رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس عشر 15 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس عشر 

في صباح يوم جديد، كان الضوء الشاحب يتسلل إلى غرفة رنيم ببطء، معلنًا بداية يوم ثقيل آخر، يوم يحمل في طياته امتدادًا للفوضى التي لم تهدأ منذ الليلة الماضية. كانت الغرفة ساكنة، والهدوء يلف المكان، حتى اخترقه فجأة صوت جواهر الغاضب، حادًا ومشحونًا باللوم والألم.
فتحت رنيم عينيها بصعوبة، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها، كأن النوم لم يمنحها راحة حقيقية، بل كان مجرد هروب مؤقت من واقعها المضطرب. رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى جواهر بعينين نصف مفتوحتين، ثم قالت بصوت ناعس مثقل بالكسل:
"فيه ايه يا بنتي على الصبح؟"
لكن جواهر لم تكن في حالة تسمح لها بتجاوز الأمر أو تهدئة نفسها. كانت ملامحها مشدودة، وعيناها متورمتين من السهر والبكاء، والغضب يختلط في صوتها بالخذلان وهي تقول بلوم واضح وصوت مختنق:
"انت ايه يا شيخه معندكيش دم؟ الدنيا كلها مقلوبه علشان جواد، ومنمناش من امبارح، وانتي نايمة فى اوضك ولا على بالك ولا حتى هان عليكي تيجي تقفي جنبنا فى وقت صعب زي ده."
اعتدلت رنيم في جلستها، ونظرت إليها بملامح بدت باردة إلى حد كبير، كأنها تبني حول نفسها جدارًا يحميها من كل ما قد يهزها من الداخل. ثم قالت بعدم اهتمام ظاهر:
"ما يتسجن فى ستين داهيه، حد قاله يلعب بديلة ويروح ليها فى شقتها، حتى لو مش هو اللي قتلها، يستاهل اللي بيحصلة، علشان قرفة وخيانته ليكي."
كانت كلماتها قاسية، خرجت ببرود صادم، لكن ذلك البرود لم يكن سوى قناع يخفي ما يدور داخلها من تناقضات. أما جواهر، فقد شعرت وكأن تلك الكلمات صفعتها بقسوة. اشتد غضبها، وضغطت على أسنانها وهي تحاول أن تستوعب كيف يمكن لرنيم أن تكون بهذا الجمود، ثم قالت بصوت مختنق يحمل ألمًا حقيقيًا:
"بجد انا مصدومة فيكي يا رنيم، انتي واحده مريضه، موت امك وابوكي وانتي صغيرة خلاكي سودا من جوه معندكيش قلب، حتى لو بتكرهي خالتو ترنيم وابنها، المفروض تقفي جنبي أنا، أنا ماليش غيرك بعتبرك اختي الكبيرة، وكنت منتظرة منك حاجات كتير أوي، عمومًا براحتك يا رنيم، أنا خلاص هعتبرك مش موجودة فى حياتي، ربنا يهديكي لنفسك."
كانت كل كلمة تخرج من جواهر كطعنة مباشرة في قلب رنيم، حتى وإن حاولت ألا تظهر ذلك. وما إن أنهت كلامها، حتى استدارت وخرجت تركض من الغرفة، وكأن البقاء فيها للحظة أخرى أصبح فوق احتمالها.
بقيت رنيم جالسة في مكانها، تنظر إلى الباب الذي خرجت منه جواهر، وقد خيم الصمت فجأة على الغرفة، لكن هذا الصمت كان أثقل من أي صوت.
تنهدت بوجع عميق، وشعرت لأول مرة أن الكلمات التي قيلت لها قد اخترقت دفاعاتها كلها. لم تكن تتوقع أن تصل جواهر إلى هذا الحد من القسوة معها، أو ربما لم تكن تتوقع أن ترى نفسها في عينيها بهذه الصورة القاسية.
جرحها كلامها، جرحها أكثر مما أرادت الاعتراف به.
وفي أعماقها، كانت تعرف أن جواهر محقة في جزء كبير مما قالته. كانت تعلم أن كرهها لترنيم وابنها قد جعل قلبها أعمى، وجعلها ترى الأمور من زاوية واحدة فقط، زاوية الانتقام والرفض والوجع القديم.
لكن رغم ذلك، لم تستطع أن تنكر أن هذا الكره بات يسيطر عليها أكثر مما ينبغي.
في تلك اللحظة، اتخذت قرارًا داخليًا، قرارًا ربما يكون قاسيًا على عمتها، وربما يفتح بابًا جديدًا من الألم، لكنه بدا لها الطريق الوحيد الذي قد يمنحها بعض الراحة من كل هذا الصراع الذي يمزقها.
لكنها سرعان ما حركت رأسها بالنفي، وكأنها تحاول طرد كل تلك الأفكار من عقلها، أو تأجيلها على الأقل.
نهضت أخيرًا من مكانها، واتجهت نحو المرحاض بخطوات بطيئة. أخذت حمامًا دافئًا، محاولة أن تغسل عن روحها بعضًا من هذا الثقل الذي يسكنها، لكن الماء لم يكن قادرًا على محو شيء من الداخل.
خرجت بعد ذلك، ارتدت ملابسها في صمت، ثم وقفت للحظة أمام المكتب. وقع نظرها على الدرج، فتوقفت.
تحركت نحوه ببطء، وفتحته.
ظلت تنظر إلى السلاح الموضوع داخله للحظات طويلة، وكأنها تتأكد من وجوده، أو ربما تتأكد من وجود القرار الذي ربطته به. كان السلاح ساكنًا، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليعكس ما يدور داخلها من أفكار خطيرة.
وعندما اطمأنت أنه ما زال في مكانه، أغلقت الدرج مرة أخرى.
هبطت إلى الأسفل، وهناك وجدت ترنيم تجلس مع سمية وجواهر، وكانت ترنيم في حالة انهيار واضحة، ملامحها شاحبة وعيناها متورمتان من البكاء.
وقفت رنيم للحظة تنظر إليهم، وشعور ثقيل من الضيق اجتاح صدرها.
لكنها لم تتوقف، ولم تقل شيئًا.
بل غادرت المكان سريعًا، وكأن البقاء بينهم بات يثقلها أكثر مما تحتمل.
أما جواهر، فقد رفعت عينيها ونظرت إلى أثرها وهي تغادر، وكان الحزن واضحًا في نظراتها.
حركت رأسها بضيق، وقلبها مثقل بخيبة لم تكن تتوقع أن تعيشها مع أقرب الناس إليها.
    ***************************
جلس غريب بجوار جواد وتامر على الأريكة، وكان التوتر يخيم على المكان كغيمة ثقيلة تكاد تخنق الأنفاس. أمامهم جلس المحامون، وقد انحنوا فوق الأوراق بتركيز شديد، يتصفحونها بعناية، وكأن كل سطر فيها قد يحمل خيط النجاة أو يزيد الأمور تعقيدًا. كانت الوجوه جامدة، والعيون حادة، والوقت يمر ببطء قاتل.
قطع غريب هذا الصمت بصوت رجولي غاضب، يحمل بين نبراته أمرًا لا يقبل النقاش: 
"أنا عايزه ينام النهاردة فى البيت، ازاي؟ معرفش، المهم ابني ميقعدش ثانيه واحده هنا، فاهمين."
كان صوته حاسمًا، لا يحمل فقط قلق الأب، بل غضب رجل اعتاد السيطرة، ويرفض أن يرى ابنه في موضع ضعف أو اتهام.
رفع أحد المحامين رأسه، ونظر إليه بثقة مهنية، ثم قال بهدوء مدروس: 
"اصلا الأدلة الجنائية فيها جزء كبير مفقود، فين أداة الجريمة؟ فين إثبات أنه كان موجود عندها وقت الجريمة؟ كمان احنا نقدر نثبت أنه كان موجود فى مكان تاني وقت الجريمة، وكمان البصمات نقدر نتأكد منها أنها مش بصماته فى المكان، متقلقش يا غريب باشا، مجرد شوية إجراءات وهيكون جواد باشا نايم على سريره."
