن ملوك مخدتش القرد، دي سابت القرد ياكل حاله.. ياجبل ما يهزك ريح..بنتنا ركبت المستشار المراجيح .. طلع الجريشنات يا حزين عشان ليلتك هتبقي زي الطين. 

في الصف ياهبل يابن الاهبل مرت اخوك مين.. اشفي ياللي بتشفي. عامل لي فيها مستشار.. وإنت في الغيرة (عيل)  طيار

يا داخل بين البصلة وقشرتها.. ما ينوبك إلا ريحتها!"و ماجد واقف مبرق من ساعتها 
. نهون نهين 😂😂😂 

الحج بركه أخيرا لقي حاجه بعملها 😂😂😂

ياتري عمار زانق البت في انهي حته... دا دمايتسابش خطر الأمن القومي

وياتري المستشار هيطلع فلوس لابن اخوه وعترف خلاص بيه...

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

في تلك اللحظة كان عامر يشاهد مراسم الاعتراف بحفيده وشعر بـأن كرامته تحثه على المشاركة لكنه تردد.. هل يخرج ماله الآن هل ستقبل منه ملوك وهي التي أعطته الخمس مئة جنيه منذ قليل كإهانة؟

عامر حط إيده في جيبه يلمس المحفظة ويبص لملوك يلاقي عيونها ناشفة  فيسحب إيده بـهيبة مكسورة ويكتفي بنظرة طويلة للطفل فيها وعد إنه هيكون هو السند الفعلي بعيدا عن المظاهر.

استدارت وأخذت عمر من الجد  هنا  سالت دموع نجوان  متأثرة بالموقف وهمست بقلب صادق.....
طب اجعدوا شوية نروح تباتو معانا الليلة الدار واسعة وتشيلكم فوق الراس.

نظرت ملوك لعامر بطرف عيونها بنظرة باردة كالثلج وقالت... نبات لا معلش.. الفندق بنرتاح فيه أكتر. ربنا يتمم شفاه على خير.

وأخذت عمر ورحلت بخطوات واثقة تاركة خلفها دموع الجد التي نزلت بحرقة وعامر الذي يقف وقلبه يحترق بلا هدف يشعر لأول مرة أن سطوته انكسرت أمام كبرياء هذه المرأة.

خرجت ملوك من غرفة الجد سعفان وهي تشعر بـثقل الجبال فوق صدرها كانت تسير بخطوات ضعيفه وعيناها مثبتتان على الصغير عمر النائم بين يديها. عيونها دامعه تجاهد ان لا تنزل تريد أن تختلي بنفسها احست بضعف يجتاحها فهيا وحيده وسط تلك الغيلان. لم تلحظ ذلك الظل الذي يتبعها بهدوء حتى كادت أن تتعثر في طرف سجادة الممر.

في ثانية واحدة كان عامر قد استبق السقوط لم يمد يده ليمسك ذراعها فحسب بل حاوط خصرها بذراعه القوية ليدعم وقفتها ورفعها إليه  بينما يده الأخرى امتدت بسرعة البرق لتسند ظهر الصغير عمر وكأنه يحميه بكيانه.

تسمرت ملوك مكانها وأنفاسها تسارعت حين شعرت بحرارة كفه تخترق قماش ثيابها حاولت الابتعاد وهي تهمس بحدة مهتزة... 
أوعى.. سييب.

لكن عامر لم يتحرك إنشا واحدا بل مال برأسه نحوها لدرجة أن خصلات شعره لامست جبينها.. وهتف بنبرة منخفضة  خالية من أي جبروت لأول مرة.. 
واضح جوي إنك بتمشي لوحدك.. لدرجة إنك كنتِ هتاجعي إنتِ والواد على نفوخكم.

نظرت إليه ملوك بتحد فاصطدمت عيناها بنظرة في عينيه لم ترها من قبل. نظرة هادئة حزينة . وقبل أن تنطق وجدته يمد يده الأخرى بعفوية لمس دمعة كانت قد علقت بطرف جانبي برمشها دون أن تدري فاشاحت بوجهها بعيدا... 

وهتف بخشونة حانية.. 
جولتي للجد إنك عارفة في الأصول.. والراجل اللي بيعرف في الأصول مابيسيبش حريمه يمشوا في ضلمة الليل ودموعهم سابجاهم.. هاتي الواد ويلا جدامي على العربية ومن غير ولا كلمة يا ملك. 

