رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس عشر
وصلت جواهر إلى المخفر وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف والاضطراب. كانت خطواتها متعثرة، غير ثابتة، وكأن الأرض لم تعد تحملها كما ينبغي، بينما عقلها كان غارقًا في دوامة من الرعب والصدمة، تحاول أن تستوعب كيف انقلبت حياتها في ساعات قليلة من زوجة تجلس في بيتها تنتظر خروج زوجها، إلى متهمة تقف على أبواب التحقيق في قضية قتل.
ما إن ترجلت من السيارة حتى رفعت عينيها المرتجفتين تبحث وسط الوجوه عن أي مأمن، عن أي وجه يمنحها بعض الطمأنينة، حتى وقعت عيناها على غريب وتامر اللذين كانا ينتظرانها بوجوه متجهمة لا تبشر بالراحة.
تحركا نحوها سريعًا، وكانت ملامحهما تحمل توترًا واضحًا، وكأن المصيبة تكبر أمامهم أكثر مما توقعوا.
اقترب منها تامر أولًا، وكانت عيناه مليئتين بالحيرة والقلق، ثم تكلم بتساؤل لم يخلي من العتاب:
"انتي ايه وداكي عندها يا جواهر؟"
بمجرد أن سمعت سؤاله، شعرت وكأن الحاجز الذي كانت تحاول التماسك خلفه قد انهار تمامًا، فانفجرت بالبكاء، وخرج صوتها مختنقًا بين شهقاتها المتلاحقة وهي تقول:
"والله يا خالو أنا ما قتلتها، ا أنا روحت اقولها تبعد عن جواد، حصل ما بينا مشددة في الكلام لكن أنا مشيت وهي كانت عايشه ومفيهاش حاجة."
كانت كلماتها تخرج متقطعة، مشوشة، ممزوجة بالدموع والخوف، وكأنها تحاول التشبث بالحقيقة حتى لا تضيع وسط ذلك الكابوس.
تنهد غريب بضيق شديد، وشعر بأن الأمور بدأت تتشابك بصورة أكثر تعقيدًا مما توقع، ثم نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول بصوت ثقيل، يحمل لومًا واضحًا:
"وليه تروحي ليها من اساسه يا جواهر؟ اهو بسبب اندفاعك وقعنا فى مشكلة كبيرة."
رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، وكأنها تبحث فيه عن تفهم لما دفعها إلى ذلك، ثم تكلمت بصوت متكسر من شدة البكاء والوجع:
"كنت عايزني أعمل إيه يا أونكل غريب؟ وانا شايفه جوزي بيخوني مع واحده زي دي، كان قصادي حل من الاتنين يا أبعد عن جواد واسيبه يا أحافظ عليه وأروح ليها وعرفها أن بحبه ومش هسمح لحد يقربله، وأنا مقدرتش على الحل الأول فنفذت الحل التاني وروحت ليها."
كانت كلماتها صادقة، موجعة، تخرج من قلب امرأة تحترق بين الحب والخذلان، بين الغيرة والتمسك، بين الكرامة والخوف من الفقد.
نظر إليها غريب طويلًا، ورأى في دموعها صدقًا لا يمكن إنكاره، فرغم ضيقه من اندفاعها، كان يعلم جيدًا أن ما فعلته لم يكن إلا بدافع الحب، والحب وحده كثيرًا ما يدفع الإنسان إلى حافة الجنون.
أومأ لها برأسه، ثم تكلم بصوت أكثر هدوءًا، وإن ظل مختنقًا بالضغط الذي يعيشه:
"هتدخلي دلوقتي يتحقق معاكي، ومتقلقيش المحامين هيكونوا معاكي، قولي اللي حصل بالظبط ومتخافيش، احنا جنبك مش هنسيبك."
حاولت أن تتمسك بكلماته كطوق نجاة وسط بحر الرعب الذي تغرق فيه، لكنها فجأة رفعت عينيها تبحث حولها من جديد، وكأن شيئًا أهم من خوفها يسيطر عليها.
ثم تكلمت بتوتر واضح، وصوت منخفض مرتجف:
"ه هو جواد فين؟"
تنهد تامر بضيق، وهو يعلم أن ذكر جواد الآن لن يطمئنها، لكنه أجابها بصوت مختنق:
"حطينه فى اوضه وقافلين عليه، علشان لما عرف اتجنن على الاخر وبهدل الدنيا."
اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بوخزة قوية في قلبها وهي تتخيل حالته.
جواد، ذلك الرجل الذي مهما أخطأ بحقها، يبقى هو قلبها الذي لم تعرف الحياة دونه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت أن خوفها تضاعف، ليس على نفسها هذه المرة، بل عليه.
أومأت برأسها ببطء، تحاول التماسك، ثم تحركت مع العسكري إلى داخل غرفة التحقيق، وخطواتها أثقل من الجبال، وكأنها تساق إلى مصير مجهول.
ظل غريب واقفًا مكانه للحظات، ثم مرر يده في شعره بعنف، يحاول أن يهدئ ذلك الغضب الذي يتصاعد داخله من كل اتجاه.
زفر بنفاد صبر شديد، ثم قال وهو يهز رأسه بضيق واضح:
"اموت وافهم عقل الستات ده بيفكر ازاي؟ عندهم كمية اندفاع مش طبيعيه، لاغين دماغهم وبيفكروا بقلبهم وبس، وده اللي مضيعهم."
كان يتحدث بحدة، لكن داخله لم يكن غاضبًا من جواهر وحدها، بل من كل تلك الفوضى التي أحاطت بهم فجأة.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت طرقات عنيفة متتالية من الباب الذي أغلق فيه جواد.
ضربات قوية، غاضبة، تحمل داخلها ثورة رجل فقد السيطرة على نفسه.
التفت غريب نحو الباب، وحدق فيه بملامح متجهمة، ثم لوح بيده بغضب وأكمل كلامه بسخرية ممزوجة بالضيق:
"الستات، والبغل اللي جوه ده، اللي معندهوش عقل من اساسه."
رغم كلماته القاسية، إلا أن القلق على ابنه كان واضحًا في عينيه.
فهو يعرف جيدًا أن جواد الآن ليس غاضبًا فقط، بل محترق.
محترق خوفًا على زوجته، ومحترق عجزًا عن حمايتها وهو محبوس خلف باب مغلق.
تنهد غريب بعمق، ثم اتجه وجلس على المقعد القريب، وأسند ظهره إليه، واضعًا كفيه فوق وجهه للحظات.
كانت أعصابه مشدودة إلى أقصاها، وعقله يركض في كل اتجاه، يحاول أن يجد مخرجًا من هذا النفق المظلم.
أما تامر، فجلس بجواره بصمت ثقيل، والاثنان ينتظران انتهاء التحقيق مع جواهر، وكل منهما يعلم أن ما سيأتي بعد هذه الليلة لن يكون سهلًا أبدًا.
****************************
وصلت رنيم إلى الفيلا وجسدها يرتجف بعنف، كأن العاصفة التي كانت تعصف داخل صدرها قد انتقلت إلى أطرافها كلها، حتى أصبحت خطواتها غير ثابتة تكاد تخونها في أي لحظة. أخرجت المفتاح بصعوبة من حقيبتها، وكانت أصابعها ترتعش ارتعاشًا واضحًا جعلها تفشل أكثر من مرة في إدخاله في موضعه الصحيح، حتى تمكنت أخيرًا من فتح الباب. دفعت الباب سريعًا، ثم أغلقته خلفها بعنف، وكأنها تحاول أن تغلق معه كل ما حدث قبل دقائق، أن تغلق صوت الرصاصة، وصوت أنفاس شاهين الأخيرة، ونظرته التي ما زالت تطاردها كأنها محفورة داخل روحها.
أسندت ظهرها على الباب، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها التي كانت تهدد بالانفجار، وعيناها تدوران في أرجاء المكان باضطراب شديد، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه، ربما تبحث عن أمان، أو عن مخرج من ذلك الكابوس الذي ابتلعها فجأة. كانت الفيلا ساكنة على غير عادتها، خالية تمامًا، لا صوت فيها سوى صوت أنفاسها المرتجفة ونبضات قلبها التي كانت تصرخ داخل أذنيها بعنف حتى شعرت أنها ستفقد وعيها من شدتها.
