رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثامن عشر 18 بقلم نورهان ال عشري



 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثامن عشر  بقلم نورهان ال عشري 

أحيانًا تكسرنا الحياة حين تضعنا أمام اختيارات جميعُها تصب في بوتقة الجحيم؛ كأن يُجبر الإنسان على الاختيار بين ألمين كلاهما أقسى من الآخر، ويقف حائرًا أمام مفترق طرق إن سلك الأول فقد كرامته، وإن انتهج الثاني فقد هويته؛ فيجدُ نفسه كالغريق الذي عليه أن يختارَ طريقة موته: إما خنقاً بالماء أو سحقاً بين أحضان الصخور. وفي الحالتين الموت واحد وإن اختلفت طريقته، والنجاة هنا خيار لم يخلق له سبيل.


ولكن.. ماذا لو كانت للنجاة طرق مشروعة غفلنا عنها دهراً؟ وأن تلك اللحظات المؤلمة التي سلبتنا أبسط حقوقنا في تسيير حياتنا وفق ما نريد، ما هي في حقيقتها إلا مخاض عسيرٌ لولادة شخصٍ جديد لم نكن نعرفُ بوجوده داخلنا؛ شخصٍ يدرك أن القسوة هي سبيله الوحيد لتجاوز الأزمات، و ربما تخطي الأشخاص الذين أهدوه الخذلان على طبق من حرير. فالقلوبُ التي أحرقها القهر لن يُحييها رمادُ الذكريات.


وأحيانًا لا تكون القسوة طبعاً متأصلاً في النفس، بل صفةً اكتسبتها قلوبنا من تراكم الخيبات؛ فنحنُ لا نقسو لأن قلوبنا من حجر، ولكننا نقسو لأننا منحنا من اللين ما يكفي لترميم شقوق العالم، وفي النهاية لم نجد من يلملمُ كسرنا، أو يجبرُ خاطرنا.


فسلامٌ على ذلك الكسر الذي صنع منا فولاذًا لا ينكسِر، و عزاؤنا الوحيد أننا حين لن نكون مدينين لأحد بترميم شتاتنا.


نورهان العشري ✍🏻


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


كانت العبرات تتدافع من مقلتيها بغزارة مما جعل الرؤية ضبابية أمامها فلا ترى سوى صورًا مشوشة فلازالت صورة واحدة تتراقص أمام عينيها وهي صورة حبيب خائن و طفل صغير. و لحسن حظها أو لسوئه فقد نجت بأعجوبة عدة مرات من حوادث مؤكدة، كونها تقود بجنون فقد كانت تطوي المسافات بسرعة لا تحسب لها حساب، فمن يحمل كل هذا الألم في صدره هل يرى في الحياة شيئًا يستحق النظر اليه! 


بينما هو كان على النقيض تماماً، فقد كان الذعر يتملك منه وكأنه يُساق إلى المقصلة وهو يراها تقود بهذه الطريقة الرعناء، و سيارتها تنهش الطريق كما ينهش القلق و الخوف بصدره، و كأن القدر يعاقبه أشد العقاب، و بأقسى الطرق، فلو حدث لها شيء الآن فسيتخلص من حياته في الحال..


أخيرًا ترفق بهم القدر و وصلت آسيا إلى المخبز الخاص بسوزان لتترجل من السيارة و ساقيها تلتفان حول بعضهم البعض و صوت بكائها يشق سكون الليل حتى وصل إلى مسامع كُلًا من سوزان و شروق لتهب الأخيرة مذعورة:


ـ أيه دا في ايه؟ مين بيصرخ كدا؟ 


انتفضت سوزان هي الأخرى مفزوعة لتمسك بعصاها وهي تتوجه خلف شروق قائلة بلهفة:


ـ استر يارب..


ـ آسيا…


هكذا هتفت شروق بصدمة حين رأت حالة آسيا التي كانت على وشك السقوط وهي لازالت تبكي بعُنف، وحين أوشكت أقدامها أن تخونها تلقفتها يد كمال من الخلف لتحول بينها وبين الأرتطام بالأرض و هو يهتف بلهفة:


ـ آسيا..


ما أن شعرت به و كأن صاعقة كهرباء أصابتها، فأخذت تصرخ و هي تتخبط بين يديه كالملدوغة:


ـ سيبني يا حيوان. نزلني. بكرهك. نزلني. 


كانت تتخبط بين يديه كالحيوان الجريح، ولكنه لم يبالي لتلك الضربات القوية التي نالها صدره من يديها و توجه إلى الداخل وسط صراخ و استفهامات كُلًا من شروق وسوزان:


ـ في أيه يا كمال؟ آسيا مالها!


ـ في أيه يا ابني؟ 


صرخت آسيا بحرقة تزامنًا من وضع كمال لها على المقعد:


ـ ابعد عني متقربش مني تاني. انا بكرهك. بكرهك يا كمال. بكرهك…


بح صوتها وهي تصرخ بأنها تكرهه لتتراشق كلماتها بصدره فقد كانت قاسية كقسوة ما يعانيه سابقًا و الآن ليتراجع إلى الخلف تاركًا المجال لسوزان باحتضانها و هي تقول بذعر:


ـ اسم الله عليكِ يا بنتي مالك؟ في ايه يا آسيا؟ 


أخذت تنتفض بين يدي سوزان وهي تترجاها بحرقة:


ـ ابعديه عني يا سوزي. خليه يبعد عني مش عايزة أشوفه خليه يخرج من حياتي مبقتش عايزة أشوفه انا بكرهه..


كان الوضع مذريًا للجميع مما جعل شروق تلتفت إلى كمال بحدة:


ـ بيتهيقلي انت سمعتها ممكن تخرج عشان نعرف نهديها؟!


كز على أسنانه، فقد كان في موقف سيء ولكن ليس أسوأ مما مر به من قبل لذا التفت يرمق آسيا بنظرات حزينة قبل أن يلتفت مغادرًا المخبز وليس المكان ليقف أمام الزجاج ناظرًا بتحسُر إلى جسدها التي يرتجف كعصفور صغير بين يدي سوزان و شروق التي تجلس أمامها على الأرض و هي تمسك بيدها وتحاول أن تهدئ من روعها:


ـ اهدي يا آسيا مشي خلاص. قوليلنا عمل فيكِ ايه؟ 


سوزان من بين عبراتها:


ـ يا بنتي وقعتي قلبي. في ايه؟ 


رفعت رأسها فكان مظهرها مُريعاً؛ وجهها تلطخه العبرات الغزيرة التي أفسدت زينتها وشوهت جمالها، وأسالت كحل عينيها الجميلتين، وكأن بني آدم لا يهدأ لهم بال إلا حين يتفننون في إطفاء بريق العيون التي تلمع بعشقهم، وتحويل زينة المرأة إلى سوادٍ يسيل على وجنتيها كقصيدة وجع لا تنتهي.


ـ دبحني يا سوزي.. خاني. انا كنت هنا بموت عشانه وهو هناك في حضن واحدة تانية غيري. و جاي و جايبلي ابنه. 


كانت تتحدث من بين نهنهاتها التي تشق صدرها إلى نصفين لتشهق كلا المرأتين بعُنف و تهتف شروق بذهول:


ـ بتقولي ايه؟


و هتفت سوزان هي الآخرى:


ـ ابن مين! فهميني انا مش فاهمة حاجة..


لم تمهل أنفاسها فرصة للهدوء، فقد كان الألم هو الآخر لا يمهلها الوقت للاستيعاب مما جعلها تهتف بأنفاس متهدجة و لهجة مبحوحة من فرط الوجع:


ـ جا. جايبلي. طفل. طفل يا سوزي. بيقول. بيقول أنه ابنه. ابنه من واحدة. تانية غيري. خد واحدة غيري في حضنه. و . و خلف منها. وأنا. أنا. هنا. بمو. بموت عشانه.. 


شعرت شروق بأن حالتها لا تبشر بالخير. لتقوم بجلب كوب من المياة و جعلها ترتشف بضع قطرات منها عل المياة تطفيء حرائق الألم لصدرها ولكن هيهات فقد توقفت المياة بحلقها و أخذت تسعل بقوة وقد كان هذا نذير سوأ بالنسبة لحالتها لتشدد سوزان من احتضانها وهي تهتف بذعر:


ـ اهدي يا بنتي. هتموتي نفسك. بالله عليكِ تهدي. 


أمسكت شروق كف يدها وباليد الآخرى أخذت تمسح على ظهرها و خصلات شعرها و رأسها ملقى فوق صدر سوزان لتقول الأولى بانفعال:


ـ آسيا اسمعيني. اهدي شوية. هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل. خدي نفسك واهدي.


أخذت جملة شروق ترن بأذنيها كالبرق " هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل" 


أغمضت عينيها وهي تحاول تنظيم أنفاسها الملتهبة لتسمع سوزان وهي تقول:


ـ قولي ورايا يا آسيا" ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" 


أخذت تهمس خلفها بقلب يتوسل إلى خالقه بالرحمة:


ـ ربي إني مسني الضر و أنت ارحم الراحمين. ربي إني مسني الضُر و أنت ارحم الراحمين..


أخذت تردد دعاء الكرب لمرات و مرات حتى بدأت أنفاسها بالهدوء لتشعر سوزان بأن رأسها زاد ثقله، فهمست لشروق بخفوت:


ـ شكلها نامت..


