رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع عشر
اتسعت عينا جواد بصدمة كبيرة، وشعر للحظة وكأن الكلمات التي نطق بها الضابط قد سقطت فوق رأسه فجأة دون أي مقدمات، كصاعقة مزقت سكون اللحظة وأربكت كل ما في داخله. لم يكن يتوقع هذا الاتهام، ولا حتى خطر بباله أن اسمه قد يذكر يومًا في جريمة كهذه. التفت بسرعة نحو والده، وعيناه تمتلئان بتوتر واضح، وكأنهما تبحثان في وجهه عن تفسير منطقي لما يحدث، أو عن أي إشارة تطمئنه أن ما يسمعه الآن ليس سوى سوء فهم عابر.
لكن الوقت لم يمهله ليلتقط أنفاسه أو يعيد ترتيب أفكاره.
ففي اللحظة التالية مباشرة، كان أحد رجال الشرطة قد أمسك بيده بالفعل، متقدمًا خطوة للأمام وهو يخرج الأصفاد الحديدية استعدادًا لوضعها في معصميه.
كانت الحركة سريعة وحاسمة، وكأنهم ينفذون إجراءً روتينيًا لا يحتمل النقاش. غير أن تلك اللحظة بالذات أشعلت في داخل غريب غضبًا عارمًا لم يستطع كبحه.
وقبل أن تكتمل حركة الشرطي، دوى صوت غريب في المكتب، حادًا غاضبًا يحمل في طياته هيبة رجل اعتاد أن تحسب له ألف حساب. قال بغضب:
"ابعدوا البتاع ده، مش ابن غريب ضرغام، اللي يتحط فى أيده الكلبشات دي، تقدروا ترحوا وانا هجيب ابني والمحامين وهجيبة."
ساد صمت ثقيل لثواني قليلة بعد كلماته، لكن الضابط لم يتراجع، بل ظل واقفًا بثبات واضح. كانت ملامحه رسمية صارمة، وكأنه اعتاد مواجهة مثل هذه المواقف. أجاب بنبرة لا تقبل المساومة:
"مش هينفع نمشي من هنا من غيره، بس هنخده كده من غير كلبشات."
كاد غريب أن يرد مرة أخرى، والغضب ما يزال يتقد في عينيه، لكن قبل أن يتكلم هذه المرة كان جواد هو من قطع اللحظة.
رفع رأسه قليلًا، وقد استعاد قدرًا من هدوئه رغم التوتر الذي يعتصر داخله، ثم تحدث بنبرة رجولية هادئة لكنها حازمة:
"اهدا يا بابا أنا هروح معاهم وانت هات المحامين وتعالى ورانا، متقلقش عليا."
كانت كلماته محاولة واضحة لاحتواء الموقف قبل أن يتفاقم أكثر. نظر إليه غريب لثواني، وكأن الصراع يدور داخله بين رغبته في منعهم من أخذ ابنه بأي شكل، وبين إدراكه أن التصعيد الآن قد يزيد الأمور سوءًا.
أما جواد، فقد تحرك بالفعل مع الضباط دون مقاومة، محافظًا على هدوئه الخارجي رغم الأسئلة الكثيرة التي كانت تعصف بعقله. خرج معهم من المكتب واتجه نحو المصعد، ثم هبط إلى الأسفل بخطوات ثابتة.
في الخارج، كان الهواء أكثر برودة، وكأن العالم في تلك اللحظة أصبح أكثر قسوة مما كان قبل دقائق فقط. فتح أحد الضباط باب السيارة، فصعد جواد إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة، ثم جلس في المقعد الخلفي بينما تحركت السيارة بعد لحظات متجهة نحو قسم الشرطة.
داخل السيارة، ظل صامتًا، وعيناه مثبتتان أمامه، بينما عقله يحاول استيعاب ما حدث.
اتهام بالقتل، قتل رقية الأباصيري.
كيف حدث ذلك؟ ومن الذي دفع باسمه إلى هذه الجريمة؟
كانت الأسئلة تتلاحق في ذهنه بلا إجابات.
أما في المكتب، فقد بقي غريب واقفًا للحظة بعد خروجهم، وكأن الغضب والصدمة قد تجمدا في جسده. ثم فجأة رفع قبضته وضرب بها سطح المكتب بقوة، فصدر صوت حاد ارتد في أرجاء الغرفة، معبرًا عن الغليان الذي يشتعل في صدره.
لم يضيع وقتًا بعد ذلك.
تحرك سريعًا خارج المكتب بخطوات متعجلة، وملامحه متجهمة بشدة. وأثناء سيره في الممر، أخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصالًا سريعًا بالمحامين الخاصين بهم، صوته كان مقتضبًا وحازمًا وهو يشرح لهم الوضع ويأمرهم بالتحرك فورًا.
لم تمضي دقائق حتى كان قد وصل إلى الأسفل. اتجه مباشرة نحو سيارته، فتح الباب وصعد إليها، ثم أدار المحرك بقوة.
وفي لحظات قليلة، انطلقت السيارة من مكانها بسرعة جنونية، تشق الطريق نحو قسم الشرطة، بينما كان عقل غريب يعمل بأقصى سرعة، مدركًا أن ما يحدث الآن ليس مجرد اتهام عابر، بل بداية معركة حقيقية لن تكون سهلة على الإطلاق.
****************************
أما عند رنيم، فكان المشهد هناك أشبه بعاصفة عاتية خرجت عن السيطرة، حتى بدا الوضع وكأنه يقترب من حافة كارثة حقيقية. فقد امتلأ المكان أمام باب مكتبها بعدد كبير من الأشخاص، جميعهم ممن كان لهم شرط جزائي في العقود المبرمة مع الشركة. وقفوا متجمعين في حالة من الغضب والتوتر، ترتفع أصواتهم بالمطالبة بحقوقهم، وتتشابك كلماتهم في فوضى خانقة تعكس حجم الاحتقان الذي وصلوا إليه.
