رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الرابع عشر 14 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الرابع عشر 

 «لقاء ساحر»

من قال أن قانون الجاذبية بدأ بتفاحة بالتأكيد لم يرى عينيك، فبها عَلِقتُ وسقطت، وبها قُيد ما كان حُرًا، تبًا لقانون قال أن الكون متزنًا دون أن يدرك أن القلب للقلب يميل، فإن سُئِلت عن لقاء جمع بيننا فلا يمكنني قول إلا أنه لم يكن مجرد لقاء، لقد كان حياة.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
كل ما ستتلاقاه هو تعامل طبي بحت، ملاحظة عوارض طبية وإنتهى الأمر، من سيرافق ويربت، من سيغمرها بالحنان وهي بتلك الحالة، من سيأخذ بيدها لبر الأمان، وحيدة بركن مظلم، لا تدري عن نفسها شيئًا.

مجرد كلمات ليبدأ الطبيب فهم الوضع لحالة "فرح" الطارئة، إنها قد فقدت البصر، وأيضًا فقدت الذاكرة، حتى لو أشفق عليها فهو مجرد غريب، سينتهي تأثره بمجرد خروجه من الغرفة ليبدأ عمله مع حالات أخرى.

إمتعض وجه الطبيب حين سأل "فرح" إن كانت تتذكر إسمها أو أي معلومات عنها وأجابته بالنفي، حاول ألا يظهر عظم الموقف حتى لا يزيد تأثرها النفسي:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا عايزك متقلقيش، ده بنسبه كبيره اوي عارض مؤقت بسبب الحادثه، بتخف وتتلاشى مع الوقت.

سواء من صدمات رأسها المتكررة، أو تأثر نفسي نتيجة الحادث وفزعها على نفسها وأمها، إلا أن النتيجة واحدة، فاقدة للبصر والذاكرة، أمران كلاهما صعب تجاوزه، وتخطي تلك المرة يستدعي طبيب آخر وليس جراح مثله، لهذا كان يتوجب عليه أن يطمئنها قدر الإمكان دون تدخل بتخصص أطباء آخرين.

تقوست شفتي "فرح" بحزن عميق:
- بس أنا عميــــــــا، وكمان ولا فاكره أنا مين ولا جيت هنا ليه وإزاي، إزاي عاوزني مقلقش، طب إزاي، إزاي؟!!

حالة نفسية مهشمة يجب عليه التدخل بما يمكنه المساعدة، مجرد حقنة مهدئة لتنسل بهدوء لنوم مطلوب حتى تهدأ أحوالها ومعرفة كيفية التعامل معها على هذا الوضع الجديد.

أمر الطبيب الممرضة المصاحبة له بحقنها بحقنة مهدئة قبل أن يتركانها بظلامها وتيهتها حتى تهدأ وترتاح تمامًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

كيف يؤتمن شخص هُنت عليه، كيف تثق في من يتخذ الخيانة سبيلا، كيف تتبع الكاذب حين يوهمك بأنه على حق، فإن كان إحساسه مزيف وحديثه مزيف ورغم ذلك قَبِلت؟!

بيت نسرين الحناوي...
وإن أردت أمرًا فأقضيه بوضح النهار وإلا ستكون مخطئًا، فلا يتوارى سوى المذنبون.

مع حلول الصباح جلست "نسرين" تنتظر خروج والدتها للعمل بموعدها المعتاد، ومن بعدها تبعها خروج اخويها "نادر" و"ماهر" بذهابهم للمدرسة، لتبقى وحدها بالشقة.

أمر تنتظره كل يوم لتبدأ هي جولاتها المخفية خلف شاشة هذا الهاتف الذي لا تتركه من يدها.

بدأت محادثة جديدة حين أرسلت رسالة لـ"خالد" ظلت بعدها تنظر بتملل لشاشة الهاتف دون رد.

بين الدقيقة والأخرى تعود لتنظر إن كان قد رأى رسالتها أم لا، وحينما لا تجده تزداد حنقًا وغضبًا.

طال الوقت دون رد مما جعلها تشعر بالسخط لتمسك بهاتفها وتلقيه بعصبية فوق الأريكة ثم تلقي بجسدها من بعده تتمتم بخيبة أمل:
- اوووف بقى، هو "خالد" راح فين ومش بيرد عليا كده؟!!

لكن يبدو أن الحظ لم يحالفها وإضطرت في النهاية أن تعود لغرفتها لتنام بتملل حتى يحين موعد عودة الجميع فلا شئ آخر عليها القيام به.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عليك أن تخطو خطواتك كلاعب محترف لا كحكم، فاللاعب يسعى عن الهدف والحكم يبحث عن الخطأ، لا يجب أن تكرس جهدك في البحث عن أخطاء الآخرين والحكم عليهم، فأنت من إبناء آدم وكل إبن آدم خطاء.
رشا روميه 

نور بركات...
بذلك الصباح الذي إستعد به ليوم مختلف، ليس مجرد عمل ومرضى، بل هناك ما طرأ ليتحفز بفعله، حتى وإن لم يكن يرضى بذلك كل الرضا لكن على الأقل هو شئ مختلف عما يمر به من روتين يومي بحياته، ورغم تخوفه من هذا التغيير إلا أنه سيقوم بذلك.

وضع أوراقه بملف وقد تحفز لذهابه لمستشفى الهلال المركزي اليوم كما إتفق مع "سامح" بالأمس لبدء تنفيذ خطة "نسرين" لإسترجاع حقها.

إستقل السيارة متجهًا نحو المستشفى مباشرة، بضع دقائق أخرى قبل أن يصل للمستشفى ويصف سيارته أمامها، لكن قبل أن يترجل منها دق هاتفه برقم صديقه "كريم" بألمانيا.
بقلم رشا روميه 
إتسعت إبتسامته الجذابة وهو يجيبه بتلك الروح المرحة التي لا تظهر إلا بوجود أصدقائه فقط:
- "كيمووو"، أخبارك حبيبي، واحشني يا دكتور.

برسمية للغاية أجابه "كريم" كما لو أن هناك من يجاوره:
- إنت أكتر والله، أخبارك إيه؟ و"سامح" أخباره إيه؟

وجدها "نور" لحظة مميزة ليضغط بمزاحه عليه فهو لن يستطع الرد:
- حبيبي المزنوق، مالك يا جدع حد ماسك عليك زله ولا إيه؟!

