رواية النغم الحزين الفصل الخامس عشر 15 بقلم فاطيما يوسف


رواية النغم الحزين الفصل الخامس عشر  بقلم فاطيما يوسف




أجلسُ تَحتَ ضَوءِ القمرِ أَرسمُ أوجاعِي وَقَد غَدَا صدري مَيْدَانًا لِطَعنِ الأَقْرَبِينَ،


يَا لَوعَةَ السَّندِ حِينَ يَغدُو جُرْحُهُ بِيَدِ أُمِّهِ، وَيُرمَى بِالغَدرِ مِمَّن كان لَهُم حِصْنًا أمينَ،


يَئِنُّ القلبُ بين بَرَاءَةٍ ضَاعَتْ وَظُلمٍ جَائِرٍ، وَيَبْكِي شَرَفًا تَبَدَّدَ في زِحَامِ الحاقدينَ، فَمَا ذَنبُ خِلٍّ صَانَ بِالعَهدِ وُدَّهُمْ إِذَا صَارَ فِي عُرفِ القَرابَةِ مُتَّهَمًا جَانِي؟


يَقِفُ السَّندُ صَخرًا وَفِي جَوفِهِ نَارٌ تَقتَاتُ مِن صَبرِهِ وَأُعلِنُ لِلْمَلا أَحزَانِي.


في بيت "نعمان الهلالي" اللي كان هادي زيادة عن اللزوم، وكلهم قاعدين على أعصابهم مستنيين يطمنوا على "يونس" لما راح العملية بتاعته "مريم" كانت قاعدة في الصالة بتبص في الساعة، وفجأة التليفون رن، ردت وفي ثواني صوتها شق السكون ده بصرخة رعب:

ـ لااااء مش معقول أخوياااا! "يونس" جراله إيه؟ استشهد؟ لاااا يا "يونس" لااااا!"


التليفون وقع من إيدها، واترمت في الأرض تلطم وتصوت بهستيريا، والدتها خرجت من أوضتها تجري، قلبها كان هيقف من الرعب، لقت "مريم" منهارة من العياط:

ـ الحقيني يا ماما، "يونس" مات، "يونس" راح زمايله بيقولوا استشهد في المأمورية!


الأم وقفت مكانها كأن صاعقة ضـ.ــربتها، وشها بقى بلون التراب، ولسانها اتحجر، "مريم" كانت بتزحف تحت رجلها وبتبكي بحرقة:

ـ يا وجع قلبي عليك يا أخويا، سيبتنا لمين يا "يونس"؟ يا كسرة ضهرنا عليك وانت في عز شبابك يا حبيبي.


والدتها فجأة، وبقوة غريبة، صـ.ــرخت في "مريم" وهي بتهزها:

ـ قومي.. قومي دكتورة ابني مماتش! " يونس" حي، أنا قلبي لسة حاسس بنبضه في صدري، هو قالي إنه راجع، وأخوكي عمره ما كذب عليا، البسي طرحتك ويلا بينا على المستشفى العسكري، يلا يا "مريم" ابني مستنينا.


نزلوا السلم زي المجانين، والدموع مغرقة وشوشهم، وطول الطريق في العربية

"مريم" مكنتش بتبطل عياط وتدعي على اللي حرموها من أخوها، ووالدتها قاعدة ضامة إيدها وبتهز جسمها وهي بتقرأ قرآن بصوت مخنوق بالرعشة، وعينها على الطريق كأنها بتسابق الزمن،


وصلوا المستشفى، والدنيا كانت مقلوبة، عساكر وضباط وزحمة رهيبة، "مريم" جريت على أول ضابط شافته وهي بتسأله برعب:

ـ أخويا فين؟ "يونس الهلالي" فين؟ قولي إنه عايش أبوس إيدك.


الضابط بصلهم بأسى وحاول يهديهم:

ـ يا فندم اهدوا وحدوا الله الرائد "يونس" جوه في العمليات واحنا لسه منعرفش أي حاجة عن حالته، ادعو له هو وزمايله المصابين ربنا ينجيهم.


والدته سابت الكل ودخلت زي الإعصار، لقت الدكتور خارج من العمليات، جريت عليه ومسكت في ايده وهي بتنهج وبتترجاه تعرف حالة ابنها :

ـ ابني جراله إيه يا دكتور؟ والنبي ريح قلبي، "يونس" عايش صح؟


الدكتور قلع النضارة وتنهد بوجع، وبص لها بنظرة خلت "مريم" تسكت من الرعب، وقال بصوت واطي:

ـ يا جماعة حضرة الرائد بطل، الرصاصة كانت قريبة جداً من القلب، هو تحت الأجهزة بس حالته حرجة جداً.


"مريم" شهقت وهي بتكتم صرختها، والأم سألت بلهفة:

ـ يعني إيه يا دكتور؟ يعني هيقوم صح؟

طمني إن ابني هيرجع لي بالسلامة أنا مليش غيره.


الدكتور اتنهد وقال:

ـ للأسف هو دلوقتي في غيبوبة كاملة، النزيف كان شديد والجسم دخل في حالة صدمة، إحنا عملنا اللي علينا، والباقي على ربنا، الساعات اللي جاية هي اللي هتحدد كل حاجة ادعو له، هو محتاج معجزة ودعواتكم دلوقتي أكتر من أي وقت.


الأم أول ما سمعت كلمة غيبوبة وحالة حرجة، رجليها مكنتش شايلاها، سندت ضهرها على الحيطة ونزلت ببطء لغاية ما قعدت في الأرض، و"مريم" اترمت في حضنها وهي بتبكي بصوت مكتوم يقطع القلب:

ـ يعني ايه غيبوبة وهيقعد فيها قد إيه يا دكتور طمني ؟

جاوبها الدكتور بأسى :

ـ والله حسب تدابير ربنا، ممكن يفوق بعد أربعة وعشرين ساعة وممكن يطول، ادعي له يا حاجة .


ـ يا رب، يا رب اشفيه ورجعه لنا يا رب مليش غيره، هو سندي وضهري في الدنيا يارب .


و رفعت إيدها للسما، ودموعها نازلة سايلة على وشها، وقالت بصوت فيه يقين عجيب رغم الانكسار:

ـ أنا عارفة إنك مش هتكسر بخاطري يا رب، أنا عارفة إنك هتردهولي، يا "يونس" ، يا حبيبي يا ابني، قوم عشان خاطري قوم عشان خاطر أمك اللي ملهاش حد غيرك، يا رب أنت اللي ابتليته وانت اللي قادر تشفيه، استودعتك ابني يا من لا تضيع عنده الودائع.


فضلوا الاتنين قاعدين في ممر المستشفى، عيونهم على باب العناية المركزة، و"مريم" ماسكة إيد أمها وبترتعش، وكل ثانية بتعدي عليهم كانت كأنها سنة، إشاعة الموت انطفت، بس نار القلق والانتظار ولعت في قلوبهم أكتر، مكنش ليهم غير الدعاء في ليلة مش عارفة تنتهي.