كان كل واحد منهم يشعر أنه تعرض للظلم، وأن حقه سلب منه، لذلك لم يكن في وجوههم سوى الإصرار والحدة، داخل مكتبها، كانت رنيم تقف للحظات قبل أن تخرج إليهم. كانت تدرك جيدًا أن اللحظة التي ستواجههم فيها لن تكون سهلة، وأنها تقف الآن أمام اختبار قاسي قد يغير الكثير في حياتها. رغم ذلك، جمعت ما تبقى لديها من قوة، ثم خرجت أخيرًا من مكتبها.
وقفت أمامهم، تنظر إلى الوجوه الغاضبة المتراصة أمامها، بينما التوتر يتسلل إلى ملامحها رغم محاولتها السيطرة عليه. رفعت رأسها قليلًا، ثم تكلمت بصوت متماسك إلى حد ما، تحاول أن تظهر قدرًا من الثبات أمام ذلك الجمع الغاضب وقالت:
"أنا أهو يا جماعة مافيش داعي لتجمع ده ولا الخناق، أنا مستعدة لاي عقاب."
لم تمضي لحظة حتى رد أحد الموجودين عليها بحدة واضحة، وكأن كلماتها لم تهدئ شيئًا من غضبه:
"احنا عايزين حقنا، انتوا ملتزمتوش بالعقد اللي ما بينا، وكمان الشرط الجزائي حقنا مش راضين تدفعوا."
استمعت رنيم إليه دون أن تقاطعه، ثم أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تجمع كلماتها بعناية قبل أن تتحدث. كانت تعلم أن أي كلمة غير محسوبة قد تزيد الموقف اشتعالًا. قالت بتوضيح:
"يا جماعة والله غصب عننا، موت انكل حسام اثر جامد، وكمان أنا كنت مجهزة كل حاجة فى الشركة التانيه، بس فى اخر لحظة النار مسكت فيها وكله بقى رماد، بس انا مش ساكته وبحاول ارجع كل حاجه زي الاول، بس محتاجة شوية وقت مش اكتر."
لكن كلماتها لم تلقى التعاطف الذي كانت تأمله، إذ تكلم رجل آخر بغضب واضح:
"ده مش ذنبنا، احنا وثقنا فيكم وفى شركتكم وفى الاخر طلعتوا شوية فاشله."
عند تلك الكلمة، اشتعل الغضب في عينيها للحظة، وضغطت على أسنانها محاولة كبح انفعالها، ثم قالت بحدة مكبوتة:
"لو سمحت بلاش غلط، قلتلكم دي ظروف خارجه عن إرادتنا ووارد جدا لاي شركة يحصل ليها كدة وانا قصادكم اهو ومستعدة لأى إجراء قانوني."
لم تهدأ الأجواء رغم ذلك، بل نظر الرجل بغضب وقال بصرامة:
"محدش مننا هيتنازل على حقه، وحقنا هنخده بالقانون."
في تلك اللحظة، أغلقت رنيم عينيها لثواني قصيرة، وكأنها تحاول أن تستجمع ما تبقى لديها من صبر وقوة. ثم فتحت عينيها من جديد، وأومأت برأسها بالموافقة، وقد انعقد العزم داخلها، وقالت بثبات:
"وأنا مستعده."
تحرك الرجل نحوها بالفعل، محاولا الاعتداء عليها بالضرب، لكن قبل أن تصل يده إليها، دوى صوت غليظ قوي في المكان فجأة:
"أيدك تنزل أحسنلك."
التفت الجميع نحو مصدر الصوت، وعندما وقعت عين الرجل عليه، ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب واضحة وقال:
"شاهين باشا الرواي منور."
اقترب شاهين بخطوات هادئة وواثقة، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، وقال:
"ممكن تهدوا شوية لحد ما اتكلم مع الانسه رنيم الاول قبل أي حاجة؟"
أومأ برأسه موافقًا وقال:
"طبعا يا شاهين باشا، براحتك."
لكن رنيم لم يعجبها ذلك التدخل المفاجئ، فعقدت ذراعيها على صدرها بنفور واضح، وتكلمت بتحدي:
"وانا مش عايزة اتكلم مع حد"
لم يبدو على شاهين أنه تأثر برفضها، بل تحرك بخطوات ثابتة نحوها. أمسكها من ذراعها بقوة، وأرغمها على التحرك معه رغم مقاومتها، ثم دفعها إلى داخل مكتبها وأغلق الباب خلفهما بإحكام.
وقف داخل المكتب لثواني، واضعًا يديه داخل جيبي بنطاله، ونظر إليها بنظرة عميقة قبل أن يتكلم بنبرة رجولية هادئة لكنها تحمل قدرًا من السيطرة:
"أنا ممكن بكلمة واحده مني انهي المهزلة دي كلها، واساعدك كمان تحلي مشاكل الشركة دي، مقابل شرط واحد بس."
عقدت رنيم ذراعيها على صدرها بتحدي واضح، وحركت رأسها بالرفض قبل أن تقول بصرامة:
"وانا مش عايزة حاجة منك، ريح نفسك يا شاهين، علشان أنا عمري ما هتذلل ليك مهما حاولت."
اقترب منها شاهين ببطء، كأنه يختبر حدود صبرها، ثم قال بهدوء حذر:
"أنا كل ده بلعب معاكي على الهادي، مجربتيش الصعب لسه."
ابتسمت له ابتسامة ضيقة تحمل الكثير من الغضب، وقالت بنبرة محتقنة:
"لعب هادي؟ امم، وبالنسبه لحرق الشركة لعب هادي برضة؟ انا بكرهك يا شاهين، ولو انت اخر راجل عمري ما هحتاجلك ابدا."
نظر إليها طويلًا، وكأن شيئًا في كلماتها أصابه في موضع خفي، ثم قال بهدوء غامض:
"تعرفي أن انا اللي أمرت الرجالة اللي بره دي كلها يجيوا ليكي ويطلبوا حقهم، يعني بأشارة واحدة مني تترمي فى السجن وبكلمة واحدة مني احل مشاكلك كلها، والقرار فى ايدك."