رفعت يدها عن فمها للحظة تنظر إليها، وعندما وقعت عيناها على آثار الدماء العالقة بأصابعها، اتسعت حدقتاها بصدمة مرعبة، وكأنها تراها للمرة الأولى، فعاد المشهد كاملًا إلى رأسها دفعة واحدة؛ شاهين وهو يقترب منها، كلماته، لمساته، صوته، ثم تلك الرصاصة التي انطلقت من بين أصابعها وكأنها لم تكن هي من ضغطت الزناد، ثم سقوطه أمامها غارقًا في دمائه.
شهقت بقوة وهي تحرك رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد الصور من عقلها، لكنها كانت أقوى منها، تطاردها بلا رحمة، تخترق ذاكرتها وتعيد نفسها مرارًا وتكرارًا حتى شعرت أن صدرها يضيق أكثر، وأن الهواء لم يعد يكفيها.
تحركت فجأة كالهاربة من شبح يلاحقها، وركضت نحو الدرج بخطوات متعثرة، تكاد تسقط أكثر من مرة، وصعدت إلى غرفتها بسرعة جنونية، وما إن وصلت حتى دفعت الباب بعنف خلفها وأغلقته بإحكام، ثم أدارت المفتاح وكأنها تخشى أن يقتحم عليها أحد الحقيقة التي تهرب منها.
استندت للحظة على الباب، وأغمضت عينيها بقوة، لكن ذلك لم يساعدها، بل زاد الأمر سوءًا، لأن الظلام أعاد إليها وجه شاهين وهو ينظر إليها بتلك النظرة الأخيرة، نظرة لم تكن مملوءة بالغضب أو الكره كما توقعت، بل بشيء آخر لم تستطع فهمه، شيء جعل قلبها يختنق أكثر.
فتحت عينيها بسرعة وتحركت نحو السرير بخطوات بطيئة هذه المرة، وكأن جسدها فقد كل طاقته دفعة واحدة، ثم جلست عليه، ومدت يدها المرتجفة أمام عينيها، تحدق في الدماء الملطخة عليها وكأنها لا تصدق أنها حقيقية. راحت تمرر أصابعها فوقها ببطء، ثم همست بصوت مختنق، بالكاد خرج من بين شفتيها:
"أنا، أنا أزاي عملت كده؟"
وما إن خرج السؤال من فمها حتى انهارت تمامًا.
تعالت شهقاتها بقوة حتى تحولت إلى بكاء هستيري ممزوج برعب وصدمة وإنكار، وكأنها تحاول بالبكاء أن تغسل يديها من ذلك الدم، أو تمحو ما حدث، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تمحى. راحت تستعيد كل لحظة، كل كلمة قالتها له، وكل كلمة قالها لها، وتحديدًا تلك اللحظة الأخيرة حين طلب منها أن تهرب، وكأنه كان يحميها حتى وهو ينزف.
ذلك وحده كان كافيًا ليحطم ما تبقى من تماسكها.
ارتمت على السرير بجسد منهك، ودفنت وجهها في الوسادة وهي تبكي بحرقة شديدة، حتى أصبحت أنفاسها متقطعة ومؤلمة، وكأن كل شهيق ينتزع جزءًا من روحها. لم تكن تبكي فقط خوفًا من القادم، ولا رعبًا مما فعلت، بل كانت تبكي لأن شيئًا داخلها انكسر في تلك الليلة، شيئًا لن يعود كما كان أبدًا.
كانت الأفكار تضرب رأسها بلا رحمة؛ هل مات فعلًا؟ هل ما زال حيًا؟ ماذا لو جاءت الشرطة؟ ماذا لو اكتشف الجميع أنها كانت هناك؟ ماذا لو عرفوا أنها أطلقت النار؟
كل سؤال كان كطعنة جديدة تمزقها من الداخل، حتى شعرت بأن عقلها لم يعد قادرًا على الاحتمال.
تعالت أنفاسها أكثر، واشتد اختناقها، ووضعت يدها على صدرها محاولة أن تلتقط أنفاسها، لكن الألم النفسي كان أقوى من قدرتها على الاحتمال، حتى بدأت رؤيتها تتشوش شيئًا فشيئًا، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة ومبهمة.
ظلت تبكي وتنتحب حتى تقطعت أنفاسها تمامًا، وحتى فقد جسدها القدرة على المقاومة أو الحركة، فأغلقت عينيها أخيرًا، لا هربًا من النوم، بل هربًا من الواقع نفسه، وكأن عقلها اختار أن يطفئ كل شيء مؤقتًا حتى يحميها من الانهيار الكامل، ولم تشعر بعد ذلك بأي شيء آخر، فقط ظلام ثقيل ابتلعها بالكامل.
****************************
عند ترنيم...
لم تستطع سمية أن تترك ابنتها داخل المخفر بمفردها، فالأم مهما بلغت قوتها تبقى معلقة الروح بابنتها، خاصة وهي تراها تساق إلى التحقيق بتهمة لم ترتكبها. لذلك طلبت من ترنيم أن تذهب إلى الفيلا وتحضر بعض المستلزمات الخاصة بجواهر، إلى جانب إثباتاتها الشخصية والأوراق التي قد تحتاجها أثناء التحقيق. لم تعترض ترنيم، رغم أن قلبها كان مثقلًا بما يكفيه من الوجع والخوف، لكنها أومأت بصمت وتحركت، وكأنها تؤدي واجبًا لا بد منه، بينما عقلها وروحها ما زالا عالقين هناك داخل جدران المخفر، مع ابنها وزوجة ابنها، ومع ذلك الكابوس الذي بدأ يلتف حول العائلة كلها.
وصلت إلى الفيلا، وترجلت من السيارة بخطوات متسارعة، ثم فتحت الباب ودلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها. كان السكون يخيم على المكان بصورة ثقيلة، سكون موحش جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، كأن البيت كله يختنق بما يدور داخله من أسرار وآلام. صعدت إلى الأعلى مباشرة، واتجهت نحو غرفة جواهر، دخلتها وبدأت تجمع حاجاتها؛ بعض الملابس، حقيبة صغيرة، أوراقها الشخصية، وكل ما قد تحتاجه. كانت تتحرك بسرعة، لكن داخلها كان مشوشًا، منهكًا، عاجزًا عن التقاط أنفاسه من كثرة ما حدث خلال الساعات الماضية.
خرجت من غرفة جواهر متجهة نحو الدرج، لكن خطواتها توقفت فجأة عندما لمحت خيطًا من الضوء يتسلل من أسفل باب غرفة رنيم. عقدت حاجبيها بتعجب، تسلل القلق إلى قلبها دون استئذان، وشعرت برغبة في إخبارها بما حدث، لعلها تقف بجوار جواهر في محنتها، خاصة وأن جواهر كانت دائمًا تعتبرها أختًا لها، مهما حدث بينهما من خلافات.
تحركت نحو الباب وطرقت عليه عدة مرات، لكن لم يصلها أي رد. انتظرت لحظات، ثم طرقت مرة أخرى، وهذه المرة بقوة أكبر، وقالت بصوت اختلط فيه القلق بالتوتر:
"رنيم افتحي الباب، عايزة أقولك حاجة، رنيم ردي عليا."
مرت لحظات ثقيلة، لكن الصمت ظل سيد الموقف.
مدت يدها إلى المقبض وحاولت فتح الباب، لكنها تفاجأت بأنه مغلق من الداخل، وهنا ازداد قلقها أكثر. شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي، شيئًا ما حدث داخل تلك الغرفة، شيئًا جعل قلبها ينبض بعنف داخل صدرها.
استدارت سريعًا وعادت إلى غرفة جواهر، فتحت درج التسريحة وأخرجت المفتاح الاحتياطي لغرفة رنيم، ثم عادت مسرعة. في البداية أدخلت شيئًا رفيعًا من ثقب الباب حتى تسقط المفتاح الموجود من الداخل، ثم وضعت المفتاح الآخر وأدارته.
انفتح الباب أخيرًا.
