رواية اربعة في واحد الفصل السابع عشر 17 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية اربعة في واحد الفصل السابع عشر 

كانت داليا تقف أمام رف المعلبات في المتجر، تنظر حولها نحو كل تلك العلب يتأقف وهي تسب بجميع اللغات في عقلها لأن أمها أجبرتها على الخروج والتسوق، ولم تكن هي من هواة ذلك. الشيء خاصة إن كان يتعلق بشراء الطعام وليس الملابس.

رفعت يدها وأمسكت بعلبة صلصة ودون النظر إلى اسمها أو حتى صلاحيتها قد قامت برميها في عربة تسوقها وتحركت قليلا ثم أمسكت بعلبة أخرى لا تعرف ماهيتها لكنها قررت جلبها مع بعض الأشياء غير المفيدة التي أشترتها مخصوص كي تجعل أمها تندم على إرسالها من جديد

مر شخص بجانبها وتوقف ليسألها بقولك يا آنسة ما تعرفيش هو فين ال..." قاطعته بفظاظة

تصبغ وجه الشاب بحمرة محرجة ولملم كرامته وتحرك بعبدا، فمدت يدها لتلتقط علية نوتيلا وفتحتها وبدأت بأكلها بطريقة لا مبالية تناسب مظهرها المهمل الذي تكون من نظارة طبية

دائرية وسترة صوفية بيضاء واسعة وبنطال جينسي مع حذاء رياضي باللون الأسود

تحركت من جديد حتى لمحت عينيها ظهر شخصا بانت تعرفه جيدا يتحرك في الطريق المعاكس ويدفع شيئا أمامه، ظنتها عربة تسوق كخاصتها في بادئ الأمر لكنها ركزت حتى وجدته كرسي متحرك يجلس عليه رجل كبير

استدار احمد وهو يحادث الرجل وينظر حوله قائلا " هو المعلبات من هنا تقريبا !"

اصطدمت عینیه بداليا التي ترمقه بأعين ضيفة وهي تمسك في يدها علية نوتيلا فنظر الرجل ثم رجع برأسه لها وابتسم بتوتر وأشار لها بمرحبا ثم حاول الإستدارة والتحرك بسرعة وهذا ما جعلها تصبح بابتسامة جانبية ماكرة "المعلبات هنا على فكرة "

ابتلع لعابه واستدار وهو يدفع الكرسي المتحرك أمامه واقترب منها بابتسامة وهو ينظر للعلب ويقول بطريقة مازحة "ام فعلا، كويس إنك قولت، ده أحنا بتدور عليها بقالنا كتير "

رمقها الرجل الكبير بابتسامة ثم نظر لأحمد فسارع بتقديمها له بابا، دي داليا" فارتفعا حاجبي والده باندهاش وأوماً "اما دي داليا؟ اللي قولتلي عليها؟"

ابتسمت داليا باستغراب لكنها قد فهمت فورًا أن أحمد قد حادث والده عنها وأن هذا الرجل يعرف من هي تحديدا فوضعت علية النوتيلا في عربة التسوق واقتربت التصافحه "إزيك يا عموم "

سلم عليها الرجل يحنو ومازحها "أنا مبسوط منك على فكرة "

عقدت حاجبيها بدون فهم وكانت ستستفهم عما يعني لكن أحمد سارع بمقاطعة حديثهما " أنا يقول إننا اتأخرنا ولازم نمشي."

لكن والده تمتم "أنا بقول تتغدا سوا مع داليا، ولا إيه رأيك يا داليا؟"

علقت داليا عينيها على أحمد الذي يدى وكأن تلك الفكرة لا تروقه، ونظرا لرغبتها في مضايقته فهي قد ابتسمت بتوسع وأومأت أكيد يا عمو."

ثم سحبت عربتها وسارت جنبا إلى جنب مع أحمد الذي كان يحك ذقته ومن وقت لآخر يمازحوالده بطريقة غير متكلفة وكانه يحادث صديقا له قيرد عليه الآخر بمزحة ويضحكا سويا فتضحك تبغا لهما مستأنسة بصحبتهما على غير عادتها

حتى وصلا إلى كنتاكي ووضع أحمد كرسي والده أمام الطاولة وجلس بجانبه أمام داليا

"ما تقوم تطلبلنا أكل؟ ولا أقوم أنا يعني ؟ " سخر والده فضحك ومازحه وهو ينهض "لا خليك مرتاح أنت يا حاج.

تم تحرك بعيدا ليترك داليا مع والده، ولم يكن يحبذ هذا أبدا، فهو لم يجعل فتاة تلتقي بعائلته قط لكن للأسف لقد حدث الأمر وما باليد حيلة.