ولكن شروق كانت عينيها على ذلك الذي يقف خلف النافذة بأعيُن أرهقها الحزن و الألم لتترك يد آسيا بهدوء و تتوجه إلى الخارج عازمة النية على صرفه من حياة صديقتها لتقف أمامه تناظره باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:


ـ اطمنت أنك انتقمت منها و دمرتها يا كمال بيه ولا لسه؟ 


تحولت عينيه إلى الغضب الذي حاول قمعه حين قال بجفاء:


ـ لما تكوني متعرفيش أنتِ بتتكلمي عن ايه يبقى متتكلميش!


شروق بحدة:


ـ مش محتاجة اعرف! كفاية عليا أشوف صاحبتي منهارة بالشكل دا عشان اعرف اللي هقوله، واللي أنت لسه سامعه منها. امشي..


كظم غيظه بصعوبة وهتف بنبرة عنيدة قاسية:


ـ هطمن عليها و همشي..


شروق بجفاء:


ـ هي كويسة. هتبقى كويسة لما تمشي و تختفي من حياتها. انتوا أصلًا سبب كل حاجة وحشة حصلتلنا، اه و بالمناسبة. لو في حد مفروض تطمن عليه هو نبيلة هانم. بيقولوا انتحرت.


تشدق قناع الجمود الذي كان يرتديه ليهتف بصدمة:


ـ أيه! نبيلة مين اللي انتحرت!


شروق بسخرية:


ـ في الحقيقة أنا زي زيك اتصدمت بس دا اللي سمعناه..


وضع يديه فوق رأسه يحاول استيعاب ما حدث، فالتفت شروق تنوي الدخول الى المخبز وقد تأكدت من أنها صرفته ليقول بنبرة مُتحشرجة:


ـ خليني اطلعها شقتها و بعدين همشي. 


التفتت شروق تناظره بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:


ـ متقلقش. احنا متعودين على كدا. ماهي مش اول مرة يحصلها كدا.. 


دلفت شروق إلى داخل المخبز وقامت بإغلاق الباب و النوافذ في وجه كمال الذي تهدلت أكتافه من فرط التعب، ليتراجع إلى الخلف وهو يقوم بالإتصال بخالد لمعرفة ما حدث لشقيقته…


★★★★★★★★★


كان الجميع في الخارج على صفيح ساخن بدايةً من خالد الذي كان يقف أمام غرفة الطوارئ عاقدًا ذراعيه وهو ينتظر بوجوم خروج الأطباء من الغرفة و كلا الفتاتين ميرهان و هايدي تحتضنان بعضعهم البعض وتبكيان بصمت تتسلله شهقات خفيفة بين الفينة و الأخرى و عز الدين الذي لم يُصدق ماحدث حين أخبرته هايدي ليتذكر الحديث الذي دار بينهم صباحًا 


عودة إلى وقتٍ سابق 


كان يجلس حول مكتبه و تركيزه منصب حول صفقة مهمة يحاول انهائها لصالحه حتى ينجح في جعل شركته تقف على أرضٍ صلبة، و إذا به يسمع طرقات على باب الغرفة فسمح إلى الطارق بالدخول ليُصدم حين رأى نبيلة التي تتقدم إلى داخل الغرفة و عينيها تحملان عتابًا صريح لم يخطيء في فهمه، ولكنه كان في مرحلة عصيبة لم يختبرها طوال حياته، فبعد ما سمعه ذلك اليوم من نجله وقد تشوشت جميع أفكاره و تصدع جبل المشاعر الذي يحمله لها بقلبه:


ـ ازيك يا عز…


هكذا تحدثت نبيلة بنبرة معاتبة حزينة، فأجابها وهو يشيح بنظره عنها:


ـ الحمد لله.


تفاجئت من جفاءه لتحاول استمالته حين قالت:


ـ مش هتسألني عاملة ايه؟ 


عز بجمود:


ـ أيه اللي جابك يا نبيلة؟ 


نبيلة بنعومة و عينين ناعستين تعلم جيدًا تأثيرهم عليه:


ـ استنيتك تيجي تشوفني يوم واتنين و تلاته و مجتش. أول مرة تقسى عليا يا عز، وقلبي مش قادر يتخيل أنك تكون فعلًا صدقت اللي قالوه عني! 


رفع رأسه يطالعها بصدمة و خيبة أمل شاب لهجته الحادة حين قال:


ـ هما مين اللي قالوا يا نبيلة ؟ ابنك و اخواتك. يا ترى كلهم وحشين! و ياترى عمر هيكذب عشان يشوه صورة أمه بالشكل دا قدام الناس! و ياترى هيزيف حقايق بقالها سنين و سنين! 


هبت من مكانها تندفع تجاهه وتسقط جالسه أمام مقعده وهي تتقن ذرف عبراته الغزيرة التي عززتها بكلماتها المؤثرة حين قالت:


ـ ضحكوا عليه يا عز. ممتك و نسمة ضحكوا عليه و كرهوه فيا. هو دا اللي بيعملوه معاك من سنين وانا مصدقتهمش لكن هو عشان صغير. صدقهم. زيفوا الحقايق في عينيه و كرهوه في أمه. ممتك نفذت كلامها لما قالت هكسرك بابنك، و نسمة اللي كانت بتكرهني كره العمى و عايزاك تطلقني. أنت نسيت يا عز؟!


صمت عز لثوان يناظرها بأعيُن تحمل اللوم و الغضب ليُفاجئها حين قال:


ـ لا مش ناسي..


هتفت بلهفة وابتسامة خرقاء تزين ملامحها:


ـ أهو ادي انت افتكرت…


قاطعها حين قال بجفاء:


ـ أنا دلوقتي بس افتكرت أن نسمة عمرها ما قالتلي عنك كلمة وحشة زمان.. افتكرت يوم ما ضربتها لما قولتيلي أنها على علاقة بصابر كل اللي قالته كان حسبي الله ونعم الوكيل. 


اهتز بدنها من حديثه و عينيه التي لأول مرة تطالعانها بهذه الطريقة ليُتابع بنبرة غليظة:


ـ أنا عايز انسى. عشان لو افتكرت هكرهك و هكره نفسي. انا لو فعلًا أتأكدت اني ظلمت أختي السنين اللي فاتت دي كلها بسببك مش عارف ممكن اعمل فيكِ و في نفسي أية؟ 


كانت القسوة تتبلور في ملامحه و نبرته وكلماته مما جعل حلقها يجف من فرط الزُعر لتحاول اخراج الحروف من بين شفتيها ولكنها عرتها و خرجت مرتبكة حين قالت:


ـ عـ.. عز. أنت. أنت مستحيل تكون. تكون بتتكلم جد. دا انت. دا انت شوفت بعنيك. أنت. انت ناسي لما كانوا بيوقعوا بيني وبينك و بيحاولوا يشوهوا صورتي قدامك..


عز باستفهام:


ـ تقصدي زي يوم الساعة مثلًا!


نبيلة بلهفة:


ـ أيوا. يوم الساعة. فاكر. كويس انك فاكر. أهو ربنا ظهر الحق شوفت اني مبكذبش!


عز بسخرية مريرة:


ـ فعلًا ربنا ظهر الحق. عشان اليوم دا انا مسمعتش حد غيرك أصلًا. أنتِ اللي جيتي تعيطيلي و تقوليلي ساعتي الألماس ضاعت، و انك شوفتي نسمة خارجة من أوضتك، و لما روحت فتشت اوضتها لقيت الساعة في أوضتها. يومها ضربتها و بهدلتها من غير حتى ما اسمعها.


كان الألم يتبلور في عينيه وقلبه حين تذكر ملامحها وذلك القهر الذي كان ينبعث من عينيها و بكائها الذي يتردد صداه الآن بصدره، فقد أدرك الآن أن للحقيقة وجهًا آخر. وجهًا أكثر بشاعة مما ظن، ولهذه الملامح الملائكية الماثلة أمامه أيضًا وجهًا آخر يخفي الكثير والذي يعلم أنه لن يسره رؤيته..


ـ امشي.. 


هُدِم عالمها رأسًا على عقب و تصدعت قشرة الأمان التي ظنته أبديًا لتجد نفسها في مواجهة شخصًا كان بيوم من الأيام حصتها المنيع و سلاحها الفتاك في مواجهة الجميع، و هاهو يقف أمامها بأعيُن يلتمع بهم كل شيء ماعدا الحب مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهو تقول بشفاة مرتجفة:


ـ عز. أنت. ظالمني..


عز بنبرة اشبة بالصراخ:


ـ قولتلك امشي…


ارتجف جسدها و أرتد إلى الخلف قبل أن تستدير مهرولة إلى خارج الغرفة.


على الإنسان أن يتعلم بألا يثق بصلابة الجدران التي يستند عليها ولا الاتكاء بكامل ثقله فوق الحصون التي شيدها حول نفسه، فالتاريخُ  على مر العصور أثبت لنا أن القلاع المنيعة سقطت حين ظنّ أصحابها أنها لا تُقهر.


عودة إلى الوقت الحالي


عاد إلى أرض الواقع وهو يشعر بالتخبط جراء كل ما يحدث معه، لا يعرف الصواب من الخطأ، وقد كان هذا الأمر مؤسف كثيرًا لشخصٍ في مثل عمره أن يكون فاقد القدرة على معرفة الخطأ من الصواب و أن يقف أمام عائلته لا يعرف هل يجب عليه احتضانهم ام الفرار منهم؟ 


في هذه اللحظة وصل كمال إلى المشفى بملامح واجمة حزينة كأرض معركة غطاها رماد الخسارة و ضياع الأحلام، ووجه مغبر و كأنه خرج لتوه من فوهات الجحيم، يحمل في تقاسيمه وعثاء السفر في طرقات الألم التي لا تنتهي، حيث الحزن هناك ليس مجرد شعور، بل غشاء صلب من الإنكسار يغلف ملامحه و يحيط بقلبه، فما أن رأته ميرهان حتى اندفعت إليه لترتمي بين ذراعيه وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:


ـ الحقنا يا أبيه كمال نبيلة بتضيع مننا..