ضحك "نور" بينما أكمل "كريم" بغيظ ممازح:
- اااه، تمام يا دكتور، قولي فكرت في كلامي ولا لسه، الوقت بيعدي؟

تنحنح "نور" بخفة قبل أن يجيبه بجدية:
- معاك يا "كريم"، خلص لي الورق، أنا محتاج أسافر جدًا.

- تمام، إعتبره حصل، حكلم مسؤول البعثات هنا وبإذن الله يكون كله تمام.

بإمتنان شديد لسعي "كريم" الجاد بمساعدة أصدقائه:
- شكرًا يا "كريم".

- ده كلام برضه، كام يوم كده وأتصل بيكم أقولكم عملت إيه، يلا سلام عشان أبدأ الشغل بقى.

أنهى "نور" مكالمته مع "كريم" ليترجل من السيارة متجهًا لمكتب "سامح" للمرور به أولًا.

❈-❈-❈ــ

مدينة زيورخ _ ألمانيا...
كيف يستقيم الظل والعود أعوج، لا تعتاد حياة الخراف تعيش وسط الكثير من النعاج، بل كن كالغراب وفيًا حتى الموت.

أنهى "كريم" إتصاله مع "نور" ليلتف نحو الممر الذي يواجه مكتب الإستقبال يعدل من معطفه الأبيض الأنيق وهو يسحب نفسًا قصيرًا قبل أن يتحرك بخطواته الخفيفة لتتضح ملامحه أكثر لشاب حيوي ذو وجه نحيف بشكل مثلث وعيون سوداء كخصلات شعره تمامًا، تلمس شاربه بسبابته تلك الحركة اللارادية حين تقع عينا الصياد على فريسة جديدة.

تقدم نحو شقراء تدور بعينيها بتشتت ليتقدم نحوها متظاهرًا بمساعدتها وهو يُحدثها بلكنته الألمانية المتخبطة:
- مرحبًا، هل أساعدك أيتها الجميلة؟

تفحصته الشقراء قليلًا قبل أن تجيبه بتساؤل:
- هل تعمل هنا؟

وضع كفيه بداخل جيبي المعطف بغرور وهو يتفاخر بكونه طبيبًا بالمستشفى:
- نعم عزيزتي، أنا الدكتور "كريم خطاب".

طريقته المتفاخرة بنفسه وهو يرفع حاجبه بتلك الطريقة الجذابة جعلتها تبتسم بتقبل لقُربه:
- طبيب!! جيد، مرحبا دكتور "كريم، أريد أن أذهب لقسم الأسنان من فضلك.

غمز لها "كريم" بلطف فيبدو أن يومه سيمتلئ اليوم بلقاء عاطفي مع جميلة ألمانية، فحياته المتخبطة بين هذه وتلك جعلته يتلاعب بالفتيات لتقضية وقته، فهو ليس من النوع الملتزم كـ"نور"، أو الخجول كـ"سامح"، نعم لا يفعل أي محرمات لكنه يحب أن يتسلى بقضاء وقته برفقة فتاة جميلة، وينتقل بين فتاة وأخرى كتبديل ملابسه.

همس لها بنبرته المتلاعبة التي تهواها الفتيات:
- وهل تحتاج تلك الألماسات لطبيب، إنهم يطلبون علبة من الأيس كريم اللذيذ برفقتي فقط.

ضحكت الفتاة ليعتبرها "كريم" إشارة على الموافقة ليشير إلى باب المستشفى وهو يتحرك برفقتها مستكملًا تغزله بها،لتبدأ قصة جديدة مع فتاة جميلة حتى يمل منها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي...
لقاء مرتقب كان ينتظره "سامح" منذ مجيئه للمستشفى، وجه مبتسم تقابل به هذا الخجول مع "نور" الذي دلف للتو في موعده تمامًا ليهتف به "سامح" مرحبًا:
- مواعيد إنجليزي بصحيح، نورت المستشفى يا "نور".

تقدم "نور" معقبًا بخيلاء:
- ما إنت عارفني، كله إلا المواعيد، مواعيدي مضبوطه بالساعه.

- أكيد طبعًا، ها، يلا بينا نروح لمدير المستشفى؟

بحركة رأسه بالإيجاب أشار "نور" نحو الباب:
- بعدك يا دكتور.

إتجها نحو مكتب مدير المستشفى لتقديم الملف الخاص بـ"نور" لمباشرة عمله على الفور فالمستشفى بحاجة لطبيب ماهر مثله ولا داعي للتأخر.

طال الإجتماع بمدير المستشفى لبعض الوقت لبحث ما سيُقدمه "نور" خلال الفترة المقبلة من إنتدابه بالمستشفى المركزي مع الإشارة لكل المتطلبات التي يحتاجها بالبحث الخاص به.
بقلم رشا روميه 

بعد إنتهاء هذا الإجتماع المطول، خرج "سامح" و"نور" من المكتب وقد ظهرت علامات الإمتعاض على وجه "نور" قبل أن يردف بضيق:
- يا ستار، المدير بتاعكم دة صعب أوي، كل التعقيدات دي وأنا جاي منتدب فتره بس لحد ما أخلص البحث، أمال لو كنت حتنقل على طول كان عمل إيه؟!!

ما يراه "نور" تذمتًا وغلظة رآها "سامح" قوة سيطرة لا أكثر، لم يشعر بأن مدير المستشفى مبالغًا بتوضيح القوانين، فمن يتبع الصواب لا يسمى متذمتًا:
- ما تبالغش يا أخي، هو بيتبع القانون بس مش أكتر، لولا كده كان زمان المستشفى سايبه من زمان، هنا أحسن إداره بجد.

وضع "نور" كفه فوق معدته الخاوية قائلًا بمزاح:
- وهو يعني القانون بتاعك ده حيخليك تنسى إني لسه مفطرتش لحد دلوقتِ!!!

كان قد وصلا لمكتب "سامح" الذي فتح بابه ليدلف منه كلاهما أثناء إجابته الضاحكة:
- لا يا سيدي مش ناسي، أنا أصلًا طلبت لنا أكل خفيف كده عشان نبدأ نتابع الحالات على طول.

جلس "نور" وهو يتسائل بعفوية دون تفكير:
- المناوبه إللي قبلنا قربت تخلص صح؟

تطلع "سامح" بساعته أولًا قبل أن يجيبه:
- أيوه خلاص، كلها نص ساعه بس.