لم تتراجع رنيم أمام تهديده، بل نظرت إليه بتحدي أكبر، ثم اقتربت منه هذه المرة بنفسها، ونظرت مباشرة داخل عينيه قبل أن تقول بقوة:
"أنا عندي السجن احسن مليون مرة، من أن احتاج لواحد زيك، وأعلى ما فى خيلك أركبه يا شاهين."
تاه شاهين في عينيها للحظة، وكأن تلك النظرة القوية اختطفته بعيدًا عن كل ما حوله. دون أن يشعر بنفسه، اقترب منها أكثر، ومد ذراعيه ليحيطها بهما بقوة، ثم قال بصوت هامس:
"أنا سجنك وسجانك يا رنيم، انتي اسيره ليا، زي ما أنا أسير لسحر عيونك."
أنهى كلماته وهو يقبل عينيها واحدة تلو الأخرى، وكأنهما سحر لم يستطع مقاومته. ثم انخفض ببطء نحو شفتيها، لكن قبل أن يلامسهما، دفعته رنيم بقوة من صدره، وأبعدته عنها بعنف وهي تقول بغضب مشتعل:
"ابعد عني يا حيوان يا قذر، وحسك عينك تقرب مني تاني."
أغلق شاهين عينيه للحظة، محاولًا تهدئة العاصفة التي انفجرت داخله بسبب تلك العيون التي لم يستطع السيطرة على تأثيرها عليه. ثم فتحهما من جديد، ونظر إليها بنظرة مشتعلة بالغضب وقال بتوعد:
"ماشي يا رنيم خلي عنادك ينفعك، بس كل ما هتتأخري على اللي انا عايزة كل ما كان عقابي اكبر."
أنهى كلماته وغادر المكان سريعًا دون أن يلتفت خلفه.
بقيت رنيم واقفة للحظات تنظر إلى أثره، وقد اختلطت داخلها مشاعر الغضب والألم والتحدي. ثم أطلقت تنهيدة حارة، وكأنها تحاول إخراج ما يثقل صدرها، كانت تعلم في أعماقها أن ما ينتظرها قد يكون بداية طريق قاسي، لكنها، رغم كل شيء، كانت مستعدة لمواجهة مصيرها المحتوم.
****************************
ما إن وصل الخبر إلى ترنيم بما حدث لابنها جواد، حتى شعرت وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميها فجأة. لم تستطع أن تستوعب الفكرة كاملة، ولم تمنح نفسها حتى لحظة للتفكير؛ فقد اندفعت من مكانها كأن قوة خفية تدفعها إلى الأمام، وقلبها يرتجف داخل صدرها بقلق يمزق روحها.
خرجت تركض مسرعة، والدموع تنساب على وجنتيها بلا توقف، تتسابق فوق وجهها كأنها تحاول أن تسبقها إلى ابنها. كان الخوف قد استبد بها إلى حد جعل أنفاسها متقطعة، وصوت قلبها يدوي في أذنيها مع كل خطوة تخطوها.
وصلت إلى سيارتها بسرعة، ففتحت الباب وصعدت إليها بارتباك واضح، وجلست خلف المقود بينما كانت أروى قد لحقت بها وجلسـت بجوارها في صمت ثقيل. لم يكن هناك مجال للكلمات في تلك اللحظة؛ فكل شيء كان واضحًا في عيونهم المليئة بالقلق.
أدارت ترنيم المحرك بيد مرتجفة، ثم انطلقت بالسيارة بسرعة جنونية، وكأنها تحاول اختصار الطريق والزمن معًا. كانت الشوارع تمر أمامها كطيف سريع، بينما عقلها لم يكن يرى شيئًا سوى صورة ابنها، جواد، الذي لا يمكن أن تتخيل للحظة أنه قد يتهم في جريمة كهذه.
وفي وقت قياسي وصلت السيارة أمام قسم الشرطة. توقفت فجأة، وقبل أن تهدأ أنفاسها حتى، فتحت الباب وترجلت بسرعة، ثم اندفعت تركض نحو الداخل بخطوات متعجلة، يكاد قلبها يسبقها إلى هناك.
وعندما وقعت عيناها على غريب، اتجهت نحوه فورًا، كأنها وجدت أخيرًا الشخص الذي قد يمنحها إجابة تطمئن قلبها. توقفت أمامه، وعيناها غارقتان في الدموع، ثم تكلمت بصوت مرتجف:
"ابني فين يا غريب؟ جواد مستحيل يأذي حد."
نظر إليها غريب للحظة، وقد أدرك تمامًا حجم الألم الذي يعتصر قلبها. مد يديه وضم وجهها بين كفيه بلطف، محاولًا أن يمنحها بعض الطمأنينة، ثم تكلم بنبرة هادئة رغم القلق الذي يخفيه داخله:
"اهدي يا ترنيم، جواد مش هيحصله حاجه، بكرة بالكتير هيكون فى حضنك."
لكن كلمات الطمأنة لم تستطع أن تخمد النار المشتعلة داخل قلب الأم. هزت رأسها بالرفض، والدموع ما تزال تنهمر من عينيها، ثم قالت بين شهقاتها المتقطعة:
"جواد يا غريب، ابوس ايدك اتصرف وخرجه من هنا، ابني مينفعش يقعد فى المكان ده."
لم يستطع غريب أن يتحمل رؤية انهيارها أكثر من ذلك. أومأ برأسه مؤكدًا كلامها، ثم جذبها إلى داخل أحضانه في محاولة لاحتوائها وتهدئة ذلك الخوف الذي يكاد يفتك بها، وقال بصوت يحمل وعدًا صادقًا:
"وحياتك عندي مش هسكت غير لما اخرجة من هنا."