وما إن دلفت إلى الداخل حتى تجمدت مكانها.
اتسعت عيناها بصدمة عنيفة عندما رأت رنيم ملقاة على السرير، جسدها ساكن بطريقة مرعبة، وملابسها ملطخة بالدماء.
شعرت ترنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ركضت نحوها بسرعة، وجلست بجوارها، وربتت على وجهها بخوف وهي تناديها، لكن رنيم لم تستجب. اقتربت أكثر، ولاحظت أن وجهها مبلل بالدموع، وكأنها بكت حتى استنزفت نفسها بالكامل، ثم أمسكت يدها، فتجمد الدم في عروقها عندما وجدت أصابعها أيضًا ملطخة بالدماء.
شعرت برعب حقيقي يجتاحها، وبدأ عقلها يركض في كل اتجاه محاولًا فهم ما حدث، لكن دون جدوى. لم تكن تعرف هل أصيبت رنيم؟ هل آذت نفسها؟ أم أن هذه الدماء تعود لشخص آخر؟ كل الاحتمالات كانت مرعبة، وكل فكرة كانت أشد قسوة من التي قبلها، لكن الوقت لم يكن يسمح لها بالوقوف والتفكير.
تحركت بسرعة نحو حقيبة يد رنيم، وفتحتها بارتباك حتى وجدت الدواء الخاص بها. أسرعت إليها، وفتحت فمها بصعوبة، وضعت الدواء داخله، ثم حاولت إفاقتها به، لكن دون نتيجة. شعرت بالخوف يزداد داخلها، فاتجهت إلى خزانة ملابسها وفتحتها بسرعة، وأخرجت جهاز التنفس الخاص بها، وبدأت تجهزه بيدين مرتجفتين، ثم وضعت القناع على فمها.
جلست بجوارها من جديد، وأمسكت يدها، وعيناها معلقتان بتلك الدماء العالقة على أصابعها، بينما عقلها يغرق في دوامة من الأسئلة والقلق.
مرت دقائق ثقيلة كأنها ساعات، حتى بدأت رنيم تحرك رأسها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد جدًا، من ظلام عميق ابتلعها بالكامل. كانت أنفاسها متقطعة، وعيناها تتحركان باضطراب، وكأنها ما زالت عالقة داخل الكابوس.
وفجأة، تشكلت صورة شاهين أمامها من جديد، وهو غارق في دمائه، ينظر إليها بتلك النظرة الأخيرة.
انتفضت بعنف من مكانها، وكأن صاعقة أصابتها، وأخذ جسدها كله يرتجف بطريقة غريبة ومرعبة، حتى شعرت ترنيم بالخوف الحقيقي عليها. اقتربت منها بسرعة واحتضنتها بقوة محاولة تهدئتها، والغريب أن رنيم لم تدفعها بعيدًا، بل تمسكت بها بكل قوتها، وكأنها غريق وجد أخيرًا شيئًا يتشبث به، ثم انفجرت في بكاء هستيري ممزوج بألم ورعب وندم.
راحت ترنيم تربت على ظهرها بحنو، وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة القلق، ثم قالت بصوت مرتجف:
"مالك يا رنيم؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟"
رفعت رنيم رأسها قليلًا، وكانت شهقاتها تقطع كلماتها، ثم قالت بصوت متكسر:
"ق قتلته، ق قتلت شاهين، أنا مجرمة."
شعرت ترنيم وكأن الزمن توقف للحظة.
اتسعت عيناها بذهول وصدمة، وتراجعت قليلًا وهي تنظر إليها بعدم تصديق، ثم قالت بصوت مرتعش:
"قتلتيه؟ إزاي؟ ومين شاهين ده؟"
وفي اللحظة نفسها، وكأن رنيم أفاقت على ما قالته.
أدركت أنها أفشت سرًا لم تكن تريد لأحد أن يعرفه.
ابتعدت عن حضن ترنيم سريعًا، ونظرت إليها بعينين مضطربتين، ثم قالت بصوت ضعيف لكنه مشحون بالغضب والدفاع:
"إنتي بتعملي إيه في أوضي؟ ومين سمحلك تلمسيني؟ وإزاي تدخلي في حياتي كده؟ اطلعي بره لو سمحتي."
نهضت ترنيم من على السرير، والغضب اختلط بقلقها، ونظرت إليها بحدة وهي تقول:
"ردي عليا، مين ده اللي قتلتيه؟ ودمه على إيدك؟ ردي عليا يا رنيم."
أدارت رنيم وجهها إلى الجهة الأخرى، عاجزة عن مواجهتها، وقالت بصوت مختنق:
"ملكيش فيه، متدخليش في أي حاجة تخص حياتي، اطلعي من أوضي بقولك."
اقتربت منها ترنيم بنفاد صبر، وأمسكتها من ذراعها بقوة، وقالت بغضب واضح:
"انطقي يا رنيم، خليني أعرف أتصرف في المصيبة دي قبل ما تروحي في داهية. مين شاهين ده؟ وقتلتيه ليه؟"
لكن رنيم انفجرت فجأة، وصرخت بصوت مزق سكون الغرفة، وكأنها لم تعد تحتمل ضغطًا آخر فوق ما تحمله داخلها:
"ملكيش دعوة! أنا عايزة أروح في ستين داهية! اخرجي من حياتي بقى! أنا مش ناقصاكي! سبيني باللي أنا فيه."
رفعت ترنيم يدها وأمسكت يدها الملطخة بالدماء، ورفعتها أمام عينيها، وقالت بصوت حاد يحمل خوفًا أكبر من غضبها:
"إزاي مليش فيه وأنا شايفة على إيدك دم بني آدم؟ إزاي عايزاني أسيبك لوحدك في المصيبة دي؟ لا يا رنيم، مش هخرج من حياتك، وبرضاكي أو غصب عنك، هعرف كل حاجة."
ضغطت رنيم على أسنانها بقهر وغضب، وشعرت أن أنفاسها تختنق من جديد، فاندفعت نحو المرحاض بسرعة، دخلت إليه، ودفعت الباب بقوة حتى أغلقته خلفها، ثم أسندت ظهرها عليه.
وفي اللحظة التي ضمنت فيها أنها وحدها، انهارت تمامًا.
تركت العنان لدموعها تنهمر بغزارة، ووضعت يدها على فمها حتى تكتم شهقاتها، لكن بكاءها كان أقوى من أن يحبس، وكأنها تحاول أن تطرد من صدرها كل ما حدث، كل الدم، كل الرعب، كل تلك النظرة الأخيرة التي تركها شاهين داخل روحها.
أما ترنيم، فظلت واقفة مكانها تنظر إلى باب المرحاض بقلق شديد، وقلبها يشتعل بالحيرة والخوف. كانت تريد أن تكسر الباب وتنتزع منها الحقيقة، لكن فجأة تذكرت جواهر وما ينتظرها في المخفر.
زفرت بضيق شديد، وشعرت أن الدنيا كلها تنهار فوق رأسها دفعة واحدة.
استدارت وغادرت الغرفة، وهبطت إلى الأسفل بسرعة، ثم صعدت سيارتها وتحركت نحو المخفر، لكن عقلها لم يغادر تلك الغرفة، ولم يغادر تلك الدماء التي رأتها على يدي رنيم، ولم يغادر ذلك الاسم الذي سمعته لأول مرة، شاهين.
وكانت قد عقدت النية في داخلها، أنها ستعود إليها مرة أخرى، ولن تترك الأمر يمر، ستعرف الحقيقة كاملة، من يكون هذا الرجل؟ ولماذا قتلته؟ وما الذي أوصل رنيم إلى هذا الانهيار المرعب؟ لأنها أدركت أن ما رأته الليلة لم يكن مجرد خوف عابر، بل كارثة حقيقية بدأت، ولا أحد يعلم إلى أين ستنتهي.