ما بين نعمة ونقمة يقع النسيان، فللحظات ظن بها "نور" أنه قد أتى بالفعل للعمل هنا لإستكمال البحث الخاص بالدراسات العليا التي يحضر لها، لكنه إنتبه فجأة لما نسيه، كما لو أن هناك أمر ما جعله يستفيق من غفلته ويتذكر سبب مجيئه من الأساس، إستقام "نور" بحركة مباغتة ليقف ببعض الإضطراب:
- ااااا، أنا عاوز أمر على الحالات إللي إنت، قولت لي عليها.

تعجب "سامح" من تغير حال "نور" بهذه السرعة ليشير نحو الفراغ بإستغراب:
- طب والفطار؟!!

ليس كاذبًا ليجد مبرر بتلك السرعة، لكنه بالفعل يود الذهاب فلا داعي للتأخير، ليجيبه "نور" بغرابة:
- لا لا، ماليش نفس، يلا بينا.

حرك "سامح" رأسه بعدم فهم ليسخر من صديقه بمزاحه اللطيف:
- الله، ولما هو مالكش نفس، مصدعني ليه معاك من الصبح.

- عادي عادي، متحطش في دماغك.

قوس "سامح" شفتيه بخفة ليرافق "نور" بجولته التي يريد القيام بها كمساعدة منه، بينما كان "نور" يتلهف للقاء عم "نسرين" وإبنته، هؤلاء الطامعين بحق والدها كيف هي هيئتهم وأشكالهم.

وكيف سيكونان؟! ما هما إلا هيئة قاسية بغيضة، كريهة بالتأكيد، فمن أحبه الله جعل بوجهه نورًا وأسقط محبته بالقلوب، أما المذنبون فتظهر الغلظة والغضب بوجوهم، أمر بديهي لما يتوقع رؤيته بعد قليل.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي (غرفة التمريض)...
وصلت "ليلى" لغرفة التمريض أولًا لتضع حقيبتها بالخزانة وتبدل ملابسها بالزي الرسمي للمستشفى، أخذت تستعد بعجالة وهي تتمتم بضيق:
- أول مرة أتأخر كده، مش بحب الإستعجال أنا.

تقدمت "نهى" بقربها قائلة:
- مالك يا "ليلى"؟ مين زعلك على الصبح؟

- صحيت متأخر من النوم، يا دوب أغير هدومي وأشوف بابا بسرعة قبل المناوبه.

تذكرت "نهى" حين أتت "ليلى" على ذكر والدها:
- اه صحيح، ده عم "عزت" كان بيسأل عليكِ.

بإيمائة تفهم وتعجل بتحضير نفسها أجابت "ليلى":
- ما أنا حروح له على طول الأول، بس قولت أغير هدومي عشان أطلع على العياده على طول متأخرش.

- طيب يلا، أنا كمان حروح أكمل الفطار عشان أروح العياده أنا كمان.

❈-❈-❈ــ

كيف يمتلك الأخطبوط كل تلك الأذرع ويعجز عن الكتابة؟!!! أليس من المنطق أن يتحلى الظالم بالقسوة؟! فكيف لا نرى دليل على يقيننا، أم أنها مجرد ظنون!!!!!

وصل "نور" و"سامح" لقسم مرضى الكبد، هذا القسم الذي سيعمل به "نور" بداية من اليوم.

إلمام "سامح" بمعرفة هؤلاء المرضى كان من زيارته المتكررة لهم جميعًا، فهو سفير للمحبة واللطف، وقف "سامح" أمام إحدى الغرف قائلًا:
- ده بقى آخر مريض في القسم، عم "عزت".

رفع "نور" حاجبيه وأهدلهما بخفة:
- تمام.

دون الكثير من الإيضاح كان يدرك "نور" تمامًا أن هذا هو عم "نسرين" الذي أتى خصيصًا له، تحفزت نفسه بقوة للقاء هذا الظالم.

حكم مسبق ونفس منفعلة وإمتعاض حاول "نور" إخفائهم بداخل نفسه، فهو يدرك أن إنفعالاته تظهر بوضوح على ملامحه لا يستطيع إخفائها لهذا كان الأمر قاسيًا للغاية على نفسه.

تبع "سامح" الذي دلف للتو ليبحث بعينيه أولًا عن هذا الرجل، وقف ببداية الغرفة ينظر لهذا العم ناهب حقوق إبن أخيه بنظرة يملؤها الغضب ليحاول إمتصاص غضبه والتعامل بهدوء رغم ذلك.

يا لهذا الشبه الكبير بين هذا الرجل وبين والد "نسرين"، لكن "عزت" ممتلئ الجسد بشكل واضح، ظل "نور" يتطلع بتعمق من بعيد ما يفعله "سامح" الذي دنا من "عزت" يتجاوب معه بود شديد: 
- إزيك يا عم "عزت" النهارده؟!!

أجابه "عزت" بإعياء ونبرة ضعيفة:
- الحمد لله يا دكتور.

إلتف "سامح" وقد إتسعت بسمته البشوشة بوجهه المشرق المحبب للنفس وهو يقدم "نور" لـ"عزت" بتفاخر:
- ده بقى يا سيدي الدكتور "نور"، أشطر دكتور ممكن تشوفه، هو إللي حيتابع حالتك من النهارده، وبإذن الله يكون شفاك على إيده.

نظرة مزجت بين الرجاء والتوسل والتمني وهو يطالع الطبيب الذي ربما يجعله الله سببًا بشفائه قبل أن يرحب به:
- يا رب يا إبني يجعل شفايا على إيدك، أهلًا بيك.

تحولت نظرة "نور" لحيرة وتخبط، فهل يمكن أن يكون هذا الظالم القاسي، هل هذا المنهك الذي لا حول له ولا قوة هو المتجبر الطاغي، ليحدث نفسه بإستغراب:
- (مش باين عليه القسوه خالص!! يمكن المرض هده)

ثم أجاب بصوت مسموع:
- ألف سلامه عليك يا عم "عزت".

طرقات خفيفة قطعت هذا الحديث، يسمعها البعض طرقات عادية، لكن "عزت" كان يدركها تمامًا، إنها طرقات رقيقة مميزة تخصها وحدها لا غيرها.

بالبداية لم يعطي "نور" بالًا لتلك الطرقات لكن حين هتف "عزت" بوجه يصارع الإبتسام مرغمًا قائلًا:
- دي أكيد "ليلى".