كانت كلماته تحمل طمأنينة محسوبة، لكنها لم تكن كافية لتهدئة القلق الذي يشتعل في صدورهم.
ثم التفت إلى جواد، وحدق فيه قليلًا قبل أن يسأله بجدية: 
"تقدر تقولنا كنت فين امبارح الساعة عشرة؟"
حرك جواد كتفيه قليلًا، وكأنه يسترجع تفاصيل الليلة الماضية، ثم قال بنبرة واضحة: 
"كنت سهران مع خالي تامر فى كافية(...) وروحت على الساعة اتناشر."
أومأ المحامي برأسه، وارتسمت على وجهه ملامح ارتياح خفيفة، ثم قال بنبرةٍ واثقة: 
"بس كده، احنا معانا دليل برأتك، هنجيب إثبات إنك كنت هناك فى وقت الجريمة، وهتخرج معانا."
لم ينتظر تامر كثيرًا، بل تدخل سريعًا مؤكدًا: 
"معانا الفاتورة، فيها الوقت بالظبط، وكمان عندي كذا شاهد يثبتوا وجود جواد امبارح معانا، ممكن يجوا ويشهدوا بالكلام ده."
أومأ المحامي بحماس مهني وقال: 
"أكيد هنحتاجهم، وهنفرغ الكاميرات كلها علشان نتتبع خط سيره من وقت ما خرج لحد ما وصل الفيلا."
لكن صبر غريب كان قد نفد، فزفر بضيق وقال بنفاذ صبر: 
"طيب ما يلا شوفوا شغلكم وانجزوا."
لم يتأخر المحامون، فنهضوا سريعًا وغادروا المكان، وكل منهم يحمل على عاتقه مهمة إثبات براءة جواد في أسرع وقت ممكن.
بمجرد خروجهم، تراجع غريب بظهره إلى الخلف، ووضع قدمًا فوق الأخرى، محاولًا استعادة هدوئه الظاهري، بينما عاصفة الأفكار لا تهدأ داخله. التفت إلى تامر ونظر إليه نظرة ذات مغزى، ثم قال:
"عرفت اخر الاخبار؟"
حرك تامر رأسه بتساؤل، وقد بدأت ملامح القلق تظهر على وجهه: 
"خير؟"
طال صمت غريب لثواني، ثم نظر إليه نظرة مطولة قبل أن يقول بصوت غاضب، يحمل صدمة لا تقل عما سيسببه خبره: 
"مريم عايشه."
كأن الكلمات أصابت تامر بصاعقة. انتفض من مكانه فجأة، واتسعت عيناه بعدم تصديق، وقال بصوت مرتفع: 
"انت بتقول ايه؟ مريم ماتت وانت بنفسك خرجت تصريح دفنها؟"
ابتسم غريب بسخرية مريرة، وكأن الحقيقة التي يحملها أثقل من أن تحتمل، ثم قال: 
"خرجت تصريح دفنها بنفسي، بس مشوفتش دفنتها بعيوني. اصلا البنت اللي أتقتلت دي تبقى بنت اختها، وكانت مزقوقة على جواد، ومتأكد أنها هي اللي قتلتها لأنها كانت اعترفت لجواد بكل حاجة، ومعنى ظهور اتباع ليها دلوقتي أن الحرب بدأت، ومحدش عارف هي عايزة توصل لأية، وانت اكتر واحد عرفها."
مرر تامر يده في شعره بعصبية، وكأن عقله يرفض استيعاب ما يسمعه، ثم قال بصوت مضطرب: 
"لو كلامك ده بجد، يبقى مصيبة سودا، مريم دي الشيطان نفسه ملاك جنبها، اسألني أنا، أنا حافظها اكتر من نفسي، وعارف دماغها دي بتفكر ازاي، طيب والعمل؟ ناوي تعمل ايه؟"
حرك غريب كتفيه بعدم معرفة، لكنه لم يخفي القلق الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه، وقال: 
"مش عارف لسه، اديك شايف اول ما ظهرت حصل ايه، بس اهم حاجة نحمي ترنيم وسمية والبنات كويس اوي."
أومأ تامر برأسه بتفهم، لكنه لم يبدو مقتنعًا تمامًا، وقال بجدية: 
"طبعا اهم حاجة نحميهم، بس برضة ده مش كفاية، انت عارف ان دي مافيش حاجه صعبة عليها، يعني لو عايزة توصل ليهم، هتوصلهم لو مقفول عليهم مليون باب، احنا لازم نوصلها هي فى أسرع وقت، ونقضي عليها، لأن طول ما هي موجودة هنفضل كلنا فى خطر."
رد غريب عليه بنبرة جادة، تحمل وعدًا مخيفًا: 
"ما هو ده اللي ناوي اعمله بالفعل، وفى اقرب وقت هوصل ليها وهقتلها بنفسي، وهتأكد أنها ماتت بجد المرة دي، بس اهم حاجه محدش يعرف بموضوع مريم ده غيرنا، احنا مش عايزين نتشتت بسبب خوفهم وتوترهم."
ظل جواد صامتًا طوال هذا الحديث، عيناه تنتقلان بينهما، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.
في داخله، لم يكن هناك صمت، بل كان هناك ضجيج مرعب، أسئلة تتزاحم، وقلق يتصاعد، وشعور ثقيل بأن القادم لن يكون سهلًا أبدًا، وأن ما بدأ الآن، ليس إلا بداية حرب لا يعلم أحد كيف ستنتهي.
   *****************************
شعرت أروى بالاختناق وكأن جدران الفيلا بدأت تضيق عليها شيئًا فشيئًا. الجو المشحون بالحزن، ودموع والدتها التي لم تجف منذ الأمس، وغياب جواد عن البيت، كل ذلك جعل صدرها يضيق بطريقة مؤلمة. نهضت من على مقعدها بهدوء، محاولة الهروب من هذا الثقل الذي يطبق على روحها، وخرجت إلى الحديقة الملحقة بالفيلا.
كان الصباح هادئًا على غير ما يدور داخلها. جلست على المقعد الخشبي، وأسندت ظهرها إليه، ثم رفعت عينيها تنظر أمامها بشرودٍ طويل. كانت تشعر بحزن شديد، وباحتياج أكبر، احتياج لشخص واحد فقط تعلم أنه قادر على تهدئتها، على جمع شتاتها، وعلى منحها ذلك الإحساس بالأمان الذي فقدته منذ ليلة أمس، أحمد.
مجرد التفكير فيه جعل قلبها يلين قليلًا وسط كل هذا الألم.
وفي تلك اللحظة، وكأن قلبه قد شعر بندائها الصامت، أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
التقطته بسرعة، ونظرت إلى الشاشة، لتجد اسمه.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، صغيرة لكنها حقيقية، كأن وجوده وحده كافي ليبدد شيئًا من هذا السواد. أجابت عليه بصوت حزين ومرهق:
"تعرف ان انا كنت لسه بفكر فيك علشان محتاجك اوي."
جاءها صوته الرجولي هادئًا، ممتلئًا بالحب والاحتواء: 
"قلبي حس بيكي، تعرفي تطلعيلي."
عقدت ما بين حاجبيها باستغراب، وقالت بتساؤل: 
"اطلعلك فين؟ أنا مش الفيلا بتاعتنا اصلا، أنا عند خالتو سمية، علشان مامي منهارة ومرضتش تسيبها لوحدها."
أجابها سريعًا، وكأنه كان مستعدًا لهذا السؤال: 
"عارف يا أروى، خالك تامر قالي، وانا واقف بعربيتي قصاد الفيلا بتاعة خالتك سمية."