نظرت إليه ملوك بهدوءٍ غريب هدوء ما قبل العاصفة.بنظرة كلها انكسار ممزوج بتحدي مرعب... 

إيه يا سيادة المستشار مصر توصلني لتكون خايف عليا.. خير يا رب .. لا بجد خايف عليا ولا خايف على شكلك؟الناس هتقول الباشا ساب لحمه في انصاص الليالي. 

ابتسمت بسخريه فجع.... بس قولي يا عامر بيه.. أنا لو مت دلوقت ابني ده مصيره إيه عندك.. هترميه في ملجأ. ولا هتسيبه يتلطم في الشوارع يشحت لقمته عشان ما يلوثش اسم عيلة الراوي بوجوده؟

عامر بصدمة لجمت لسانه ونظرة ذهول... إنتِ بتجولي إيه..   إيه الخرف ده؟

ملوك بنبرة حادة  تقطر وجع... 
مش خرف دي الحقيقة اللي إنت مداريها ورا  هيبتك.. أكيد هتقول بركة إنها غارت بمصيبتها. وسكة واتقفلت والهم انزاح. 

بس عارف أنا قبل ما أموت هكون محفظة ابني كلمة واحدة.. هقوله موت من الجوع يا عمر. نام على الرصيف.. كل طوب.. ولا ترجع تاخد منهم مليم واحد.. هقوله موت بكرامتك يا ابن ملك الهاشمي ولا تذل نفسك لناس معندهاش قلب ولا رحمة وشايفينك عيبة في حقهم.. 

عامر وعيناه تشتعلان بوجع ونغزة في صدره.. كفاية عاد.. كفاية كلام يسم البدن.. انت ايه مابتهمديش. حريجه واتحدفت علينا. 

تنهدت واستدارت...مابهمدش وحرقه ... لا ههمد اطمن أنا يوم آتنين وهمشي.. والطريقه هتنطفي ربك هيطفيها بمعرفته... سلام يا باشا. 

هنا التمعت عينا عامر بخوف مفاجئ خوف لم يعهده من قبل فكرة أنها قد تمشي الآن ولا تعود أبدا جعلت الدماء تجمد في عروقه فهتف بنبرة مهتزة من فرط قلقه... 
عايزة تمشي وتهربي صوح عايزة تخرجي من اهنه وماترجعيش واصل؟

رفعت ملوك رأسها بكبرياء وقالت بصدق جارح... 
أهرب؟ أنا مابعرفش اهرب ولا عمرى عملتها وأظن إني اديتك كلمة إني هفضل لحد ما جدك يقوم بالسلامة ونفذتها.. ملك الهاشمي كلمتها عقد.

ساد صمت مميت عامر كان يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويهبط من فرط الصدمة والغيرة والتملك الذي لا يفهمه. أرادت ملوك أن تنسحب وتنهي  إلا أن عامر لم يستسلم..  فاجأها بحركة لم تحسب لها حسابا.

حركة عفوية ومباغتة مد يده وقبض على كفها الصغير لم يكتف بلمسها بل سحب يدها وحواطها بين كفيه القويتين وكأنها عصفور يخشى فراره. وبيده الأخرى أخرج من جيب سترته قلمه الفخم. ذلك القلم الذي يشهد على أحكام القانون وهيبة المستشار ووضعه في كفها وأغلق عليه أصابعها برفق وهو يهمس.. 

ده قلمي اللي بمضي بيه الأحكام.. القلم ده مابيفارجش جيب صدري واصل. مختوم باسمي.. خليه معاكي.. أمانة.... عمر مالهوش ملجأ ولا شارع يلمه طول ما القلم ده في يدك.. القلم ده يعني إن عامر الراوي رهينة عندك ولما تعوزي ترجعيه السرايا مفتوحة لصاحبة الأمانة.. ومن غير ولا كلمة عاد.. ولما تعوزي ترجعيهولي عمار وعامر هيكونوا مستنيينك في السرايا.. القلم ده غالي عليا جوي يا ملك وعايزه يرجعلي.. ومعاه صاحبة الأمانة.

نظرت ملوك للقلم في يدها ثم لعينيه اللتين تشتعلان بنار غير مفهومة وشعرت بقلبها يدق بعنف لم تعهده وكأن هذا القلم لم يكن مجرد جماد بل كان قيدا سلبها القدرة على الهروب.. 