إنتبه "نور" بتحفز لتلك القادمة، إنها من قد أتى من أجلها، هي الطرف الثاني لخطتهم، هي من يجب عليه أن يقتنص منها حق "نسرين" واخوانها.
بقلم رشا روميه 
سأدرك ولو متأخرًا كيف يكونوا سيئوا القلوب، فقلوبهم في ملامحمهم إن عاشرتها لا تحب ولا تؤلف، تلك عقوبة من الله لتقسو قلوبهم.

بتمعن تام سلط "نور" مقلتيه لمن فتحت الباب للتو، كان ينظر ما توقع، فتاة غليظة تضيق النفس متجهمة الوجه، وصف جمع كل ما بمخيلته عن فتاة مثلها.

كل تلك التوقعات والصورة المعلقة بمخيلته طاحت أرضًا حين دلفت تلك الفاتنة صاحبة الهدوء الرزين والإبتسامة العذبة.

فغر فاه للحظات دون أن ينتبه لنفسه وهو يناظر فتاة تسقط كل قوانين الجاذبية لتحل هي محلها، هي التي يجب أن تدور الفلك من حولها، أيقونة لا مثيل لها من الحُسن الذي إنتفض له هذا الساكن بين أضلعه.

عيون سوداء كقطعة أوبال، رقة وعذوبة وهدوء ملكات تعشن بقصور متوجات فوق عروشهن، هل يمكن أنه بمجرد لقاء تتوهج بنفسه شئ تيقن أنه لا يملكه، هل هذا نوع من السحر ربما؟!! 

تدارك نفسه ليقف بثبات لكن من سرقت عيناه لم تعيدهما مرة أخرى، ألن تحاسب على تلك السرقات التي لم يعتاد عليها، تابع "نور" تحرك "ليلى" داخل الغرفة واثقة من نفسها تتمتع بشموخ يجذب العيون تجاهها، لكن حين نطقت هوى ذلك النابض بين أضلعه بشكل أثار تعجبه،فلصوتها العذب نغمة شجية كقيثارة ألحان تدق أنياط القلوب حين تفوهت:
- صباح الخير يا بابا(ثم أكملت بإيمائة خجلة) صباح الخير يا دكتور "سامح".

يا لحظ هذا الخجول فقد نال منها نظرة، حاول "نور" لملمة تشتت نفسه الضائعة فماذا يحدث له بوجود تلك الفتاة من نظرة واحدة، لا شئ يفعل ذلك سوى سحر، لكن كيف وهما لم يلتقيا من قبل.

قضب حاجبيه كمحاولة فاشلة للبقاء "نور" الذي لا يتأثر ولا ينساق خلف أي تأثير، إنه أقوى من ذلك فلم تسببت له بتلك الرجفة، فلا داعي للحياد عن الطريق، وعليه العودة لخطة إسترجاع الحقوق.

بعملية أجابها "سامح":
- إزيك يا آنسه "ليلى"؟

ضمت شفتيها وهي تجيبه بهدوء:
- الحمد لله.

أشار "سامح" نحو "نور" الذي لم تنتبه له "ليلى" بالبداية قائلًا:
- الدكتور "نور" هو إللي حيتولى حالة والدك من النهارده.

يا ليتك لم تفعلها، يا ليتك ظللت صامتًا فبالكاد تمالكت رجفة روحي، كلمات جعلت "نور" ينظر تجاه "ليلى" التي بدورها إستدارت نحوه ترحب به.

مقابلة مباشرة بين لؤلؤتيها السوداوتين اللاتي تنظران نحوه ليقع صريعهما بنظرة عين، تعالت ضربات قلبه المتخبطة وهي تطالعه وحده، حتى الكلمات كلها تبعثرت من رأسه.

لم تهتم ولم تبالي بل ضربت بكل قوتها، أكملت بسلاحها الفتاك الذي لم يقوى على تحمله، إنها تتحدث إليه، وجهت له حديث يخصه لتبعثر نفسه حتى تتلاشى سيطرته على نفسه، برغم جديتها بالسؤال إلا أنه تشتت ينظر نحوها وقد إنمحت كل كلماته حين قالت:
- أهلًا دكتور "نور"، يا ريت تقولي بجد، فيه علاج لحالة بابا يا دكتور، صح؟!!

هل نطقت إسمه للتو، لقد كان قويًا غير مباليًا، ماذا حدث له اليوم لا يستطيع التحكم بقوته، منذ متى يتأثر بأنثى بهذا الشكل أم ربما قد طالته عدوى الخجل من "سامح"!!!

تلعثم "نور" قليلًا أثناء إجابتها:
- اااا، بإذن الله فيه علاج، ربنا كبير.

لم يكن إرتباكه من مجرد فتاة حسناء، بل هناك أمر داخلي جعله يشعر بأنها مختلفة، بها شئ مميز وغريب، إرتباكه الشديد لم يكن محمودًا مطلقًا بالنسبة لـ"ليلى" فقد طالت نظرتها تحاول فهم هذا الرجل للحظات قبل أن تردف بذات الجدية:
- مقدمناش الا إننا ندعي ربنا أنه يوفقك في علاج بابا ويرجع يقوم لي تاني بالسلامه.

سيقول الحقيقة، سيفسد الأمر برمته، سيضيع كل الحقوق بتشتته الذي حل به بدون داعي، نظر "نور" نحو "ليلى" لبعض الوقت ليقرر الإنسحاب دون رد، لقد أصبح قلب قوسين من كشف نفسه بنفسه.

وجد نفسه تلقائيًا ينسحب من هذا اللقاء فجأة ليخرج من غرفة "عزت" ليعود لنفسه وقوتها المعتادة، لكن خروجه بهذا الشكل المفاجئ دب الريبة والقلق بقلب "ليلى" التي أسرعت للحاق به، فيبدو أن حالة والدها وصلت لدرجة ميؤس منها وهو يخفي الأمر عنها.

لحقت به بخطواتها السريعة بينما كان يخطو خطواته ببطء محاولًا إستجماع نفسه كما السابق، هتفت به "ليلى" بقلق:
- دكتور "نور"!!! دكتور "نور"، بعد إذنك لحظه لوسمحت.