كانت جملة قاسية بالرغم من كل شيء، ولكنها لم تكون أقسى ما مر به، لذا لم يهتز أو يتصدع ذلك الغشاء الذي يغطي ملامحه، فتلك الفتاة العالقة بين ذراعيه لم تكن شقيقته و مدللته كما في السابق، بل أنها كانت أحد الخناجر التي طعنته في صدره ذات يوم لذا جذب نفسه من بين ذراعيها بطريقة أثارت صدمة الجميع ليتوجه إلى خالد الذي هاله مظهره و خاصةً تلك الدماء التي تحتقن في مقلتيه مما جعله يعاجله الحديث حين اقترب منه:


ـ في أيه يا كمال!


كمال بجمود:


ـ مفيش. طمني حالتها أيه؟ 


خالد باختصار:


ـ لسه منعرفش.


على الرغم من حديث خالد المختصر ولكن عينيه كان بها الكثير من الاستفهامات التي لا يستطِع كمال الإجابة عنها، فكيف يعبر الكلام عن ألم لا يمكن حتى للضلوع إحتوائه!


مرت لحظات عصيبة قبل أن يخرج عمر من الغرفة، فمنذ وصوله وهو مع الأطباء في الداخل ليندفع الجميع نحوه و على رأسهم هايدي  التي صرخت قائلة:


ـ ماما عاملة ايه يا عمر. طمني أبوس إيدك..


عمر بتعب:


ـ الحمد لله. الجرح مكنش عميق خيطناه و وقفنا النزيف، و الحمد لله هي بقت أحسن.


صرخت الفتاتين في آنٍ واحد:


ـ عايزين نشوفها..


أومأ عمر برأسه قبل أن يقول:


ـ هينقلوها أوضة عادية، و هطمن عليها و بعدين ادخلكوا..


ضاق ذرعًا من نحيبهم ليقوم خالد بجذب عمر من يده جانبًا وهو يقول باستفهام خشن:


ـ عرفني حالتها عاملة ايه بالظبط.


أجابه عمر قائلًا:


ـ زي ما قولت. حاولت تقطع شرايين إيدها، و الحمد لله الجرح مكنش عميق. و قدرها توقف النزيف وعلقنالها دم عشان الدم اللي فقدته وأن شاء الله هتكون كويسة. 


ـ متأكد يا عمر يا ابني؟ 


هكذا تحدث عز بلهفة جراء القلق، فقد كان يشعر بالذنب تجاهها و يلوم نفسه أيضًا على ما حدث لها، فلم يحسب حساب لكلمته التي جعلت ملامح عمر تتجعد من الاندهاش للحظات قبل أن تعود لطبيعتها وهو يقول باختصار:


ـ متأكد.. اطمنوا..


كان كمال هو أول من تحدث حين قال:


ـ ألف سلامة عليها. لو احتاجت حاجة يا عمر كلمني. انا همشي..


تفاجئ الجميع من جفائه، فهو لم يكُن بحياته قاسياً على شقيقاته ولم يكن يتخلى عن أيًا منهمَ في مثل هذا الوضع مما جعل هايدي تهتف بحنق:


ـ هتمشي و تسيب مامي في الحالة دي يا خالو؟


في طريقه للمغادرة رمقها شذرًا وهو يقول:


ـ كفاية انتوا معاها..


التفتت ناظره إلى الرجال الثلاثة و هي تهتف بانفعال:


ـ للدرجادي ماما مش فارقة معاه! يمشي و يسيبها وهي في الحالة دي؟


لم يُعطي خالد لحديثها أهمية، فقد كان فكره منشغلًا بكمال، و كذلك صمت عز الدين ليُجيبها عمر بجفاء:


ـ بطلي افورة قولتلك حالتها بقت كويسة، و بعدين كلكوا هتروحوا، مالوش لزوم تستنوا هي كدا ولا كدا هتروح على الصبح. 


لم يُعجبها الحديث لتقترب من خالد وهي تقول بنحيب:


ـ سامع كلامهم يا خالو! سامع يا بابا؟ معقول ماما ملهاش اي غلاوة جواكوا للدرجادي! عشان كدا مامي حاولت تنتحر. عشان كل الناس اللي بتحبهم خذلوها، و باعوها. مامي تستحق ناس أحسن منكوا. 


نجحت في تحريك رماد الندم في داخلهم ليقترب منها عز الدين يحتضنها وهو يقول بحنو:


ـ ممتك غالية عندنا كلنا يا هايدي، و كلنا حواليها محدش فينا هيقدر يسيبها. 


كانت عينيها تنظران إلى خالد الذي أيد حديث عز الدين قائلًا:


ـ اسمعي كلام باباكي يا هايدي و مينفعش تقولي الكلام دا. لو مكنتش ممتك غالية علينا. مكنش زمانا موجودين هنا دلوقتي..


هايدي قاصدة كل حرف تتفوه به:


ـ ماما محتاجة تحس بدا يا خالو. محتاجة تحس انها غالية عندك، و تسمع منك دا. مش كل شوية تسمع كلام زي السم، و يتحرم عليها البيت اللي اتولدت فيه، و تنصر عليها ناس….


ـ هايدي….


هكذا قاطعها خالد بنبرة جافة جعلت الحروف تعلق في فمها ليمد يده ويربت على خدها وهو يتابع بتحذير:


ـ متدخليش في حاجات متخصكيش. مش أنتِ اللي هتعرفيني اتعامل مع أختي ازاي. ادعي لممتك تقوم بالسلامة و بس. دا المطلوب منك..


كان حديث خالد كفيل بإغلاق الأمر عند هذه النقطة ليغادر عمر متوجهًا للغرفة الراقدة بها والدته ليجدها غافية فتوجه ليجلب مقعد و يجلس أمامها وهو يناظرها بحزن تعشعش في ملامحه نازعًا كل الأقنعة التي يرتديها أمام الجميع ليطلق زمام جميع مشاعره في هذه اللحظة حين قال:


ـ يعز عليا أوي اشوفك كدا. أنا عارف انك زعلانه مني. بس انا كمان زعلان منك أوي. انا بحبك يا ماما. بس زعلان منك. أنتِ خذلتيني. خذلتي الطفل اللي جوايا. 


تناثرت عبراته وهو يتابع بألم:


ـ كل طفل ببشوف أمه أعظم أم في الدنيا. بس أنتِ حرمتيني من اني اشوفك كدا. كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و بتأذي عمتي كنتِ بتخذليني. كان نفسي أنتِ اللي تعلميني كل حاجة حلوة. بس أنتِ مكنتيش شيفاني. كان كل حاجة عندك أهم مني. 


محى عباراته التي اغرقت مقدمة صدره بكفوفه المرتعشة و هو يتابع بنبرة يفوح منها رائحة الألم:


ـ كل طفل بيغير على أمه بيكون عايزها تهتم بيه لوحده. تديله كل حبها. بس أنتِ مكنتيش بتعملي كدا. كنتي مركزة مع بابا و كأن مفيش في الدنيا غيره. مكنتيش حتى بتسمعيني. خلتيني اكتره اشوفه جنبك. كل حاجة في البيت كنت بكرهها. حتى وقت الأكل. عمرك ما شوفتيني كلت ولا لا؟ شربت ولا لا؟ ذاكرت ولا لا! 


تعالت نهنهاته وهو يتابع بحرقة:


ـ حتى لما كنت بحاول ألفت انتباهك بأي حاجة حلوة انا عملتها مكنتيش بتكلفي خاطرك تشوفيها ولا تشوفيني. كان نفسي مرة تستنيني وانا جاي من المدرسة، و تطمني عليا زي ما كنتِ بتستني بابا وهو جاي من الشغل. كنت بحتاجك كتير أوي يا ماما. مكنتش بلاقيكي. 


حاول قمع كلماته و مكنوناته التي قد تؤذيها لذا قال بنبرة مُلتاعة:


ـ أنا آسف يا ماما. بس انا كنت محتاجك زيي زي أي طفل. محتاج اتحب منك عشان اعرف أحب. محتاج حنيتك عشان أشبع و اتعلم اني ادي. انا طول الوقت عايز أخد عشان أنا مشبعتش. انا أناني يا ماما أناني. طول الوقت عايز أشبع من كل حاجة و مش عارف.. حاسس اني اتحرمت من حاجات كتير أوي، ومش بعرف انسى. انا كل حاجة حصلت زمان فاكرها كأنها النهاردة. غصب عني سامحيني..


انحنى فوق كفها يلثمه بشفتيه وهو يبكي لا يعرف هل يبكي طفولته المشوهة! أم يبكي حاضره الأليم أم يبكي الاثنين معًا؟ 


★★★★★★★★★


ـ جرجرتيني قدام اخوكي و لبستي الوش الحنين قدامه وهو و جوزك. أقدر اعرف بقى عايزة ايه ؟ و ياريت تجيلي دوغري.


هكذا تحدثت غنى وهي تناظر هيام باحتقار لتقول الأخيرة بهدوء تُحسد عليه:


ـ عايزين نصفي اللي بيننا.


قلبت غنى عينيها بملل و اجابتها بجفاء:


ـ ما قولنا بقينا لوحدنا مالوش لزوم التمثيل دا.