ظلت ترنيم متشبثة به للحظات، وكأنها تحاول أن تتمسك بأي خيط أمل قد يعيد إليها ابنها سالمًا. أما غريب، فكان يقف ثابتًا رغم العاصفة التي تدور داخله هو الآخر.
وبالقرب منهما، كانت أروى تقف بصمت يملؤه القلق. اقترب منها غريب ومد ذراعه الآخر ليحتضنها، يضمها إلى جانبه كما لو كان يحاول أن يطمئنها بدوره.
وهكذا وقفوا جميعًا داخل ذلك المكان البارد، ينتظرون بقلوب مثقلة اللحظة التي ينتهي فيها التحقيق مع جواد،
لحظة قد تعيد بعض الطمأنينة إلى تلك القلوب التي أنهكها الخوف.
**************************
جلست مريم في مكانها بهدوء مريب، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الشر والرضا، كأنها تنظر إلى لوحة رسمتها بيديها وتستمتع بتأمل تفاصيلها. كانت عيناها تلمعان ببريق غامض، يدل على نشوة الانتصار التي بدأت تتسلل إلى داخلها مع أولى ثمار خطتها.
في داخلها شعور ثقيل بالرضا، فقد نجحت أولى خطوات اللعبة التي أعدتها بعناية طويلة. كانت تسترجع ما حدث قبل قليل في ذهنها، وكأنها تعيد مشاهدة مشهد انتصارها مرة أخرى. لقد سقط اثنان بالفعل في أول جولة، اثنان دفعة واحدة، ولم يكن الأمر مجرد سقوط عادي، بل كان سقوطًا يحمل في طياته ألمًا عميقًا سيضرب قلبين كانت تتمنى منذ سنوات أن تراهما يتوجعان.
لقد أصابت ضربتها هدفها بدقة.
ترنيم، وغريب.
تخيلت في ذهنها لحظة انهيار ترنيم، وصورتها وهي تبكي خوفًا على ابنها، وتذكرت أيضًا ملامح غريب وهو يقف عاجزًا أمام ما يحدث. عند تلك الفكرة تحديدًا، اتسعت ابتسامتها أكثر، وكأنها وجدت أخيرًا جزءًا من العدالة التي كانت تبحث عنها بطريقتها الخاصة.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى زين الجالس أمامها، ثم تكلمت بصوت يحمل قدرًا واضحًا من السعادة:
"البداية حلوة وعجبتني، بس نقول مجرد تسخين، لأن التقيل لسه مبتداش."
كان زين يجلس في المقعد المقابل لها بثقة واضحة، وقد وضع قدمًا فوق الأخرى في استرخاء يدل على أنه يشعر بالفخر بما حققاه معًا. بدا عليه الارتياح وهو يستمع إلى كلماتها، وكأنه ينتظر منها اعترافًا بنجاح خطتهما.
مال قليلًا إلى الخلف، ثم قال بثقة:
"ضربنا عصفورين بحجر واحد، خلصنا من الدليل اللي كان هيوصلهم ليكي، وفى نفس الوقت لبسنا ابن ترنيم وغريب التهمة، ده شغل فاخر من الاخر."
استمعت إليه مريم بعينين ضيقتين قليلًا، ثم رفعت يدها وحركت أصابعها أمامه بإشارة تحذيرية، وكأنها تريد أن تضع حدًا لحماسه قبل أن يتحول إلى تهور. قالت بلهجة حازمة:
"اوعى تقع بلسانك قصاد وحيد، احنا لسه محتاجين ليه، الولا هيكون مشغول عنها اليومين دول وده افضل وقت علشان يكون جنبها يواسيها."
أومأ زين برأسه سريعًا في إشارة تفهم، فقد كان يدرك جيدًا خطورة أن تنكشف الخيوط قبل أوانها. ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يرد بنبرة ساخرة:
"فاهم طبعا يا خالتي، يعني هروح أقوله أنا قتلت اختك!! ده كان دفني مكاني."
تنهدت مريم بارتياح واضح، وكأنها اطمأنت أخيرًا إلى أن الأمور تسير وفق ما خططت له تمامًا. ثم قالت بنبرة آمرة هادئة:
"روح لأختك خليك جنبها علشان متشكش فيك."
اعتدل زين في جلسته، ثم استقام بجسده واقفًا، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة تحمل قدرًا من التمثيل المتقن الذي اعتاد عليه. قال وهو يتجه نحو الباب:
"طبعا لازم اكون جنب اختي واسندها، ما أحنا ملناش غير بعض."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه مريم عندما سمعت كلماته، وكأنها ترى في تصرفاته انعكاسًا لشيء تعرفه جيدًا. نظرت إليه بنظرة متفحصة وقالت:
"عارف يا ولا، بحس انك شبهي اوي وانا صغيرة."
رفع زين حاجبيه إلى الأعلى بشيء من الاعتزاز، ثم قال بثقة لا تخلو من التحدي:
"لا حاسبي يا خالتي، أنا اه شبهك زمان بس على اقوى."
ثم تحرك نحو الباب بخطوات هادئة، وقبل أن يخرج التفت قليلًا وقال بنبرة عابرة:
"أنا رايح بس ياريت ملاقيش عم الحبيب هناك، عندها."
حركت مريم رأسها بهدوء، ثم قالت مطمئنة:
"لا متقلقش مش هيكون هناك، هو دلوقتي بيحاول يثبت لينا أن كلامنا كله غلط، ومافيش مشاعر فى قلبه ليها."
فتح زين الباب وخرج، ثم أغلقه خلفه بهدوء.
بقيت مريم وحدها في الغرفة بعد رحيله، تنظر إلى الباب الذي اختفى خلفه للحظات، بينما لا تزال ابتسامة الانتصار معلقة على شفتيها. كانت تشعر وكأن أول خيط من خيوط خطتها قد بدأ يحكم حول أعناقهم جميعًا.