اعتدلت في جلستها سريعًا، واتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بفرحة صغيرة، وقالت: 
"بجد! أنا جايه حالا."
أغلقت الخط سريعًا، ثم أسرعت إلى الداخل، وقالت بصوت مرتفع وعجل:
"مامي أنا خارجة شوية وجايه."
لم تنتظر ردًا، فقد كانت تحتاج إليه الآن أكثر من أي شيء.
ركضت إلى الخارج، وما إن رأته جالسًا داخل سيارته حتى هدأت ملامحها تلقائيًا. نظرت إليه بحب واضح، ثم اتجهت نحوه وصعدت إلى المقعد المجاور له.
جلست بجواره، وأول ما التقت عيناهما، شعرت أن كل ما كانت تخفيه انهار دفعة واحدة، فقالت بصوت مختنق:
"كنت حاسة أن محتاجة اشوفك اوي، مخنوقة ومضايقة، بسبب اللي حصل مع جواد، وحالة مامي الصعبة، حياتنا اتغيرت بطريقة غريبه اوي يا أحمد، لسه من كام يوم، كنا بنضحك وبنهزر والحياة جميلة، فجأة كل حاجة اسودت والدنيا ادتنا ضهرها، ليه الدنيا غدارة بالشكل ده؟ ليه متفضلش حلوة على طول؟"
نظر إليها أحمد طويلًا، وكان يرى في عينيها ذلك الانكسار الذي تحاول إخفاءه. أمسك يدها برفق وربت عليها بحنو، ثم تكلم بصوت هادئ، يحمل حكمة رجل خبر الحياة أكثر منها:
"لأن الدنيا دي دار اختبارات، عايشين فيها علشان نعدي فيها بمراحل وكل مرحلة نطلع منها بدرس مفيد نكمل بي اللي بعده، عمرها ما كانت وردي على طول ولا عمرها هتكون اسود على طول، فيها ده وفيها ده وعلشان نوصل للوردي لازم نمر بالاسود الاول، وفى تلك الحالتين، كل اللي يجيبه ربنا خير، حتى لو مش عجبك أو مش راضيه بي، علشان كده لازم كل مرة يحصلك ابتلاء تقولي، الحمدالله فى السراء و الضراء، وربك قال فإن مع العسر يسرا، كررها مرتين، يعني ربنا قالك كده فى كتابه الشريف وانتي جاية مش عجبك، احمدي ربنا يا أروى وهي محنة وهتخرجوا منها قريب إن شاءالله."
كانت تستمع إليه وكأن كلماته تنساب فوق قلبها المرهق كالماء البارد فوق نار مشتعلة.
نظرت إليه بحب شديد وقالت بصدق:
"اهو أنا كنت محتاجك علشان كده، كلامك جميل اوي وبيريحني، وجودك بيطمني يا احمد."
ابتسم لها بحب دافئ وقال:
"وانا موجود علشانك وفى أي وقت تحتاجيني فكري بس فيا وهتلاقيني عندك على طول من غير ما تقولي."
تأثرت بكلماته، وبذلك الأمان الذي يمنحه لها دائمًا، فاقتربت منه دون تفكير، وارتمت داخل أحضانه وتمسكت به، وكأنها وجدت الملاذ الذي كانت تبحث عنه، وقالت بصوت خافت صادق:
"أنا بحبك اوي يا احمد."
تفاجأ أحمد بما فعلته، وشعر للحظة باضطراب داخله، لكنه سرعان ما تمالك نفسه. أبعدها عنه بهدوء، وابتسم لها حتى لا تشعر بالإحراج، ثم قال بنبرة هادئة ثابتة:
"وانا كمان بحبك، وعلشان بحبك مينفعش اساعدك على الغلط، احنا لسه مافيش أي حاجة شرعي ما بينا، يعني انا راجل اجنبي بالنسبالك، اللمسة ما بينا حرام حتى مسكت الأيد اللي انا بمسكها ليكي حرام، بس دي الصراحه مش بقدر امنع نفسي منها، إنما أي حاجه تانيه مينفعش عايز افضل محافظ عليكي لحد ما تبقى فى بيتي، أنا بقولك كده علشان انتي لسه صغيرة مشاعرك مندفعة وده طبيعي فى سنك دلوقتي، وبما أنا دلوقتي العقل الكبير فى علاقتنا دي لازم اتحكم فى مشاعري ومشاعرك فى وقت واحد، فهمتي يا قلبي؟"
خفضت رأسها بخجل، وشعرت بحرارة الإحراج تصعد إلى وجهها، ثم قالت بتلعثم: 
"ا أنا مقصدش حاجة وحشه والله ب بس انا كنت عايزة اوصلك أنا قد ايه محتاجلك."
ابتسم لها بحب، وقال بهدوء: 
"عارف وفاهم انتي تقصدي ايه، وانا من غير أي فعل منك هكون جنبك وسندك يا حبيبتي."
ظلت تنظر إلى الأسفل بخجل، لكن صوته الحنون عاد يخطف انتباهها حين قال:
"أروى أنا بحبك فى كل حالاتك، ومش عايزك تتكسفي من أي حاجة بتحصل ما بينا، أنا اكبر منك وطبيعي اكون فاهم الحياة اكتر منك، علشان كده من وجبي أن اصحح ليكي الخطأ وقت ما يحصل علشان تبقى ناضجة وفاهمه كل حاجة كل ما تكبري اكتر."
رفعت عينيها إليه، ثم أومأت برأسها بتفهم وقالت: 
"حاضر."
ابتسم لها بخفة وقال: 
"اسمها حاضر يا حبيبي."
ابتسمت بخجل، وقالت بصوت خافت:
"حاضر يا حبيبي."
نظر إليها بحنان، ثم قال: 
"يلا يا قلبي ادخلي جوة علشان أنا هروح قسم الشرطة علشان اكد أن اخوكي كان معانا فى الكافية وقت الجريمة اللي حصلت دي."
نظرت إليه بتذمر طفولي، وقالت: 
"طيب خليك معايا شوية، أنا ملحقتش اشبع منك."
ربت على يدها بحنو وقال: 
"معلش يا حبيبتي لازم ابقى جنب اخوكي دلوقتي، ولما يخرج بالسلامة هاجي اتقدملك ويبقى فيه حاجه ما بينا رسمي، واقعد معاكي براحتي."
أومأت برأسها على مضض، ثم فتحت باب السيارة وترجلت منها وعادت إلى الداخل بخطوات بطيئة، وقلبها أخف قليلًا مما كان.
أما أحمد، فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن ناظريه، وبقيت ابتسامتها عالقة في ذاكرته.
تنهد بهدوء، ثم أدار السيارة وتحرك بها سريعًا نحو قسم الشرطة، حيث كانت معركة جواد لم تنتهي بعد.
   ****************************
جلست رنيم خلف مكتبها بكل ما عرف عنها من هيبة وثبات، وكأن ما مر بها في الأيام الماضية لم يترك أثرًا على ملامحها، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا. كان داخلها يغلي، أفكارها تتصادم، وغضبها يتضخم مع كل ساعة تمر. ورغم هدوء جلستها، ورغم ذلك القناع الصلب الذي ترتديه أمام الجميع، إلا أن ما يسكن أعماقها كان أبعد ما يكون عن السكينة.
وضعت مرفقيها فوق سطح المكتب، وأمسكت هاتفها بين يديها، وظلت تعبث به بلا وعي، تمرر أصابعها فوق الشاشة مرارًا، كأنها تبحث عن شيء أو ربما عن قرار أخير يحسم هذا الصراع الذي ينهشها.
لكنها كانت تعرف جيدًا ما تريد.
وفجأة، توقف إصبعها، ظهر اسمه أمامها.
ثبتت عيناها عليه لعدة لحظات، نظرة طويلة مليئة بالتردد والغضب والتحدي، وكأن مجرد رؤية اسمه كفيلة بإشعال نار كامنة في صدرها. كانت تتذكر كل ما فعله بها، كل ما خسرته بسببه، كل مرة جعلها تشعر بالعجز والانكسار.