*****************************
في صباح يوم جديد، وبعد ليلة طويلة ثقيلة مرت عليهم جميعًا كأنها عمر كامل، كان الصمت يخيم على المكان، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت مشحون بالتوتر والخوف والترقب. وقف غريب أمام الباب الذي احتجز خلفه جواد طوال الليل، وقد حسم أمره أخيرًا أن يخرجه، لكنه كان يعرف طبيعة ابنه جيدًا، ويعلم أن الغضب حين يتمكن منه لا يترك له مساحة للعقل، لذلك قبل أن يسمح له بالخروج، فتح الباب ودلف إلى الداخل ثم أغلقه خلفه بإحكام، واستدار إليه بنظرة حادة تحمل تحذيرًا صريحًا، وقد ارتسم الغضب واضحًا على ملامحه وهو يقول بنبرة غاضبة:
"أنا هخرجك من هنا يا جواد بس أي حركت جنان ولا تهور منك هروحك الفيلا واحبسك فى اوضك، مراتك منهارة ومحتاجة موجودك جنبها، يبقى تهدا علشان تعرف تهديها، وانا مش ساكت وهخرجها من هنا متقلقش."
رفع جواد عينيه إليه ببطء، وكانت عيناه مشتعلة بحمرة مخيفة، حمرة غضب وألم وسهر طويل، فمنذ أن أُغلق عليه هذا الباب وهو يعيش داخل نار لا تهدأ، زوجته محتجزة في مكان كهذا، تبكي وتنهار وهو عاجز عن الوصول إليها، عاجز عن احتضانها أو حتى أن يخبرها أنه بجانبها، وهذا وحده كان كفيلًا بأن يحطم أعصابه تمامًا. نهض ببطء من مكانه، وكان جسده متصلبًا من شدة الغضب المكبوت، ثم اقترب من والده حتى وقف أمامه مباشرة، وتكلم من بين أسنانه بصوت مكتوم لكنه يحمل وعيدًا واضحًا:
"حساب الكل معايا، بس مش دلوقتي لما اطمن على مراتي الاول."
كان صوته وحده كافيًا ليكشف حجم النار المشتعلة داخله، فهو لم يعد يفكر إلا بها، لا يهمه شيء الآن سوى أن يراها، أن يطمئن عليها، أن يخرجها من هذا الكابوس مهما كلفه الأمر.
أمسكه غريب من ذراعه بقوة، وأجبره أن يتوقف للحظة، ثم نظر إليه نظرة أخيرة مليئة بالتحذير، وقال بصوت صارم:
"لآخر مرة بحذرك يا جواد أي حركة جنان منك هحبسك."
سحب جواد ذراعه من يد أبيه بحركة حادة، وكأن مجرد لمسة أخرى قد تفجر غضبه بالكامل، ثم استدار واتجه نحو الباب وخرج منه سريعًا، بخطوات ثقيلة ومتوترة، واتجه مباشرةً نحو الغرفة المحتجزة بها جواهر. كان يسير كمن يحمل جبالًا فوق صدره، أنفاسه متسارعة، وغضبه يسبق خطواته، حتى وقف أمام الباب أخيرًا.
توقف للحظات، أغمض عينيه يحاول أن يلتقط أنفاسه الغاضبة، يحاول أن يهدئ نفسه قبل أن يراها، لكنه كان يعلم أن رؤيتها بهذه الحالة ستكسر كل ما تبقى من ثباته.
مد يده أخيرًا وفتح الباب، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى انقبض قلبه بعنف.
كانت جالسة هناك، منهارة، شاحبة الوجه، عيناها متورمتان من البكاء، وجسدها كله يرتجف من الخوف والوجع، وكأنها فقدت الأمان كله دفعةً واحدة.
لم يحتمل رؤيتها هكذا، اقترب منها سريعًا دون تردد، واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها وحدها.
وفور أن شعرت به، تمسكت به بقوة أكبر، كأنها كانت تتشبث بالشيء الوحيد الذي يمنحها الطمأنينة وسط هذا الجحيم، وانفجرت باكية بين ذراعيه وهي تقول من بين شهقاتها المتقطعة:
"مقتلتهاش والله العظيم ما عملت كده يا جواد."
أغمض عينيه للحظة، وشعر بألم حاد يخترق صدره، ألم لأنه يعلم أنها بريئة، وألم أكبر لأنه السبب في وجودها هنا من الأساس. مال برأسه وقبل رأسها بهدوء شديد، هدوء كان يخفي خلفه عاصفة عنيفة تدور داخله، ثم قال بصوت مختنق:
"عارف، اهدي يا جواهر علشان خاطري."
رفعت وجهها إليه بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها تتوسل منه أن يصدقها، ثم بدأت تتحدث بسرعة وسط بكائها، وكأنها تريد أن تفرغ كل ما حدث دفعة واحدة قبل أن ينهار قلبها من شدة الخوف:
"والله العظيم أنا روحت قلتلها ابعدي عن جواد وملكيش دعوة بي، حاولة تستفزني وتقولي أنها بتحبك، ومش هتسيبك ليا بسهولة كدة، اه مسكت شعرها وضربتها، وبعد كده سيبتها كانت عايشه وبتقولي أنها هتنتقم مني وهتحرق قلبي عليك، وبعد كده نزلت من عندها ركبت عربيتي ومشيت، كان لازم اعمل كده علشان بحبك، كنت بحاول أحافظ على جوزي، وبعدها ناوية افتح صفحة جديدة معاك وقابلتك الصبح، اقسم بالله هو ده كل اللي حصل."
كانت كلماتها تخرج ممزقة، متشابكة مع شهقاتها، لكنها كانت صادقة إلى حد موجع، وكل كلمة منها كانت تغرس داخل قلبه شعورًا بالذنب لا يحتمل، لأنه أدرك بوضوح أن كل ما تعيشه الآن بدأ من أخطائه هو.
شعر بوخزة مؤلمة في قلبه، ثقيلة وعنيفة، لأنه في النهاية السبب في وجودها في هذا المكان، السبب في خوفها وانهيارها ودموعها. رفع يديه ببطء وكوب وجهها بين كفيه، يجبرها أن تنظر إليه، وكانت عيناه تحملان من الصدق والندم ما يكفي ليطمئن قلبها رغم كل شيء، ثم قال لها بهدوء عميق:
"مش عايزك تخافي، أنا جنبك يا جواهر ومش هسكت غير لما اخرجك من المكان ده، زي ما كنت السبب فى دخولك فيه، وعايزك تعرفي أنا بحبك انتي وعمري ما حبيت غيرك، انتي مالية عيني وقلبي، ماشي يا عمري."
ارتجف قلبها مع كلماته، وشعرت وكأن شيئًا من الطمأنينة عاد إليها رغم كل ما يحدث، فاكتفت بأن أومأت له برأسها، عاجزة عن الكلام من شدة ما يعتصر صدرها، ثم ارتمت داخل أحضانه مرة أخرى، وتمسكت به بقوة، وكأنها تستمد منه القوة التي فقدتها، وكأن حضنه وحده قادر على إعادة توازنها وسط كل هذا الانهيار.
ضمها جواد بقوة داخل أحضانه، وكأنه يحاول أن يخفيها عن العالم كله، وقبل رأسها بحنو بالغ، ثم أغلق عينيه، لكن خلف جفنيه كانت نار الغضب تشتعل بصورة مرعبة، غضب على نفسه، وعلى كل من تسبب في وصولها إلى هذه اللحظة.
وفي داخله، كان يتوعد بصمت، يتوعد كل يد امتدت لتدفع بجواهر إلى هذا المكان، وكل شخص كان سببًا في أن يرى زوجته بهذه الحالة المنكسرة، وكان يعلم أن ما حدث لن يمر دون حساب.
**************************
في مكان آخر...
بدأ يحرك رأسه ببطء شديد، وكأن روحه تعود إليه على مهل بعد رحلة طويلة بين الحياة والموت. كانت صورة رنيم تطارده بلا رحمة؛ صراخها، بكاؤها، انهيارها، ارتجاف يديها، ونظرتها المذعورة وهي ترى الدماء تنفجر من صدره، ثم أخيرًا ملمس شفتيها الذي التصق بذاكرته كأشد اللحظات حضورًا داخله. اهتز جفنه قليلًا، ثم بدأ يفتحه ببطء مؤلم، وكأن مجرد فتح عينيه يحتاج إلى قوة لم تعد في جسده. نظر حوله باستغراب واضح، فرأى بياضًا يحيط به من كل جانب، بياضًا باردًا خانقًا، وصوت أجهزة متتابعة يقطع الصمت بطريقة مزعجة تزيد اضطرابه، ونساء يرتدين زيًا موحدًا باللون الوردي، ورجالًا بزي أزرق يتحركون في المكان بهدوء منظم.