حركت المقعد إلى الخلف، ثم اتجهت نحو غرفتها، وعيناها تحملان بريق فضول مشتعل، فهي لم تكن ترى ما يحدث مجرد بداية فحسب، بل كانت تنتظر بشغف شديد اللحظة التي تتابع فيها سقوط بقية القطع في لعبتها الكبيرة.
****************************
بعد أن انتهى التحقيق مع جواد، سمح لأفراد عائلته بالدخول إليه لبضع دقائق. كانت تلك اللحظات بالنسبة لهم أثقل من أن توصف، فكل خطوة نحو ذلك المكتب كانت تحمل في طياتها خوفًا مكتومًا وقلقًا يعتصر القلوب.
دخلت ترنيم يتبعها غريب وأروى، وقد بدت ملامحهم جميعًا متعبة من التوتر الذي عاشوه منذ وصولهم إلى القسم. كانت ترنيم هي الأكثر اضطرابًا بينهم، فوجهها شاحب، وعيناها حمراوتين من كثرة البكاء، وكأن قلب الأم بداخلها يرفض أن يصدق أن ابنها يقف الآن في مكان كهذا، وتحت اتهام بهذه القسوة.
ما إن وقعت عيناها على جواد حتى شعرت بأن ساقيها بالكاد تحملانها. تحركت نحوه بخطوات مرتعشة، وكل خطوة كانت كأنها عبور فوق جمر مشتعل. توقفت أمامه أخيرًا، ونظرت إلى وجهه طويلًا، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة دون أن تستطيع إيقافها.
لم يتحمل جواد رؤية تلك الدموع أكثر من ذلك. فتح ذراعيه على الفور واحتضنها بقوة، كأنه يحاول أن يمنحها بعض الأمان الذي افتقدته منذ سماع الخبر. ثم قبل رأسها بحنان، وقال بنبرة هادئة على عكس العاصفة التي تدور داخله:
"وغلاوتي عندك اهدي يا ماما، متقلقيش والله هما بس بيحققوا معايا علشان الصور والفيديوهات اللي كانوا على تليفونها واحنا مع بعض."
لكن كلمات الطمأنة لم تكن كافية لتهدئة قلبها. تمسكت به بقوة أكبر، كأنها تخشى أن ينتزع منها في أي لحظة، وقالت من بين شهقاتها:
"أنا مش هقدر استحمل اشوف الماضي بيتعاد تاني فيك يا جواد، انا حياتي كلها اتغيرت بسبب لحظة زي دي، ليه تقرب لواحدة تانيه اهو شوفت اخرتها بقيت فين."
عند تلك الكلمات، أغمض غريب عينيه بضيق واضح. كان يعلم جيدًا ما الذي تشير إليه ترنيم بكلامها، وكان يدرك أيضًا أن الماضي الذي تحاول نسيانه ما زال يطاردهم جميعًا.
اقترب منها قليلًا، ومد يده يتحسس ظهرها بحركة هادئة في محاولة لتهدئتها، ثم قال بصوت منخفض:
"مش وقته الكلام ده يا ترنيم، خلينا نشوف هنعمل ايه فى اللي جاي."
ابتعدت ترنيم قليلًا عن حضن جواد، وعندما التقت عيناها بعيني غريب أدركت فورًا أنها قد أفصحت عن شيء لم يكن يجب قوله في هذه اللحظة. خفضت رأسها قليلًا وقالت بأسف واضح:
"أنا اسفه يا غريب."
لكن غريب لم يزد الأمر تعليقًا، بل اكتفى بهزة خفيفة من رأسه وقال بضيق مكتوم:
"مش وقته يا ترنيم."
في تلك الأثناء، كان جواد ينظر إلى أروى التي وقفت قليلًا بعيدًا عنه. كانت عيناها تمتلئان بالدموع، لكنها تحاول التماسك قدر استطاعتها. ابتسم لها ابتسامة خفيفة رغم كل ما يعتصره من توتر، ثم قال متسائلًا:
"انتي خايفه مني يا أروى؟"
هزت رأسها بسرعة بالنفي، وقالت بصوت مختنق:
"لا طبعا يا جواد، بس مش قادرة اشوفك كده."
فتح ذراعيه لها بحنان وقال:
"تعالي."
لم تتردد لحظة واحدة. ركضت نحوه وارتمت بين ذراعيه، وكأنها وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي يمنحها الطمأنينة. انهمرت دموعها بغزارة وهي تقول بصوت متقطع:
"مكنتش اعرف اني بحبك اوي كده، مش قادرة اشوفك فى المكان ده يا جواد قلبي وجعني اوي."
انحنى قليلًا وقبل رأسها بحنو، ثم قال محاولًا إدخال بعض الخفة على الجو الثقيل:
"لا مش واخد عليكي وانتي كده، فين أروى المجنونة الطقه، دلوعة العيلة؟"
لكن أروى لم تستطع التوقف عن البكاء، بل تمسكت به أكثر وكأنها تحاول أن تخفيه عن العالم بين ذراعيها.
تنهد غريب بضيق واضح، فقد كان يدرك أن الوقت يمر وأن عليهم التفكير في الخطوة التالية بدل الاستسلام للحزن. قال بصوت مختنق:
"ممكن بقى نهدا خلينا نعرف نتكلم فى اللي جاي؟"
رفع جواد عينيه إليه، وما زال يحتضن أروى، ثم قال بهدوء:
"مش هينفع نتكلم دلوقتي، روح ماما وأروى وأبقى تعالى نتكلم مع المحامي."
فهم غريب ما يقصده فورًا. كانت هناك أمور لا ينبغي أن تقال أمام النساء، خصوصًا في هذا التوقيت. لذلك أومأ برأسه بالموافقة.
لكن جواد فجأة نظر حوله باستغراب وقال:
"محدش بلغ جواهر؟"
هزت ترنيم رأسها وهي تقول:
"ملحقتش اقولها، اول ما عرفت الخبر جيت على هنا على طول."
تنهد جواد بضيق واضح وقال:
"كنت محتاجها اوي دلوقتي."