ضاقت عيناها قليلًا، ثم ضغطت على اسمه أخيرًا.
رفعت الهاتف إلى أذنها، وانتظرت.
مرت ثواني قليلة، لكنها بدت لها طويلة على غير العادة، حتى جاءها صوته الرجولي، يحمل نبرة دهشة واضحة ممزوجة بشيء من السخرية الخفيفة:
"مش مصدق نفسي الانسه رنيم الدسوقي بنفسها! خير؟ ياريت يكون اللي فى بالي صح."
بمجرد أن سمعت صوته، شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخلها، لكن هذه المرة لم تسمح لنفسها بالتراجع. تماسكت، وأخرجت صوتها هادئًا، لكنه حذر ومدروس:
"عايزة اقابلك بليل ويكون فى مكان مقفول."
ساد الصمت على الطرف الآخر.
صمت ثقيل، وكأن ما قالته كان خارج كل توقعاته.
مرت لحظات طويلة، حتى عاد صوته أخيرًا، لكنه هذه المرة كان مشبعًا بالدهشة وعدم التصديق:
"هو اللي انا سمعته ده بجد؟ عايزة تقابليني بليل فى مكان مقفول؟"
أغلقت عينيها للحظة، ثم أجابته بإصرار واضح، ونبرة جادة لا تقبل التشكيك:
"ايوه اللي سمعته ده بجد، هينفع ولا لا؟"
جاءها رده سريعًا، وكأنه يخشى أن تغير رأيها في أي لحظة، وكان صوته يحمل شيئًا من الحماس الذي لم يستطع إخفاءه:
"ينفع طبعا، هبعتلك العنوان على الابلكيشن نتقابل بليل على الساعة تمانيه."
عندها، ارتسمت على وجه رنيم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن ابتسامة رضا، بل ابتسامة انتصار بارد، وكأنها وصلت أخيرًا إلى الخطوة التي كانت تنتظرها.
ضيقت عينيها، وقالت بنبرة تحمل توعدًا مبطنًا:
"تمام نتقابل بليل علشان هتكون بداية جديدة ما بينا."
ثم أغلقت الخط.
أنزلت الهاتف ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وعيناها معلقتان أمامها بشرود غريب.
كانت ترى الأمر بوضوح في عقلها.
هذه الليلة ستكون فاصلة.
ليلة ستغير أشياء كثيرة.
لكن ما لم تكن تعلمه، أن تلك البداية الجديدة التي تحدثت عنها، ستكون بالفعل بداية جديدة.
بداية مختلفة تمامًا عن كل ما رسمته في خيالها.
بداية ستفتح أبوابًا لم تكن مستعدة لعبورها، وستقلب موازين كثيرة، ليس فقط بينها وبينه، بل داخل قلبها هي أيضًا.
     **************************
جلست ترنيم على الأريكة بجوار سمية، بجسد منهك وروح أثقلها الوجع، وكأنها تحمل فوق كتفيها سنوات طويلة من الحزن لم تستطع الأيام أن تنتزعها من قلبها. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها غارقتين بالدموع التي لم تجد سبيلًا للتوقف، وكأن ما يحدث الآن أعاد فتح جراح قديمة ظنت يومًا أنها التأمت، لكنها كانت كامنة فقط، تنتظر لحظة انهيار لتنزف من جديد.
التفتت نحو سمية، وعيناها تسبحان في بحر من الانكسار، ثم حركت رأسها بالرفض، وكأنها ترفض الحياة نفسها، وخرج صوتها مختنقًا من شدة البكاء، يحمل ألم سنوات كاملة اختلطت بوجع اللحظة:
"مش كفاية اللي حصل فى حياتي زمان وانا صغيرة حتى لما كبرت الحزن والوجع ملزمني، زمان كانت أول خسارة ليا لحظة ما سلطان اتقبض عليه ظلم، ودلوقتي ابني فى نفس المكان نفس الوجع نفس المرارة اللي حاسه بيها، ليه مش مكتوب ليا ارتاح يا سمية ليه؟"
كانت كلماتها تخرج محملة بثقل الذكريات، وكأن الماضي لم يمت، بل عاد اليوم ليقف أمامها من جديد، ولكن هذه المرة في صورة ابنها.
نظرت إليها سمية بحزن عميق، ثم اقتربت منها واحتضنتها بقوة، محاولة أن تمنحها بعض السكينة وسط هذا الإعصار الذي يضرب روحها، وتكلمت بنبرة هادئة، حانية، لكنها حازمة في الوقت ذاته:
"يا حبيبتي اهدي، غريب مش هيسكت غير لما يخرج ابنه من المكان ده، جواد مش سلطان يا ترنيم بلاش تحطيهم فى مقارنة مع بعض، ظروف سلطان تختلف عن ظروف جواد، سلطان لا كان ليه أب يقف في ضهره ولا يحميه زي ما غريب بيعمل مع جواد دلوقتي، خدي بالك من كلامك وافعالك علشان انتي كده بتجرحي جوزك بكلامك ده من غير ما تحسي، سلطان دلوقتي ربنا يرحمة عند ربه، جوزك هو اللي باقي ليكي، وانا واثقه أنه هيقدر يحمي ابنه كويس اوي ويخرجه من الأزمة اللي هو فيها دي."
أغمضت ترنيم عينيها بقوة، وكأنها تحاول حبس هذا الوجع داخل صدرها، لكن قلبها كان أضعف من أن يتحمل كل هذا الثقل. حركت رأسها بالرفض مرة أخرى، وقالت بصوت موجوع، وكأن الكلمات تنتزع من روحها انتزاعًا:
"غصب عني يا سمية بشوف سلطان فى كل حاجة بتحصلي فى حياتي، حاسة أن شريط حياتي بيتاعد من أول وجديد، بس فى أبني، انا قلبي مبقاش حمل وجع تاني والله."
كانت ترتجف وهي تتحدث، وكأن مجرد الاعتراف بما تشعر به يجعل الألم أكثر واقعية.
ربتت سمية على ظهرها بحنان، تحاول تهدئتها وتثبيتها، وقالت بصوت مليء بالاحتواء:
"فاهمه والله وحاسة بيكي، بس مش عايزاكي تخسري كل حاجة، اهدي بس وان شاءالله ربنا هيطمنا على جواد دلوقتي."
وفي تلك اللحظة المشحونة بالحزن والقلق، أعلن هاتف جواهر عن وجود اتصال.
رفعت جواهر الهاتف، ونظرت إلى الشاشة باستغراب، وقد انعقد حاجباها وهي ترى الرقم. اعتدلت في جلستها ثم نهضت بهدوء، وتحركت بخطوات مترددة نحو الحديقة الداخلية للفيلا، مبتعدة قليلًا عن ترنيم وسمية حتى لا تضيف إليهما مزيدًا من القلق.
وقفت في زاوية بعيدة نسبيًا، ثم أجابت على الاتصال، وقالت باستغراب واضح:
"السلام عليكم مين معايا."
جاءها صوت رجولي من الطرف الآخر، هادئًا لكنه مألوف، يحمل نبرة جعلتها تنقبض من الداخل:
"وعليكم السلام، أنا وحيد يا انسه جواهر عاملة ايه؟"
أغلقت عينيها بضيق فور سماع صوته، وكأن حضوره وحده بات عبئًا ثقيلًا عليها، ثم تكلمت بنفاذ صبر واضح، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى نبرتها:
"انت تاني! انت عايز مني ايه بالظبط كام مرة قلتلك متتصلش بيا."
لكن صوته جاء هادئًا، هدوءًا مريبًا، وكأنه يتعمد استفزازها بصبر بارد:
"مقدرش اسيبك فى ظرف زي ده، بعد ما عرفت اللي حصل لجوزك وهو موجود فين دلوقتي."