                  ********


مر شهرين كاملين على ليلة الغدر، ليلة ما "سمير الناجي" دمه ساح على الطريق المقطوع، أسبوعين والمستشفى بقت هي الدار، والوجع بقى هو الونيس، "رابحة" كانت قاعدة على الكرسي الخشب جنب سرير ابنها، وشها اللي كان دايماً مفرود بالكبرياء، دلوقت بقى دبلان ومحفر بالهم، عيونها كانت منفوخة من كتر البكا، وقلبها كان فيه نـ.ــار قايدة مابتنطفيش من اللي عمل كده في ابنها ،


"سمير" كان مرمي على السرير كأنه جثة هامدة، بس جثة بتتنفس غل كعادته، رجليه الاتنين كانوا متجبسين جبس تقيل واصل لغاية حوضه، والأسياخ الحديد كانت باينة من الجبس كأنها مسامير في نعش، ملامحه كانت متغيرة، دقنه كبرت ، وعيونه كانت حمرا زي الدم، بيبص للسقف بكره، وكل شوية يطلق صرخة تهز جدران المستشفى، صرخة وجع مخلوطة بقلة حيلة،


دخل الدكتور "عصام" يطمن على الحالة، "رابحة" قامت وقفت بلهفة وهي بتعدل شالها، ومسكت في يد الدكتور وهي بتسأله بلهفة السؤال اللي كل يوم تسأله له ومبيفارقش لسانها:

ـ طمني يا دكتور، بزيادة عاد، بقالنا شهرين على الحال دي، والواد بيموت في اليوم مية مرة من الوجع، قولي إنه هيقوم دلوك، قولي إن الجبس دي هيتفك ميتى .


الدكتور اتنهد وبص في الإشاعات اللي في إيده بأسى:

ـ "يا حاجة "رابحة"، اهدى شوي، الإصابة مش سهلة، دي بالمعني البلدي اكده هرس في العضم وتهتك في الأربطة، "سمير" لازمن يفضل في الجبس دي مدة متقلش عن ست شهور، وبعدها نبتدي علاج طبيعي، وممكن يحتاج عمليات تانية كمان ، اللي فيه دي مش سهل واصل وهيحتاج صبر من حديد .


"سمير" أول ما سمع كلمة ست شهور، عينيه جحظت وبدأ يضـ.ــرب بإيده على السرير بهستيريا:

ـ ست شهور مين، كانك اتجنيت في عقلك اياك يا دَكتور انت؟! عايزني أقعد ست شهور مرمي اكده كيف النسوان؟ ست شهور في القيد دي؟ لاااااا، أني " سمير الناجي"، أني اللي الأرض كانت بتتهد تحت رجلي، دلوك أبقى دودة زاحفة؟ ليه يا رب؟ ليه عملت فيا اكده؟ أني مكنتش أستحق دي واصل، حراااااام.


"رابحة" جريت عليه تحضن راسه وتهديه:

ـ استغفر ربنا يا ولدي، وحد الله، داي حكمته، والحمد لله إنك قمت لنا بالسلامة ، وادعي ربنا إنك تقوم بالسلامة لعيالك ولأمك يا حبيبي.


"سمير" زق إيدها بعـ.ــنف وهو بيصرخ بمرارة، واتكلم بنبرة فيها جحود وعدم رضا بحكم ربنا في أمره:

ـ بلا حكمة بلا نيلة! أني مش طايق حالي، ولا طايق ريحة المكان دي، ست شهور يا أماي؟ أني مش هستحمل يوم واحد كمان، أني عايز أقوم أهد الدنيا، عايز أحـ.ــرق الأرض تحت رجلين اللي عملوا فيا اكده، ليه يا رب؟ ليه تقطم ضهري في عز شبابي؟


"رابحة" قعدت جنبه، بدأت تطيب خاطره وتمسح على صدره وهي بتبكي بصوت مكتوم:

ـ اهدي يا قلب أمك، دي أمر الله وحكمته يا ولدي، وكله هيعدي، قل لي يا "سمير" يا ضناي فكر اكده، الرجالة اللي عملوا فيك اكده، مشبهتش على حد فيهم؟ مقالوش كلمة؟ ملمحتش حد تعرِفه وسطيهم؟


"سمير" غمض عينه بغل والدموع نزلت من جنب عينه:

ـ لااااا.. ملمحتش حد واصل، كانوا كيف الشياطين، متغطيين ومبيبانش منهم غير عيون هتلمع بالشر و متكلموش، ولا نطقوا بحرف، كانوا بيضربوا فيا بـحرفنة وجع، كأنهم قاصدين يكسروني مش يقتـ.ــلوني، بس وحياة دمي اللي ساح، لـ أخليهم يتمنوا الموت وما هيطولوهوش.


صرخ صرخة تانية من ألم مفاجئ في رجله، وبدأ ينهج بضيق:

ـ أاااه النار قايدة في عظمي يا أماي! مش قادر حاسس إن روحي هتطلع.


وفجأة سألها السؤال اللي كاتمه من بقاله كتير من وقت ما دخل المستشفى:

ـ وبعدين هي "نغم" مجتش؟ مسألتش علي واصل ولا اطمَنت على يا حاجة؟


"رابحة" أول ما سمعت اسم "نغم"، ملامحها اتغيرت 180 درجة، وشها اسودت فيه الملامح والغل طلع في عيونها، وقفت ونفضت إيدها من عليه وقالت بحدة لأول مرة:

ـ "نغم؟ إنت لسة بتنطق اسمها يا "سمير"؟ اقطع لسانك دي عنيها بقى بزياداك يا ولدي وجع في قُليبك! "نغم" مين داي اللي هتسأل عليك؟ شيلها من دماغك عاد، البت داي هي سبب كل السواد اللي إحنا فيه دلوك، ومن زمان من وقت ما كنت رايد تتجوَزها وأني هقول لك داي مش من مقامك ولا من توبك ياولدي وانت اللي صممت تدخل بوز النحس داي عليك، دي انت مشفتش وياها يوم عدل يا ولدي.


"سمير" بص لأمه بذهول واتكلم بتلقائية وكأن عقله رافض يستوعب انها خلاص مبقتش ملكه وبقت على ذمة راجل تاني ومش أي راجل ده أخوه:

ـ لي يا أماي؟ دي مهما كان كانت مرتي، وأني...


"رابحة" قاطعت كلامه بصوت عالي وهي بتهبد على صدرها:

ـ "مرتك إيه وبتاع إيه؟ فوق يا ولدي داي بقت على ذمة راجل تاني والراجل دي يُبقى أخوك.

وكملت وهي بتنهش في عرضها بدون رحمة علشان تحاول بكل الطرق تكرهه فيها:


ـ البت داي كانت عينها من أخوك من الأول، كانت بتتمسح فيه كيف القطط، كل ما تحصل بينك وبينها مشكلة، كانت تجري عليه وتشكيله، وتتمايل قدامه عشان توقّع بينك وبينه، البت دي حية هتلدع ولدعتها والقبر يا ولدي، كانت بتمثل الأدب والطيبة وهي جواها نـ..ـار بتغلي، دي غراب شؤم دخل دارنا خربها، هي اللي سحرت لأخوك وخلته يبيع دمه وأهله عشان خاطر سواد عيونها،

إياك تُنطق اسمها تاني، داي واحدة بايعة، ومهما شفت منها، إعرف إنها كانت بتلعب بيك وبينا كلاتنا.