حاول أن يتحرك، لكن الألم الذي اخترق صدره جعله يتوقف فورًا، وكأن سكينًا انغرست في موضع الرصاصة من جديد. أنزل عينيه ببطء إلى صدره، فرأى الشاش الطبي يلف جسده بإحكام، فعاد إليه جزء من ذاكرته، وعاد معها وجع آخر أشد قسوة من ألم الرصاصة نفسها. حرك أصابعه ببطء، يشعر بثقل جسده كله، وبالألم يسري في كل عصب فيه، ثم مد يده بصعوبة وضغط على الزر الموجود بجواره. في اللحظة نفسها التفتت إليه الممرضة، وما إن رأته مستيقظًا حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة وقالت:
"حمدالله على السلامة حضرتك."
رفع عينيه إليها بصعوبة، وصوته خرج ضعيفًا متعبًا، كأن الكلمات تنتزع من بين أنفاسه بصعوبة:
"هو أنا جيت هنا ازاي؟"
أجابته بابتسامة هادئة، وهي تحاول أن تشرح له ما حدث بنبرة مطمئنة:
"البواب شاف بنت نازلة بتجري وكلها دم حس أن فيه حاجة مش طبيعيه بتحصل، طلع يأمن على الشقق لاقك مرمي على الأرض ومضروب بالرصاص اتصل بالاسعاف ولما جيت حالتك كانت خطر والرصاصة كانت قريبه جدا من قلبك بس الحمدالله الدكتور قدر يخرجها منك والعملية نجحت ومن وقتها وحضرتك نايم كده."
ما إن انتهت من كلماتها حتى أغمض شاهين عينيه بقوة، وشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه. لم يكن خوفه على نفسه، بل على رنيم. فكرة أن البواب رآها وهي تهرب والدماء تغطيها كانت كفيلة بأن تدفع الشرطة إليها، وأن تقودها إلى مصير أسود. تحركت أنفاسه بسرعة، وابتلع ألمه بصعوبة، ثم قال بصوت مختنق ضعيف:
"ممكن تخلي البواب يجيلي بسرعه."
أومأت برأسها موافقة وقالت بهدوء:
"حاضر، هبلغ الدكتور أن حضرتك فؤقت علشان الشرطة عايزة تاخد اقوالك فى اللي حصل ده، وهخليهم يتواصلوا مع البواب ده ويجيبوا لحضرتك."
أنهت كلامها وغادرت الغرفة، بينما بقي شاهين ينظر أمامه بقلق شديد، وأفكاره تتصارع داخل رأسه. كان يشعر أن كل ثانية تمر الآن قد تكون كفيلة بفضح رنيم، وإلقائها في السجن، وهو أمر لم يكن مستعدًا أن يسمح به مهما كلفه الأمر. اعتدل بصعوبة على السرير، متحملًا الألم الذي مزق صدره، ثم التفت إلى ممرضة أخرى كانت تقف بالقرب منه وقال بصوت ضعيف:
"ممكن تليفون؟"
أومأت الممرضة برأسها، وأخرجت هاتفها وأعطته له. أخذه منها بأصابع مرتجفة، وبدأ يدون رقمًا يحفظه عن ظهر قلب، وانتظر الرد. وما إن سمع صوت مروان حتى قال بصوت ضعيف:
"مروان تعالى ليا فى مستشفى..."
رفع رأسه نحو الممرضة وسألها عن اسم المستشفى، فأجابته باسمها سريعًا، فعاد يكمل حديثه:
"تعالى بسرعة متتأخرش، وبلاش تقول لامك أنا فين فاهم."
جاءه صوت مروان مضطربًا ومشحونًا بالقلق:
"حاضر، بس انت بتعمل ايه فى المستشفى؟"
زفر شاهين بضيق، وشعر أن رأسه يكاد ينفجر من الإرهاق والألم، ثم قال بنفاد صبر:
"بلاش اسألة امك الكتير دي، تعالى ليا ولما تيجي هتعرف كل حاجة، وهاتلي تليفون معاك ضروري."
أغلق الخط معه وأعاد الهاتف للممرضة، شاكرًا إياها بإيماءة ممتنة، ثم عاد يستند برأسه إلى الوسادة، يحاول التقاط أنفاسه المتقطعة.
بعد دقائق، دخل الطبيب وبدأ يفحصه بدقة، يتابع مؤشراته الحيوية ويطمئنه أن العملية نجحت وأن حالته مستقرة، لكن شاهين لم يكن يسمع نصف ما يقال؛ كان عقله مشغولًا برنيم وحدها.
وما إن خرج الطبيب حتى دخل الضابط، يحمل بيده دفترًا رسميًا، وجلس أمامه ثم قال بنبرة جدية:
"اولًا حمدالله على سلامتك، ثانيا عايز اعرف ايه اللي حصل بالظبط."
رفع شاهين عينيه إليه، وثبت ملامحه رغم الإرهاق، ثم قال بنبرة جادة ثابتة:
"الله يسلمك، اللي حصل أن فيه حرامي دخل عليا وحصل ما بينا تشابك وبعد كده خرج سلاحه وضربني بي."
نظر إليه الضابط بعدم اقتناع، وقد انعقد حاجباه من غرابة الرواية، ثم قال:
"بس كان فيه سلاح تاني واقع جنبك على الارض؟"
أجابه شاهين بهدوء حذر، محاولًا أن يبقي كذبته متماسكة:
"ايوه ده سلاحي كنت بدافع بي على نفسي بس لما ضربني الرصاصة، وقع جنبي حتى هتلاقي عليه بصماتي."
ضيق الضابط عينيه أكثر وقال بشك واضح:
"بس البواب قال: كان فيه واحدة نازلة بتجري وكلها دم؟"
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح شاهين فورًا، وتسلل القلق إلى عينيه بشكل لم يستطع إخفاءه، لكنه تدارك نفسه سريعًا وقال:
"م معرفش دي مين، زي ما قلتلك ده كان حرامي، راجل."
استمر الضابط في النظر إليه لحظات، كأنه يحاول قراءة ما وراء كلماته، ثم سأله:
"طيب تقدر توصفلي ملامح الحرامي ده."
حرك شاهين رأسه بالنفي وقال بثبات:
"كان للاسف مداري وشه بحاجة لابسها ومشوفتش ملامحه ايه."
أومأ الضابط برأسه وقال:
"تمام، احنا حاليا هنفرغ الكاميرات علشان نقدر نوصل للي عمل كده، ومرة تانيه ألف سلامة على حضرتك، اتفضل امضي على اقوالك."
أخذ شاهين القلم من يده ووقع على أقواله دون تردد، وعيناه ثابتتان على الورقة، وكأن توقيعه ذاك كان ختمًا على حماية رنيم مهما كان الثمن.
خرج الضابط من الغرفة، وبعد عدة دقائق دخل البواب، وعلى وجهه ملامح ارتياح ممزوجة بقلق حقيقي، ثم قال بابتسامة:
"حمدالله على السلامة يا شاهين باشا، أنا كنت هموت من القلق عليك."
رفع شاهين عينيه إليه بسرعة، ولم يضيع لحظة واحدة، بل قال بصوت حازم يحمل نبرة أمر صريحة:
"تغير اقوالك ومتجيبش سيرة البنت اللي شفتها نازلة من عندي والكاميرات تمسح من عليها الوقت اللي كانت نازلة فيه فاهم."
تجمد البواب في مكانه، وقد بدا عليه عدم الفهم، ثم قال متسائلًا:
"وحضرتك عايز تحمي البنت دي ليه؟ دي مجرمة ولازم تتعاقب."
ضغط شاهين على أسنانه بغضب واضح، وشعر بأن صدره يؤلمه أكثر مع اشتداد انفعاله، لكنه قال بحدة:
"ملكش فيه اسمع اللي بقولك عليه فااهم؟"
أومأ البواب برأسه مرتبكًا، وقال بطاعة واضحة:
"فاهم يا باشا بالإذن أنا بقى، اروح اعمل اللي حضرتك قلتلي عليه."