سارعت أروى بالكلام قائلة:
"هطلع بره اتصل بيها، ابلغها، وأبلغ خالو تامر بالمرة."
ثم تحركت بالفعل نحو الباب، وخرجت من الغرفة وأغلقته خلفها بهدوء.
بعد خروجها، جلس جواد على الأريكة وأجلس ترنيم بجواره، ثم أمسك يدها بين يديه وقال بنبرة ترجي:
"ماما علشان خاطري بلاش دموعك دي، متقلقيش عليا والله، أنا كويس ومجرد ما يخلص التحقيق هخرج على طول."
أنهى كلامه وهو يمسح دموعها بيده بحنان، ثم احتضنها بقوة محاولًا تهدئتها.
تمسكت به أكثر وهي تقول من بين شهقاتها:
"مش قادرة اصدق نفسي، ابني فى مكان زي ده ومتهم بقضية قتل."
رد عليها بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا رغم كل ما يشعر به:
"مش مهم أنا دلوقتي المهم انكم تبقوا بخير، وهي فترة وهتعدي."
ثم رفع رأسه قليلًا ونظر إلى والده بنظرة ذات معنى، وكأن بينهما حديثًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.
فهم غريب ما أراد قوله فورًا، فاكتفى بهزة خفيفة من رأسه، مطمئنًا إياه أن الأمور لن تترك هكذا، وأنه لن يدخر جهدًا حتى يخرج ابنه من هذه المحنة.
***************************
عندما وصل الخبر إلى جواهر، خرجت من الشركة بخطوات هادئة على غير عادتها، كأن جسدها يتحرك وحده بينما روحها ما زالت عالقة في مكانها. لم تكن قادرة على تحديد ما الذي يجتاح صدرها في تلك اللحظة؛ أهو القلق عليه، أم الخوف مما قد يحدث له، أم ذلك الغضب العميق المختلط بوجع لا يحتمل؟ كانت مشاعرها متشابكة كخيوط معقدة يصعب فكها. صعدت إلى سيارتها بصمت، وأدارت المحرك، ثم انطلقت في طريقها نحو قسم الشرطة. وخلال الطريق، كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، لكن الدموع احتشدت فيهما كبحر متمرد يأبى الانسكاب، متحجرة في مقلتيها وكأنها ترفض أن تمنحها راحة البكاء.
عندما وصلت، أوقفت السيارة وترجلت منها ببطء، ثم اتجهت نحو الداخل بخطوات ثابتة تخفي تحتها عاصفة من المشاعر. وما إن وقعت عينا أروى عليها حتى ركضت نحوها مسرعة، ودموعها تسبق كلماتها، وقالت بصوت مرتجف:
"شوفتي اللي حصل لجواد يا جواهر؟"
أومأت جواهر برأسها بوجه عابس، ملامحه جامدة كأنها تحاول أن تحتمي خلف قناع من الصلابة، وقالت:
"ايوه، فيه حد عنده جوة؟"
أومأت أروى سريعًا وقالت:
"ايوه مامي وبابي جوه."
اتجهت جواهر نحو العسكري الواقف أمام الباب، وطلبت منه أن يسمح لها بالدخول لأنها زوجته. نظر إليها للحظة قبل أن يفتح الباب لها. وعندما دخلت إلى الداخل، كان جواد جالسًا هناك، وما إن وقعت عيناه عليها حتى نهض سريعًا وكأن الحياة عادت إلى جسده فجأة. اقترب منها بخطوات سريعة واحتضنها بقوة، وكأنه وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه وسط هذا الظلام.
لكنها، لم تبادله العناق.
ظلت يداها ساكنتين إلى جوار جسدها، كأنهما فقدتا القدرة على الحركة.
التقط غريب تلك اللحظة بصمت، وفهم ما فيها من توتر وألم، فنظر إلى ترنيم إشارة صامتة. وبالفعل، تحرك الاثنان بهدوء نحو الخارج، تاركين الباب يغلق خلفهما، حتى يبقى جواد وجواهر وحدهما داخل تلك الغرفة التي ضاقت فجأة بكل ما تحمله قلوبهما.
ابتعد جواد عنها قليلًا، ونظر إليها باستغراب واضح، وقال بتساؤل صادق: "جواهر، مالك؟ انتي مصدقة أني ممكن اعمل كده بجد؟"
تنهدت بوجع عميق، كأن هذا السؤال وحده مزق ما تبقى من صبرها، ثم حركت رأسها بالنفي وقالت:
"لا يا جواد مش مصدقة."
حرك كتفيه بعدم فهم، وقال بتساؤل:
"امال فيه ايه مالك؟ احنا مش كنا الصبح مع بعض وكنتي سامحتيني."
ابتعدت عنه خطوة، وكأن قربه منها يربكها أكثر مما يريحها، ثم تكلمت بصوت مختنق يتصارع فيه الغضب مع الحزن:
"أنا مقلتش أني سامحتك يا جواد، انا بس موجوعة منك اووي، يعني مش عارفه ازعل منك ولا ازعل عليك، يعني جوزي وحبيب عمري، متهم بقتل البنت اللي كان بيخوني معاها، انت متخيل كمية الوجع اللي جوايا دلوقتي بسببك؟ أنا دلوقتي واقفه بين نارين، احضنك واضمك فى حضني، ولا أمشي واسيبك تتحمل نتيجة غلطك، اعمل ايه دلوقتي يا جواد؟"
نظر إليها جواد طويلًا، وكانت عيناه تحملان ذلك الحب الصادق الذي لم تستطع كل هذه الفوضى أن تطفئه، ثم قال بنبرة عاشقة هادئة:
"اعملي اللي قلبك يقولك عليه يا جواهر."
ظلت تنظر إليه لحظات طويلة، وكأنها تبحث داخل عينيه عن إجابة لكل ما يؤلمها. ومع تلك النظرة، بدأت الدموع أخيرًا تنساب على وجهها، بعدما صمدت طويلًا. وفجأة اقتربت منه بسرعة، واحتضنته بقوة، كأنها تستسلم أخيرًا لذلك الصوت الذي كان يصرخ داخل قلبها منذ البداية.