هيام بلهجة ناعمة تحمل في طياتها التحذير:


ـ لا اتعدلي و أنتِ بتكلميني و اعرفي اني لا ضعيفة ولا بتذللك. انا بس هرصلك الورق كله وأنتِ اختاري و اتحملي نتيجة اختيارك..


غنى باختصار:


ـ سمعاكي.


هيام بنبرة قوية: 


ـ دلوقتي اللي بره دا ابني اللي متشقتلوش بطني. وحتة مني معنديش اغلى منه هو والتاني. عارفة حمادة ابني! مش في غلاوة ياسر و يزيد. الدنيا فرمتنا و جابتنا و ودتنا و اللي خلانا لسه عايشين أننا كلبشنا في بعض. مفرطناش في بعض أبدًا، و مش هيحصل. دوقنا المر ألوان و مكنش بيحليه غير لمتنا. 


صمتت لثوان ترى وقع الحديث على غنى قبل أن تُتابع بصدق:


ـ في الأول لما ياسر جه وقالي أنه رايدك مكنش عندي مشكلة و قولت أمين. وماله اللي بدأ بقلة الأصل و البهدلة كانوا اهلك. امك دي مخلتش بيت في الحارة غير و قعدت و شتمت علينا و على أخويا، و مع ذلك اكتمت حطيت في بقي جزمة و سكت. لكن توصل أنها تهيني في وشي وتقولي هبلغ عن اخوكي و هوصي عليه ناس تكسرلك عضمه، لا يا حبيبتي. أنا مش عشقاكي في الضلمة يا عنيا. مش أنتِ اللي هتحيينا! حقي أخاف على أخويا ولا لا؟ جاوبيني بحق ربنا..


كانت تعلم في قرارة نفسها أن والدتها أخطأت و تشارك هيام ذنبها، ولكن من دفع ثمن هذا الذنب ليس هذه ولا تلك لا هي و هو لذا أجابتها بألم:


ـ أنتوا اللتنين أسوأ من بعض…


هيام بنفي قاطع:


ـ لا… أنتِ كدا ظالمه. دا مش عدل.. أنا كنت موافقة ومرحبة و اخويا اترفض من أهلك مرة واتنين وسكت. لكن لحد الأذى و مش هسكت. أنتِ لو مكاني كنتِ سكتي! كنتِ هترمي ضناكي في النار؟! ردي يا صبية. ساكتة ليه؟ 


احتارت بماذا تجيبها ولكنها في النهاية قالت بغضب:


ـ ماشي متسكتيش. بس متبعتيش واحدة تتبلى عليه. أنتِ متعرفيش أنا شوفت ايه في جوازتي..


هيام بتوضيح:


ـ لا عارفة، و قلبي اتمزع لما عرفت. لكن دا ذنب اهلك مش أنا. انا اللي جبتلك العريس؟ أنا اللي قولتله روح خبط على بابهم؟ أنا اللي قولتله يعمل فيكي كدا؟ لا يا حبيبتي. انا بريئة من ذنبك. ذنبك في رقبة أهلك هما اللي رموكي الرمية السودا دي. انك قالتلي في قلب الصالة اللي بره دي. بنتي تروح للي يتاقلها. لا جابت سيرة يصونها ولا يحافظ عليها ولا غيره. 


كانت محقة، فمن وضعها بين أنياب اولئك الوحوش هم أهلها، ولأن الأمر مؤلمًا لم تريد التعمق به أكثر لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:


ـ اللي حصل حصل يا هيام وربنا هيدي كل واحد اللي يستاهله. أنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟ 


هيام بنبرة هادئة و أعيُن تترقب جميع انفعالات غنى:


ـ عايزة نتصافى زي ما قولتلك، و ياسر ميتلطمش في الشغل عند الناس. انا مش عملت دا كله عشان في الآخر أخويا يتبهدل عند حد. الراجل اللي بره دا لو طلعتي سألتيه هيام اتجوزتك ليه وطلبت مهرها منك أيه؟ هيقولك اتجوزتني عشان اخواتها و مهرها مني كان اني اقف جنب اخواتها، لا ياسر ولا يزيد يعرفوا بالكلام دا. انا بقوله لك عشان تعرفي ان ياسر و يزيد دول حتة من قلبي، و مش هفرط فيهم لحد آخر نفس فيا..


كانت الصدمة تخيم على ملامحها وتولد بداخلها خوفٌ كبير من هذه المرأة، من الواضح أنها بالفعل تحب أشقائها ولكنها تخيفها و كثيرًا و على الرغم من ذلك لم تستطع منع الحديث من التدفق من بين شفاهها حين قالت:


ـ و كان فين كلامك دا الصبح لما جيتي هنتيني وشتمتيني و استغليتي غياب أخوكي..


هيام بلهفة:


ـ و عايزة مني اعمل ايه؟ لما المحروقة حماتك تجيلي لحد عندي وتقولي أن اخويا اتحبس عشان كان هيموت ابنها لما شافك واقفة معاه! لا و كمان بتقول انكوا متفقين تتقابلوا! مفروض اجي أطبطب عليكِ؟ 


توقفت الأنفاس بحلقها حين سمعت حديثه هيام عن ما أخبرتها به تلك المرأة اللعينة التي لم تكتفي ما فعلته به سابقاً بل و تشوه صورتها بهذه الطريقة القذرة لتندفع العبرات من مقلتيها من شدة القهر لتستغل هيام الوضع وتقوم بامساك يدها وهي تقول بحدة:


ـ ما تجمدي كدا اومال. أنتِ هتدوريلنا العياط كل شوية، و بعدين أنا لما هديت وفكرت عرفت أن المدعوقة دي بتقول أي كلام وخلاص. لكن وحق لا إله إلا الله مبقاش هيام لو ما جبتلك حقك منها تالت و متلت، و هخليها تفكر ألف مرة قبل ما تنطق اسمك حتى. ها قولتي أيه؟ صافية لبن و نطلع دلوقتي نبلغ الريس أننا اتصافينا ولا هنفضل منكدين على الراجل كدا؟!


بهتت ملامح غنى و تشوش عقلها من كل ما يحدث وقدرة هذه المرأة على جعل الرأس يدور و العقل يعجز عن التفكير، لتمر ثوان وغنى تنظر إليها فقط لتهتف هيام بلهفة:


ـ طبعًا أنتِ زمانك عايزة تقولي طب لو أنا سامحتك ياسر هيسامحك؟ هجاوبك. انا اكتر واحدة في الدنيا عارفة الطريق لقلب ياسر، و مفاتيحه كلها معايا، و أن متصالحناش النهاردة هعرف أصالحه بكرة. متقلقيش. يالا بقى فكي عقدة لسانك دا و قولي اتصافينا ولا هنشد في شعور بعض ؟ 

❤❤❤❤❤❤❤❤

بسم الله الرحمن الرحيم

السبيل الثامن عشر ج٢


أحيانًا تكسرنا الحياة حين تضعنا أمام اختيارات جميعُها تصب في بوتقة الجحيم؛ كأن يُجبر الإنسان على الاختيار بين ألمين كلاهما أقسى من الآخر، ويقف حائرًا أمام مفترق طرق إن سلك الأول فقد كرامته، وإن انتهج الثاني فقد هويته؛ فيجدُ نفسه كالغريق الذي عليه أن يختارَ طريقة موته: إما خنقاً بالماء أو سحقاً بين أحضان الصخور. وفي الحالتين الموت واحد وإن اختلفت طريقته، والنجاة هنا خيار لم يخلق له سبيل.

ولكن.. ماذا لو كانت للنجاة طرق مشروعة غفلنا عنها دهراً؟ وأن تلك اللحظات المؤلمة التي سلبتنا أبسط حقوقنا في تسيير حياتنا وفق ما نريد، ما هي في حقيقتها إلا مخاض عسيرٌ لولادة شخصٍ جديد لم نكن نعرفُ بوجوده داخلنا؛ شخصٍ يدرك أن القسوة هي سبيله الوحيد لتجاوز الأزمات، و ربما تخطي الأشخاص الذين أهدوه الخذلان على طبق من حرير. فالقلوبُ التي أحرقها القهر لن يُحييها رمادُ الذكريات.

وأحيانًا لا تكون القسوة طبعاً متأصلاً في النفس، بل صفةً اكتسبتها قلوبنا من تراكم الخيبات؛ فنحنُ لا نقسو لأن قلوبنا من حجر، ولكننا نقسو لأننا منحنا من اللين ما يكفي لترميم شقوق العالم، وفي النهاية لم نجد من يلملمُ كسرنا، أو يجبرُ خاطرنا.

فسلامٌ على ذلك الكسر الذي صنع منا فولاذًا لا ينكسِر، و عزاؤنا الوحيد أننا في ذلك الحين لن نكون مدينين لأحد بترميم شتاتنا.


نورهان العشري ✍🏻


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


ـ اسمعني يا ياسر عشان في كلمتين مهمين لازم أقولهملك قبل ما هيام تخرج، و متقلقش على غنى. هيام جاية و ناوية على خير. أختك فعلًا متبهدلة بسبب خصامكوا ليها.


هكذا تحدث جابر إلى ياسر الذي كان القلق يأكله بكل ثانية تمر وهي بالداخل مع شقيقته وقد شعر جابر بذلك فأراد طمأنته، و قد نجح ولو بالقدر القليل 

ـ اتفضل يا حاج جابر سامعك..


