رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الرابع عشر بقلم جاسمين محمد
مرت ليلة من أصعب الليالي على أبطالنا. ليلى فضلت حابسة نفسها في الأوضة، بس المرة دي كانت بتفكر في كلام آسر.. نظرة عينيه مكنتش نظرة "واجب"، كانت نظرة حد خايف يخسر روحه. أما آسر، فكان قاعد في المكتب بيراجع ملفات قديمة تخص "فاطمة" (والدة ليلى)، وقرر إنه لازم يواجه ليلى بالحقيقة كاملة، حتى الأجزاء اللي والده كان مخبيها.
في الصباح
آسر خبط على الباب بهدوء، ومعاه صينية فطار صغيرة وعليها وردة واحدة بيضاء.
آسر (بصوت هادي): "ليلى.. أنا عارف إنك مش طايقة تسمعي صوتي، بس على الأقل لازم تغيري على الجرح وتفطري عشان تقدري تقفي على رجلك.. أنا هسيب الصينية هنا وهنزل المكتب تحت، ولو احتجتي أي حاجة أنا موجود."
ليلى فتحت الباب بعد فترة، بصت للصينية وتنهدت بوجع. دخلت الصينية وقفلت الباب، بس لفت نظرها ظرف صغير تحت الوردة. فتحته لقت فيه "صورة قديمة" .. كانت صورة لوالدتها (فاطمة) وهي صغيرة مع أحمد (خالها)، ومكتوب بظهرها بخط إيد أحمد: "إلى ابنتي التي لم أنجبها.. فاطمة، بيتنا يظل مفتوحاً لكِ دائماً".
في المكتب
كان آسر قاعد شارد، دخلت عليه ليلى وهي بتسند على العكاز، وبإيدها الصورة.
ليلى (بصوت مهزوز): "ليه بعتلي الصورة دي دلوقتي، عايز توصلي اي من خلالها؟"
آسر (قام ووقف قدامها): "عشان تعرفي إن بابا مكنش عايز يرجع 'فلوس'، بابا كان عايز يرجع 'أصل'. بابا عاش عمره كله حاسس بالذنب إنه مقدرش يحمي عمتي فاطمة من جوازتها الأولى، ولما عرف بوجودك، شاف فيكي الفرصة الأخيرة عشان يكفر عن ذنبه.. أما أنا يا ليلى، فوافقت أتجوزك 'بأمر قلبي' مش بأمر بابا."
ليلى: "إزاي؟ وأنت مكنتش تعرفني أصلاً!"
آسر (ابتسم بمرارة): "كنت أعرفك من قبل ما اتشوفك في المستشفي ولم عملت العمليه لمامتك مكنش عشان البحث كان عشان عمتي البحث كان حجه اني اقرب منك ... فاكرة طيب الحادثة اللي حصلت قدام المستشفى من سنة؟ البنت اللي نزلت من العربية تساعد الست الغلبانة اللي وقعت في الشارع، وأنا كنت واقف في البلكونة وشوفتك؟ أنا سألت عليكي وقتها وعرفتك، ولما بابا جه بعد شهور وقالي إنه لقى بنت أخته 'فاطمة' وإنها محتاجة حماية.. وقتها وفضت لانك.كنتي عجباني بس لم وراني صوتك عرفت ان انتي نفس البنت اللي عجباني فأنا مكدبتش خبر، لأني كنت شوفت 'ليلى' الحقيقية قبل ما أعرف 'ليلى الوريثة'."
ليلى بصت له بصدمة: "أنت شوفتني قبل كدا؟"
آسر (قرب منها وبمسك إيدها بحنان): "أيوة شوفتك، وحبيتك قبل ما أعرف إنك قريبتي. الوصية دي كانت مجرد 'حجة' عشان بابا يقنعني أتجوز بسرعة، لكن الحقيقة إني كنت مستني أي فرصة عشان أقرب منك. أنا آسف إني خبيت عليكي صلة القرابة، كنت خايف تفتكري إني بقرب منك 'شفقة'.. وفعلاً ده اللي حصل."
دموع ليلى بدأت تنزل، بس المرة دي مكنتش دموع انكسار، كانت دموع حيرة.
ليلي :طيب إزاي كان عايزك تتجوز لوجين برضو مش فاهمه ؟!
آسر:بابا كان عارف اني مش بحب لوجين فكان عامل زي اللي بهددني باني لو متجوزتكيش في أقرب فرصه هيجوزني لوجين
ليلى (محتاره ومش فاهمه حاجه حاسه انها في دوامه ): "أنا محتاجة وقت يا آسر.. محتاجة أعرف ليلى مين بعيد عن الورث والوصايا."
آسر: "خدي وقتك كله.. أنا مش مستعجل. المهم عندي إنك تفضلي هنا، قدام عيني.. مش كوصية، لكن كـ 'ليلى' اللي آسر الألفي حبها مبيعرفش يتنفس من غيرها."