ما إن ذكر جواد حتى اشتعل الغضب داخلها، وضغطت على أسنانها بقوة، وكأن مجرد ذكر اسمه على لسانه أمر لا تحتمله، ثم قالت بتحذير واضح وصريح:
"سيرة جوزي متجيش على لسانك، هو مظلوم اصلا وهيخرج منها قريب اوي، ولو مبطلتش تتصل بيا كل شوية هبلغه وهخليه يجيلك يكسرك عضمك."
ساد الصمت للحظات.
صمت ثقيل، جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، وكأن هذا الهدوء يحمل خلفه شيئًا أخطر.
ثم عاد صوته إليها، لكنه هذه المرة كان مختلفًا، أكثر برودًا، وأكثر ظلامًا، كأن الشر تسلل إلى كل حرف خرج منه:
"تمام، كده بقى هتخليني استخدم معاكي طريقة مكنتش حابب أظهرها ليكي دلوقتي بصي على الواتس عندك يا حلوة وبعد كده لينا كلام تاني مع بعض."
ثم أغلق الخط فجأة، دون أن يمنحها فرصة للرد.
أنزلت الهاتف عن أذنها ببطء، وعقدت بين حاجبيها باستغراب شديد، بينما بدأ شعور غريب بالتوتر يتسلل إلى صدرها.
وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة.
نظرت إلى الشاشة للحظات، ثم فتحتها.
وما إن وقعت عيناها على محتواها حتى تجمد الدم في عروقها.
كانت رسائل سابقة لها بالفعل، رسائل تعرفها جيدًا.
لكنها لم تكن كما تتذكرها.
كانت محذوف منها بعض الكلمات بعناية، ومقتطعة بطريقة تجعل المعنى منحرفًا تمامًا، لتوحي وكأن هناك علاقة خفية تجمع بينها وبين وحيد، وكأنها تخفي الأمر عن جواد، وتخشى أن يعلم به.
شهقت بقوة، ووضعت يدها فوق فمها، وقد اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وبدأت تحرك رأسها بالرفض بعنف، وكأنها تحاول إنكار ما تراه أمامها، ثم خرج صوتها مرتجفًا، محملًا بالصدمة والرعب:
"كدب محصلش والله العظيم ما حصل."
ارتجفت يداها وهي تمسك الهاتف، وشعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافها، لم يكن خوفها من الرسائل نفسها، بل من استخدامها ضدها، من أن تصل إلى جواد، من أن تفهم بطريقة خاطئة، ومن أن تهدم ما تبقى بينهما في وقت هش كهذا.
بسرعة ولهفة، أجرت اتصالًا به، تنتظر أن يجيب، أن يفسر، أن ينفي، أن يتراجع، لكن، لم يجب، حاولت مرة أخرى، ولا رد.
هنا بدأت دقات قلبها تتصاعد بعنف داخل صدرها، حتى شعرت أنها تسمعها بوضوح، وتسلل إليها خوف ثقيل، خوف لم يكن من وحيد فقط، بل من القادم كله، من الخطوة التالية التي يخطط لها.
ومن المصيبة التي قد تقع فوق رأسها في أي لحظة.
وقفت في مكانها، وعيناها معلقتان بالشاشة، وأنفاسها متسارعة، وقلبها يرتجف داخل صدرها، تشعر بوضوح أن ما حدث الآن، لم يكن سوى البداية.
       *************************
عاد المحامون مرة أخرى إلى حيث يجلس غريب وجواد وتامر، لكن هذه المرة لم يكن دخولهم عاديًا، بل حملت وجوههم ما يكفي ليعلن أن هناك أمرًا جللًا قد وقع. كانت ملامحهم مشدودة، وأعينهم متوترة، وخطواتهم متثاقلة كأنهم يحملون فوق أكتافهم خبرًا ثقيلًا لا يعرفون كيف يلقونه.
رفع غريب بصره إليهم، وأطال النظر في وجوههم بخبرة رجل اعتاد قراءة ما يخفى قبل أن يقال، فأدرك من أول وهلة أن الأمر لا يبشر بخير.
اعتدل في جلسته، وتصلبت ملامحه، ثم قال بصوت جاد يحمل نبرة أمر واضحة:
"شكلكم فيه حاجه، اتكلموا."
تبادل المحامون النظرات فيما بينهم، وكأن كل واحد منهم يدفع الآخر ليتحمل عبء النطق بالحقيقة، ثم تقدم أحدهم خطوة إلى الأمام، لكن التوتر كان واضحًا في ارتجافة صوته حين قال بتلعثم:
"ه هو حضرتك، ا احنا الحمدالله قدرنا نثبت براءة جواد باشا ومعانا جميع ما يثبت أنه مش هو الجاني."
ساد الصمت للحظة.
نظر إليه غريب نظرة ثابتة، ثم أومأ له برأسه أن يكمل، وقد أدرك أن ما قيل ليس كل شيء، وأن الجزء الأخطر لم يذكر بعد.
قال بصوت منخفض، لكنه حاد:
"تمام، وايه كمان؟"
ابتلع المحامي ريقه بصعوبة، وشعر أن الكلمات تكاد تختنق في حلقه، ثم قال بصوت متقطع، متردد:
"ب بس الكاميرات كلها، ج جايبة الانسه جواهر وهي داخلة عندها وبعدها بشوية خرجت من عندها، وكان تقريبا نفس وقت الجريمة."
كانت الجملة كالقنبلة.
انتفض جواد من مكانه فجأة، وكأن تيارًا كهربائيًا صعقه في قلبه قبل جسده، واتسعت عيناه بصدمة ممزوجة بغضب مرعب، وصاح بصوت غاضب، اهتزت له جدران المكان:
"ايه الجنان ده؟ انت واعي للكلام اللي بتقوله ده؟"
أما غريب، فأغمض عينيه للحظة، محاولًا احتواء الغضب الذي بدأ يتصاعد في المكان، ثم قال بنفاذ صبر وهو يحاول فرض السيطرة:
"اهدا يا جواد لما يكمل كلامه."
لكن جواد لم يكن يسمع.
لم يكن عقله قادرًا على تجاوز تلك الفكرة، اسم جواهر، زوجته، في قضية قتل؟
التفت نحو والده بعينين مشتعلة، وقال بصوت يغلي غضبًا ورفضًا:
"كلام ايه يا بابا، أنا اسم مراتي ميجيش فى مكان زي ده، أنا مش عايز محامين، ولا عايز حد يتكلم فى خروجي أنا هفضل هنا، لحد ما يوصلوا للقاتل الحقيقي، إنما جواهر، مستحيل تدخل هنا لحظة واحده فاهمين."
كان صوته يحمل تصميمًا حقيقيًا.
لم يكن يفكر في نفسه أصلًا.
كل ما يشغله الآن أن تحمى جواهر، حتى لو كان الثمن بقاؤه هو خلف القضبان.
اقترب منه تامر سريعًا، واضعًا يده على كتفه، يحاول تهدئته قبل أن ينفجر أكثر، وقال بصوت مختنق من القلق:
"اهدا طيب يا جواد خلينا نعرف هنعمل ايه فى الخطوة الجايه دي."
لكن جواد كان على حافة الانفجار.
بينما رفع غريب نظره إلى المحامي، وقد أصبح صوته أكثر برودًا، ذلك البرود الذي يسبق العاصفة، وقال بتساؤل خطير:
"طيب احنا عايزين نثبت براءة جواد من غير ما نجيب اسم مراته فى الموضوع ده."
خفض المحامي عينيه للحظة، ثم حرك رأسه بالنفي، وكأنه يعلن عجزه أمام الأمر الواقع، وقال بصعوبة:
"للاسف مش هينفع خلاص يا غريب باشا، اصلا تفريغ الكاميرات ده تم بأمر من وكيل النيابة يعني كان تحت إشرافهم هما وشافوا كل حاجة ودلوقتي، احم جاري تحضير تصريح ألقاء القبض على انسه جواهر."