لكن قبل أن يغادر، رفع شاهين رأسه إليه ونظر له بنظرة مخيفة، تحمل تهديدًا حقيقيًا لا يحتمل المزاح، وقال بصوت منخفضٍ لكنه مرعب:
"لو لسانك نطق بكلمة ولا جبت سيرة البنت دي فى التحقيق همحيك من على وش الأرض فاهم."
ابتلع البواب ريقه بصعوبة، وأومأ سريعًا برأسه وقال بخوف شديد:
"فاهم يا باشا فاهم."
ثم غادر الغرفة مسرعًا، تاركًا شاهين وحده من جديد. ظل شاهين ينظر إلى أثره للحظات، ثم شعر بألم حاد يجتاح صدره، فأنزل عينيه إلى الشاش الملفوف حول جسده، وتحسس موضع الرصاصة بأطراف أصابعه، وكأن الألم الجسدي بات أهون عليه من ذلك الشعور الغريب الذي يلتهمه من الداخل.
عاد برأسه إلى الخلف وأسندها على الوسادة، وأغمض عينيه ببطء، لكن ذاكرته لم تمنحه راحة. عادت إليه تلك اللحظة كاملة؛ ارتجاف رنيم بين يديه، دموعها، خوفها، ثم قربها منه، ولمس شفتيها الذي لم يفارق إحساسه حتى الآن. وبرغم الألم، وبرغم الدم، وبرغم اقترابه من الموت، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة غامضة، ابتسامة رجل نجا من الموت لكنه وقع في شيء أخطر منه بكثير، ثم أغلق عينيه، مستسلمًا لتلك الذكرى، وكأنه يعيشها من جديد، يحاول أن يتمسك بها، وأن يشعر بملمس شفتيها في تلك اللحظة مرة أخرى.
*************************
وقف وحيد أمام مريم بضيق ظاهر، كأن الجدران من حوله تضيق عليه وتخنقه، لا يعرف كيف يحتوي تلك النيران التي اشتعلت داخله منذ أن علم الحقيقة. كان يتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة بخطوات مضطربة وعنيفة، يمرر يده بين خصلات شعره بعصبية تكاد تقتلعها، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس ثقيلة مشتعلة بالغضب. كان يشعر أن الدم يغلي في عروقه، وأن صورة أخته رقية وهي غارقة في دمائها لا تفارق عقله، وكأن الحقيقة التي اكتشفها الآن قد مزقت ما تبقى من اتزانه، فرفع رأسه ونظر إلى مريم بعينين تشتعلان حقدًا وتكلم بغضب شديد، وصوته يخرج متقطعًا من شدة احتقانه:
"يعني اللي قتلت اختي هي بنت الكلب دي؟ وانا زي المغفل بتكلم معاها وهي دم اختي على ايديها، اااه لو كنت اعرف انها هي، كنت شربت من دمها قبل ما الشرطة توصل ليها."
كانت الكلمات تخرج منه محملة بمرارة جارحة، وكأنه يعيد جلد نفسه قبل أن يجلدها هي. إحساسه بالعجز كان يقتله، ليس فقط لأن أخته ماتت، بل لأنه كان قريبًا من القاتلة ولم يعلم، وكان يتعامل معها وكأنها شخص عادي، بينما دم أخته ما زال عالقًا في يديها.
نظرت مريم إليه أولًا، ثم حولت بصرها إلى زين، وعيناها تضيقان في محاولة فهم ما يحدث، لكنها سرعان ما تماسكت، ومالت بجسدها قليلًا للأمام وهي تتحدث بهدوء بارد، ذلك الهدوء الذي كان دائمًا يخفي وراءه شرًا عميقًا:
"اهدا يا ابني، إذا كان هي ولا جوزها كده كده هنجيب حق رقيه منهم كلهم، وده دافع ليك علشان تنفذ اللي قولت عليه، وتحرق قلب جوزها على شرفه."
كانت كلماتها محسوبة، كأنها تلقي الزيت على النار لكنها بذكاء مدروس، تعرف كيف تستغل غضبه وتوجهه حيث تريد. لم يكن همها رقية، بل انتقامها الأكبر الذي تنتظره منذ سنوات، وكل ما يحدث الآن لم يكن سوى قطع جديدة توضع على رقعة لعبتها الكبيرة.
رفع وحيد عينيه نحو الفراغ أمامه، وعقله يرسم عشرات السيناريوهات للانتقام، وملامحه ازدادت قسوة، حتى بدا وكأن الرحمة انسحبت من وجهه تمامًا. أومأ برأسه ببطء، لكن ذلك الإيماء كان يحمل داخله وعدًا مرعبًا، ثم قال بصوت تقطر منه الكراهية والتوعد:
"يا حظها الاسود لو خرجت من المكان ده، هعملها احلى زفة على ذمة شرفها الغالي."
كان يقصد كل حرف قاله، بل كان يتمنى أن تخرج فقط ليبدأ معها حسابًا أسود لا نهاية له.
ثم شعر بالاختناق يزداد داخله، وكأن الهواء في المكان لم يعد يكفيه، فنظر إلى مريم بعينين متعبتين من فرط الغضب، وقال بصوت مختنق:
"أنا مخنوق هنزل اتمشى شوية."
لم ينتظر ردًا، بل استدار بسرعة واتجه نحو الباب، فتحه بعنف، ثم خرج منه وأغلقه خلفه بقوة جعلت صدى الصوت يتردد في أرجاء المكان.
ظلت مريم تتابعه بعينيها حتى اختفى، ثم التفتت ببطء إلى زين، وعلى وجهها علامات استغراب حقيقي هذه المرة، فقد كانت تشعر أن هناك شيئًا أكبر مما تعرفه، شيئًا لم يخبرها به بعد. نظرت إليه مليًا، ثم قالت بتساؤل واضح:
"هو ايه الموضوع؟ ايه دخل البنت دي؟"
أعتدل زين في مكانه بهدوء مستفز، وكأنه يشاهد انهيار الأحداث دون أن يتأثر بها، ثم حرك كتفيه بلا اكتراث وقال:
"معرفش اللي عرفته أنها كانت عندها قبل ما أقتلها على طول، وده ظهر فى كل الكاميرات."
أومأت مريم برأسها ببطء، لكن عقلها بدأ يعيد ترتيب الخطة من جديد. كانت تفكر بسرعة، وتزن كل خطوة، ثم قالت بضيق وهي تحاول استيعاب التغيير المفاجئ:
"بس كده هيغير شوية فى خطتنا، احنا كنا عايزين يلبسها ابن غريب وترنيم والبنت وحيد يقوم معاها بالواجب."
كانت خطتها تسير وفق مسار محدد، والآن الأمور بدأت تنحرف، وهذا ما كانت تكرهه أكثر من أي شيء؛ أن تفقد السيطرة على اللعبة.
نظر إليها زين ببرود قاتل، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا، ثم قال بلا مبالاة:
"مش هتفرق يا خالتي، فى الاخر كل واحد فيهم هياخد اللي يستاهله وأكتر."
لكن مريم لم يعجبها ذلك البرود. كانت تعرف زين جيدًا، وتعرف أن تغير نبرته أو هدوءه غير المعتاد يعني أن هناك شيئًا يخفيه عنها. ضيقت عينيها أكثر، ثم قالت وهي تراقب ملامحه بعناية:
"انت فيه حاجة مداريها عليا؟"
رفع زين عينيه إليها، وثبت نظره عليها لثواني طويلة، وكأنه يتعمد أن يجعل وقع كلماته القادمة أشد قسوة، ثم قال بهدوء ثقيل:
"رنيم امبارح كانت مع ابنك شاهين فى الشقة."
ساد الصمت للحظة، لكن ذلك الصمت كان أشبه بصدمة مكتومة. رفعت مريم إحدى حاجبيها للأعلى، وعيناها اتسعتا بعدم تصديق، وكأنها لم تستوعب ما سمعته بعد، ثم قالت بدهشة ممزوجة بذهول:
"بسهولة كده!! أنا قولت اللي هيخلص كل حاجة بسرعة شاهين ابن بطني، اتصلوا بي بسرعة خليه يجي، ويجيب معاه الفلاشة اللي صورها ليها."