جابر بوقار:

ـ طبعًا أنت عارف اني كنت زعلان من هيام زعل كبير. بس ربك و الحق لما قعدت اتكلمت معاها صعبت عليا. هيام شيفاك أنت و يزيد عيالها مش أخواتها. غلطت طبعًا غلط كبير. بس من خوفها و زعلها عليك. كلام أم غنى كان قاسي و جارح، و تهديدها ليها هو اللي خلى هيام تتصرف كدا، و أنا بردو غلطتها و قولتلها أن الغلط راكبك من ساسك لراسك. 


ياسر بجفاء:

ـ و ياترى اقتنعت؟ 


جابر بتأكيد:

ـ اقتنعت، بس خليني ألفت انتباهك لحاجة مهمة. هيام غيرانه عليك. و كل غضبها على غنى بسبب غيرتها عشان حست أنها خدتك منها، و بردو موقف أهلها. يعني سابوك لما مكنش معاك ولما ربنا أداك بقيت حلو ؟


ياسر بحنق:

ـ غنى بره عنها الكلام دا. اخدها بذنبهم ليه؟ و بعدين حتى لو أهل غنى وحشين هما أيه درجة قربهم مني؟ هما ميفرقوش معايا من أساسه. اللي يفرق معايا أختي اللي بعتبرها أمي لما تطعني في ضهري و تفرق بيني وبين حبيبتي يبقى ليا حق ازعل. اتقهر يا حاج جابر و خصوصاً لما ألاقيها بتتمادى في غلطها. مدتنيش حتى وقت استوعب الصدمة. 


ـ يا ابني انا عارف اللي بتقوله دا، وليك كل الحق تزعل و تتصدم و تشيل في قلبك. بس المسامح كريم. أختك دموعها مبتنشفش لا ليل ولا نهار. 


صمت جابر لثوان وهي يرى الحزن يلون ملامح ياسر ليُتابع الأول قائلًا:

ـ هيام معندهاش في الدنيا أغلى منكوا، و بتعتبر نفسها أمك مش أختك. أنا مش هقولك هي بتحبك قد أيه عشان انت عارف. لكن هقولك استغفر ربنا و اطلب منه ينزل على قلبك السكينة و السماحة و تتصالح مع أختك. هيام مفيش اطيب من قلبها يا ياسر مش أنا اللي هقولك كدا. 


أومأ ياسر برأسه قبل أن يقول بجمود:

ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير. 


دق باب المنزل فتوجه ياسر ليفتحه، فوجد يزيد يقف أمامه ناظرًا إليه بحرج تجلى في نبرته حين قال:

ـ يارب مكونش جيت في وقت مش مناسب! 


ياسر بتهكم:

ـ ايه الأدب اللي نزل عليك دا! تعالى ادخل 


يزيد بسخرية:

ـ تصدق بردو أنا معجبنيش حوار الأدب دا! أوبا. الحاج عبد الغفور البرعي بنفسه منورنا! 


هكذا صاح حين رأى جابر يجلس في الصالة ليبتسم الأخير قائلًا:

ـ والله وحشتني خفة دمك يا يزيد..


يزيد بمرح:

ـ عشان انت راجل أصيل بس. أخبار فاطنة كشري ايه؟ 


ياسر بحنق:

ـ قاعدة جوا..


يزيد بصدمة:

ـ جوا فين؟ و غنى فين؟ قتلتوها ولا ايه؟ 


ياسر بتقريع:

ـ ما تخرس ياله أنت. أختك جوا معاها قوم شوفها. 


يزيد بتهكم:

ـ عايزني اطمن بلعتها ولا لا؟! عيني. 


هب يزيد متوجهًا للداخل وهو يصيح:

ـ يارب يا ساتر. حد قالع راسه ؟ 


هتف جابر وهو ينظر إلى ياسر قائلًا:

ـ متقلقش يا ياسر. قولتلك هيام جاية في خير، وانا واثق أنها مش هتزعل غنى مهما حصل. 


في الداخل هتفت هيام بلهفة:

ـ تعالى يا يزيد. 


يزيد باندهاش:

ـ ايه دا فين السكاكين؟ فين الدم! داهية لا تكونوا بتتجاذبوا أطراف الحديث زي البني ادمين؟! 


هيام بنبرة ذات مغزى:

ـ ربنا ما يجيبش بنا أبدًا حاجة وحشة. أنا كنت بتكلم أنا و غنى و اتصافينا خلاص. 


برقت عيني غنى من حديثها و جزمها بأنها تصالحت معها ليبتسم يزيد على ملامح غنى قائلًا بسخرية :

ـ لا واضح. واضح انكوا اتصالحتوا. اومال الخلقة دي عاملة كدا ليه؟ 


غنى بتهكم غاضب:

ـ هو أنا لاحقة اعمل حاجة! أنا زي اللي حد جاررني من رقبتي أختك مش مدياني حتى فرصة اخد نفسي.


يزيد بتهكم:

ـ ليه يا أم حمادة كدا؟ دي الغريبة بردو! يرضيك تتفرفط مننا! 


غنى بحدة:

ـ دمك سم على فكرة. 


يزيد بسخرية:

ـ حوش أنتِ اللي دمك شربات! بقولك ايه أنتِ و هي أنتوا تشوفولكوا حل وسط و تتصافوا الراجل اللي بره دا ميستاهلش البهدلة اللي عاملينها فيه دي


هتفت المرأتين في نفس ذات الوقت:

ـ قولها….


اعتلى الغضب ملامح و نظرات الثلاثة ليهتف يزيد بحدة:

ـ أنتوا اللتنين غلطوا فيه هو الضحية الوحيدة اللي في وسطكوا. كل واحدة فيكوا جرحته جرح كبير، و متبصليش يا غنى. الغلط أساسه جاي من بيتكوا، و أنتِ يا هيام عالجتي الغلط دا بغلط أكبر. و في النهاية ياسر أكتر واحد أتوجع. 


غنى بألم:

ـ مش لوحده. 


يزيد بتوضيح:

ـ بالرغم من اللي هيام عملته بس هي مجتش قالتلك اتجوزي فردة الجزمة دا. أنتِ اللي اختارتي. ياسر مالوش ذنب. سواء كان غلطك أقل من هيام أو اكتر بس النتيجة واحدة ياسر أتأذى و اتجرح بسببكوا. حتى لو مش طايقين بعض على الأقل بلاش تحشروه بينكوا. 


صمتت غنى و كذلك هيام لتقول الأولى بتعب:

ـ أنا هقوم اغسل وشي عن اذنكوا..


هيام بجمود:

ـ احنا خلاص ماشيين. فكري في كلامي وكلام يزيد، و اعرفي أني جيت و مادة ايدي بالصلح ط. الكورة دلوقتي في ملعبك.


لم تُجيبها غنى بل توقفت تنظر إليها وهي تغادر ليتحدث يزيد قائلًا:

ـ اعذريني يا غنى لو كلامي ضايقك. بس انا معنديش أغلى من ياسر، و عارف كمان غلاوته عندك ياريت تفكري فيه قبل أي حاجة..


اومأت غنى برأسها وهي تبتسم بهدوء لترى هيام وهي تحتضن ياسر و الاخير يلف يده حولها وهي تقول:

ـ للمرة التانية بقولك حقك عليا يا ياسر. و مستعدة اعمل أي حاجة عشان أراضيك. و اتكلمت مع غنى. هي تبقى تقولك قولت أيه.


ياسر بجمود:

ـ ماشي يا هيام..


لم يعجبها تحفظه في الحديث و العناق و لذلك رمت الكرة في ملعبه هو الآخر حين قالت:

ـ لو سامحتني يا ياسر هستناك أنت و مراتك يوم الجمعة نتغدى سوى. بقالنا زمن متجمعناش، ولا انت موحشكش أكلي؟ 


شعر بأنها على وشك البكاء، وقد آلمه ذلك ولكنه لم يستطيع أن يقرر نيابة عن غنى، فلا يعرف ما حدث بينهم في الداخل، وقد شعر جابر بذلك ليقول:

ـ هو أكلك بعيد عنهم يا أم حمادة!؟ بس هو ياسر تعبان شوية و اليوم كان صعب. خليهم يرتاحوا و بكرة يبقوا يبلغونا هيعملوا ايه. 


كلماته رفعت الحرج عن الجميع لتوميء هيام برأسها بإذعان ثم التفتت إلى يزيد قائلة بنبرة حزينة:

ـ و أنت يا يزيد مش ناوي تروح بيتك بقى، ولا خلاص مبقاش يلد عليك! 


لم يستطِع أن يكسر خاطرها لذا قال بمرح

ـ والله على حسب طابخة أيه! لو في محشي أعتبريني روحت.

ابتهجت ملامح هيام وكأنها لم تصدق ما سمعته لتهتف بلهفة:

ـ طبخالك الحلو كله. كل اللي نفسك فيه هعملهولك..


حاول إضفاء المرح على هذه الأجواء المتوترة ليقول بمرح:

ـ حيث كدا بقى مضطر أبيعك يا ريس. دا محشي بردو. 


ابتسم الجميع على حديثه ليهتف ياسر بتقريع:

ـ على أساس الواد مبياكلش! 


يزيد قاصدًا استفزاز غنى:

ـ يا راجل و دا أكل! دانا معدتي نشفت من أكل المشاوي بتاعت مراتك..


قال جملته و هو يغمز إلى غنى التي اغتاظت من حديثه لتقول هيام بفخر:

ـ تعالى يا قلب أختك وأنا اعملك المحمر و المشمر و الحلو كله. 


غادر الجميع و اغلق يزيد الباب خلفهم لتندفع غنى مقلدة هيام بحنق:

ـ تعالى يا قلب أختك وأنا اعملك المحمر و المشمر..