قعدت "رابحة" تاني جنبه وهي بتنفخ بضيق:

ـ أني صبرت عليها كتير عشان خاطرك، بس دلوك مفيش صبر، "نغم" داي صفحة وانطوت بـ وساختها، وخليك في وجعك يا ولدي لغاية ما نقوم ونشوف هنعملوا إيه في اللي رموك الرمية دي.


وفجأة، وسط الصراخ والنكد، تليفون "رابحة" اللي كان محطوط على الكومودينو رن بنغمة عالية، بصت في الشاشة لقت رقم غريب مش متسجل عندها، "سمير" كان لسة بيصرخ من الوجع:

ـ سكّتي التليفون داي! مش عايز أسمع صوت واصل دماغي هتنفجر.


خدت التليفون وخرجت برا الأوضة بسرعة، وقفت في ممر المستشفى ، عدلت طرحتها وفتحت الخط وردت بصوت مكسور من حزنها على ابنها:

ـ أيوة.. مين معاي؟


جالها صوت ست تعرفه كويس ، وتعرف طريقة كلامها وبارد برود السنين وفيه كمية شماتة ولؤم تخلي الدم يتجمد:

ـ يا أهلاً يا ست "رابحة" لا عاش ولا كان اللي يخلي صوتك مكسور كدة، قولي لي، "سمير" ابنك عامل إيه دلوقتي؟ لسة رجليه بتوجعه ولا الجبس مريح ركبه؟


"رابحة" حست بـ رعشة غضب في جسمها كله، عرفت الصوت فوراً ولسان حالها ردد جواها إن دي "غالية"، ضغطت على التليفون بقوة وقالت بفحيح الأفاعي:

ـ "غالية" ؟ وعرفتي منين بكسر ولدي ورقدته، إنتي ليكي عين تتصلي وتتكلمي كمان؟ يبقى إنتي اللي عملتي في ابني اكده يا واكلة ناسك؟


ضحكة "غالية" الرنانة والبارة رنت في ودنها وقالت ببرود:

ـ أنا عملت إيه يا حبيبتي؟ أنا بس بخليه يدوق شوية من اللي ابني داقه، مش ابنك هو اللي كسر ابني وخلاه نايم في المستشفى شهور؟ أهو دلوقت بيشرب من نفس الكأس، بس كاسي أنا مر شوية، واللي جاي كله سواد عليكي وعلى ابنك يا "رابحة"، أنا مش هخلي "سمير" يشوف يوم حلو، ولا هخليكي تهني بلحظة راحة.


" رابحة" صرخت في التليفون والدم بيغلي في عروقها وهي بتتوعد لها:

ـ وحياة ربنا اللي خلقني يا مرة انتي، لـ أندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه! مفكرة إنك بشوية المطاريد بتوعك هتكسري عيلة الناجي؟ ده أني "رابحة" ، وأني اللي هحرق قلبك على ضناكي بجد، "سمير" هيقوم، وهيدوس عليكي وعلى عيلتك كلاتها، ودورك جاي يا "غالية" ، وحق ابني هاخده من نني عينك ، وافتكري انك انت اللي دخلت نفسك عش الدبابير يُبقى اتحملي لدعتهم يابت البندر.


"غالية" ردت ببرود أشد وهو بيستفزها:

ـ "سمير" هيقوم؟ ياريت ده أنا نفسي يقوم عشان يزحف قدامك وتشوفيه وهو عاجز ومكسور، ولسه الدور عليكي انتي كمان هروقك روقه تحلفي بيها العمر كله علشان تعرفي اني مش كل الطير اللي يتاكل لحمه، خدي بالك من نفسك ومن ابنك، عشان اللي جاي مش هيكون فيه رحمة، إحنا لسة في الأول، والحساب بيننا طويل قوي، وفي معلومة صغيرة حبيت اعرفها لك علشان ما تتعبيش نفسك؛ أنا وابني سافرنا بره مصر وكل حاجة بعملها بتليفون صغير، فخافي على نفسك بقى يا صعيدية يا جامدة قوي علشان انا ناوية اربيكي انتي وابنك من أول وجديد واعلمكم إن انتم اللي دخلتوا في عش الدبابير.


"رابحة" قفلت السكة في وشها وهي بتنهج بـ غل، كانت عايزة تكسر التليفون في الحيطة، رجعت الأوضة وهي شامة ريحة نار بتـ.ـحرق كل حاجة حواليها، دخلت لقت "سمير" نايم من التعب بس ملامحه لسة معصورة بالوجع، وقفت فوق راسه وقالت في سرها:

ـ والله يا "غالية" لـ أوريكي السواد اللي على أصوله، وهجيبك لو تحت طقاطيق الارض وهنشوف من فينا الغالب.


                ********


كانت "دعاء" قاعدة في ركن أوضتها، ضامة إيديها على ركبها، جسمها كله بيترعش وهي بتفتكر كلام الدكتور اللي نزل عليها زي الصاعقة، السكون اللي في الأوضة كان بيخنقها، والضلمة كانت بتعكس السواد اللي حاسّة بيه جوه قلبها، بدأت تكلم نفسها بصوت واطي ومبحوح، صوت طالع من بئر حرمان ملوش آخر:


ـ ليه يا ربي؟ ليه أني مش زي أي ست؟ السنين داي كلاتها وأني حاسّة بالنقص، حاسّة إني شجرة ناشفة وسط جنينة مفيهاش حياة، كنت هقعد مع ستات إخواتي، بسمعهم وهما بيحكوا عن سعادتهم، عن اللحظات اللي بيحسوا فيها بلهفة جوزاتهم وقربهم، كنت هسمعهم وأني بضحك ضحكة كدابة وبداري جرح بينزف دم، كنت هحس إني مظلومة وموجوعة، وإني شايلة ذنب مش ذنبي. 


دموعها نزلت وهي بتفتكر كلام الدكتور عن البرود وسببه اللي اتحفر في جسمها من وهي طفلة فجأة، حست إنها لازم تنهي الكدبة دي، لازم تواجه "سند" باللي عرفته، طلعت تليفونها وبإيد بترتعش طلبت رقمه، وبمجرد ما رد، قالتله بكلمة واحدة:

ـ "سند" ممكن تاجي لي دلوك أني محتاجاك ضروري.


معداش وقت و"سند" دخل الأوضة، كان وشه عليه علامات الحيرة والتعب من أحداث البيت، "دعاء" مديتلوش فرصة يسأل، وقفت قدامه وعينيها غرقانة بالدموع وقررت تعري روحها قدامه لأول مرة:

ـ "سند" أني عرفت السبب، الدكتور قالي الحقيقة اللي كنت بهرب منها سنين، أني مكنتش هبعد عنك ولا نافرة حضنك بمزاجي، أني كنت مجروحة جرح ملوش جبر في جسمي وفي روحي، الدكتور قالي إن اللي حصل وأني صغيرة هو اللي قتـ.ــل جواي أي إحساس، هو اللي خلاني مش عارفة أكون ليك ست زي ما كنت بتحلم، قال لي ان الطهارة اللي اهلي عِملوها لي من واني طفلة صغيرة هي السبب اللي ما خلتنيش أحس بأعظم إحساس في الدنيا اللي البنت هتتولد بيه، حرمني من إني أتمنى حضن جوزي كل ليلة زيي زي اي ست، ما خلانيش أحس غير ان الموضوع دي هيزود لي وجعي وهو في الحقيقة إحساس جميل بل أجمل حاجة في الدنيا الست ممكن تحس بيها.