ما قولتليش يا عمو مبسوط مني ايه ؟ " جذبت داليا انتباهه بسؤالها الفضولي فقال بطريقة ماكرة لطيفة "أصل انت أول واحدة تعلم على الولد ده "

اله - " تمتمت بعد أن استوعبت فتوسعت ابتسامة والده وأكمل "أحمد ده شقي جدا " فضحكت "عارفة " فأكمل بجدية "بس طيب جدا والله، وكل همه إن اللي حواليه يكونوا

مبسوطين "

خفتت ابتسامتها وحمحمت على فكرة يا عمو أنا وهو ما فيش بينا حاجة يعني، ومش هيبقى فيه"

أوما وريت على يدها "أنت كده صح، وحتى لو حسيتي ناحيته بحاجة ما تقوليلوش، اوعي تريحيه

وقبل أن تتحدث لتستفهم ما الذي يعنيه بكلامه هذا كان أحمد قد عاد بالطعام وجلس وهو يمازجها "اوعي يكون الشقي ده عاكسك !"

لكنه وجد داليا تضحك وتجيب "ماحدش بيعاكس غيرك هنا."

ضحك هو ووالده ثم نفى برأسه وتمتم لعلمك بقى الحاج ده شقي جذا، مش شايفة عينيه زرقا وشعره أبيض وبتاع ؟ ده كان بيوقع خمسة لما بيغمز ده "

ضحكت فأكمل مش عارف أنا جاي أبيض وأسود لمين"

فسخر والده "الأمان" ثم غرقا في الضحك سويا ولم تستطع هي السيطرة على ضحكاتها فقضمت شفتيها وهي تهز رأسها يمينا ويسارا بدون تصديق.

بعد انتهائهم من الأكل نهضوا مجددا وتحرك أحمد ليدفع بكرسى والده المتحرك وتحركت داليا بجانبه فأمال عليها وهمس غريبة يعني، قعدت وكلت معانا مع إنك آخر مرة كنت هتجيبيلي حمى "

رفعت كتفيها وأجابت بلا مبالاة أصلي كنت جعانة فرفع إحدى حاجبيه وتمتم بطريقة مازحة اه أنت داخلة على طمع يقي! "

وحبيت باباك " أكملت فأجاب "لا كيمو متجول محجور خلاص - بس أنا مش متجوز ومن نفس السلالة على فكرة مش بعيد عيالك يطلعوا عينيهم زرقا ما هو الجينات بتمتد الأحفاد لعلمك، فكل من إني قمحاوي وشعري أسود، دي جينات دخيلة مش بتاعة عيلتنا."

"بس يا ولدا " تدخل والده بعد أن رفع رأسه له فضحك رامي وذلك أنت بس ماشي، أنا هروحأقول لماما على الموضوع إياه " ثم أمال على داليا وهمس "أصله لسه معاكس البنت اللي

بتدوقنا المخلل "

"أنا اللي عاكستها برضه؟ يعني أفضحك دلوقتي قدام داليا ؟" هدده والده فابتلع لعابه وتمتم الداليا مازحا "بصراحة أنا وهو عاكسناها، إحنا أصل بنيجي هنا كل جمعة تعاكس وتمشي."

علت قهقهاتها الصاخبة رغما عنها فوضعت يدها على فمها باحراج وأجبرت نفسها على الصمت ثم حمحمت مستعيدة هدولها حتى حاسبوا على المشتريات ووصلوا إلى خارج المتجر

تعالي توصلك " اقترح والده فسخر أحمد "كيمي، أحنا ساكنين على بعد شارعين وهي ساكنة في الدقي، ولا أنت كل ما تشوف بنت حلوة تعاكسها!"

طب روحتي وروح وصلها!" قال أبوه من جديد فلفت داليا برأسها "شكرا يا عمو أنا همشي لوحدي - "

لكن أحمد اعترض مازحا "لا عيب مش هينفع أسيبك تمشي لوحدك كده الساعة اتنين العصر. الدنيا خطر"

ثم مد يده الحقانيها محاولاً أخذهم وهو يكمل "هتروح توصل بابا للبيت وبعدين أوصلك وبالمرة أشوف أدهم ".

لكنه فوجئ بها تبتعد وهي تقطب جبينها وبدت وكأن الدماء قد هربت من وجهها فورا وبدأت تتنفس بصعوبة وهي تجيب بتخبط "لا لا... أنا همشي لوحدي."

وقبل أن يحاول تهدئتها هي قد سارعت بالابتعاد مهرولة من مجال بصره بالكامل تاركة إياه

يحدق هو ووالده في أثرها

شكلها خافت" قال والده فأوما "دي مرعوبة مش خايفة بس !"

" أنت عملتلها حاجة ؟ " رفع والده عينيه إليه قلفى برأسه فوزا ثم سخر وهو يدفع بالكرسي

ويتحرك "ما يمكن خافت منك أنت يا كيمو!"