خرجت ليلى من مكتب آسر وهي لسه تحت تأثير الصدمة من كلامه.. كلامه عن إنه شافها قبل كدة وحبها لشخصها خلى قلبها يدق دقات غريبة، بس لسه فيه غصة جواها. وهي ماشية في الصالة بتجر عكازها ببطء، فجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في الباب الرئيسي، وبعدها الباب اتفتح.
دخلت واحدة ست بملامح يكسوها التعب، لفة طرحتها ببساطة، وعينيها بتدور في المكان بقلق. ليلى أول ما شافتها، العكاز وقع من إيدها وصوت رنته عمل صدى في المكان كله.
ليلى (بصوت مخنوق من الفرحة): "ماما؟"
فاطمة (بلهفة ودموع): "ليلى! يا بنبي يا ليلى!"
ليلى نسيت وجع رجلها ونسيت كل حاجة، وحاولت تجري عليها بخطوات متعثرة، وفاطمة جرت عليها وحضنتها بقوة كأنها بتطمن إنها لسه موجودة. في اللحظة دي، آسر خرج من المكتب على صوت ليلى، ووراه أبوه "أحمد".
أحمد أول ما شاف فاطمة واقفة في نص الصالة، اتسمر مكانه. الزمن رجع بيه 22 سنة لورا.. لليوم اللي فاطمة سابت فيه البيت وهي بتعيط بسبب قسوة والدهم وجوازتها اللي دمرت حياتها.
أحمد (بصوت مرتعش): "فاطمة؟"
فاطمة رفعت راسها من حضن ليلى، وبصت لأخوها. ساد صمت مميت، مكنش مسموع فيه غير صوت شهقات ليلى. أحمد قرب منها بخطوات تقيلة، وعينه مليانة دموع اعتذار عن كل السنين اللي فاتت.
فاطمة (بعتاب ووجع): "لسه فاكر إن ليك أخت يا أحمد؟ لسه فاكر تسأل علينا بعد ما العمر ضاع؟"
أحمد (وهو بيمسك إيدها ويبوسها بدموع): "سامحيني يا خيتي.. والله ما غبتي عن بالي يوم، والوصية اللي عملتها مع آسر كانت خوفي إنك تموتي وإنتي غريبة وبعيدة عني. أنا كنت بدور عليكي في كل مكان، ولما عرفت إنك تعبانة ومحتاجة رعاية، قولت لآسر يجيب ليلى هنا عشان أضمن إنك هتيجي وراها.. عشان بيتي ميكملش من غيرك."
ليلى كانت واقفة بتبص لعمها (خالها) ولأمها، وحست لأول مرة بحجم "الوجع العائلي" اللي كان آسر بيحاول يرممه. بصت لآسر اللي كان واقف بعيد بيراقب المشهد بهدوء، وشافت في عينيه نظرة رضا.. كأنه بيقولها: "شوفتي؟ مكنتش فلوس.. كان لم شمل".
ليلى (ببكاء): "ماما.. إنتي جيتي هنا كيف؟ أنا كنت لسه هجيلك، كنت لسه هسيب كل حاجة وأجيلك."
فاطمة ضمتها بقوة وطبطبت عليها وهي بتبص لأخوها "أحمد" بنظرات مختلطة بين الشوق والعتاب، وبعدين نقلت نظرها لآسر اللي كان واقف بيبص لهم بتقدير واحترام كبير.
فاطمة (وهي بتمسح دموع ليلى): "أنا جيت يا ليلى لما لقيتك مبترديش، ولما لقيت قلبي واجعني عليكي رنيت علي اسر ..و آسر قالي إنك بخير، بس الأم قلبها دليله يا بنتي."
بعد ما الهدوء بدأ يحل في الصالة، وفاطمة ضمت ليلى لصدرها، ليلى كانت لسه بتبص لآسر بعتاب مكتوم، هي عارفة إنه نفذ الاتفاق، بس وجود مامتها دلوقتى خلى الوجع يهدأ شوية ويتحول لأسئلة محتاجة إجابات صريحة.
أحمد (وهو بيوجه كلامه لفاطمة وليلى): "يا جماعة، إحنا مش هنفضل واقفين في الصالة. يا ليلى، خدي مامتك وارتاحي في أوضتكم، وآسر.. عايزك في المكتب كلمة."
ليلى بصت لآسر ببرود وهي بتسند على مامتها، وآسر كان عينه عليها بلهفة كأنه بيعتذر لها بنظراته. طلعت ليلى مع مامتها الأوضة، وأول ما الباب اتقفل، ليلى ارتمت في حضن فاطمة تاني وبدأت تعيط بحرقة.