كانت لا تزال تتحدث وكأن الأمور ما زالت تحت سيطرتها، وكأن شاهين سيظهر الآن وينهي لها كل شيء كما اعتادت منه.
لكن زين ابتسم بسخرية مريرة، واقترب منها ببطء محسوب، وعيناه تراقبان ملامحها لحظة بلحظة، ثم قال بتهكم واضح:
"بنت سلطان الدسوقي، ضربت ابنك بالرصاص وهربت."
نزل الخبر عليها كالصاعقة القاتلة. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وتجمد جسدها بالكامل. اتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وانحبس الهواء في صدرها، وبدا وجهها شاحبًا كأن الدم هجره دفعة واحدة. نظرت إليه بعدم تصديق، وصوتها خرج مرتجفًا ومختنقًا وهي تقول:
"انت بتقول ايه؟ انت اتجننت؟ مين ده اللي ضربته بالرصاص؟ رد عليااا وقولي أن ده كدب محصلش."
كانت عيناها تبحثان في وجهه عن تكذيب، عن إشارة واحدة تقول إن ما سمعته كذب، لكن ملامحه الباردة كانت كفيلة بتحطيم آخر خيط أمل لديها.
حرك زين رأسه بالنفي، ثم أرجع ظهره إلى الخلف بتراخي مستفز، وكأن الخبر لا يستحق كل هذا الانهيار، وقال بنبرة قاطعة:
"ابنك حبيب أمه، حتة بنت لا راحت ولا جات اقتلتة."
تراجعت مريم إلى الخلف، وبدأت تحرك رأسها برفض هستيري، وكأن عقلها يرفض استقبال الحقيقة، وشفتيها ترتجفان وهي تردد بصوت متقطع:
"كدب مستحيل يكون ده حصل مستحيل."
كانت ترى خطتها كلها تنهار أمامها، لكن ما كان يوجعها أكثر من الخطة هو ابنها، شاهين، ابنها الذي كانت تراهن عليه دائمًا، والذي لم تتخيل يومًا أن يسقط بتلك الطريقة.
أما زين، فاستقام بجسده، ولم يظهر على وجهه أي تأثر حقيقي، وكأن ما قاله مجرد معلومة عابرة، ثم قال بهدوء بارد:
"هحاول اعرفلك إذا كان مات ولا لسه عايش."
ثم استدار واتجه نحو الباب وغادر، تاركًا مريم وحدها في منتصف الغرفة، غارقة في صدمة ثقيلة، عاجزة عن التصديق، تشعر للمرة الأولى أن اللعبة التي كانت تحرك خيوطها بيديها بدأت تنقلب عليها، وأن النار التي أشعلتها في حياة الآخرين بدأت تقترب من بيتها هي.
هبطت رنيم من أعلى الدرج بخطوات مرتجفة، وكأن ساقيها بالكاد تحملانها، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بصورة مضطربة، ثقيلة ومختنقة، والخوف ينهش صدرها نهشًا منذ أن فتحت عينيها على حقيقة ما فعلته. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها تائهتين، كأن عقلها ما زال عالقًا في تلك اللحظة التي سقط فيها شاهين أمامها غارقًا في دمائه. نظرت حولها بتوتر واضح، فوجدت الفيلا ساكنة على غير عادتها، الصمت يطبق على المكان. أدركت أنهم ما زالوا مع جواد في المخفر، وأنها وحدها هنا مع فزعها وارتباكها وذنبها الذي يكاد يمزقها من الداخل. لم تمنح نفسها وقتًا للتفكير، بل تحركت سريعًا إلى الخارج، تركض كأنها تهرب من شيء يلاحقها داخلها قبل أن يكون خارجها، حتى وصلت إلى سيارتها وصعدت إليها، وقد انعقد بداخلها قرار واحد لا رجعة فيه؛ أن تعود إلى المكان نفسه، أن تعرف ماذا حدث، أن تطمئن إن كان قد أصابه مكروه أم أن القدر منحه النجاة، وكانت تتشبث بذلك الأمل بجنون، وكأنه طوق النجاة الوحيد لها.
أدارت السيارة وتحركت بها بسرعة جنونية، والطريق بدا طويلًا على نحو خانق، وكل دقيقة تمر عليها كانت كأنها دهر كامل من العذاب والترقب. كانت يدها على المقود ترتجف، وعيناها شاردتان بين الطريق وبين الصور التي تقتحم ذاكرتها بلا رحمة. وعندما وصلت بالقرب من البناية، أوقفت السيارة وترجلت منها، وقفت بعيدًا عن المكان، وعيناها تتحركان بقلق بالغ، تراقبان كل حركة، كل نافذة، كل باب، تبحثان عن أي علامة قد تمنحها إجابة تطفئ نار الخوف المشتعلة بداخلها.
وفجأة، وقبل أن تلتقط أنفاسها، شعرت بيد قوية تكمم فمها وتسحبها إلى بعيد. تجمد الدم في عروقها، وارتجف جسدها بعنف، وحاولت الفرار والصراخ، لكن الخوف شلها، والمفاجأة سلبتها القدرة على المقاومة، حتى سمعت صوتًا هامسًا بجوار أذنها يقول لها:
"اهدي يا رنيم أنا زين اخوكي."
ما إن استمعت إلى تلك الكلمات حتى هدأت قليلًا، وإن بقي جسدها يرتجف من أثر الرعب. بدأ ينزل يده عنها ببطء، ثم تحرك حتى وقف أمامها، يرمقها بنظرة فاحصة، وكأن ملامحها وحدها تكفي لتخبره أن كارثة قد وقعت، ثم تكلم بتساؤل:
"بتعملي أيه هنا يا رنيم؟"
رفعت إليه عينيها، لكن نظرتها كانت شاردة، ضائعة، كأنها لا تزال غارقة فيما حدث، ثم ردت عليه بصوت مرتعش يكاد يختنق من ثقل الاعتراف:
"ا أنا قتلت شاهين."
أظهر لها صدمة مزيفة بإتقان، واتسعت عيناه، وتكلم بعدم تصديق:
"انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ انتي اتجننتي ازاي تعملي كده؟"
ارتجف جسدها أكثر، وانعقد لسانها للحظات قبل أن تتكلم، وصوتها يخرج مكسورًا من شدة الخوف:
"م مش عارفه يا زين عملت كده ازاي، ا أنا كنت متعصبه منه جامد بسبب اللي بيعمله معايا، ا اخد المسدس اللي انت ادتهولي، و وضربته بي، بس مش عارفه مات ولا لسه عايش."
ربت على يدها وكأنه يهدئها، بينما كانت أصابعها باردة كالجليد من شدة الرعب، ثم تكلم بهدوء:
"طيب اهدي اصبري انا هعرف إذا كان عايش ولا مات."
أومأت له برأسها بطاعة شبه غائبة، وظلت تفرك يديها ببعضهما بعصبية، تحاول أن تهدئ ارتجافهما، بينما كانت عيناها معلقتين به وهو يعبث بهاتفه، وكأن مصيرها كله متعلق بما سيسمعه الآن. وضع الهاتف على أذنه، وبعد لحظات تكلم بتساؤل وقال:
"عامل ايه يا سيد؟ بقولك كنت عايز اعرف حصل حاجه عندكم امبارح فى العمارة ولا ايه علشان سمعت كلام غريب كده."
جاءه صوت الرجل موضحًا:
"اه انت عارف رجل الأعمال شاهين الرواي؟"
أجابه سريعًا وقال:
"ايوه عارفه اكيد."
أكمل الرجل كلامه قائلًا:
"لاقوه مضروب بالرصاص امبارح فى شقته، البواب كلم الإسعاف وجات أخدته، وهو دلوقتي عمل العمليه خرجوا الرصاصه منه وبقى احسن."