تمسكت به وهي تضرب صدره بيديها بوجع وحزن، وكأنها تعاقبه وتتشبث به في الوقت نفسه، وقالت من بين شهقاتها:
"ليه دايما انت سبب دموعي يا جواد؟ ليه توجع قلبي بدل ما تكون انت الدوا ليه؟ ليه دايما انت سبب عذابي، لييييه؟"
أغلق جواد عينيه بحزن عميق، ثم قبل عنقها بحب، وقال بأسف صادق:
"أنا آسف يا قلب جواد من جوه، انتي اغلى حاجه عندي، ويشهد ربي أن مافيش غيرك اللي ساكن قلبي، ومافيش غيرك اللي ماليه عنيا، وبكره تفهمي الحقيقه كلها وسعتها بس هتعرفي انا بحبك قد ايه."
ابتعدت عنه قليلًا، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم قالت بصوت مختنق:
"ربنا يسهل، المهم دلوقتي عمو غريب جاب محامي ليك ولا لسه؟"
أومأ برأسه مؤكدًا وقال:
"جاب المحامين، بس لسه هيقروا المحضر وهيشوفوا هيعملوا ايه بعد كده."
ثم أمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه، وأجلسها على الأريكة، قبل أن يجلس إلى جانبها ويتكلم بنبرة حنونة جادة:
"اهم حاجه يا قلبي اسمعي الكلام اللي هقوله ليكي ده كويس اوي، هيكون فيه حراس معاكي منين ما تروحي لحد بس ما اخرج من هنا، ونفس الموضوع مع رنيم وأروى وماما وخالتوا سميه، إياكي تتحركي من غيرهم يا جواهر."
نظرت إليه باستغراب واضح وقالت بتساؤل:
"ليه؟ هو فيه حاجه حصلت أنا معرفهاش يا جواد؟"
زفر بضيق خفيف، وقال بنفاذ صبر:
"هو مينفعش تسمعي الكلام من غير اسأله يا جواهر؟ دي اجراءات امنيه منعرفش البنت دي ليها قرايب ولا لا؟ ممكن يأذوا حد فيكم بحجة أنهم بينتقموا مني، فهمتي كده؟"
أومأت برأسها بتفهم وقالت:
"ايوه فهمت، ويارب بس تتعظ وتعرف اخرت السكه الشمال دي ايه؟"
ابتسم جواد ابتسامة غلب على كلماتها، ثم قال بمزاح:
"ده على اساس انك كل يوم بتجبيني من شقه مشبوهه وفي أيدي الكاس؟ ربنا على المفتري، والظالم."
نظرت إلى الاتجاه الآخر وقالت بتهكم:
"لا بشوفك فى حضن واحده بس، واهي اتكلت على الله."
انفجر ضاحكًا على كلماتها رغم ثقل الموقف، ثم جذبها إليه وضمها داخل حضنه مرة أخرى، مقبلًا رأسها بأسف وعشق خالص، كأنه يحاول أن يعوضها بذلك العناق عن كل الألم الذي تسبب فيه لها.
***************************
جلس وحيد أمام مريم، وقد بدا وكأن الحزن قد سلب منه كل ما كان يملكه من تماسك. كان جسده منحنياً قليلاً إلى الأمام، ويداه متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصله، بينما تجمعت الدموع في عينيه ترفض السقوط، كأنها هي الأخرى تقاتل كي لا تنكسر. كان صدره يعلو ويهبط بنفس ثقيل، وكأن كل ما في داخله يغلي من شدة الألم والغضب معًا. رفع رأسه ببطء، وعيناه تلمعان بنار متقدة، ثم تكلم بصوت غاضب خرج مشحونًا بكل ما يعتصر قلبه:
"هقتله هشرب من دمه، هحرق قلبه على أعز ما ليه."
كانت كلماته تخرج كوعيد مظلم، يحمل في طياته ألم الأخ الذي فقد أخته، والغضب الذي يعمي البصيرة ويحول الحزن إلى رغبة عمياء في الانتقام. أما مريم، فكانت تجلس أمامه بهدوء ظاهري يخفي خلفه ما لا يمكن رؤيته بسهولة. انحنت قليلًا نحوه، وجعلت ملامحها ترتسم بحزن مصطنع، وكأن قلبها يتمزق لما حدث، ثم قالت بنبرة مكسوة بالأسى الزائف:
"متقلقش أنا معاك يا قلب خالتك، وحياة حرقت قلبنا على بنت اختي ما هسيبه ولا هو ولا ابوه، ركز انت مع مراته هي دي اللي هتحرق قلبه، وانا هنتقم من ابوه واحرق قلبه على بنته، ده حرمنا من دلوعة العيلة الغاليه على قلبي."
كانت كلماتها تسقط في أذن وحيد كوقود يسكب على نار الغضب المتأججة داخله. لم يكن في تلك اللحظة قادرًا على التفكير أو التمييز بين الحقيقة وما يزرع في رأسه من أفكار. كل ما كان يراه أمامه هو صورة أخته التي رحلت، وصوت داخلي يصرخ مطالبًا بالثأر.
ضغط على أسنانه بقوة حتى برزت عضلات فكه، ثم قال بغضب متفجر، وكأن كل حرف يخرج من بين أنيابه بصعوبة:
"وغلاوتك عندي هوريهم، دم اختي مش هيروح هدر وهدفعهم حق دمها واحد واحد."
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة شريرة على وجه مريم، ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتكشف عن النصر الذي شعرت به في أعماقها. لقد نجحت مرة أخرى في دفع قطعة جديدة على رقعة لعبتها المظلمة. غير أنها سرعان ما أخفت تلك الابتسامة، ومسحتها عن ملامحها بسرعة، لتعود وتغلف وجهها بقناع الحزن المصطنع.