ليلى: "شوفتي يا ماما؟ يعني كل اللي عشته معاه كان مرتب له؟ يعني الحب اللي كنت بحسه في عينيه كان جزء من تنفيذ الوصية؟"
فاطمة (بحكمة وهدوء): "يا بنتي، آسر لما جالي البيت، أنا شوفت في عينيه حاجة تانية خالص غير تنفيذ الأوامر، شوفت نظرات كلها حب ليكي . آسر كان يقدر يتجوزك ويحطك في بيت لوحدك وينفذ الورق وخلاص، لكن هو جابك هنا، في وسط أهله، وحاول يحميكي من "لوجين" ومن سيف.. ليلى، الجواز ممكن يبدأ باتفاق، بس اللي بيكمله هو الحب، وأنا واثقة إن آسر بيحبك بجد."
ليلى (بتمسح دموعها): "مش قادرة أنسى إنه خبى عليا إننا قرايب يا ماما.. حاسه إني كنت غريبة وسطكم."
في المكتب (بين آسر وأحمد)
أحمد: "آسر، ليلى مش هتعدي الموضوع ده بسهولة، خصوصاً بعد ما لوجين سممت أفكارها. إنت لازم تثبت لها إنك شاريها هي، مش شاري رضايا ولا الورث."
آسر (بعصبية مكتومة): "أنا عملت كل حاجة عشانها يا بابا! حتى سيف المنياوي بدأت أقصقصه عشان ميفكرش يقرب لها.. بس المشكلة دلوقتي في لوجين، البنت دي مش هتهدى، وغلها هيحرق الكل."
في مكان تاني
في الوقت ده
كانت لوجين واقفة مع سيف المنياوي في مكان مهجور، وشها كان شاحب من الغل.
سيف (بخبث): "خلاص يا لوجين، العيلة اتجمعت والكل دلوقتي هينسى اللي عملتيه.. إلا لو الورقة دي ظهرت."
لوجين: "إيه هي الورقة دي يا سيف؟ خلصني!"
سيف: "دي إقرار قديم ممضي من آسر، بياخد فيه مسئولية عملية جراحية عملها لجدك في البيت قبل ما يموت.. عملية غير قانونية لأنها تمت بره المستشفى وبدون تصاريح، والجد مات بعدها بيومين. الورقة دي لو وصلت للنقابة، آسر مش بس هيتشطب، ده ممكن يتسجن بتهمة القتل الخطأ!"
لوجين ابتسمت بـشر: "يعني آسر اللي عامل فيها مثالي، نهايته هتكون على إيدي؟"
سيف: "إنتي اللي هتوصلي الورقة دي لليلى.. خليها تعرف إن 'البطل' بتاعها هو اللي كان السبب في موت جدها ."
لوجين بابتسامة صفراء: "مش بس كدة، أنا هبعت لها نسخة من الورقة دي على واتساب دلوقتي، وهخليها هي اللي تواجهه قدام عمتي فاطمة.. عايزة الفضيحة تبقى بجلاجل."
في غرفه ليلي
ليلى كانت قاعدة مع مامتها، فجأة تليفونها اهتز. فتحت الرسالة، ولقيت صورة لورقة قديمة، وعليها إمضاء آسر الواضح.. الورقة كانت "إقرار بمسئولية طبية" عن حالة الجد،لو ما بعدتيش عنه انا هسلم الورقه دي للشرطه بتهمة القت.ل
ليلى قرت الكلام والصدمة لجمتها.. الكلام كان معناه إن آسر عمل جراحة خطيرة للجد في البيت، والجد اتوفى بعدها. الرسالة اللي جت مع الصورة كانت من رقم مجهول (لوجين):
"فاكرة إنه ملاك؟ آسر هو اللي قتل جدك بإهماله.. اسأليه مين اللي موّت 'كبير الألفي'؟"
ليلى قامت وقفت، والرعشة ملت جسمها. بصت لفاطمة وقالت بصوت مكسور:
ليلى: "ماما.. هو جدو مات إزاي؟"
فاطمة استغربت السؤال: "مات بجلطة يا بنتي .. ليه بتسألي؟"
ليلى فتحت باب الأوضة ونزلت السلم وهي بتصرخ باسمه: "آســــــــر!"
آسر خرج من المكتب مخضوض، وليلى وقفت قدامه وهي بترمي التليفون في وشه:
ليلى: "قولي إن ده كذب! قولي إنك مموتش جدو عشان تداري على غلطة طبية كانت بسببك في المستشفي ! قولي إنك مش مجرم يا آسر!"
آسر بص لشاشة التليفون، ووشه بقى لونه أصفر كأنه شاف شبح.. السر اللي دفنه من سنين عشان يحمي سمعة أبوه وعيلته، دلوقتى بقى خنجر في إيد ليلى
آسر:ليلي اسمعيني الأول وبعدين ابقا احكمي ؟!