تسمرت ملوك في مكانها وشعرت بذهول شلّ أطرافها. نظرت إلى يدها المحبوسة بين كفه وإلى القلم  شعرت بقلبها يدق بعنف كطبول الحرب وكأن لمسة كفيه قد اخترقت كل حصونها المنيعة.

في الخارج كانت مليكه جالسة على أحد الكراسي البعيدة منكمشة على نفسها وعمار يقف بعيدا يراقبها بنظرات حادة كالأسد الذي يحاصر فريسته. 

بمجرد خروج ملوك اندفعت  نحوها وأمسكت يدها كطفلة صغيرة تحتمي بأمها.

همت ملوك أن تستدير وتخرج من المستشفى لكن عمار تحرك بسرعة البرق ووقف سدا منيعا أمام طريقهم. التصقت مليكه بظهر ملوك وهي ترتجف. 

فوقفت له ملوك بصلابة ورفعت رأسها بتحد قائلة... 
نعم خير يا رب.. في حاجة تانية نسيتوا تعملوها فينا؟

اندلع البركان في ممر المستشفى وعمار فقد كل ذرات صبره وهو شايف مليكه بتهرب من نظراته وبتتحامى في أختها كأنها شايفة ملك الموت.

هتف عمار بغضب وصوته بيرج المكان.. على وين أكده لحالكم في أنصاص الليالي؟

ردت ملوك ببرود وتحد.. وإنت مالك على فين دي ما تخصكش. 

اشتعلت عيونه وهجم خطوة لُقدام وهو بيجز على سنانه... اتلمي واتكلمي عدل بدل ما أعرفك إني مين واصل. 

التصقت مليكه بضهر ملوك وهي بتترعش برعب حقيقي المنظر ده جنن عمار ما بقاش مستوعب ليه البنت دي بتخاف منه كدة فصرخ بهياج.... 

إنتِ مكموشة ليه أكده.. إيه.. هاكلك ولا هعضك محسساني إن إني غول ولا وحش هاكلك. 

الممرضة وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بحرقة.. جرى إيه يا أستاذ إنت كل شوية زعق وزعيق.. مش كفاية فركشت جوازة البت الجمر دي وجهرت الدكتور أحمد اللي كان هيموت عليها؟

عمار عيونه طلعت نار وصوته بقى زي الرعد... نهار أبوكي إسود إنتِ عايزة تشجطي البت للزبالة اللي جوه؟

الممرضة صرخت فيه... أشجط إيه ياجدع  عايزة أسترها والدكتور أحمد لجطة طول بعرض وجمر بالله عليكي يا أبلة  توافجوا. ده واد مايتسابش. 

هنا عمار فقد النطق وبقى يلف حول نفسه زي الحلوف المذبوح وهتف بكلام ملوش علاقة بالمنطق من كتر الغيرة... 
تستري مين يا ولية يا خرفانة .. إنتِ جاية المستشفى تعالجي الناس ولا جاية تعملي خاطئه دا ايه النصايب دي. 

ملوك صرخت فيه.. إنت مالك يا مجنون إنت أختي توافق تتجوز تتهبب.. إنت بتدخل ليه؟

عمار حس بجلطة وبقى يهلوس بكلام جنوني.... لاه... ماليش كيف؟ إنتِ إيه؟ جاية ومعاكي أختك جاينلنا وإلا جاية تجوزيها ... إيه؟ هو إحنا تكملة عدد ؟ ماهتتجوزوش واصل..  على جثتي.. 

ملوك صرخت بذهول... إنت بتقول إيه يا متخلف إنت واعي لكلامك؟

عمار كمل بهياج وهو مش شايف قدامه... واعي ونص .. إنتوا جايين تاخدوا رجالتنا  جايين تتجوزوا وتتمرقعوا في الممرات؟ يمين الله لأكون كاتم نَفَس الدكتور أحمد بتاعك ده لو فكر يقرب منها. 

دموع مليكه نزلت بغزارة وقبضت على هدوم أختها وهي بتهمس بصوت مرعوب.. أنا خايفة..  مشيني من هنا.

اهتاج عمار أكتر والدم ضرب في نفوخه اندفع وشد مليكه من ورا ضهر ملوك بعنف وهو بيزعق.. من إيه عملتلك إيه بتخافي مني ليه انطجي. 