"سند" بص لها بنظرة فيها مزيج من الشفقة والأسى، اتنهد تنهيدة طويلة وقالها بهدوء وهو بيقرب منها وبيمسك ايديها بحنية واخدها في حضنه وسند راسها على صدره وهو حاسس بوجعها :

ـ ماهو أني يا "دعاء" بقالي سنين بتحايل عليكي تروحي لدكتور، كام مرة عرضت عليكي نسافر ونشوف حكما ونعرف العيب فين؟ أنتي اللي كنتي بتقفلي كل باب، وأنتي اللي ظلمتي نفسك وظلمتيني معاكي السنين داي كلاتها لما رفضتي تسمعي كلامي، إنتي اللي ضيعتي أجمل سنين عمرك وعمري وحرمتي نفسك وحرمتيني معاكي سنين من كل حاجة حلوة بين أي راجل ومَرته.


"دعاء" بكت أكتر وقالتله وصوتها بيقطع:

ـ كنت خايفة يا "سند" كنت خايفة أواجه حقيقتي، بس خالتي هي اللي خادتني من يدي وودتني للدكتور وصممت، وقالت لي كمان إنها هتوديني لشيخ من اللي بيعرفوا، وتقول يمكن حد عامل لي حاجة هتخليني اكده ووعدتني هتقف جاري.


هنا "سند" اتعصب وشه احمر من الغضب وهو بيبعدها عنه :

ـ شيخ إيه ودجل إيه دي يا "دعاء" ؟ انتي واحدة متعلمة ازاي تفكري في الكلام دي؟


وقرب منها تاني وهو حاسس بوجعها، هو محبهاش حب حبيبة لأنها طول السنين اللي فاتت دي كلها بأفعالها معاه ودماغها الناشفة وعِندها ما سابتش لنفسها جواه حته يحبها كزوجة بيعشقها، لكن هي أم ولاده وكمان بنت خالته وليها حق إنه يرعاها ويقف جنبها لأنها مراته وملزمة منه مهما عملت فيه، وشدها لحضنه تاني وهو بيبوس راسها بحنان: 

ـ أني نفسي تسمعي كلامي مرة واحدة وتفهمي إن حالتك دي محتاجة علم ودكاترة مش دجل، انتي محتاجة علاج حقيقي، مش حبة بخور أهبل وحكايات كدابة، كلمي الدكتور وخدي لنا معاد وياه، أني اللي هروح معاكي المرة دي، ومش هسيبك غير وانتي كويسة وهتلحقي اللي باقي من عمرك يا "أم مازن" بس اسمعي كلامي وامشي وراي .


"دعاء" بصت له وهي مش مصدقة إنه لسة عنده طاقة يقف جنبها، دموعها زادت ونفسها بدأت تصعب عليها من كتر القهر،

"سند" لما شاف حالتها دي، قلبه رقّ، قرب منها وأخدها في حضنه بقوة، كأنه بيحاول يجمع شتات روحها المكسورة. طبطب عليها بحنية وباس راسها وقالها بنبرة دافية:

ـ اهدي يا "دعاء" اهدي يا بت الناس، ربك كريم، والموضوع محتاج شوية صبر وإرادة منك، إحنا هنمشي الطريق دي سوا، وأني معاكي لحد ما تُبقي أحسن من الأول خلي أملك في الله كبير.


وشدها من ايديها وقعدوا على الكنبة اللي في الأوضة وقرر يفتح معاها الموضوع اللي قلقه طالما هي بدأت تفوق لنفسها واتحمحم وهو بيطلب منها بصوت هادي وبدون عصبية:

ـ أمممم...في حاجة مهمة رايدها منك يا "دعاء" ، رايدك تخلي عينك على "سما" بتنا اديكي دلوك هتشتكي من ظلم اهلك ليكي وانك ما هتعيشيش كيف بقيت الستات، ولادنا امانه في رقبتنا لازمن نحافظ عليهم، و"سما" سلوكها هيزيد سوء كل يوم عن اليوم اللي قبلَه بسبب دلعك ليها، وكمان البنت هتكرهني لأنها هتفكر اني هحجر على حريتها في حين إني خايف عليها. 


وكمل كلامه وهو بيحاول يأثر عليها ومسك ايديها وحضنهم بين ايديه الاتنين واترجاها وهو بيبص في عيونها بوجع حقيقي و بقلب أب خايف على بنته وهي الوحيدة اللي في ايديها إن هي تصلح من بنتها: 


ـ خلي عينك عليها هي لساتها صغيرة وهتسمع كلامك، وانتي الوحيدة اللي هتقدري تأثري عليها وتفهميها الصُح من الغلط، انتي متعلمة يا "دعاء" ومش كل لما الزمن ينفتح ونشوف حاجات حوالينا بيعملوها لازمن نقلدها ونشوفهم هم الصُح، احنا عِندنا ديننا وعاداتنا وتقاليدنا اللي متربيين عليها ولازمن نربي ولادنا عليها وهي الصُح مهما الزمن اتغير والناس مهما اخترعت حاجات احنا من جوانا نرفضها ونربي ولادنا كيف ما ربنا أمرنا.


كانت في الوقت ده في عز ضعفها وكان لازم يتكلم معاها في موضوع بنتهم، ابنه نزل معاه الشغل وبقى يشغل وقته وبقى مصاحبه وبيكبر بيه في كل مكان، اما بنته مهما يعمل معاها دماغه ناشفة وعنيدة، وردت عليه بطاعة واستسلام لأول مرة:

ـ حاضر يا "سند" هعمل اللي انت رايده وهسمع كلامك بعد اكده.


                        ******


كانت طرقات مستشفى الحسين الجامعي بتضج بالحركة زي كل يوم، ممرضين رايحين، ودكاترة جايين، وأهالي مرضى بيدوروا على أمل، في وسط الزحمة دي، كانت "مهرة" ماشية بهدوءها المعتاد، لابسة لبس التمريض الأبيض اللي كان لونه لايق جداً عليها، وشخصيتها القوية، هي اتعينت "حكيمة" في المستشفى يعني رئيسة ممرضات، بس اللي يشوف نظرتها يخاف منها وخصوصا إنها عملية جداً في شغلها ومن يوم ما اتعينت والممرضات بيعملوا لها ألف حساب من صرامتها في الشغل،

دخلت "مهرة" عنبر الطوارئ عشان تستلم الوردية، ولفت نظرها صوت ضحكة خفيفة ومرحة طالعة من ورا ستارة أحد المرضى قربت "مهرة" بفضول، ولقت دكتورة شابة، لابسة البالطو الأبيض ومريلة الكشف، وقاعدة بتهزر مع طفل صغير كان بيعيط من وجع الكانولا، الدكتورة كانت "مريم الهلالي"، وشها كان فيه نور وطاقة إيجابية غريبة، وكأنها مش في مستشفى، كأنها في بيتها وسط أهلها ودي طبيعتها بشوشة وبتتعامل بأخلاق مع المرضى،

"مريم" وهي بتضحك للطفل وكل ده و"مهرة" واقفة بتتابعها بشغف وهي بتتعامل بطبيعتها مع المرضى: 

ـ خلاص يا بطل، ده أنت أقوى من سبايدر مان، لو فضلت ساكت كدة هجيب لك أحلى بونبوني في الدنيا.