شايف الواطي! بقى أنا اكلي نشف معدته! 


أعجبه مظهرها الغاضب كثيرًا لتخرج منه ضحكة صاخبة كانت نهاية غير متوقعة لهذا اليوم الكارثي لتبتسم هي الآخرى وقد نست كل شيء فقط أنه موجود الآن أمامها و عينيه الجميلة تنظران إليها هذه النظرات التي تذيب عظامها و التي اتبعها بحديثه المازح حين قال:

ـ دا بيجبر بخاطر هيام بس. هو في زي أكلك يا غُريبة قلبي! 

قال جملته الأخيرة وهو يغمز بعبث و يتقدم منها ليحتويها بين يديه واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها، فقد كان هو الآخر لا يُصدق أنها بين يديه و أن هذا اليوم الصعب قد شارف على الانتهاء 

ـ مش مصدقة انك جنبي يا ياسر. اللي حصل النهاردة…


وضع اصبعه فوق شفتيها يمنعها من استكمال الحديث ليتحدث هو بنبرة خشنة:

ـ هششش. متفكريش في اللي حصل النهاردة دا خالص. انسيه كأنه محصلش..

غنى بخفوت:

ـ بس انا خوفت عليك أوي..


ياسر بصوتٍ أجش:

ـ جوزك ميتخافش عليه. دا أنتِ مرات الريس. يعني ما عاش ولا كان اللي يخوفك.. 


مدت يدها تلامس خده بنعومه وهي تقول:

ـ الريس دا سندي و ضهري. ربنا ما يحرمني منه أبدًا.


ياسر بنبرة عابثة:

ـ والله ما حد بيعرف يثبت الريس غيرك..


ابتسمت بخجل قبل أن تقول بنبرة خافتة:

ـ هو أنت ناوي تعمل ايه مع هيام؟ 


لم يكن في حالة تسمح له بالتفكير لذا قال بنبرة خشنة:

ـ أنا دلوقتي مش ناوي اعمل حاجة غير أني اخدك في حضني و أنام. 


ارتجف جسدها رغمًا عنها، و قد شعر بذلك لذا غير الحديث قائلًا:

ـ بس عايزك تعرفي أني لا هفرض عليكِ حاجة ولا حد. اللي يريحك هعمله. 


غنى باندفاع:

ـ يعني مش تخليني أروح أعيش هناك تاني؟!


تفهم مخاوفها ليحاول طمأنتها و محو تلك النظرة المُرتعبة التي تحتل عينيها الجميلة ليقوم برفع كفها واضعًا قبلة دافئة فوق راحته ثم قال بنبرة حانية:

ـ للمرة التانية أنا عمري ما هجبرك على حاجة، و حتى لو الوضع اتصلح بيننا و بين هيام أنا مش هعيش مع حد في مكان واحد. إلا لو أنتِ حبيتي ترجعي البيت الكبير. 


ضيق عينيه و أضاف بعبث:

ـ و كمان لو روحنا هناك أنا مش هعرف استفرد بيكِ..


برقت عينيها من حديثه، فلم يمهلها الفرصة بل باغتها حين اقترب ينهل من عشقها لينسى بجانبها كل ما مر عليه من أحداث صعبة و لتسكن روحه بين ذراعيها مراعيًا مخاوف الماضي، و تلك الندوب التي لم تُمحى بعد..


“اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي صدري سكينة، واملأ حياتي راحةً ورضا ❤️ 


★★★★★★★★★


ـ خلاص يا سوزي. صفحة كمال دي لازم تتقطع من حياتي و تترمي للأبد. 

هكذا تحدثت آسيا وهي تنظر إلى سوزان التي كان الألم يلون ملامحها و نبرتها حين قالت:

ـ أنا مبهمنيش كمال ولا غيره. اللي يهمني أنتِ يا آسيا. هتقدري تتعايشي؟ هتقدري تكملي حياتك كدا! فكري قبل ما تاخدي اي قرار.


آسيا باستنكار:

ـ عايزاني ارجعله بعد اللي عمله ؟ دا خاني يا سوزي؟ عارفة يعني إيه خاني؟ خلف من واحدة تانية غيري. لمس واحدة تانية غيري. 


مدت سوزان يدها لتحتوي يد آسيا وهي تحاول تهدأتها قائلًا:

ـ اهدي عشان خاطري. انا مش عيزاكي تتعبي. أنا بفكر معاكِ بصوت عالي. كمال مشي من هنا وهو متخيل انك خونتيه. قولتلك وقتها و هقولك دلوقتي انك تروحي لرؤوف دا غلط كبير. في حقك و حق جوزك. و بعدين هو مكنش يعرف اللي حصل من أخواته. مشي وهو مدبوح. متعرفيش عمل كدا ازاي؟ يمكن كان بيعاند نفسه. أو كانت لحظة ضعف منه وهو مفكر أنه بينتقم منك! يمكن كان عايز يثبت لنفسه أنه قدر ينساكي و يشيلك من حياته. دا واحد كان مطعون في كرامته و رجولته يا آسيا.


تعلم بأنها مُحقة في حديثها ولكنها لازالت واقعة تحت طائلة الظلم لذا هتفت بألم:

ـ ماشي أنتِ صح. أنا غلطت، و أي راجل في مكانه مكنش هيعدي اللي حصل بسهولة. بس قوليلي هو عداه! هاني ومد إيده عليا و دوست على كرامتي و سكت. ليه يتجوزني من غير ما يقولي أنه عرف غيري و خلف كمان؟! 


سوزان بتعقل:

ـ عشان حاجتين أولهم أنه اناني و تانيهم أنه زيه زي أي راجل مبيقدرش يعترف بضعفه قدام الست اللي بيحبها.


آسيا بتهكم:

ـ بيحبها! أومال لو بيكرهني كان عمل أيه؟


سوزان بتوضيح:

ـ هو بردو زمانه بيسأل نفسه السؤال دا! كمال طلقك ومشي و أكيد طول الفترة دي كان بيحاول ينساكي، و وارد تكون الست اللي عرفها دي محاولة للنسيان و أنه يثبت لنفسه انك مبقتيش فارقة معاه. لكن لما رجع عرف أنه عمره ما قدر يتخطاكي و اصطدم بمشاعره ناحيتك، و دا بان من لهفته عليكِ لما وقعتي في الموقع. و لما سابني في العربية و جه عشان يساعدك تطلعي فوق. و غيرته عليكِ اللي أنتِ بنفسك لمستيها. كمال اتأكد أنه لسه بيحبك. بس عقله رافض أنه يعترف بدا، وعشان هو عارف انك عمرك ما هتقبلي ترجعليه لو عرفتي اللي عمله. هددك برؤوف عشان تتجوزيه و يضمن انك بقيتي في إيده قبل ما يقولك أي حاجة 


آسيا باندفاع:

ـ بس دي أنانية. أنا مفرضتش عليه يتقبلني لما رجع عشان هو يفرض عليا اني اتقبل وضع مُهين زي دا..


سوزان بتعقُل:

ـ بس حاولتي مرة و اتنين و عشرة عشان تفهميه اللي حصل، و تشرحيله أسبابك. 


أسيا بتعب:

ـ أيًا كان اللي عمله و اللي حصل بيننا. بس أنا استحالة اقبل بكدا أبدًا. أنه يقدر يلمس واحدة غيري. دا في حد ذاته خيانة حتى لو كان مطلقني زي ما قال. هو خان حبنا. 


سوزان بتوضيح:

ـ هي دي نفس وجهة نظره من موضوع رؤوف أنه شايفك مخنتيهوش خيانة جسدية. بس خنتي حبكوا لما روحتي لرؤوف. 


آسيا بانفعال:

ـ دي مش زي دي. أنتِ بتقولي ايه؟ 


سوزان بهدوء:

ـ بقولك اللي انت شيفاه كطرف محايد. أنتِ عارفة اني مش باجي عليكِ ولا ببررله. أنتِ اللي تهميني.


آسيا بتهكم:

ـ تاني مرة اسمع الجملة دي النهاردة. 


سوزان باستفهام:

ـ سمعتيها من مين؟ 

لم تكد تجيبها حتى رن جرس الباب، فتوجهت إليه آسيا لتقوم بفتحه و إذا بها تجد أمامها والدتها و التي كانت تناظرها بأعيُن يلتمع بهم الغضب فتراجعت إلى الخلف وهي تقول بصدمة:

ـ ماما. 


رضا بحدة وهي تدلف إلى داخل الشقة أيوا ماما يا ست آسيا. ماما اللي عمر قلبها ما هيرتاح بسبب عمايلك.


زفرت آسيا بتعب تحاول تنظيم أنفاسها، فلسوأ حظها قد علمت والدتها ما حدث و من المتوقع أنها سمعت حديثها مع والدها صباحًا


عودة إلى الصباح


كانت ليلة صعبة مؤلمة خاصةً على قلبٍ تذوق معنى الغدر و القهر معًا، فلازالت صورته تتراقص أمامها وهو يحمل ذلك الطفل ' طفله' كلمة حروفها كالخناجر التي انغرزت في قلبها دون رحمة، دون شفقة. لقد خان عشقهم و دنسه بارتباطه بإمرأة غيرها وهي التي كانت تحترق ألمًا لأجله. افترسها المرض حتى كاد أن يُنهيها حزنًا على رحيله ليأتي و يُجهز على الباقي منها، و لكن كفى. كفى ضعفًا فليذهب إلى الجحيم هذا العشق الذي سلب منها كل ما هو جميل في حياتها. 