إلتف ببعض الهدوء الذي يميزه رغم إضطراب نفسه بوجودها إلا أنه حاول التحلي ببعض الرزانة، عيبه الوحيد سيسبب له مشكلة على ما يبدو، فهو لا يستطيع إخفاء مشاعره بسهولة، إبتلع ريقه بصعوبة ثم أجابها بعملية:
- إتفضلي يا آنسه "ليلى".

تجهمت بقوة لتسأله بقلق شديد:
- هو، حالة بابا ميؤس منها أوي كده؟!!

قبل أن تتشتت نفسه بحضورها مرة أخرى أجابها بإيضاح وهو ينظر بشكل غير مباشر تجاه الغرفة مبعدًا نظره عنها:
- مفيش حاجه اسمها كده، إحنا لازم يكون عندنا الأمل إن شاء الله في العلاج، ربنا رحمته واسعه وإحنا لسه في أول طريق للعلاج.

أومأت بتفهم:
- بإذن الله.

كان يود الإندفاع ليسألها بصراحة ودون طرق ملتوية عن سبب رفضهم لأعطاء "نسرين" حقهم بالميراث، فما يشعر به أن ملامحها توحي بالصدق والراحة، لا يعرفها حق المعرفة لكن قلبه الواضح يخبره بأنها ليست من هذا النوع الذي يسطو على حق ليس له، لكنه آثر الصمت حتى يتأكد من ذلك.

إنتهى سؤالها وتوضيحه الذي لم يقنعها، فهي ترى بعينيه نظرات تود أن تفصح عن أمر ما، لكنها لا تفهمه، إستأذنت "ليلى" لبدء عملها بالعيادة وقد شغل هذا الطبيب تفكيرها بتوجس لما يخفيه وتشعر به.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لا أعلم ما الذي أخاف منه لكني أصبحت أحذر كل شئ يقترب مني، أحاول النجاة من المجهول، شئ ما إنطفئ بداخلي، أصبحت أعيش في اللا مألوف كأنني لم أعيش أبدًا.

المستشفى الأهلية...
ليل طويل مر عليها دون شعور، فقد غابت بأحلام كالوميض بفعل الحقنة المهدئة التي أعطاها لها الطبيب، إستيقظت "فرح" بهذا الصباح الذي لا تفرقه عن المساء ليمر بها الطبيب مرة أخرى، لكن الفارق هذه المرة أنها أصبحت تعلم ما بها ليهدأ بذلك إنفعالها قليلًا.

بإيجاز وثبات حاول الطبيب اليوم وصف حالتها لكي تدرك ما أصابها، شرح لها الحادث والمضاعفات التي حلت بها إثره.

بعدم تقبل حاولت "فرح" رفض تلك الحالة التي لا علاج لها، لا تتقبل كونها فاقدة للبصر ولا تعلم أي شئ عن هويتها ولا حتى إسمها، تنهد الطبيب بحيرة فهو لا يستطيع التعامل مع تأثرها النفسي الذي طلب بتقريره عن حالتها بتحويلها لأحد الأخصائيين النفسيين لمساعدتها على تجاوز تلك الأزمة وتقبل قضاء الله وما أصابها.

أغمضت عينيها أم تركتهما على وسعهما فهذا لن يفرق شئ الآن، وربما ذلك يمكنها التعود عليه وتقبله برغم إحساسها بالعجز، لكن أكثر ما يؤثر بها هو عدم تعرفها على نفسها وهويتها، لتردف بتعاسة وهشاشة لروحها:
- بس يا دكتور أنا مش عارفه أنا مين ولا حتى اسمي إيه؟؟!

نظر الطبيب للتقرير الذي يحمله بيده يقرأ بعضًا من محتواه:
- إللي أقدر اقولك عليه إن مكتوب في التقارير بتاعتك إنك إسمك "فرح"، وإنك أساسًا من السويس، دي بيانات بطاقتك إللي لاقوها في الحادثه.

صمتت لوهلة وهي تحاول التركيز قليلًا لكن الأمر مجهد للغاية وغير ذي جدوى:
- طيب محدش يعرف أنا كنت فين ولا رايحه فين؟!! وفين أهلي وعيلتي؟؟! محدش سأل عليا ليه؟!

زادت حيرة الطبيب فهو ربما لا يفيدها إن أخبرها بما يعرفه، لكنه بالنهاية حاول إجابتها لعلها تشعر بالإستقرار النفسي ولو بدرجة بسيطة:
- أنا آسف اني أقولك أن إللي عرفته برضه إن والدتك كانت معاكِ في الحادثه، وللأسف هي إتوفت الله يرحمها، والمستشفى هنا قامت بإجراءات الدفن لأن موصلناش لحد من قرايبكم، كمان كان معاكم شاب إسمه "أحمد" بس ده في غيبوبه من ساعة ما وصل وحالته حرجه جدًا، بس منعرفش يقربلك إيه.

ضمت شفتيها بحزن تحاول أن تتذكرهم، حزنها لم يكن لفراق والدتها التي لا تتذكرها بل لكونها لا تدري كيف تحزن على من لا تعرفه، لتعقب بتأثر:
- أنا مش فاكراهم خالص، شوفت بقى الكارثه إللي أنا فيها يا دكتور، حتى أمي إللي ماتت دي، مش فاكراها عشان أحزن عليها.

- مع الوقت بإذن الله حتفتكري كل حاجه، بلاش دلوقتِ تضغطي على نفسك.

إذن إن لم يعرف أهلها بوجودها بالمستشفى فيجب عليها هي البحث عنهم، لتردف بضيق:
- طيب إمتى حقدر أطلع من المستشفى عشان أدور على أهلي؟

- صعب جدًا في الوقت الحالي، إنتِ لازم تقعدي في المستشفى تحت الملاحظه شويه عشان نقدر نشوف سبب فقدان البصر إللي حصلك ده، وكمان تتابعي مع الدكتور موضوع الذاكره، وجودك هنا حيفيدك كتير.

تقوست شفتيها مرة أخرى قائلة بإستياء شديد:
- يعنى حفضل لوحدي لحد ما أرجع زي الأول، طيب لو فضلت زي ما أنا؟!!!

هنا أدركت أن لا أحد يشعر بذلك التخبط بداخلها، تلك الهشاشة التي ستطيح بما تبقى من قوة بداخلها، هل حكم عليها بالبقاء وحيدة دون أن يعلم أحد بما أصابها؟! أن تصارع أزمتها دون أنيس يأخذ بيدها!!!