"مهرة" وقفت مبهورة بروح الدكتورة دي، وابتسمت غصب عنها رغم الحزن اللي في قلبها واتدخلت في الحوار ما بينهم بشغف:

ـ يا بخت الاطفال اللي هيقعوا تحت يدك يا دكتورة، ده وجعهم هيطير من ضحكتك والله.


"مريم" التفتت وراها تشوف الصوت وقرأت اسمها من الكارت اللي لابساه وقامت وقفت ومدت إيدها لـ"مهرة" بحماس:

ـ ياهلا وغلا أنا "مريم" دكتورة اطفال .


وكملت وهي بتشكر فيها لأنها سمعت عنها من يوم ما اتعينت في المستشفى ولما قرأت اسمها على الكارت عرفتها علطول:


ـ وانتي أكيد "مهرة" الحكيمة الجديدة اللي سمعت عنها إنها شاطرة وموقفة ممرضات المستشفى على رجل نورتي المستشفى يا قمر.


"مهرة" سلمت عليها بود:

ـ النور نورك يا دَكتورة "مريم" ، ولا شطارة ولا حاجة اني جاية اهنه عشان أتعلم منكم وأقوم بواجبي، والناس أرواحها أمانة في رقابنا فلازمن نشتغل بضمير علشان الأرواح مش لعبة علشان نهمل فيها.


اعجبت الدكتورة "مريم" بلهجتها جداً وسألتها:

ـ إنتي لهجتك صعيدية إنتي من الصعيد ؟


ابتسمت ببشاشة وهي بتجاوبها:

ـ ايوا ومن الصَعيد الجواني كمان يا دَكتورة.


ـ طب ايه اللي جابك من الصعيد لمستشفى الحسين يا بنتي؟


ـ شوفي يا ستي أني اللي قدمت في التمريض اهنه من بعد الاعدادية طوالي واخدت الدبلوم وبعدها معهد التمريض وحضرت الماجستير كمان وحصلت عليه بدرجة الامتياز وبقيت بدي محاضرات في المعهد واتعينت اهنه رئيسة ممرضات في مستشفى الحسين.


من اللحظة دي، بدأت علاقة تعارف جميلة جداً، ومرت الأيام وعلاقتهم ببعض بتقوى والاتنين كانوا مرتاحين لبعض ، "مريم" كانت دايمًا بتدور على "مهرة" في الوردية عشان تشرب معاها القهوة وتسمع منها حكايات عن الصعيد، و"مهرة" كانت بتشوف في "مريم" الروح الحلوة اللي كانت مفتقداها في حياتها، "مريم" كانت مرحة جداً، بتحكي لـ"مهرة" عن مواقفها في الجامعة، وعن حبها للحياة، بس كانت "مهرة" دايمًا تخبي وجعها الخاص ورا ضحكتها .


و في يوم "مريم" وهما قاعدين ببشربوا قهوة :

ـ تعرفي يا "مهرة" ، أنتي فيكي شبه من حد غالي عليا قوي، فيكي نفس الصمود والنظرة اللي مابتخافش،


وكملت بحزن :

ـ فيكي شبه من اخوي "يونس" دماغه الناشفة ورامي صدره في وش الموت ومبيخافش من حاجة مهما كانت، وشغله عنده رقم واحد، حبيبي كان في مهمة وانصاب وقعد في الغيبوبة ست شهور بحالهم ويدوب لسة فايق من أسبوع وبيتعافى وأنا وماما شفنا القهر والحزن عليه .


مهرة بابتسامة باهتة:

ـ الناس بتتشابه يا دَكتورة، والمعدن الطيب بيبان في الشدائد، بس مقلتليش أخوكي شغال شغلانة صعبة اكده ؟

جابتها بقلة حيلة:

ـ شغال ظابط في المخابرات، تعرفي "يونس" اخويا شاف الويل من وهو طفل صغير، لأن بابا كان نفس شغله وتقريباً كان عنده شغف انه يشارك بابا في شغله لدرجة إن القيادة بتاعت بابا اكتشفته وجندته من وهو طفل عنده ١٢ سنة، وعمل شغل جامد في المخابرات لحد مالقبوه بالنمر الأسود.


"مريم" كانت بتحكي لـ"مهرة" عن أخوها اللي بتعتبره مثلها الأعلى، وكملت : 


ـ أخويا ده يا "مهرة" كان هو اللي كان بيشجعني إني أكون دكتورة، كان بيقولي انتي اللي هتداوي جراح الناس بقلبك الأبيض.


"مهرة" كانت بتسمع وهي بتفتكر "نعمان" اللي كان بيقولها كلام شبه ده وبيدعمها وبيساندها، سنة بحالها وهي مختفي عنها لحد ما دموعها كل يوم بالليل يبقوا ونسها، بس مكنش يجي في بالها لحظة إنه يكون أخو "مريم" هو نفسه حبيب قلبها اللي غايب.


الأيام كانت بتمر، و"مريم" و"مهرة" بقوا دويتو ناجح جداً في القسم بتاعهم، والاتنين بقوا أصحاب لدرجة إن مريم بدأت تعزم "مهرة" تروح معاها البيت، بس "مهرة" كانت دايمًا تعتذر بوقار:

 ـ خليها لوقتها يا دكتورة، الأيام جاية كَتير.


في يوم، كان العنبر هادي نوعاً ما، وفجأة حصلت حالة طوارئ لمريض كان داخل بجراحة قلب مفتوح وبدأ يدخل في صدمة ونزيف مفاجئ، الممرضات اللي كانوا في الوردية اتوتروا وبدأوا يتحركوا بعشوائية، لكن "مهرة" ظهرت في اللحظة المناسبة وبصوت حازم وهادي في نفس الوقت، سيطرت على الموقف:


ـ "يا حنان" ، جهزي جهاز الصدمات فوراً! يا سعاد، بلغي بنك الدم بـ 4 أكياس فصيلة (O+)، ويتحركوا دلوقت! الكل يلتزم مكانه، مفيش حركة من غير إذن، لازمن ننفذ تعاليم الدكتور بدقة ومعيزاش تهريجكم العمال على بطال أرواح الناس مش لعبة.


في أقل من دقيقة، تحول طاقم التمريض لخلية نحل شغالة بدقة متناهية تحت توجيهات "مهرة" اللي ميقدروش مينفذوهاش، "مريم" كانت داخلة العنبر وشافت المشهد ده، وقفت مبهورة بقدرة "مهرة" على إدارة الأزمات بنشاط وذكاء،

 قربت بسرعة وبدأت تساعد طبياً، وهي بتلاحظ إزاي "مهرة" بتبص لكل تفصيلة، من نبض المريض لسرعة التنفس، وكأنها بتقرأ جسمه،

"مريم" وهي بتكشف على المريض: 

ـ برافو يا "مهرة" ، لولا سرعة تصرفك وتجهيز الدم والضغط كان المريض ضاع مننا فعلاً، إنتي كان لازم تبقي دكتورة .