أمسكت هاتفها تنوي إنهاء كل شيء لتضرب رقم والدها الذي أجاب بلهفة:

ـ آسيا صباح الخير يا حبيبتي .


آسيا بنبرة حزينة:

ـ صباح الخير يا بابا.

عزام بقلق من نبرتها:

ـ مالك يا بنتي في حاجة ولا أيه ؟

انهارت رغمًا عنها و هبطت عبراتها وهي تقول:

ـ بابا أنا آسفة. بس أنا محتجالك وماليش غيرك اتسند عليه.


عزام بلهفة:

ـ حصل أيه يا آسيا؟ اتخانقتي مع كمال ولا ايه؟


خرجت الكلمات جريحة من فمها:

ـكمال خاني يا بابا. عرف واحدة تانية غيري ولقيته جايبلي طفل بيقولي أنه ابنه! وانا دلوقتي عايزة أطلق منه.


صدمه حديثها ليحاول استيعاب الأمر قائلًا:

ـ بالراحة بس و فهميني يا بنتي. واحدة مين و عرفها امتى و لحق خلف!


آسيا بانفعال و كأن أذنها لا تحتمل تكرار هذه الكلمات: 

ـ معرفش . معرفش. كل اللي اعرفه انه في السنة اللي طلقني فيها خلف ولد. وانا مش هقبل بالوضع دا. أنا عايزاك تكلمه و تقوله يطلقني..


 كان هو الآخر يستنكر هذه الكلمة مما جعله يقول:

ـ يا بنتي اسمعيني. طلاق ايه بس! حتى لو كان عرف واحدة واتجوزها في السنة اللي أطلقتوا فيها دي متعتبرش خيانة. لأنه كان مطلقك أصلًا..


صاحت آسيا مُستنكرة:

ـ بتقول ايه يا بابا. ازاي يجيله قلب يعرف واحدة تانية غيري؟ دا خاين. 


ـ طب ممكن تهدي و أنا هجيلك افهم منك واتكلم معاكي و نشوف هنعمل ايه! 


آسيا بنفا صبر:

ـيابابا اسمعني. أنا قولتلك اللي حصل. وعايزاك تعرفه اني عايزة أطلق منه. مش عايزة افضل على ذمته لحظة واحدة. أنا كرهته.


عزام بتعقل:

ـ يا بنتي مش لما اقعد مع الراحل وافهم منه ايه اللي حصل! و بعدين الشرع محلله يتجوز مرة و اتنين و تلاته و أربعة. 


آسيا بانفعال:

ـ و بردو ربنا عادل و أداني الحق اني ارفض الوضع دا. 


عزام بتعب:

ـ طيب يا آسيا اهدي عشان خاطري، وانا هجيلك نتكلم. ابعتيلي عنوان بيتك وانا هاجي و هقعد معاكي و معاه. 


ارتبكت قليلًا قبل أن تقول:

ـ أنا مش في البيت يا بابا. 


عزام بحدة:

ـ ازاي دا! اومال أنتِ فين ؟ 


ـ أنا عند سوزان.

عزام بغضب 

ـ و ليه مجتيش على بيت ابوكي!


ـ أنا كنت هجيلك. بس…


قاطعها عزام قائلًا بعتب يغلفه الحزن:

ـ أنتِ غلطانه يا آسيا. مفروض كنتِ تكلميني و أنا اجيلك. أنا سكت على قعدتك مع سوزان عشان عارف انك بتكرهي الحارة و بتستعري منها، و عشان مش هتريحي مع امك لكن مفروض في مشكلة بينك وبين جوزك ترجعيلي قبل ماتتصرفي أي تصرف أو تروحي في أي مكان. مش كفاية لحد دلوقتي أنا معرفش اسباب طلاقكوا!


ارتعبت من حديثه عن أسباب الطلاق تعلم أن والدها لن يتفهم ما حدث لذا هتفت بلهفة:

ـ أنا آسفة يابابا بس انا من الصدمة معرفتش افكر.

عزام بنبرة جامدة:

ـ طيب يا بنتي أنا هروح لكمال و هتكلم معاه و بعدين هجيلك نتكلم.


عودة إلى الوقت الحالي


ـ اتفضلي اقعدي. 

هكذا تحدثت آسيا بجمود قابلته رضا بالانفعال:

ـ اقعد! ليه هو دا بيتك عشان تضايفيني فيه! 


آسيا بحدة:

ـ أيوا بيتي. عشان أنا بدفع أيجاره يا ماما. 


رضا بحدة:

ـ و هو مفروض اجيلك هنا ولا اجيلك بين جوزك! بيوتك كترت يا بنت رضا.


آسيا بتعب:

ـ أرحميني يا ماما. أنا مش فايقالك، و أظن بما انك جيتي هنا يبقى عرفتي اني ناوية أطلق. 


رضا بصراخ افزعها:

ـ اخرسي قطع لسانك. هو احنا شخشيخة في إيدك! ولا عشان ما جيتي عشتي هنا فاكرة أن ملكيش حد يلمك! امبارح تتجوزي و النهاردة عايزة تطلقي؟! 

آسيا بانهيار:

ـ يا ماما أنتِ متعرفيش أيه اللي حصل! 


ـ لا عرفت يا عين ماما! سمعت كلامك مع أبوكي. ايه يعني لو الجدع اتجوز وخلف. ماهو كان مطلقك. هو كان دخل عليكِ بضرة! 


كانت سوزان تقف على باب الغرفة تشاهد ما يحدُث بقلب ينفطر على آسيا التي هتفت بانهيار:

ـ أنتِ بتقولي ايه؟ دا خاني! أنا كنت بموت هنا وهو هناك مقضيها في حضن ست تانية غيري. 


رضا بحدة:

ـ وهو مين مشاه و طفشه خلاه يروح لحضن واحدة تانية غيرك! مش عمايلك؟! الراجل مشي مقهور بسببك. لا تكوني نسيتي أنتِ عملتي أيه؟


تدخلت سوزان في محاولة لتهدئة الأمور:

ـ اهدي شوية يا حاجة رضا. الكلام يكون بالعقل مش بالطريقة دي .


رضا باستجان وهي تلتفت إلى سوزان:

ـ عقل! سيبتلك العقل يا ست العاقلين. مش أنتِ اللي مقعداها جنبك و مقوية دماغها، و أدي النتيجة. بعد ما كل حاجة ابتدت تتصلح عايزة تخربها تاني. 


غضبت سوزان من حديثها لتقول بنبرة حادة بعض الشيء:

ـ أنا مقوتش حد يا حاجة رضا. آسيا زي بنتي و عمري ما أشجعها على الغلط. أنا بقولك تخلي بالك من كلامك عشان كلامك دا أي حد هيسمعه هيفكر تفكير وحش و أنتِ ست العارفين..


رضا بصراخ:

ـ ماهي دي المصيبة. أنها شبهت نفسها في الفاضي. ضيعت جوزها اللي بيتمنالها الرضا ترضى عشان حتة عيل هي داست عليه قبل كدا.


آسيا بانفعال:

ـ حرام عليكِ بتقولي أيه ؟ 


رضا بحدة:

ـ بقول اللي حصل. مش دا رؤوف حبيب الطفولة. فكراني كنت هبلة ولا مبشوفش. نظرات و جوابات و أشي رؤوف جايبني من المدرسة، أشي رؤوف موصلني الدرس، و هوب رؤوف يخلص من هنا يجري على ملا وشه عشان يبيع أبوه أرضه و يتجوز ست الحسن و الجمال. ميعرفش أن ست الحسن والجمال كانت اشتغلت في الشركة و شافتلها شوفة تانية، وبعد ما كنت بجيبلك سيرة رؤوف وشك يحمر و يخضر. بقيتي تنضرسي و قولتيلي مبفكرش فيه. و كسرتي قلب الجدع. روحتيله تاني ليه بعد ما اتهببتي! مش دي تبقى خيانة بردو يا قلب أمك!


وضعتها أمام أخطائها بأسوأ طريقة ممكنة حيث كانت الكلمات كالمطارق تدق عظامها و تلسع حروفها جسدها، ولكن قلبها يرفض ما حدث بكل الطرق لتهتف مدافعة عن نفسها:

ـ لا مش خيانة. أنا معملتش حاجة. روحت اتكلم معاه. دا ابن عمي.


رضا بحدة:

ـ كان بيحبك ولا لا؟ جوزك كان بيغير منه ولا لا؟ أنا بنفسي قولتله اوعى تروح الفرح و راح. تحبي اقولك أمه قالتلي ايه بعد ما اطلقتي عشان ترد كرامة ابنها وانا بلعت الكلمة في بقي و اتكتمت! 


بكت بحرقة و أخفضت رأسها من فرط الألم لتُتابع رضا بحزن:

ـ قالتلي السنيورة بنتك عرفت قيمة ابني و راحتله مكتبه. الظاهر أن البيه مش مالي عينها. عرفتي غلطك واصل لحد فين يا بنت رضا! 


بكت آسيا و تأثرت سوزان لحالها كثيرًا ولكنها تعلم بأن رضا و إن كانت قاسية ولكن حديثها واقعي لتُصدم حينما تابعت رضا بجفاء:

 ـ هي كلمة واحدة. يا ترجعي لجوزك و تشيلي فكرة الطلاق دي من دماغك يا بنت رضا. يا تطلقي وترجعي تعيشي تاني في الحارة. 


بهتت ملامح آسيا و اكتظت عينيها بالألم والعبرات، ولكن كان الأمر بالنسبة إليها لا يحتمل النقاش مما جعلها تقول بثبات:

ـ موافقة. هطلق منه، وارجع أعيش في الحارة تاني.