صرخت ملوك وهي بتحاول تخلص أختها من إيده.. إيدك يا حيوان.. إنت اتجننت؟ سيبها. 

صرخ عمار وهو لسه ماسك مليكه اللي كانت بتشهق من الخوف.. لاه.. هي محسساني إني هجتلها ليه إني مابتعاملش أكده مابحبش حد يبص لي النظرة دي. 

ملوك بدأت تضربه بإيدها عشان يسيب أختها ومليكه في حالة انهيار بتبكي وكل ما بتبكي عمار بيتهور أكتر ويمسكها أقوى وكأنه عايز يكسر خوفها ده بالقوة.

في اللحظة دي ظهر الدكتور ماجد من بعيد وشاف المنظر . عمار بجسمه الضخم بيمسك ملوك ومليكه بعنف. اندفع ماجد زي الطلقة وبكل قوته دفع عمار بعيد عنهم وهو بيصرخ فيه... 
إنت انجننت إزاي تمسكها كدة إنت فاكر نفسك فين.. فيه ايه يابن الراوي . 

وقف ماجد حيطة سد قدام ملوك ومليكه وعمار عينيه اتحولت لكتلة نار وهو باصص لماجد والجو بقى مشحون علي وشك اندلاع خناقه كبري. 

أعطت ملوك الصغير لأختها بحركة سريعة واندفعت نحو عمار كالإعصار صرخت بوجهه بصوت هز أرجاء المستشفى...

أنا هعرفك يا عرة الرجالة وقبل. 

أن تصل إليه اندفع ماجد من الخلف واحتضنها بقوة ليمنعها من ارتكاب كارثة فهو يعرفها  وهتف بذعر... اهدي يا  اهدي. إحنا في مستشفي. 

كانت ملوك تتخبط بين يديه وهي تصرخ بجنون بينما وقف عمار ينظر لماجد بغضب وهتف... أنت تعرفها دي جايبه واحدة مخبولة بتبص لي كأني عفريت.. إيه هبلة إياك؟

ثم التفت لمليكه التي كانت تبكي بقهر طفولي فصرخ فيها بهياج... بتعيطي على إيه أنتِ مخبولة. طالعه من السرايا برخصه.. معاقه إياك. مالي إني فيا إيه ماتبصيلي عملالك إيه أنا. 

كان يحترق لأنها تراه وحشا وكلما زاد خوفها زاد هو في قسوة صوته ليغطي على وجع كبريائه.

في هذه اللحظة خرج عامر من غرفة الجد ليتجمد مكانه والدم يغلي في عروقه رأى ملوك تحاول التملص من أحضان  ماجد الذي يمسكها بشدة ويحاوط جسدها تماماً ليمنعها.

اندفع عامر كالثور الهائج وصوته زلزل المكان...
بَعد يدك أنت اتخبلت بَعد يدك عنها. 

نظرت إليه ملوك وهي لا تزال في حالة هياج ولم تفهم سر غضبه فصرخت فيه.. 

إنت جاي تكمل علينا.. أوعى يا ماجد أنا هعرفه مقامه.. 

كلبش فيها ماجد  أكثر خوفا عليها لكن عامر لم يحتمل رؤية تلامس جسديهما فاندفع وشد ملوك من أحضان ماجد بعنف شديد وصاح فيه... أنت اتخبلت إزاي تمسكها أكده

حاوط عامر ملوك بيديه من حديد ضاما إياها لصدره ليمنع حركتها وهتف بغضب أعمى في أذنها... اهدي وتلمي طايحتك دي يمين الله أكون كاتم نَفَسِك.. أنتِ مفكرانا إيه؟

صرخت ملوك وهي تحاول دفعه بلا جدوي كان قةبضا عليها الحديد.....
أوعى يا حيوان ماسكني ليه كدة..

رد عليها عامر بفحيح غاضب...  ما كنتِ محضونة من شوية اشمعني أنا  إيه مابتحسيش؟

فجأة شق سكون الشجار صوتا مرعبا.. كانت مليكه قد وصلت لنقطة الانهيار شهقت شهقة طويلة وانقطع نَفَسها تماما وبدأت أطرافها تتشنج وهي تحاول التقاط الهواء دون جدوى. 

استدارت ملوك بذعر وصرخت...
.... مليكااااااه 
*********

تعليقات