وكأن تلك الكلمات كانت الشرارة الأخيرة.
اشتعل شيء مظلم داخل جواد.
غضب عارم، مخيف، أفقده القدرة على التفكير.
اندفع نحو المحامي بسرعة عنيفة، وأمسك به من ملابسه بقوة حتى اختنق الرجل بين يديه، وصاح بصوت جهوري ملأ المكان:
"انت بتقول ايه يا مجنون انت؟ جواهر مين دي اللي يتقبض عليها ده انا هطلع روحك بأيديا دول، اتصرف وابعد مراتي عن كل المواضيع دي انت فااااهم."
كان غضبه حقيقيًا، وعيناه تحملان جنون رجل مستعد لهدم العالم كله لأجل امرأة يحبها.
اندفع غريب وتامر نحوه بسرعة، وحاولا جذبه بعيدًا عن المحامي الذي بدأ وجهه يحمر من شدة قبضته.
صرخ غريب بغضب شديد وهو يحاول سحبه:
"ابعد عنه يا ابن الكلب، هو ملهوش ذنب، يا ابني الراجل هيموت فى ايدك."
وتكلم تامر هو الآخر وهو يساعده في إبعاده، وصوته يحمل رجاء حقيقيًا:
"سيب الراجل يا جواد، و هنشوف صرفه نخرج بيها جواهر اسمع الكلام بقى يا ابني وسيب الراجل هيموت فى ايدك."
لكن جواد كان كالثور الهائج.
احتاج الأمر تدخل كل من كان في المكان، حتى تكاثروا عليه جميعًا وتمكنوا أخيرًا من إبعاده عن المحامي بصعوبة شديدة.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مشتعلة بالغضب، وجسده كله يرتجف من شدة الانفعال.
ورغم أن الرجال كانوا يمسكون به بقوة، إلا أنه ظل يقاومهم، ويصرخ بصوت هادر:
"اقسم بالله لو مراتي مخرجتش من الموضوع ده ونامت فى البيت لأهد المكان فوق صاحبه فاااهمين."
كانت قسمًا حقيقيًا، قسم رجل يعرف الجميع أنه قادر على تنفيذه.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد العساكر بعدما أدركوا أن الوضع خرج عن السيطرة، وأخذوا جواد بالقوة إلى غرفة أخرى حتى يهدأ، بعدما أصبح بقاؤه في المكان خطرًا على الجميع.
ظل غريب واقفًا للحظات، يلهث من أثر محاولة السيطرة عليه، ثم جلس أخيرًا على الأريكة، وأسند ظهره إليها، محاولًا التقاط أنفاسه، لكن عقله كان يعمل بسرعة جنونية.
رفع رأسه ونظر إلى المحامين، وقد عادت ملامحه إلى صلابتها المعتادة، ثم قال بنبرة أمر لا تقبل التهاون:
"شوفوا صرفه أثبتوا بيها براءة جواهر قبل ما يبدأوا التحقيق معاها، مش لازم تقعد هنا لحظة واحدة."
أومأ المحامون برؤوسهم سريعًا، ثم غادروا المكان على الفور، وقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا مما توقعوا.
ساد الصمت لثواني.
صمت ثقيل، مشحون بالخوف والترقب.
نظر تامر إلى غريب، وكانت ملامحه شاحبة من هول ما يحدث، ثم قال بصوت مختنق:
"هنعمل أيه يا غريب؟ الموضوع بقى يتعقد اكتر من الأول شكل كده الحرب دي هتكون صعبه اوي علينا."
رفع غريب عينيه ببطء، وكانت النظرة التي فيهما تحمل غضبًا عتيقًا وخطرًا قادمًا، ثم تنهد بضيق واضح، وقال بصوت خافت لكنه مثقل بالتهديد:
"دي لسه البداية، واللي جاي ربنا يستر منه."
ثم رفع بصره أمامه في صمت ثقيل، وعقله يركض بين أسوأ الاحتمالات، يحاول أن يتوقع الضربة القادمة، لكنه كان يعلم في داخله، أن ما بدأ الآن، لن يتوقف بسهولة.
   ****************************
انتهى وقت العمل في الشركة، لكن رنيم لم تشعر بأن يومها انتهى، بل كانت تشعر وكأن شيئًا ثقيلًا ما زال ينتظرها في آخر هذا الليل. خرجت من مكتبها بملامح جامدة تخفي خلفها عاصفة من الأفكار المتشابكة، ثم اتجهت إلى سيارتها وصعدت إليها في صمت ثقيل، وأدارت المحرك وتحركت بها بسرعة، كأنها تهرب من شيء يطاردها في داخلها قبل أن يكون خارجها.
طوال الطريق، كانت قبضتاها مشدودتين فوق المقود، وعقلها مشوشًا بما حدث طوال اليوم؛ الشركة، شاهين، تهديداته، انهيار كل شيء من حولها، ثم خبر جواد، ذلك الخبر الذي حاولت أن تتظاهر أمام الجميع بأنه لا يعنيها، لكنها في أعماقها لم تستطع تجاهله بالكامل.
بعد وقت، وصلت إلى الفيلا.
أوقفت السيارة سريعًا، ثم ترجلت منها بخطوات متعجلة ودلفت إلى الداخل.
وما إن وقعت عيناها على ترنيم الجالسة هناك، حتى زفرت بضيق واضح، فقد كانت رؤيتها وحدها كفيلة بإشعال نار قديمة داخلها، نار الحقد والرفض وكل ما تراكم عبر السنين.
لم تتفوه بكلمة.
اكتفت بتجاوزهم وصعدت إلى غرفتها مباشرة.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات، وأغمضت عينيها كأنها تحاول جمع شتات نفسها.
ثم بدأت تبدل ملابسها بهدوء.
خلعت ملابس العمل وارتدت شيئًا مريحًا، كأنها تحاول إخفاء حقيقتها خلف مظهر عادي، ثم عقدت شعرها على هيئة كحكة، لكن رغم هذا الهدوء الظاهري، كانت عيناها تلمعان بشيء آخر، شيء يشبه القرار.
تحركت نحو المكتب، وقفت أمامه للحظات.
ثم فتحت الدرج ببطء.
مدت يدها إلى الداخل، وأخذت تتحسس ما فيه حتى التقطت السلاح.
تأملت السلاح بين يديها للحظة طويلة، وكأنها تستحضر في عقلها كل ما دفعها للوصول إلى هذه اللحظة، ثم وضعته داخل حقيبتها، وقفت أمام المرآة.
حدقت في انعكاسها طويلًا.
كانت تنظر إلى نفسها وكأنها ترى امرأة أخرى لا تعرفها.
امرأة أثقلتها الخيبات، وأحرقها الغضب، وأوصلها الألم إلى حافة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستقف عليها.
أخذت نفسًا عميقًا، وأخرجته بهدوء.
ثم استدارت وخرجت من غرفتها.
هبطت من أعلى الدرج بخطوات ثابتة، رغم العاصفة التي تضرب داخلها، واتجهت مباشرة نحو الباب.
لكن قبل أن تضع يدها على المقبض، أوقفها صوت سمية.
توقفت مكانها.
استدارت إليها، وحاولت أن تخفي اضطرابها، ثم تكلمت بصوت مختنق:
"نعم يا عمتو."
نظرت إليها سمية بتفحص، ثم قالت بتساؤل يحمل قلقًا واضحًا:
"رايحه فين كده فى الوقت ده يا رنيم؟"
رفعت رنيم عينيها إليها، ثم تكلمت بضيق ظاهر، بينما كانت نظراتها تمر سريعًا فوق ترنيم، ممتلئة بذلك الكره القديم الذي لم تستطع يومًا دفنه:
"هروح اشم شوية هوا بدل المكان بقى يخنق هنا."