"مهرة" بصت لها بجدية وهي بتمسح العرق من جبهتها:

 ـ أرواح الناس أمانة في رقبتنا يا دكتورة "مريم" ، والتهاون في الأمانة داي خيانة، أني اهنه عشان أتوكد إن مفيش روح تروح بسبب إهمال أو تأخير.


بعد ما الحالة استقرت، "مريم" راحت لـ"مهرة" وهي بتضحك: 

ـ يا جامد أنتي! الممرضات بره بيقولوا عليكي المرأة الحديدية وبيترعبوا منك يابنتي، بس أنا شايفة إنك المنقذة، إيه رأيك بقى في استراحة سريعة نشرب فيها قهوة؟ النهاردة القهوة على حسابي تقديراً للشغل العالي ده؟


"مهرة" ابتسمت ابتسامة خفيفة كسرت حدة ملامحها: 


ـ ماشي يا دَكتورة، بس بشرط مش عايزة كلام في الشغل، عايزة أسمع حكاياتك اللي بتضحك دي، عشان الواحد ينسى شوية هموم الدنيا.


                         *******


 " شيماء" كانت ماشية في الجامعة وحاسة برعشة برد بتهز عضامها، كانت ماشية في الطرقة الطويلة المؤدية للمكتبة، ضامة كتبها لصدرها كأنها بتداري قلبها اللي بيدق زي طبول الحرب، عيونها كانت في الأرض، كأنها بتهرب من نظرات اصحابها رغم انها لسه راجعة بعد الاجازة، حاسة إن كل حد بيبص لها عارف سرها، عارف إنها انكسرت ووقعت في فخ شيطان، عقلها كان بيوهمها بكده،


وفجأة وفي مكان ما فيهوش حد شكل ما يكون كان بيراقبها لقيت حد بينادي عليها، وقفت الخطوات اللي وراها، وسمعت الصوت اللي بيخلي دمها يتجمد في عروقها.

ـ إيه يا "شوشو" ؟ هو الحلو لسة زعلان؟ مكنتش غلطة دي اللي تخليكي تقطعي الوصل بينا المدة دي كلها، بقى تقعدي فترة الأجازة داي كلاتها مشفكيش وعملتي لي بلوك من كل حتة ، دي إنتي طلعتي جاحدة قوي وقلبك اسود.


"شيماء" اتسمرت مكانها، غمضت عيونها بقوة وهي بتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها، لفت ببطء ولقته واقف قدامها، ساند بضهره على الحيطة ولابس نضارة شمس ومبتسم ببرود يستفز الحجر، وقالت بصوت مخنوق بالدموع، لأنها أول ما شافته قدامها افتكرت اليوم المشؤوم اللي كان هيقضي على برائتها فيه:


ـ بعد عني يا "علي" الله يخليك سيبني في حالي، اني بعدت حالي عنك وقفلت قلبي من تلاك فارجوك ما تتعرضش لطريقي تاني كل واحد فينا راح لحاله.


" علي" قرب منها بخطوات واثقة، المسافة بينهم بقت مفيش، لدرجة إنها شمت ريحة برفانه اللي كانت بتعشقه وبقت دلوقت بتكرهه أكتر من ريحة الموت، قلع النضارة وبص في عيونها الحمرا من كتر البكا وهي بتتكلم معاه وقال بنبرة فيها محايلة مسمومة:


ـ عايز منك إيه؟ عايزك انتي يا "شيماء"، انتي فاكرة إن اللي حُصل بيناتنا دي كان نزوة؟ لا يا حبيبتي، انتي بقيتي تخصيني، بقيتي ملكي، ومش هحلك، ومن الاخر نضرب ورقتين عرفي علشان تُبقي مرتي ومتُبقيش حاسة إنك هتعملي حاجة حرام .


وكمل بطريقة مستفزة:

ـ وبعدين إيه لازمة العياط والنكد دي؟ إحنا كنا هنقضي وقت حلو، ولا انتي خلاص شبعتي من الحب وعايزة تعملي فيها الضحية؟


 رفعت راسها وبصتله بـوجع وعتاب يقطع القلب، ودموعها نزلت غصب عنها:


ـ ورقة عرفي ! وحب؟ انت بتسمي الغدر دي حب؟ أنت استغليت خوفي، استغليت إني كنت شايفة فيك السند والضهر اللي هيحميني من قسوة الدنيا،

 أنت قتـ.ــلتني يا "علي" ، قتلـ.ــت البنت اللي كانت بتثق فيك أكتر من نفسها، أنا دلوقتي بموت في اليوم مية مرة، خايفة من كل اللي حواليا واللي هيحاولوا يقربوا مني ، بقيت خايفة حتى من ضلي، وأنت واقف تضحك وتهزر وكانك معمِلتش حاجة واصل ؟


"علي" ضحك ضحكة قصيرة مستفزة، ومد إيده يمسح دمعة نازلة على خدها، بس هي نفضت إيده بعنـ.ــف وغضب:

ـ متلمسنيش! إياك تلمسني تاني يا "علي" ! أني بكرهك، بكره اليوم اللي شوفتك فيه، وبكره قلبي اللي صدق واحد زيك، بعد عني وعن طريقي بقي ، أني كرهت الرجالة بسببك، وكرهت نفسي كبنت من اللي انت عِملته فيا، انت دمـ.ــرت جواي كل الأحاسيس اللي هتحسها كل بنت، مطيقاش شكلك ولا اسمك ولا حتى ريحة أنفاسك داي ، ريحة أنفاسك اللي انت طبقت بيها على أنفاسي ساعة بحالها وانا تحت يدك هتستبيح لمستي بكل جرأة ووقاحة ولولا ستر ربنا وإنه كان وياي وعارف إني طيبة كان زماني ضعت.


 ملامحه اتغيرت، الابتسامة اختفت وحل مكانها برود مرعب، قرب من ودنها وهمس بفحيح الأفاعي:

ـ طب هقول لك ايه ، بلاش النغمة داي يا "شيماء" الرفض دي مبيجبش سكة معاي، أنتي ناسية أني صورتك من وقت ماكنتي داخلة بيتي معاي، أني بكلمك بالذوق دلوك، وبقولك تعالي نقعد ونتفاهم، بدل الجامعة كلاتها تتفرج على شوشو القمر وهي في وضع مخل مع أحدهم اللي وشه مخفي بسهولة جداً.


"شيماء" حست إن ركبها سابت، سندت على الحيطة وهي بتنهج بصعوبة، الوجع كان بيعتصر أحشاءها:

ـ أنت ليه رايد تذلني يا "علي" ؟ عايزني أبقى جارية عندك عشان تبعد عني بأذاك؟ ليه بتعمل فيا اكدة؟ أني عملت لك إيه وحش؟ دي أني حبيتك بجد، كنت مستعدة أبيع الدنيا عشانك ، ووثقت فيك وفي كلامك ووعودك، أرجوك بزياداك عاد لحد اكده، ارجوك يا "علي".