نظر زين إلى رنيم، وحرك رأسه لها في محاولة لطمأنتها، وكانت هي تتابع ملامحه وكأن حياتها معلقة بها، ثم قال بتساؤل:
"طيب متعرفش مين عمل فيه كده؟"
أجابه الرجل بتوضيح:
"والله هو قال فى أقواله أن حرامي دخل عليه عمل فيه كده وهرب ومشافش وشه، بس البواب بيقول أن شاف واحده نازلة من عنده كلها دم وجريت، بس منعرفش هو قال كده ليه."
رد عليه بتساؤل:
"اسم المستشفى ايه بقى؟"
أجابه باسم المشفى، ثم رد عليه زين بشكر وقال:
"تشكر يا غالي أنا قولت مافيش غيرك هيطمني، اصل سمعت كلام كتير واشاعات كتير مافيش غيرك اللي بثق فى كلامه سلام يا سيد."
أغلق الخط معه، ثم نظر إلى رنيم التي كانت تقف أمامه كأنها تنتظر حكمًا على روحها، وقال:
"اهدي متخافيش لسه عايش وخرجوا منه الرصاصة وفاق كمان، وكمان رفض يعترف عليكي وقال إن حرامي هو اللي عمل فيه كدة."
خرجت زفرة طويلة من صدرها، كأنها كانت تحبس أنفاسها منذ الليلة الماضية، وانهمرت دموعها بغزارة، لكن هذه المرة كانت دموع نجاة مؤقتة، وارتباك ممزوج براحة مؤلمة، ثم تكلمت بصوت متقطع:
"الحمدالله يارب، أنا حاسه اني كنت فى كابوس وصحيت منه، أنا مش عارفه من غيرك كنت هعمل ايه، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك يارب."
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى، ثم قال:
"احنا ملناش غير بعض يا بت، عموما هو فى المستشفى وبقى كويس."
دعكت يدها ببعض بتوتر، وكأنها تحاول طرد بقايا الارتجاف منهما، ثم تكلمت بصوت مرتعش:
"م ممكن اعرف هو فى أنه مستشفى؟"
أومأ برأسه لها وقال لها الاسم، ثم تكلم باستعجال:
"هروح انا بقى ورايا مشوار مهم."
نظرت له باستغراب، وقد بدأت بعض الأسئلة تتحرك داخل رأسها، وقالت بتساؤل:
"انت عرفت منين مكاني؟"
أجابها بتوضيح ونبرة هادئة:
"مافيش انا وصلت فى نفس الوقت اللي انتي خرجتي فيه من البيت ناديت عليكي مردتيش عليا، مشيت وراكي بالعربيه لحد هنا علشان افهم فيه ايه."
أومأت برأسها وقالت:
"ماشي، روح انت يا حبيبي مشوارك وانا كمان همشي."
تحرك زين إلى السيارة وغادر بها، وظلت رنيم تتابعه بعينيها حتى ابتعد تمامًا، ثم تنهدت براحة ثقيلة، وصعدت إلى سيارتها وتحركت بها مسرعة إلى المشفى، وقد تملكتها رغبة عارمة في رؤيته بعينيها، لتتأكد أن كل ما سمعته حقيقي، وأنه نجا فعلًا.
وبعد وقت وصلت إلى المشفى، وقفت أمام البوابة للحظات، تتأملها بصمت، وكأنها تستجمع ما تبقى من شجاعتها قبل المواجهة. ترجلت وتحركت إلى الداخل، سألت عن غرفته، ثم صعدت إليها، وعندما وقفت أمام الباب شعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها، أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء محاولة أن تثبت نفسها، ثم طرقت الباب وفتحته ببطء.
وجدت شخصًا آخر يجلس معه، وما إن وقعت عينا شاهين عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، نظرة ممتلئة بمعنى لم تستطع تفسيره، ثم التفت إلى أخيه وقال:
"امشي انت دلوقتي يا مروان."
استقام مروان بجسده وتحرك باتجاه الباب، لكن قبل خروجه نظر إلى رنيم بغضب واضح، نظرة حادة حملت اتهامًا صامتًا، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
انتفضت رنيم مكانها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت تضغط على حقيبة يدها بقوة حتى شعرت أن أصابعها توجعها، وكأنها تتشبث بها حتى لا تسقط. كان الصمت بينهما ثقيلًا ومربكًا، حتى تكلم شاهين أخيرًا وكسر الصمت قائلًا:
"ادخلي وقفه عندك ليه؟"
تحركت إلى الداخل ببطء، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها، حتى وقفت أمام السرير وتكلمت بشكر:
"ش شكرا، انك مجبتش سيرتي فى اقوالك."
حرك رأسه بالرفض وتكلم بنبرة مستفزة:
"بس انا مقلتش اسمك، علشان أنا اللي انتقم منك بطريقتي."
رفعت رأسها إليه بضيق، والغضب اخترق ارتباكها للحظة، وتكلمت بصوت غاضب:
"على فكرة بقى أنت لو مكنتش قربت مني وقتها، م مكنتش هعرف ادوس على الزناد، بس انت اللي قليل الادب ووقح."
رفع حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بتهكم:
"يعني انتي جاية شقتي لحد عندي ومش عايزاني اقرب منك، وتقوليلي مكنتيش هتعرفي تقتليني، اومال كنت جايه ليه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ك كنت جايه اقتلك ع على فكرة، بس اللحظة ليها هيبتها م مكنتش اعرف أنها صعبه كده."
تعالت ضحكات شاهين على طريقة كلامها، لكنها سرعان ما انعكست عليه ألمًا حادًا في جرحه، فوضع يده عليه وئن بصوت منخفض، فتبدلت ملامحها فورًا من الغضب إلى القلق، ونظرت له بتوتر، ثم اقتربت منه ببطء ومالت بجسدها عليه وتكلمت بتساؤل:
"ا انت كويس؟"
حرك يده سريعًا وأمسك يدها، ثم جذبها ليجلسها بجواره على السرير، ونظر في عينيها مباشرة، وقال بصوت هامس:
"كده بقيت كويس، عيونك علاجي يا رنيم."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت تحدق به بتوتر شديد، تشعر بأنفاسها تتصاعد ودقات قلبها تكاد تخرج من موضعها، وتكلمت بصوت هامس:
"انت إزاي كده؟"
ابتسم لها بهدوء وتكلم بتساؤل:
"كده ازاي؟"
حركت رأسها ببطء وقالت بصوت هامس:
"قاسي وطيب فى نفس الوقت، صوتك فيه جمود غريب وفى نفس الوقت فيه حنيه عجيبه، كلامك مره يكون هادي وحلو ومرة يكون مؤلم ومخيف، انت ايه بالظبط؟"
حرك يده على وجينتها بحنية، ونظر بعينيها وقال:
"الإجابة كلها تتلخص في عيونك انتي يا رنيم، هما العالم بتاعي، هما مفتاحي."
ارتجف شيء عميق بداخلها تحت وقع كلماته، وشعرت أن قربه أخطر عليها من رصاصتها نفسها، فابتلعت ريقها بتوتر شديد، ثم انتفضت سريعًا من مكانها وتكلمت بتلعثم:
"ا أنا لازم امشي."
تحركت سريعًا إلى الباب، لكنها قبل أن تخرج استدارت له بنظرة مداعبة، اختلط فيها الارتباك بشيء جديد يتشكل بينهما، وقالت:
"شد حيلك بقى وارجع علشان، نبدأ التحدي من جديد."
ابتسم على كلماتها، وقال بمزاح:
"اجهز انت بس يا صغنن، وانا هكون جاهز على طول."
ابتسمت على كلماته، وكانت تلك أول مرة ترتسم فيها ابتسامتها بهذا الصفاء أمامه، ثم نظرت له نظرة مطولة، وكأنها تحفظ ملامحه في ذاكرتها، وخرجت من عنده وتركته.
أما هو، فظل بعينيه معلقتين على الباب الذي خرجت منه، وابتسامة هادئة تستقر على شفتيه، وتلك الدقة التي كان يكرهها ويحاول الهروب منها، أصبحت الآن أقرب شيء إلى قلبه، وصار يشعر براحة غريبة كلما حضرت، وكأن تمردها الذي كان يثير غضبه صار الآن الشيء الوحيد الذي يمنحه حياة جديدة.