زفرت جواهر بضيق، وأشاحت بوجهها إلى الاتجاه الآخر.
كانت أفعال رنيم في هذه الفترة تؤلمها أكثر مما تغضبها، وكأنها لم تعد تعرف تلك الفتاة التي كانت تعتبرها يومًا أقرب الناس إليها.
أما سمية، فقد شعرت بشيء ثقيل في قلبها، لكنها لم تضغط عليها، فقط قالت بصوت مختنق يحمل خوفًا واضحًا:
"حاولي متتأخريش بره الدنيا ليل ومافيش امان."
أومأت رنيم برأسها بطاعة ظاهرية، وقالت بهدوء:
"حاضر يا عمتو، عن اذنك."
ثم استدارت وغادرت المكان سريعًا، وكأنها تخشى أن يمنعها أحد أو يسألها أكثر.
ما إن خرجت، حتى نظرت جواهر إلى أثرها بحزن ثقيل، ثم قالت بصوت مختنق، يحمل خيبة واضحة:
"أنا مصدومة فى رنيم اوي يا ماما مكنتش اتخيل انها تسيبني فى وقت زي ده لوحدي."
رفعت ترنيم بصرها نحو الباب الذي خرجت منه رنيم، وتنهدت بحزن عميق، ثم قالت بصوت مكسور:
"ربنا يهديها لنفسها، متزعليش منها يا بنتي انتوا ملكمش غير بعض."
لكن قبل أن يكتمل الحديث، دوى جرس الباب.
رفعت جواهر رأسها باستغراب، ثم تحركت نحو الباب وفتحته.
لكن ما إن فتحته حتى تجمدت مكانها.
الشرطة.
وقفت تنظر إليهم بدهشة ممزوجة بالقلق، ثم قالت باستغراب:
"خير حضرتك؟"
نظر إليها الضابط بملامح جامدة، ثم قال بصوت غليظ:
"انتي الانسه جواهر حسام؟"
ارتجف قلبها للحظة.
وأومأت برأسها بتأكيد، وقالت بقلق واضح:
"ا ايوه انا جواهر."
في تلك اللحظة اقتربت سمية وترنيم بسرعة، وقد انتابهما القلق فور رؤيتهما رجال الشرطة، ثم قالت سمية بصوت مضطرب:
"خير يا باشا حضرتك بتسأل على جواهر ليه؟"
نظر إليهم الضابط، ثم قال بوضوح صادم:
"مطلوب القبض عليها بتهمة القتل."
وكأن الزمن توقف.
اتسعت أعينهم جميعًا بصدمة عنيفة.
شعرت جواهر وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
أما سمية، فقد شهقت بصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع فورًا، وقالت بصوت مرتجف:
"ق قتل مين يا باشا ب بنتي مستحيل تعمل حاجة زي كده."
لكن الضابط لم يبدو أي تأثر، بل أمسك جواهر من ذراعها بنبرة رسمية صارمة:
"تقدروا تعرفوا كل حاجة فى قسم الشرطه اتفضلي يا انسه معانا."
نظرت جواهر إلى والدتها، ثم إلى ترنيم، وعيناها امتلأتا بخوف حقيقي لم تستطع إخفاءه.
كان جسدها يرتجف.
وعقلها عاجزًا عن فهم ما يحدث.
كيف تحولت في لحظة من زوجة تنتظر خروج زوجها من محنته، إلى متهمة بالقتل؟
تحركت معهم ببطء، وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.
وما إن ابتعدوا، حتى ركضت ترنيم إلى الداخل بسرعة، وأمسكت هاتفها بيد مرتجفة، وأجرت اتصالًا سريعًا.
انتظرت الرد، وما إن سمعت صوت غريب حتى انفجرت الكلمات من بين شهقاتها:
"الحق يا غريب الشرطه اخدت جواهر دلوقتي."
جاءها صوته هادئًا، لكنه كان مختنقًا بثقل الموقف:
"ايوه يا ترنيم عارف، ابنك اخد براءة بس للاسف جواهر كانت موجودة عندها وقت الجريمة والتهمة مثبوته عليها."
وضعت يدها فوق فمها بصدمة عنيفة، ونظرت إلى سمية التي كانت منهارة تمامًا، وقالت بصوت مبحوح:
"احنا جاين حالا."
ثم أغلقت الخط سريعًا.
اقتربت من سمية، التي كانت في حالة انهيار كامل، وأمسكت بها تحاول تثبيتها، ثم قالت بصوت مختنق:
"امشي معايا تعالي نروح وراها وهناك هنعرف كل حاجة."
ساعدتها على التحرك.
كانت سمية بالكاد تقوى على السير.
فتحت ترنيم باب السيارة، وأجلستها على المقعد بحرص، ثم أغلقت الباب واتجهت إلى الجهة الأخرى.
صعدت خلف المقود.
وضعت يديها المرتجفتين عليه.
وأدارت السيارة.
ثم انطلقت بها بسرعة جنونية، وقلبها يخفق بعنف، بين خوف على جواهر، وخوف أكبر مما هو قادم.
    **************************
وقفت رنيم أسفل البناية التي أرسل إليها عنوانها، وقد شعرت في تلك اللحظة وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة كما كانت، وكأن الهواء من حولها صار أثقل من أن يستنشق بسهولة. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما كانت أصابعها تنغرس في حقيبتها بقوة حتى كادت تمزقها من شدة التوتر الذي استولى على أعصابها. كانت دقات قلبها متسارعة، عنيفة، تضرب صدرها كأنها تريد الفرار منه، أما عقلها فكان في صراع مرير بين التراجع والمضي في الطريق الذي اختارته بنفسها.
أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تهدئ به اضطرابها، ثم أخرجته ببطء وهي تغمض عينيها للحظة، كأنها تمنح نفسها دفعة أخيرة من الشجاعة، قبل أن تترجل أخيرًا من السيارة وتغلق الباب خلفها بهدوء متوتر، ثم اتجهت بخطوات ثقيلة نحو مدخل البناية.
دخلت إلى المصعد الكهربائي، وضغطت على زر الطابق المدون في الرسالة، ثم وقفت وحدها داخله، تراقب الأرقام التي تتصاعد أمامها ببطء شديد، وكل رقم كان يزيد ارتجاف قلبها أكثر، وكأن المصعد لا يصعد بها إلى طابق، بل يصعد بها إلى مصير مجهول لا تعرف نهايته.
وحين توقف المصعد أخيرًا وانفتح الباب، بقيت واقفة مكانها لعدة لحظات، عاجزة عن الحركة، غارقة في أفكارها، تتساءل إن كانت ستتمكن فعلًا من تنفيذ ما جاءت من أجله، أم أنها كانت تخدع نفسها منذ البداية.
لكنها في النهاية أغلقت عينيها للحظة، وأرغمت قدميها على الحركة، واتجهت نحو باب الشقة الذي يحمل الرقم الذي أرسله لها.
وقفت أمامه، تحدق في زر الجرس طويلًا، وكأن ضغطة واحدة عليه ستغير كل شيء بعدها.
رفعت يدها ببطء شديد، ولامست الزر بأطراف أصابع مرتجفة، ثم ضغطت عليه، وسرعان ما أنزلت يدها وقبضت بها على حقيبتها من جديد، تنتظر.
مرت ثواني قليلة، لكنها بدت لها وكأنها ساعات طويلة، حتى انفتح الباب أخيرًا.
ظهر أمامها شاهين، بطوله وهيبته ونظرته الرجولية الحادة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي كانت دائمًا قادرة على إرباكها، حتى الآن.
تجمدت مكانها للحظة، وشعرت بقلبها يرتجف بعنف، بينما هو اكتفى بالنظر إليها طويلًا، ثم أفسح لها الطريق بصمت، مشيرًا لها بالدخول.