والأعظم من ذلك ألن تحزن على والدتها التي لا تعرفها؟!! ألا تستحق هذا الحزن؟!!! 

ترى ما السبب في أن تنساها ولا تحزن لفراقها؟ هل كانت تحبها أم أن علاقتهم كانت فاترة ولن تتأثر بفراقها؟!!!

أسئلة عديدة أخذت تدور برأسها دون إجابة، لتجد أن لا أحد يقدر على إيجاد إجابة عنها ويجب أن تأخذ طريق الصمت التام.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

الأمور ليست بتلك العشوائية التي يظنها البعض فهي مرتبة بإحكام تدور في فلك القدر حتى نسير إليه، ولا تخشى طريق القدر فإنه آت من إله عادل.
رشا روميه 

مع نهاية فترة عملهم بالمستشفى حان وقت الرحيل، إستقل كل من "نور" و"سامح" سيارة "نور"، هذا اليوم الذي ترك أثرًا غير عاديًا بنفس "نور"، كان يظن أن الأمر لم يتعدى دقائق هو يسيطر بها على زمام الأمور، حتى لقاءه بـ"عزت" وإبنته، توقع أن يكون سهلًا يسيرًا فهو من يعلم خباياهم وهم لا يعرفونه بعد.

لكن يبدو أن للقدر كلمة أخرى، فمنذ هذا اللقاء شعر بأن هناك ما يزعزع ثوابته، إحساس غريب يتخلل روحه جعل يفكر كثيرًا ويصمت طيلة الوقت.

أثناء سيرهم باغته "سامح" بسؤال قطع هذا الصمت الطويل:
-هو إيه اللي حصل؟

أفاق "نور" من شروده الغريب مرددًا:
- إيه اللي حصل؟

نظر نحوه "سامح" بقلق فهو ليس من عادته هذا السكون حينما يكونان معًا:
- أنا اللي بسألك، مالك يا "نور"، من ساعة ما طلعنا من المستشفى وأنت ساكت أوي، لا بتتكلم ولا بتهزر زي عوايدك!!

زاغت عينا "نور" بتهرب:
- مفيش حاجه، مفيش حاجه.

لن يكذب عليه فإنه يدرك ما به، ويعلم جيدًا أنه يخفي أمر كبير بعد، ليحاول "سامح" دفع "نور" للتحدث والتوغل داخل نفسه بطريقته المهذبة التي يمتلكها:
- إزاي بس يا "نور"، إنت مش شايف نفسك!!! مفيش حاجه ازاي، ده فيه وحاجه كبيره كمان.

يعترف بأن لـ"سامح" قدرة تفوقهم جميعًا في الغوص ببحور النفس، وإن إستطاع سيكشف الأمر برمته من مجرد كلمات، لهذا حاول "نور" المراوغة للتهرب من أسئلته القادمة، لم يجد سوى أن يسأله هو عما يشتت فِكره وربما يعلم بعض المعلومات التي لا يعرفها بعد:
- قولي يا "سامح"، هو "عزت" بقاله قد إيه مريض في المستشفى؟

- مش كتير، بس مَرضُه جه بصوره غريبه شويه.

إلتف رأس "نور" أثناء قيادته تجاه "سامح" وقد إحتلت علامات الدهشة ملامحه، ليستكمل بفضول تام:
- غريبه ازاي يعني؟

أجابه "سامح" بعفوية دون تفكير بسبب سؤال "نور" ظنًا منه إهتمام بحالة الرجل لا أكثر:
- اللي عرفته من "ليلى" انه جه المستشفى في حادثة عربيه، وعملوا له التحاليل وكل حاجه تمام، بعدها بيومين عملوا تحليل دم تاني لقوا عنده الفيروس، الظاهر كده الدم كان ملوث، وهو كمان مريض سكر فالأعراض إنتشرت بشكل متزايد وحصل له كل المضاعفات دي.

لم يسلم عقله لمن يعبث به، بل له تفكيره الخاص لإدراك الأمور، فحتى وإن كان كما أخبرته "نسرين" عنهم فإن ذلك يعني أنهم ليسوا بالضعفاء لتقبل خطأ كهذا بدون رد فعل، وعنيف أيضًا، أمر أثار إنتباه "نور" ليسأل "سامح" عن ذلك:
- حاجه غريبه فعلًا، دم ملوث!!! معنى كده إنهم إشتكوا المستشفى وعملوا بلاغ على الأقل فيها؟

إبتسم "سامح" ببعض السخرية من تفكير "نور" العقلاني ليوضح له مدى ضعفهم:
- لا خالص، الناس دي بسيطه أوي يا "نور"، ولا بتوع مشاكل ولا بلاغات، ده كل إللي يهم "ليلى" انه يبقى كويس، وهي معانا في المستشفى وعارفه المستوى إللي إحنا بنعالج بيه، ومدى إهتمامنا بموضوع نقل الدم بالذات، وإن أكيد فيه حاجه غلط هي سبب الموضوع ده.

حين أتى على ذكرها شعر "نور" بنفس إحساس التخبط بداخله، هل تؤثر بـ"سامح" كما أثرت به حتى يدافع عنهم بتلك الصورة، هل هي مؤثرة بما حولها بهذه الطريقة، لا عجب إن فعلت ذلك، فهو من لا تستطيع أي فتاة التأثير به أرجفت داخله بمجرد لقاء، لقد تقابل مع "نسرين" لمرات لا تحصى ولم تقترب رؤيتها درجة واحدة مما شعر به اليوم.

توقف "نور" أمام بيت "سامح" الذي ترجل من السيارة مودعًا إياه:
- وصلنا خلاص، أشوفك بكره بقى، سلام.

أكمل طريقه ليعود لشرود أفكاره مرة أخرى والتي لم يشغلها سوى "ليلى"، ليردف محدثًا نفسه:
- (البنت دي فيها حاجه غريبه جدًا،حتى شكلها حاسس إنها مختلفه أوي، من أول مره تلخبطني كده؟؟ بس لا لا مش لازم المظاهر تخدعني وأنسى إن هي إللي ظلمت "نسرين" وأخواتها، بس!!! بس دى عنيها كلها صدق وقوة بشكل غريب، يوووه، أنا باين عليا إتجننت ولا إيه!!!)