" مني أنا؟ ولد .. انطق، انت عملتلها إيه يخوفها ؟ "

"والله ما عملتلها حاجة هي ما يتنقش في الناس وشخصية مربية جدا.

"ما هو معاها حق، ما أنت مش وش تقة أصلا"

توقف أحمد عن دفع الكرسي وشبك يديه أمام صدره وهو يرفع إحدى حاجبيه بقى كده؟ ...

طلب تمام روح لوحدك بقى يا كيمو."

ثم تحرك مبتعدا فصاح عليه والده "ولدا .. أنت هنسيبني فعلا؟ یا حیوان" لكنه استدار مرة أخرى وعاد وهو يضحك ثم أمسك بالكرسي وصوت قهقهاته العالي يملئ الشارع فضربه والده في بطنه فعلى صوت قهقهاته أكثر ثم سارع بالجري دافعا والده حتى أصبح من في الشارع ل يراقبهما.

في التاسعة مساءً دخل سالم المرشدي إلى منزله وكالعادة أول شيء يفعله هو أن يتوجه نحو مكتبه ليضع حقيبته بالداخل، لكن اليوم تفاجئ بقيس يجلس بالداخل وهو يلعب في هاتفه يمثل حتى استشعر وقوف والده أمامه فترك الهاتف ورفع رأسه له

"بابا، أنا عايز أكلمك في موضوع " قال قصيق سالم عينيه لكنه ظن أن هذا الموضوع يخص العمل في المصنع فأوما وتحرك ليجلس أمام مكتبه معطينا الآخر مساحة ليتحدث

"نعم ؟ "

"انا عايز اتجوز" قال ببساطة وكأنه يتوقع الموافقة فوزا لكن ملامح والده لم تدل على هذا

ده بدل ما تقولي عايز أشتغل ؟"

قلب قيس عينيه وتذمر "أنا لسه بدرس مش وقت شغل دلوقتي

بس وقت جواز؟!" استنكر سالم وبدأت ملامح الآخر تتجهم كعادته في انفلات أعصابه سريعا

"الجواز مالوش وقت" أجاب بطريقة هجومية فرمقه سالم بقرف وسخر و يا ترى جايبلي مين تتجوزها ؟ أكيد لمامة من الأشكال القذرة السوقية اللي يتمشي معاهم."

اشتعلت أعين قيس بالغضب ونهض مزمجزا لو سمحت يا بابا ما تشتمهاش، ولا .. لا هي المامة ولا سوقية ولا قدرة ولا أنا مشيت معاها، أنا أكيد مش هتجوز من الأشكال دي اللي أنا مختارها محترمة جدا.

ضيق سالم عينيه وتمتم بجدية مهددا "عموما اتفضل قولي مين واسمها بالكامل ومعلوماتها وأنا معرف إذا كانت محترمة فعلا ولا ...

"ليلى أخت هشام " أجاب وهو يعود ليجلس من جديد فتوسعت أعين والده وزم شفتيه "هشام أمين صاحبك ؟ "

"أه هو هشام أمين صاحبي، أخته بقى "

حك والده ذقته وطالعه بهدوء وكأنه قد بدأ يفكر في الأمر فأكمل قيس إقناعه " أنت مش طول عمرك عايز ربنا يهديني وأنتم وأبطل رمرمة وأنجوز؟ أديني أهو موافق إني أتجوز ومنقي واحدة محترمة "

"وانت كلمتها " بدأ والده بالاستجواب الذي أدرك منه قيس أن والده قد بدأ يفكر فعلا لكنه يريد المزيد من المعلومات وهو لأول مرة يرحب بهكذا تحقيق

لا ما كلمتهاش، قولتلك إنها محترمة ومش بتاعة الكلام ده."

"شكلها عامل ازاي ؟"

"حلوة، عينيها عسلى وبيضا ومتوسطة الطول بس مش قادر أحدد جسمها لأنها لابسة خمار ويتلبس لبس واسع مش ضيق "

"متدينة هي؟"

جدا يا بابا، وهادية أوي - " أجاب بأعين لامعة وفوجئ بوالده يسخر طب مش حرام نيلي بنات الناس المحترمين بواحد زيك بتاع شغالات؟"

قلب قيس عينيه وأجاب بالدفاع يا بابا موضوع نعمة ونجاك ده خلص وانتهي من زمان وأحنا قفلناه، وبعدين أنا خلاص بطلت وهبقى إنسان جديد

ضحك والده بخفة وبدأت ابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيه، لقد بدأ يدرك أن قيس يريد هذه الفتاة مهما كلفه الأمن وكرجل (ابن سوق) يفهمها وهي طائرة كما يقولون - فقد وجد أنه من