"علي" رجع يلين صوته تاني ويحاول يمثل الحنية ومن جواه فرحان بدموعها وانكسارها:

ـ وأني كمان يا روحي، صدقيني أني لسة بحبك، أني بس رايدك تحني وتسمعي كلامي، متعمليش فيها القوية اللي هتقدر تصد قصادي ،أني ممكن أكون أحسن واحد في الدنيا معاكي، وممكن أكون كابوسك اللي مبينتنهيش، تعالي معاي النهاردة نفطر سوا في كافتيريا الجامعة ونحكي مع بعضنا شويه وتفكي لي البلوكات، وأني أوعدك إن الفيديوهات دي مش هتشوف الضوء طول ما أنتي شاطرة وهتسمعي الكلام.


"شيماء" صرخت في وشه بـرفض واشمئزاز وهي فقدت الثقة فيه تماما:

ـ مستحيل! أموت نفسي ولا إني أرجع أمشي معاك تاني او اكلمك حتى، أنت شيطان يا "علي" ، أنت مش بني آدم، لو فاكر إنك بفيديوهاتك دي هتكسرني تُبقى غلطان، جوز أختي من كبارات البلد اهنه لو بس شم خبر، هيشرب من دمك قبل ما تفكِر يعمل فيا حاجة.


 ضحك باستهزاء:

ـ جوز أختك اها ! يكون في معلومك اني ما هخافش من اي حد واصل، فوقي يا "شيماء" ، انتي دلوك في دماغي، والجبروت اللي انتي هتتحدتي بيه وياي دي هيتكسر، وهتيجي لي زاحفة تطلبي مني العفو، 

 أني مش هسيبك، وأنتي عارفة إن نَفَسي طويل، انتي بقيتي بتاعتي .


شيماء قعدت على كرسي وراها، مكنتش قادرة تقف، خبت وشها بين إيديها وانفـ.ــجرت في بكاء هستيري، بكاء اليتم والوحدة والكسرة، كانت بتعاتب حظها، بتعاتب غباءها، وبتسأل نفسها:

ـ ليه يا ربي؟ ليه أنا اللي يحصل فيا اكده؟


 وقف يتفرج عليها ببرود، وكأنه بيستمتع بضعفها، وطى لمستواها وشد إيدها من على وشها وقالها بمنتهى القسوة وهو بيقرب كف ايديها من شفايفه وبيقبل باطنهم برغبة غريبة :

ـ امسحي دموعك دي وقومي، المنظر ده ميليقش بحبيبة "علي" ، قدامك أربع وعشرين ساعة تفكري يا تفكي البلوكات وترجعي نتكلم تاني بمزاجك ونبدأ صفحة جديدة، يا أما بكرة هتلاقيكي منوره على كل الصفحات، اختاري يا "شيماء" ولازمن نكمل اللي بدأناه.


وقام سابها ومشي، وساب وراه جثة إنسانة بتتنفس وجع، "شيماء" فضلت قاعدة مكانها، الدنيا بتلف بيها، وحاسة إن كل شبر في الجامعة بيشهد على ذلها، كانت عايزة تصرخ بس صوتها كان محبوس، كانت عايزة تهرب بس مفيش مكان تروحه، حزنها كان أعمق من البحر، ووجعها كان أمرّ من الصبر،


قامت ببطء، لمّت كتبها اللي وقعت، ومسحت دموعها بكم طرحتها، وقالت في سرها بصوت مذبوح:

 ـ يا رب.. أني ماليش غيرك، يا رب أنت عالم بحالي، انصرني على الظالم دي، 

يا رب استرها معاي.

 مشيت وهي بتجر رجليها، وكل خطوة كانت كأنها ماشية على مسامير، والقدر كان لسة مخبي لها كتير في طريق الوجع اللي ملوش آخر.

                     *******


كان "يونس" قاعد في بيته أخيرا وسط أمه وأخته اللي حاضنهم بعد ما تعافى تماما، وشاف الموت بعينيه وامه بتطبطب عليه وبتامره: 

ـ خلاص يا "يونس" كفاية بقى شغلك في المخابرات من وانت طفل صغير وانت عنيد وماشي ورا باباك في كل حتة لحد ما وصلت للمرحلة دي، ودي تاني مره تتصاب فيها والمرة دي كانت صعبة قوي يا ابني، أنا مش هقدر أتحمل اللي جرى لك تاني يا "يونس"، انت لازم تستقيل من الشغل ده كفايانا لحد كده وجع يا ابني انا ما ليش غيرك يا "يونس" انت واختك وانت المسؤول عني انا وهي حرام عليك بقى لحد كده.


"يونس" حضنها وهو بيبوسها من راسها وبيهديها زي كل مرة:

ـ يا أمي شغلتي دي زي أي شغل، وبعدين 'أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة' وانتي عارفه انا بحب شغلتي دي قد ايه وعمري ما اقدر اشتغل شغلانة غيرها، وبعدين ربنا سبحانه وتعالى كل مرة بينجيني علشان خاطر عارف إنكم مسؤولين مني فما تكبريش بقى الموضوع يا ست الكل، وبعدين أنا عندي مفاجأة ليكي، أنا قررت أريحك وهخطب يا ستي أنا لقيت بنت الحلال اللي بدور عليها من زمان وهاخدك ونروح نخطبها وهفرح قلبك اهو.


أمه انبسطت جدا لما سمعت انه هيخطب أخيرا وسألته بفرحة وفضول:

ـ بجد يا "يونس" أخيرا يا حبيبي لقيت اللي انت بتتمناها من زمان؟

 يا ترى مين دي اللي خطـ.ــفت قلب ابن النعمان اللي حيرنا وسهرنا معاه ليالي كتير واحنا بنختار له عروسة وهو بيتريق عليهم كلهم لو معاك صورة عايزة اشوفها بالله عليك .


وكملت أخته بفضول هي كمان:

ـ ياه أخيرا يا "يونس" لقيت اللي وقعتك يا ترى شكلها إيه دي، قال وأنا كنت منقية لك حتة عروسة نقاوة قمر وجمال وخفة دم وبنت بلد وكمان دكتورة في الجامعة ورئيسة ممرضات عندنا في مستشفى الحسين يعني حاجة كده إنما إيه فاخر من الآخر، صدقني لو أنت شفتها هتنسى العروسة اللي معاك ولو اتكلمت معاها بقى هتنسى الدنيا باللي فيها.


"يونس" رفع حاجبه باندهاش وزق أخت "مريم" بهزار من كتفها وهو بيتريق عليها: 

ـ طب بلاش انتي بقى يا "مريم" علشان انتي جبتي لي بنات كتير ونفس المواصفات مال وجمال وعلام وكلهم كانوا بالنسبة لك ما فيش منهم وكل أما أشوف صورة واحدة فيهم تقفلني غير اللي انتي خليتيني أتكلم معاهم، روحي بقى يا شيخة بعرايسك اللي هتنفخي فيهم على الفاضي دول.