❈-❈-❈ــ

تدور دوائرها وتمر، تغير بك الأيام ما لم تظن أنه سيتغير، حتى ثباتك وأفكارك تتبدل، إحساسك وتقبلك، محبتك وكراهيتك، كلها عرضة للأيام لتعيد ترتيب أوراق حياتك وتخرج منها نسخة جديدة لم تكن تعرفها من قبل.
رشا روميه 

مع مرور أسبوع كامل..

فرح الصعيدي..
ربما إن كانت تتذكر والدتها وعلاقتها القوية بها ما كانت لتتجاوز فترة حزنها لفقدانها، فالله رحيم بها لينسيها ما كانت تظن أنها لن تنسى، ليضمحل حزنها بما يتحمله قلبها.

خلال السبعة أيام حاولت "فرح" التأقلم مع فقدانها بصرها فهي مازال بداخلها فتاة محبة للحياة ولن ترضى بالعجز وقلة الحيلة، لكنها رفضت التعامل مع الطبيب النفسي، فهي لا تتذكر شيئًا حتى تتحدث معه، وترى أنه غير ذي نفع لها وهي لا تعلم أي شئ عن نفسها.

تركت فراشها لتخطو داخل الغرفة تتحسس مكانها وما حولها، تحاول أن تعتمد على نفسها بدون حاجة لتدخل الممرضات طيلة الوقت.

صاحبها الفشل كثيرًا وزاد إحساس الإحباط واليأس بداخلها من التأقلم على الوضع الجديد، فحتى وإن كانت تحمل روح محاربة بداخلها فمازال جسدها لا يساعدها على تخطي ما أصابها.

أجهدت نفسها وعقلها على تذكر أي شئ من الماضي أو عن أمها التي توفت لكن عقلها أيضًا أبى أن يشعرها بالقوة لتقع ببئر من اليأس والإحباط لفشلها المتكرر.

أخذت تؤنب نفسها بكثرة على نسيانها:
-(حتى أمي مش فاكرها عشان أحزن عليها وعلى موتها، دي إيه الحياة إللي أنا عايشاها دي، ما أنا لو كنت فاكراها كنت حزنت عليها، ليه بس بيحصل لي كده).

طلبت من إحدى الممرضات البحث عن هاتفها فربما تصل إلى أي شخص تعرفه من أهلها أو أصدقائها، لعلها تبدأ بالتذكر، فبالتأكيد الماضي به ما يفرحها ويساعدها على التخطي، لكن الممرضه أخبرتها أن هاتفها تحطم تمامًا أثناء الحادث مما أصاب "فرح" بالمزيد من اليأس فلا سبيل لمعرفة أي معلومة عن نفسها القديمة لتقع بمستنقع التحسر والبكاء دون تقدم يذكر بحالتها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليلي الحناوي..
كرست وقتها بين الإطمئنان على والدها وإنهاء عملها والخروج مبكرًا قبل إنتهاء المناوبة كل يوم خلال هذا الأسبوع لتوفير بعض الوقت لمسعاها، بإصرار تام على البحث عن أبناء عمها الغائبين لكن بدون جدوى ودون تقدم لتدور بمتاهة لن تنتهي من العمل والبحث وملاحظة إعياء والدها الذي تسوء حالته يومًا بعد يوم.

والذي بدوره زاد خوفه وقلقه على ابنته التي تدور بحثًا عن عمها لإصلاح أخطائه التي لا تغتفر، ومع تدهور حالته زاد خوفه بخوف آخر، أن يترك إبنته وحيدة بتلك الدنيا ليس لها قريب أو صديق.

❈-❈-❈ــ

نور بركات..
إستطاع إنهاء أوراق النقل ومدوامة عمله بالمستشفى المركزي بشكل نهائي لكن خلال هذا الأسبوع لم يلتقي مرة أخرى مع صاحبة العيون السوداء.

كان يبحث عنها كل يوم لكنه يجدها قد إنصرفت مبكرًا، لا يدري هل سؤاله عنها بغرض تنفيذ خطة "نسرين"، أم لأمر آخر بداخله لإعادة هذا اللقاء الساحر الذي جمعهما من قبل.

خلال تلك الأيام أخبره صديقه "كريم" بموافقة مسؤولي البعثة عن إنضمام "نور" و"سامح" لهم وعليهم الإستعداد للسفر عن قريب.

وجدها "نور" فرصة لن تعوض للإبتعاد عن رتابة حياته وتقييم مشاعره تجاه "نسرين" فربما تكون فرصة جيدة لبداية جديدة بينهم، فربما يشعر باللهفة والإشتياق لها ويتمم بذلك الزواج الذي طالما يؤجله ويسعده القدر بالنهاية.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عائلة مكاوي...
شعورهم بالذنب الذي إقترفوه بحق "زهرة" لكن ما النفع من ذلك الندم الآن، ليحاولوا الإنتباه ألا يؤذيها "أنور" بأي صورة.

فمنذ تلك الليلة التي تشاجر بها "محمود" مع "أنور" قبعت "زهرة" بشقتها تجنبًا لعاصفة مشاعرها التي ولدت مؤخرًا تجاه "محمود"، فضلت الإنزواء عن الجميع خاصة هو حتى لا تنجرف لهذا المستنقع الخطر، إنها لن تصبح خاطئة ولن تساعده على ذلك.

ولحسن حظها أن مصوغات "زهرة" التي إستولى عليها "أنور" إستطاع شراء مقابلها كمية كبيرة من المخدرات التي يتناولها وغاب إثرها طيلة تلك الأيام ولم يعد للمنزل.

فربما إشترت راحتها ببضع قطع ذهبية ولم تراه بهم طيلة هذا الأسبوع كاملًا.

لم يكن وضع "محمود" أفضل حالًا من "زهرة"، فقد حاول التهرب بكل ما يستطيع، زاد فترة عمله خارج البيت وتجنب أي لقاءات عائلية بينهم ربما يقابلها بها، لكنه لاحظ غياب "زهرة" بينهم، تتجنب هي أيضًا وجودها، بل لم يرى طيفها منذ تلك الليلة.

أمر جعله يتسائل فى ضيق عن سبب غيابها ليصيبه نوع من التوتر والعصبية لعدم رؤيتها لهذه الأيام لكنه كان يكبح مشاعره عن الظهور تجنبًا عن ملاحظة أحدهم لسبب توتره، فذلك خطأ لن يقع به مطلقًا.
بقلم رشا روميه 

أهملت "جميله" كل شئ ببيتها وبناتها في مقابل مراعاة مشروعها الجديد وتجهيزه، إنغمست بوجودها بالمخزن وسط العمال لمباشرة العمل كما تريد تمامًا ولإثبات للجميع أنها إمرأة قوية وقادرة على تحقيق النجاح بدون مساعدة منهم.