الممكن ابتزاز ابنه بالعمل في مصنعه مقابل هذه الزيجة

" وهروح أقولهم ايه؟ جوزوا بنتكم لابني العامل اللي مالوش شغلة ولا مشغلة وأنا اللي مصرف عليه وعلى العروسة ؟ "

رأى الإحباط يخيم على وجه قيس ونظر الأسفل وهي يبحك ساعده بضيق "ما أنا عندي شقتي اللي أنت شاريهالي و ... و ... "

" و إيه؟ أنا اللي هصرف عليكم ؟ تفتكر مراتك هتحترمك كده وهيبقى ليك عليها كلمة ؟"

صك قيس على فكيه ولم يجد ما يقوله ولم يضيف والده حرفًا آخر حتى رفع رأسه وتمتم "مانا

.. ممكن اجي اشتغل معاك في المصنع ؟"

ابتسم والده برضى وكانه انتصر فيما يريد وشعر بالراحة تغمره كليا وقال بنيرة لا تخلو من الفرحة "حيث كده، تمام ... أنا ما عنديش مانع، كلم باباها وخد منه معاد "

شعر فيس بالسعادة تغمره وضحك بدون سيطرة وهو يكرر " بجد؟ موافق بجد؟!"

أوما سالم تقفز الآخر ليحتضنه لأول مرة متمتها "شكرا يا بابا " قضحك سالم واحتضنه بالمقابل "مبروك، وعموما أنا مش طالب منك غير ساعتين كل يوم تيجي تشوف الدنيا ماشية إزاي لحد ما تتخرج "

حاضر، بس ممكن ماتجييش سيرة الهشام لحد ما أمهدله الموضوع ؟".

في منزل هشام كان ثلاثتهم، هو وأخته وأبيه يجلسون على السفرة وينظرون ليضعهم يصمت. حينما جانت أم هشاء بالطعام ووضعته على السفرة وهي تبكي

تاني يا ماما ؟ ماكانش رفت عريس وغار في داهية، هتفضلي تعيطي لحد امتى ؟!" تذمر هشام وهو يلتقط رغيف خبز فرفعت والدته يدها بالمنديل لتمسح عينيها

ده كان فرحها كمان شهرين ما لحقتش أفرح ... وجهازها كل ما يشوفه قلبي بيوجعني .. أكيد دي عين وصايتنا" أردفت والدته بيوس وبنيرة متحشرجة وشدت كرسيا و جلست عليه تكمل

بكانها ولم تلبث أن نهضت ليلى بضيق عن السفرة وهي تقول "ماليش نفس "

تم أسرعت إلى غرفتها ورمت بجسدها على السرير وهي تبتلع الغصة في حلقها، إنها تحاول تخطي الأمر لكن أمها لا تسمح لها ولا تعطيها أدنى فرصة، فكل يوم هي تبدأ بالبكاء وتذكرها بأن زفافها تدمر قبل موعده بشهرين.

في اليوم التالي كان أحمد وقيس وأدهم يجلسان في إحدى مقاهي وسط البلد

"أنت متوقع إن هشام هيوافق عليك؟ ابقى قابلني - " قال أدهم وهو يرتشف من فنجان القهوة ولم يزد سوى الإحباط على وجه فيس

"هو أنت لو عندك أخت وأنا طلبت أيدها هترفض ؟" استفهم يحزن فأوما أدهم "بأمانة الله. أه مرفضك "

نكره أحمد ونظر لقيس مشجعا "ماتقلقش يا اسطا، مش هيرفض لا "

طب هو أنت يا أحمد لو مكانه هتقبلني ؟"

"لا، هر فضك برضه بس خلي عندك أمل - " أجاب أحمد وهو يضحك و شاركه آدهم فنفخ فيس الهواء من فمه بغيظ

ما تزعلش يا ابني، يهزر معاك .. أنت جواك إنسان نضيف على فكرة وأنا عارف ده كويس، كفاية إنك عايز تدخل البيت من بابه وماخدتش طرق ملتوية واحترمت صاحبك " أكمل احمد فهد قيس قليلا وحك ذقته

"أقول لأبوه على طول وأحطه قدام الأمر الواقع ؟"

نقى أحمد براسه "لا بلاش ... طب بص سيبتي أنا همهدله الموضوع بكرة وانت تيجي بعدي تكلمه بس لمحله بس ما تجيبهاش صريحة .. أعرف بس هو نيته إيه الأول قبل ما تقول، عشان

لو حسيته مش موافق تعرف تتصرف"

تمام ماشي ... يبقى بكرة تكلمه "

وضع أدهم فنجان القهوة وابتسم " إن شاء الله خير، ومادام نيتك سليمة يبقى ربنا هيوفقك.

وربنا يهدي هشام ويوافق".

تعليقات