برقت عينيها باستنكار من كلام أخوها وهي بتزقه من كتفه بهزار: 

ـ يا نهار أبيض أنت لسه فاكر يا "يونس" ده كانوا مرتين اتنين واحدة خليتك تكلمها في التليفون والتانية قابلتها وبصراحة اتعاملت معاهم وحش جدا يا ابني، بس لعلمك كلهم كوم و"مهرة" كوم تاني دي يا ابني اسم على مسمى، طب والله العظيم دي بالذات عمرك ما تقدر تقاوم جمالها وحلاوة روحها، بس أنت ادعي ربنا إنها ترضى بيك أصلا، ده دكاترة المستشفى كلهم هيموتوا عليها وهي مش معبرة حد فيهم بلاش أنتكة والنبي. 


أول ما سمع الاسم وإنها رئيسة ممرضات قلبه دق بسرعات غريبة شكل ما يكون حاسس إن هي دي نفس الشخص اللي بيحبه هي دي "مهرة" اللي يعرفها وحبها وتعلق بيها ولقى نفسه بيسألها بفضول: 

ـ هي اسمها "مهرة" ؟

قولي لي اسمها "مهرة" إيه وهي متعينة من بقى لها قد إيه معاكي في المستشفى؟


ضربت كف على كف وهي بتضحك على كلامه وطريقته في السؤال: 

ـ أها أول ما سمعت الاسم بتاعها تنحت على طول، ده أنا سامعة دقات قلبك يا ابني بركاتك يا شيخة "مهرة" من الاسم بس دوبتي قلب ابن النعمان ونسيتيه العروسة اللي كان هيروح يخطبها، جرى إيه يا حضرة الرائد ده أنت وشك سخن وحررني وأنا قاعدة جنبك. 


ـ ما ترخميش بقى يا "مريم" بجد وجاوبي على أسئلتي؟


ـ شوف يا سيدي هي متعينة من بقى لها كذا شهر في المستشفى، هي اسمها "مهرة حناوي" وكمان من الصعيد بس هي عايشة هنا في مصر من بعد الإعدادية وهي دخلت وأخذت دبلوم التمريض ووراه دخلت المعهد وخلصت كلية التمريض وأخذت الماجستير بصراحة بنت مكافحة جدا يا "يونس" ومحترمة وكل المستشفى بتقدرها جدا بالرغم من إنها لسه شغالة إلا إنها شعلة نشاط واجتهاد وبتحب شغلها وما عندهاش في الشغل حاجة اسمها لعب كله انضباط، أول مرة ألاقي رئيسة ممرضات تتعين عندنا وتبقى بالجدية دي،

 ده الدكاترة بيعملوا لها ألف حساب كمان،

 بس أنت ليه مهتم كده وبتسأل عنها؟

 ده أنا كل يوم أنا وهي ما وراناش سيرة غير "يونس" وحكاوي "يونس". 


برق عينيه بصدمة وهو بيسألها: 

ـ إيه ده أنتو كمان بتجيبوا سيرتي قلتي لها إيه عني؟


ـ يا عم روح يعني بنجيب في سيرة "أدهم الشرقاوي" عادي يعني قلت لها إن أنت شغال ظابط وكل شوية تقلقنا معاك بمهماتك واختفائك المفاجئ بالشهور وظهورك،

 وحتى كمان قلت لها إن أنا نفسي أخطبها ليك بس هي تقريبا كانت بتمر بقصة حب صعبة خليتها قافلة قلبها ونفسها عن أي راجل لأن في زمايلنا كتير في المستشفى حبوا يتقدموا لها وهي رافضة تماما المبدأ،

 وحاولت أسألها كذا مرة ليه بترفض وخصوصا إن فيهم شباب كويسين جدا ما كانتش بتحكي لي ولا بتبوح اللي في صدرها بس أنا حسيت إنها خارجة من تجربة صعبة أو إنها بتحب حد وهو مش شايفها أصلا علشان كده دايما انطوائية وعيونها حزينة وكلامها قليل جدا. 


"يونس" لما سمع كلام أخته قلبه بقى يدق بسرعة رهيبة وحشته جدا كان قبل ما يدخل في الغيبوبة ويتصاب مواعد نفسه إنه هيخلص العملية ويروح ليها ويطلب منها السماح لكن ظروف صحته منعته إن هو يبعد عنها الفترة دي كلها وأول ما فاق وتعافى قرر إن هو يفاتح أمه علشان يروحوا يخطبوها وما كانش متوقع إن القدر يحطها في طريق أخته ويبقوا أصحاب وسابهم وقام خرج للجنينة وغمز لأخته بعينيه إن هي تيجي وراه علشان نفسه يتكلم معاها براحته وأول ما خرجت طلب منها: 

ـ ممكن توريني صورة صاحبتك اللي أنت بتتكلمي عنها يا "مريم"؟


طلعت موبايلها وبدأت تقلب في الصور وجابت صور ليها كانوا متصورينها وأول لما مسك الموبايل وشاف الصورة دقات قلبه أعلنت الطبول جوه صدره وبقى يبلع أنفاسه بصعوبة وطلب منها: 

ـ طب بقول لك إيه ممكن أطلب منك طلب انتي حفلة عيد ميلادك كمان يومين ممكن تعزميها في عيد ميلادك وتعرفيني عليها أنا حاسس إن أنا ارتحت لها قوي؟


ـ إيه ده يا "يونس" والعروسة اللي أنت كنت رايح تخطبها حرام عليك تعلق واحدة بيك وفي الآخر تخلى بيها بعد ما وعدتها؟


"يونس" اتهرب منها وهو بيجاوبها: 

ـ يا بنتي انتي صدقتي ده أنا كنت بصبر ماما بأي كلام علشان خاطر تهدى من حوار الشغل اللي كل شوية تكلمني فيه فقلت أطلع لها بحجة العروسة علشان تنسى وتهدى شوية، لكن بصراحة من وقت ما كلمتيني عن صاحبتك دي وعن أدبها وأخلاقها وقوتها وجراءتها وإزاي هي مكافحة كده، وكمان أول ما شفت صورتها دلوقتي حسيت بارتياح غريب عمري ما حسيته في حياتي فأنا عايزك تعزميها وتعرفيني عليها أو تشاوري لي من بعيد إن هي دي وتسيبيني أنا أتولى مسؤولية تعرفي عليها. 


ـ طب والله ما مصدقة نفسي يا "يونس" إنك مجرد ما شفت صورتها تعجب بيها بسرعة كده انت بني آدم غريب يا ابني والله. 


ـ يا بنتي ما غريب إلا الشيطان ولا أنتم مش عاجبكم حاجة خالص المهم بقى لو رفضت تحضر عيد الميلاد هعرف إن أنت ما لكيش تأثير عليها. 


ـ لا من الناحية دي اطمن أنا عزمت صاحباتي اللي في المستشفى كلهم وهي كانت من ضمنهم ووعدتني إنها هتيجي أنت ما تعرفش إحنا أصحاب قد إيه وبصراحة أنا بحبها قوي يا "يونس". 


لسانه نطق قدامها بلهفة وشوق وحنين من غير ما ياخد باله: 

ـ وأنا كمان.

الفصل السادس عشر من هنا

stories
stories
تعليقات