ظلت تنظر إليه، ثم إلى الداخل، والتوتر يزداد داخلها بشكل مؤلم، لكنها تحركت أخيرًا إلى الداخل بخطوات مترددة.
وما إن دخلت، حتى انتفض جسدها كله حين سمعت صوت الباب يغلق خلفها.
ذلك الصوت وحده جعلها تشعر وكأنها حوصرت داخل قفص لا مفر منه.
تجاوزها شاهين إلى الداخل دون أن يتحدث معها بكلمة واحدة، واتجه نحو الأريكة، جلس عليها بكل هدوء، ووضع قدمًا فوق الأخرى، ثم رفع عينيه إليها بسخرية واضحة، ينتظر أن تقترب.
أما هي، فوقفت مكانها للحظات، رفعت رأسها للأعلى وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تستجمع ما تبقى من قوتها.
ثم تحركت نحوه أخيرًا، ووقفت في منتصف الصالة أمامه، تعبث بأصابعها ببعضها من شدة التوتر.
ساد الصمت بينهما لثواني طويلة، حتى قطعه شاهين بصوته الساخر وهو يقول:
"اخر توقعاتي أن رنيم سلطان الدسوقي هي اللي تيجي لحد عندي برجليها."
رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها ممتلئة بالقهر والغضب والخذلان، ثم تكلمت بصوت مرتعش يحمل وجعًا حقيقيًا:
"ا انت ليه بتعمل معايا كده؟ ليه مصمم تهدمني، كل ده علشان حتة مناقصة اخدتها منك، قلتلك ارجعلك وكأن مافيش حاجه حصلت، بس انت دمرتني، حرقت الشركة والشغل خليت الناس كلها تطلب بحقها وتقف ليا، حتى أصحاب بابا من زمان وكانوا مستعدين يساعدوني مليون مره كلمتهم وخليتهم يرفضوا مساعدتي، حذرتك مليون مرة من غضبي، أستهترت بيا ولا كأني بقول حاجة، انت اللي وصلتني لكدة يا شاهين."
كانت كلماتها تخرج منها كأنها انفجار طويل من الغضب المكتوم، كأن كل ما تحملته خلال الأيام الماضية خرج دفعة واحدة.
ثم، دون مقدمات، فتحت حقيبتها سريعًا وأخرجت السلاح منها، ورفعته نحوه بيد مرتعشة تكاد لا تقوى على حمله.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، وتكلمت بصوت مرتعد يكاد ينكسر:
"أنا اخر حاجه كنت اتخيلها أن أفكر اقتل انسان، ليه خلتني أعمل كده؟ استفد ايه دلوقتي لما انت هتتقتل؟ وانا هتعدم؟"
لكن شاهين، لم يبدو عليه أي خوف.
لم يتحرك، لم يتراجع.
بل ظل محتفظًا بتلك الابتسامة المستفزة، وكأن الموت نفسه لا يعنيه.
ثم أنزل نظره إلى السلاح، قبل أن يميل بجسده للأمام قليلًا، ويرفع عينيه إليها من جديد، وقال ببرود قاتل:
"انتي أقل من انك تعملي كده، شوفي ايدك اللي بتترعش وهي ماسكه المسدس، شوفي شكل جسمك وهو بينتفض من الخوف، انتي جبانه يا رنيم."
كلماته اخترقت كبرياءها كالسهم.
اشتعل الغضب داخلها أكثر.
لكن الخوف كان ما يزال أقوى.
ثم نهض من مكانه، وتحرك نحوها بخطوات بطيئة وثابتة.
أما هي فتراجعت للخلف خطوة تلو الأخرى، والسلاح ما يزال موجهًا نحوه، وصوتها يرتجف وهي تقول:
"متقربش، هقتلك يا شاهين، بقولك هقتلك."
لكنه لم يتوقف، اقترب منها حتى صار ملاصقًا لها تمامًا، ينظر في عينيها مباشرة، ثم رفع يده وأمسك بيدها الممسكة بالسلاح، ووجهها نحو صدره، فوق قلبه مباشرة.
وانحنى قليلًا نحوها وهمس بصوت منخفض، عميق، جعل أوصالها ترتجف:
"أنا قصادك اهو اقتليني."
اختنقت أنفاسها، وامتلأت عيناها بالدموع، وبدأ جسدها يهتز بعنف وهي تحرك رأسها بالرفض وتقول من بين شهقاتها:
"مش بهدد هقتلك يا شاهين بجد."
لكن بدلًا من أن يبتعد، مال عليها فجأة، والتهم شفتيها في قبلة عنيفة، جائعة، وكأنه كان عطشانًا إليها منذ زمن طويل، وكأن تلك اللحظة كانت شيئًا انتظره طويلًا.
اتسعت عيناها بصدمة، وبدأت تدفعه بعيدًا عنها بكل قوتها، تضرب صدره وتحاول الإفلات منه.
لكنه كان ممسكًا بها بقوة، غير مستعد لتركها.
وفي لحظة ارتباك، لحظة اختلط فيها الخوف بالغضب والانفعال، ضغط إصبعها على الزناد.
ودوى صوت الرصاصة في المكان.
تجمد الزمن للحظة.
اتسعت عينا شاهين، وتصلب جسده، قبل أن تبدأ ذراعاه بالتراخي شيئًا فشيئًا.
ابتعد عنها ببطء، ثم سقط أرضًا.
والدماء بدأت تنساب منه بغزارة، كأنها بركان انفجر من جسده.
نظرت إليه رنيم بصدمة كاملة، وكأن عقلها رفض تصديق ما حدث.
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم صرخت بصوت ممزق، مليء بالوجع والذعر:
"ليه توصلني اعمل كده ليييييه؟"
فتح شاهين عينيه بصعوبة بالغة، ونظر إليها بوهن شديد، لكن تلك النظرة، لم تكن نظرة حقد، ولا تحدي.
بل كانت نظرة مغطاة بعشق خالص، موجع، صادق بطريقة أربكتها أكثر.
وتكلم بصعوبة، وصوته يكاد يختفي:
"هتصدقيني لو قلتلك أن مش فارق معايا الموت، يمكن علشان منك، أو يمكن علشان عيونك اخر حاجة هشوفها، امشي بسرعة يا رنيم وسيبي السلاح هحط عليه بصماتي، امشي قبل ما الجيران يجوا على صوت الرصاصة."
حركت رأسها بالرفض بعنف، وارتمت بجواره على الأرض، وضغطت على موضع الجرح محاولة إيقاف النزيف، ويداها ترتجفان بشدة.
لكن شاهين أمسك يدها، ورفعها إلى شفتيه، وقبلها قبلة ضعيفة مرتجفة، ثم قال بصوت متألم:
"متحاوليش، خلاص الرصاصة جوايا، امشي بسرعة ارجوكي."
أنهى كلماته الأخيرة، ثم أغمض عينيه.
وسقط في ظلام دامس.
أما رنيم، فوقفت ببطء، وجسدها كله يرتجف بعنف.
وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقاتها، وعيناها معلقتان به، وكأنها عاجزة عن استيعاب أن ما حدث قد حدث فعلًا.
بدأت تتراجع للخلف بخطوات غير متزنة، حتى اصطدم ظهرها بالباب.
انتفضت بقوة.
استدارت سريعًا، فتحت الباب بعنف، وخرجت تركض كالهاربة من جريمة لا تعرف كيف وقعت فيها.
دخلت المصعد وهي ترتجف، وهبطت إلى الأسفل، ثم خرجت منه مسرعة، ركضت نحو سيارتها، صعدت إليها، وأدارت المحرك بيدين مرتجفتين.
ثم انطلقت بها بسرعة جنونية، تغادر المكان، لكنها لم تكن تهرب من المكان فقط.
كانت تهرب من نفسها، من دمائه التي علقت بيديها، ومن نظراته الأخيرة التي ستظل تطاردها طويلًا.
 

تعليقات