زادت من طلبها للمال بكثرة من "محمود" لإنهاء جميع التجهيزات التي تريدها، بينما حاول هو إثنائها عن متابعة أعمال التوضيب بنفسها بشكل يومي، فلا داعي لأن ترهق نفسها بهذا الشكل، لكن عنادها وإصرارها على ذلك لإثبات أنها لا تخطئ أبدًا.

❈-❈-❈ــ

ليست الوحدة هي العيش بدون أصدقاء أو أحباب بل هي الفراغ الذي يخلفه غيابهم، فربما لا تكون بخير لكنك لا تجد من تقول له كذلك.

أكمل "سامح" إنغماسه بالعمل ليملأ فراغ حياته خارج المستشفى بمتابعة حالات أخرى بالمستشفى الأهلية، وجوده بين أروقة المستشفيات ولقاءه بالمرضى يخفف من إحساسه بوحدته برغم وجود صديقه معه، فبداخله صراع حزين يصارعه وحده، إحساس بالفقدان والغربة حتى لو كان بوسط الكثيرين.

يشعر بأنه مختلف، محط بعض السخرية من أصدقائه حتى ولو بشكل مزاح، فبعض الكلمات الممازحة يقصد بها الجد، يحاول إضفاء قيمة له بحياة لا يشعر بها بأنه كذلك، تلك القيمة التي لا تأتيه إلا بتميزه بعمله ومهارته به.

وربما يسوق لنا القدر سبله ليأخذنا لمنعطف جديد تتبدل به ما لم نتخيل أنه يمكن أن يتغير على الإطلاق.

فمع تطور حالة "فرح" وعدم قدرة الأطباء على التوصل لتقدم بحالتها مع تلقيها لهذا العلاج، فما كان منهم إلا طلب الطبيب المعالج لـ"فرح" من "سامح" بالمرور بهم بنهاية هذا الأسبوع لفحصها ضمن الحالات النادرة التي تستدعي تدخله بعد فشل الأطباء المقيمين بالمستشفى.

❈-❈-❈ــ

بعض المعارك تبدأ وتنتهي داخل نفسك دون أن يشعر بك أخد، لا يدري عنك من إنهزم ومن إنتصر، لكن هناك أمور لا تُخفى وإن ظننت بأنك قادر على ذلك، فلا شئ أوضح مما يحاول المرء إخفاءه.

بصباح هذا اليوم الذي يماثل سابقيه، لكن الكيل قد قد فاض من الصبر، وقف "محمود" يهتف بـ"جميلة" بحنق من عنادها وتصرفاتها المثيرة لتحمله:
- يا "جميلة" كفايه عِند بقى!!

عقصت أنفها بقوة وهي تُحدثه بنبرة مشمئزة ساخطة على معارضتها كل يوم:
- أنت مستكتر عليا اني أكون ناجحه ولا إيه؟؟!

إحتدت عيناه ليردف بضيق:
- إيه التخاريف بتاعتك دي!!! يعنى أنا وبابا غلطانين اننا مش راضيين نزعلك، ما تفوقي لنفسك وبيتك، البنات لسه صغيرين ومحتاجينك جنبهم وإنتِ طول اليوم بره!!!!

"جميله" بعدم إكتراث وهى تستكمل إرتداء ملابسها دون النظر إلى "محمود"، كما لو كان رأيه مهمشًا ولا شئ سيقف خيال تحقيق ذاتها ونجاحها:
- بقولك إيه متوجعش دماغي على الصبح، وبعدين ما البنات مش ناقصهم حاجه، مامتك و"زهرة" هنا بياخدوا بالهم منهم.

ضرب كفيه بنفاذ صبر من تلك المستفزة التي يحاول ألا يصب غضبه عليها:
- وهو مين أمهم أنتِ ولا هم؟!!!!! الراجل جاب آخره وبيشتكى من تدخلاتك وهو أكيد بيفهم أكتر منك دة مهندس، سيبيه يشوف شغله!!!

إستدارت نحوه "جميلة" بحدة فقد أشعرها بكلماته بالإهانة كما لو كان يصفها بعدم الفهم والذكاء المحدود:
- حاسب على كلامك يا "محمود"، أنا بفهم في كل حاجه ومحدش ليه دعوه باللي بعمله!!!

كز "محمود" على أسنانه وهو يحذرها من إثارتها للمتاعب طيلة الوقت:
- إتقي شري بدل ما أقلب عليكِ!!!!!!

وضعت كفيها فوق خصرها بتحدي ثم هتفت بغلظة:
- "محمود"!! أنت عايز إيه؟! قعدان في البيت مش حقعد، انت مش جايبني هنا شغاله، أنا لازم أحقق نجاحي بنفسي وبكرن تشوف.

إشتعل وجهه حُمرة وتعالى الغضب من أودجه التي إنتفخت من طريقتها الغليظة، ليهتف بها بغضب كادت تشعر برياحه القوية التي ستقلب السفن:
- إنتِ شايفه كده؟!!

أكملت "جميلة" بتحدي ودون تراجع:
- أيوه شايفه كده، عندك مانع؟؟!!!!!!

تهدج صدره بقوة يتمالك غضبه من أن يصفعها بقوة على طريقتها المتطاولة، لكنه يبدو أنه لن يمرر كلماتها اللاذعة مرور الكرام، لتسارع "جميلة" بإلقاء كلماتها التي توحي بإدراكها لأمر ما يتم بالخفاء يسبب له هذا الضيق وعدم التحمل:
- خليك إنت كده مش طايق نفسك، ويكون في علمك أنا عارفه كويس أوي ليه.

نظراتها كما لو كانت كشفت أمره، بل وتهدده بما علمته، تطلع نحوها لبعض الوقت وقد شعر بالإضطراب، تعمق بوجهها يحاول إستنباط عما تتحدث بالضبط.

ترى هل هى تدرك بالفعل الصراع القائم بداخله بسبب مشاعره الغير مقصودة تجاه "زهرة"، أم أنها تقصد شئ آخر، إبتلع ريقه بإرتباك لتهدأ نبرته المنفعلة قليلًا متسائلًا:
-قصدك إيه؟!

تعليقات