مدت يدها وربتت على ساقه برفق، محاولة أن تبدو كأنها تشاركه الألم، وكأنها تلك الخالة الحنون التي تحترق قلبًا على فقدان ابنة أختها، بينما في داخلها كانت تراقب بعين باردة كيف يشتعل قلبه غضبًا، الغضب ذاته الذي كانت تحتاجه تمامًا لتنفيذ انتقامها.
*************************
جلست رنيم في غرفتها بعد أن وصلها خبر ما حدث مع جواد. كان المكان من حولها ساكنًا بشكل يثير الاختناق، لم تذهب إلى قسم الشرطة مثلما فعل الجميع، ولم تحاول حتى أن تتحرك من مكانها. في أعماقها كانت تدرك السبب، لكنها لم تكن تملك الشجاعة للاعتراف به لنفسها.
للحظة قصيرة، تسلل إلى قلبها شعور غريب، شعور كأنه ارتياح خفي لما حدث له، ارتياح سرعان ما أخافها من نفسها. كيف يمكن لقلبها أن يشعر بشيء كهذا؟ هل وصل بها الأمر إلى هذا الحد؟ هل تحولت بالفعل إلى إنسانة بلا قلب؟ ظلت تحدق أمامها طويلًا، وكأنها تحاكم نفسها بصمت، بينما عقلها يرفض الاعتراف بما يختبئ في أعماقها.
وفي تلك اللحظة، قطع صمت الغرفة صوت هاتفها معلنًا عن اتصال وارد. نظرت إلى الشاشة، لتجد اسم زين يضيء أمامها. شعرت بشيء من الارتباك، لكنها أجابت سريعًا، وما إن فتحت الخط حتى اندفعت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من السيطرة على نفسها، وقالت بصوت مختنق يمتزج فيه الغضب بالألم:
"انت ايه يا أخي كل مره تختفي وتسيبني فى قلب المصيبه لوحدي، وترجع تاني بأعذار ملهاش معنى، انا كنت محتاجك اوي النهاردة، كنت لوحدي، كله استغل أني مجرد واحده ملهاش ضهر، انا معرفش انت ليه بتعمل كده معايا؟"
على الطرف الآخر، أدرك زين أن غضبها هذه المرة حقيقي، فسارع بالكلام محاولًا تهدئتها والسيطرة على انفعالها، وقال بسرعة:
"غصب عني والله انتي عارفه، أنا بحبك قد ايه احنا ملناش غير بعض يا بت، أنا كنت بحاول اتواصل مع الناس اللي اخد رقمهم منك علشان احل مشكلة الشركة دي بس للاسف كلهم رفضوا المساعدة."
اتسعت عينا رنيم بصدمة حقيقية، وكأن الكلمات التي سمعتها لا يمكن أن تكون صحيحة، وقالت بعدم تصديق واضح:
"مستحيل، دول حبايب بابا من زمان وكانوا مستعدين يساعدوني فى أي وقت، ولما كلمتهم اخر مرة مكانش حد فيهم عنده مانع، ايه غير رأيهم؟ معقول يكون شاهين عرف يأثر عليهم ويخليهم هما كمان ضدي."
لم يضيع زين لحظة، بل تلقف الفكرة بسرعة وألقى بها في رأسها كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وقال مؤكداً:
"ايوه ايوه هو، مافيش غيره هو اللي عايز يوقع الشركه دي، ده فيه واحد منهم قالي، أن فيه حد مهم كلمه وطلب منه ميساعدكيش، اكيد يقصد شاهين."
تغيرت ملامح رنيم فورًا، وكأن الغضب وجد طريقه أخيرًا ليملأ الفراغ الذي تركه الحزن داخلها. ضغطت على أسنانها بقوة وقالت بصوت مختنق بالغضب:
"أنا بكرهه، بني آدم مستفز ومعندهوش دم."
ابتسم زين في الطرف الآخر ابتسامة خبيثة لم ترها، ثم قال بنبرة لئيمة تخفي خلفها نواياه:
"سيبي عليا شاهين وركزي انتي فى شغلك يا قلب اخوكي واياكي تشكي فى حبي ليكي مره تانيه، أنا مش ساكت، ومش هرتاح غير لما ارجعلك الشركه زي الاول واكتر."
هدأت نبرتها قليلًا عند سماع كلماته، وكأنها وجدت في حديثه سندًا تحتاج إليه، ثم قالت بحب خالص:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي وتفضل معايا وفى ضهري."
رد عليها بنبرة مليئة بانتصار خفي:
"ويخليكي ليا يا حبيبتي هقفل انا بقى يا حبيبتي، اه صح انا روحت ليكي الشركه لاقيتك روحتي قومت روحت أنا كمان."
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت ببساطة:
"ماشي يا حبيبي."
أغلقت الخط، وبقي الهاتف بين يديها لثواني، بينما عيناها معلقتان في الفراغ أمامها. ثم فجأة تغيرت ملامحها، واشتعل الغضب في عينيها من جديد. ضغطت على الهاتف بقوة بين أصابعها وقالت بصوت مليء بالتحدي:
"ماشي يا شاهين، أنا هوريك."
نهضت من على سريرها بخطوات حازمة، واتجهت نحو خزانة ملابسها. فتحتها ببطء، ووقفت لحظة تنظر إلى ما بداخلها، وكأنها تتخذ قرارًا لا رجعة فيه. ثم مدت يدها إلى الداخل، وأخرجت سلاحًا ناريًا كان زين قد أعطاه لها من قبل.
رفعته أمام عينيها، وظلت تحدق فيه للحظات طويلة. كان لمعان المعدن البارد ينعكس في عينيها، لكن ما كان يلمع داخل نظراتها لم يكن سوى الغضب، والتوعد.
وفي تلك اللحظة، بدت رنيم وكأنها لم تعد تلك الفتاة نفسها، بل امرأة تستعد لخوض حرب لم تعد تخشى عواقبها.