لم تكُن أفصحت عن ما بجعبتها بعد لذا ابتسمت بتهكم قبل أن تقول بجفاء:

ـ و مفيش شغل. لو هتقعدي في بيت أهلك يبقى تعيشي عيشتهم. قولتي ايه؟


توحشت ملامح آسيا و نظراتها و نبرتها حين قالت:

ـ أنتِ مفكراني لسه طفلة صغيرة! أنا ممكن امشي و اسيب البلد دي و متعرفيليش طريق أصلًا..


رضا بسخرية:

ـ اتوقع منك كدا و أكتر. ماهي الأنانية تعمل اكتر من كدا، و ياترى لما تيجي تهربي هتودعي ابوكي ولا هتمشي من بره بره؟ اه صحيح ايه رأيك يا ست البنات لو خدنا رأي الراجل الطيب في موضوع مرواحك لرؤوف ؟ دا صح يا عم عزام ولا غلط! ولا لو سأل كمال طلقك أول مرة ليه و قاله عشان راحت لرؤوف مكتبه تعيطله و تعاتبه أنه اشتغل مع أختي! تفتكري أبوكي هيقول ايه؟ بأي حق راحه تعاتبي واحد كنتِ بتحبيه وأنتِ اللي بنفسك رفضتيه؟!


حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم. ❤️


★★★★★★★★★


ـ أهلًا.يا عم عزام اتفضل. 

هكذا تحدث كمال حين أخبرته مديرة مكتبه بأن عزام يريده في الخارج ليدلف الأخير إلى داخل الغرفة و وجهه لا يُفسر ليفهم بأنه علم ما حدث 

ـ ازيك يا كمال بيه. 


كمال بعتب:

ـ بيه أيه بس يا عم عزام؟ أنا جوز بنتك و زي ابنك.

عزام بجمود:

ـ بنتي طالبة الطلاق. بس أنا مش جاي هنا عشان كدا..


اخترقت الجملة قلبه قبل أذنيه ليحاول اخراج نبرته متزنة حين قال:

ـ اومال جاي ليه؟ 


عزام بنبرة قاطعة:

ـ عايز اعرف الأول أنت طلقت بنتي ليه؟ 


تجمدت نظرات كمال لثوان قبل أن تعود إلى طبيعتها ليتحمحم قبل أن يقول بخشونة:

ـ اختلفنا و أطلقنا..


عزام بجفاء:

ـ أنا مش راجل صغير يا كمال عشان تضحك عليا بكلمتين. 


كمال بنبرة مُتحشرجة:

ـ ليه بس بتقول الكلام دا! أنا هضحك عليك ليه؟ 


عزام بحدة:

ـ حط نفسك مكاني وانت تعرف. فجأة عرفت أن جوز بنتي سافر و طلقها من غير ما اعرف و من غير حتى ما تحصل بينهم مشكلة واحدة، و بنتي تنهار و تدخل المستشفى، و بعد سنة و نص ترجع و تجيلي تقولي عايز اتجوز بنتك تاني، و أنا قبلت و اتجوزتوا الاقي بنتي تاني يوم مكلماني منهارة و بتقولي عايزة أطلق جوزي عشان جوزي جايبلي عيل و بيقول أنه ابنه. الوضع دا في نظرك طبيعي؟! 


كان محقًا و قد أشفق كمال عليه كثيرًا ليقول بنبرة خشنة:

ـ لا مش طبيعي، و حقك تضايق.


عزام بتوضيح:

ـ بص يا ابني. أنا عارف ان دا حقك اللي ربنا شرعهولك..لكن بنتي لو مقبلتش أنا مش هجبرها، و عشان احكم بالعدل لازم اعرف أيه اللي حصل حصل بينكوا 

حاول كمال الحديث مراوغًا:

ـ يا عم عزام الموضوع بسيط…


عزام بحزم:

ـ لا مش بسيط، و خليني اكون دوغري معاك. طلاقك لبنتي بالشكل دا سفرك بالطريقة الغامضة دي في نظري له معنيين يا اما أنت مش بتاع جواز و بتلعب ببنات الناس يا إما بقى بنتي عملت غلطة كبيرة خلتك طلقتها بالشكل المُهين دا. اعذرني لو بحتد عليك بس دي كرامة بنتي.


وضعه عزام في مأزق كبير، فهو لن يخبره أسباب طلاقهم حتى لا يضعها في موقف صعب أمامه، و أيضًا لا يريد إحراجه فهو يعلم أن هذه الأمور بالنسبة إلى رجل في عمره و في البيئة التي ينتمي إليها تمس الشرف و الكرامة لذا زفر بقوة و اختار إلقاء اللوم على نفسه كليًا حين قال:

ـ طيب يا عم عزام انت زي والدي وأنا هتكلم معاك بصراحة. طبعًا الاحتمال التاني اللي يخص آسيا مرفوض رفض قاطع. آسيا مفيش عليها غُبار. و الغلط من عندي أنا..


ارتخت ملامح عزام و كأنه شعر بالراحة ليُتابع كمال مُضيفًا:

ـ اعتبر اللي حصل دا طيش مني. يعني حسيت أن الجواز مقيدني، وانا متعودتش على كدا. فكرت اني هخلص من القيد دا بمجرد الطلاق. بس عرفت بعد كدا أن أنا غلطان.


عزام بريبة:

ـ بس انا مش شايفك واحد طايش. أنا راجل ابن سوق و افهم في الناس كويس. معرفش ليه حاسس انك بتحاول تخبي عني حاجة.


لم يرتضي قلبه أن يمسها بسوء أو أن يعرضها لأي حرج أو شعور بالإهانة أمام والدها لذا شدد من كل كلمة يتفوه بها حين قال:

ـ صدقني مش مخبي عنك حاجة أنا بس محرج منك. اني بقولك أن دا طيش مني. لكن صدقني أنا لما سافرت و عشت من غير آسيا عرفت أني بحبها و مقدرش اعيش من غيرها، و دا اللي خلاني رجعت اتجوزتها تاني قبل ما اقولها موضوع سيف..


حين نطق أنه يحبها كان يسمع الكلمة لعقله العاصي و كبريائه الجريح الذي لا ينفك يُذكره بما عاناه منذ تلك الليلة المشؤومة و ما تلاها من أزمات تعرض لها ولكن استفهام عزام باغته حين قال:

ـ و والدة سيف فين؟ 


تغضنت ملامحه بالألم الذي شاب نبرته حين قال:

ـ ماتت! 


عزام بحزن:

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الله يرحمها. انا دلوقتي مش عارف أقولك ايه؟ بس الوضع دا مينفعنيش. دلوقتي آسيا رجعت عند الست سوزان تاني، وانا مش موافق على قعادها هناك تاني. عشان كدا معلش لو هعطلك بس انا و انت هنروح هناك دلوقتي و هتقعدوا قدام بعض و نشوف أخرة الموضوع دا ايه، لو هتكملوا. يبقى تاخد مراتك معاك، واي مشكلة تحصل بينكوا لازم اكون عارفها عشان مراتك ليها كبير. لو هتنفصلوا يبقى بنتي تعيش في حضني. 


كمال بخشونة:

ـ أنا رأيي نسيبها تريح أعصابها يومين..


قاطعه عزام بحزم:

ـ أنا عرفتها اني هجيلك و اني هقعد معاكوا انتوا اللتنين. بيتهيقلي الأمور كلها واضحة و ربنا قالها في كتابه العزيز فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.


كمال باستسلام:

ـ اللي تشوفه. 


نهض عزام من مقعده وهو يقول:

ـ يبقى يالا بيننا…

اللهم أخرجني من ضيق الحزن إلى سعة الفرح، ومن همّي إلى فرجك القريب ❤️ 


★★★★★★★★★


كان يتحدث في الهاتف وهو يأخذ طريقه إلى خارج أحد الكافيهات ليتفاجأ بفتاة تقف مُستندة على سيارتها وهي تبكي وتحتضن نفسها بذراعيها ليشعر بأنه يعرف هذه الفتاة فتوقف لثوان يُدقق النظر ليتعرف إليها أنها هايدي الوتيدي! 

أصابته الحيرة هل يقترب منها لمعرفة ماذا بها؟ أو يتجاهل ما رآه و يمضي في طريقه، ولكن شهامته أبت تركها ومن الواضح أنها في مشكلة كبيرة لذا ختم مكالمته وهو يتقدم منها بروية ليقف أمامها وهو يهتف باسمها قائلًا:

ـ هايدي! 


رفعت رأسها تطالعه بأعيُن باكية ثم همست بنبرة حائرة مختنقة بالعبرات:

ـ أنت مين؟


شعر بالحرج حين لم تتذكره، ولكن انمحى إحساسه بالحرج حين هتفت بلهفة:

ـ أه رؤوف. سوري بجد. بس أصل أنا….


قطعت كلماتها الغير مرتبة لتنفلت عبراتها مرة أخرى مما جعله يقول باستفهام:

ـ أنتِ كويسة؟ 


كانت الحيرة تلون ملامحها و عينيها وهي تناظره ليُسارع بالقول:

ـ أنا مقصدش اكون متطفل بس انا شوفتك واقفة بتعيطي فخوفت تكوني في مشكلة..


أطلقت تنهيدة قوية قبل أن تقول بنبرة حزينة:

ـ أنا فعلًا مخنوقة جدًا و مش عايزة استنى في المكان دا، بس مكنش قادرة اسوق وانا في الحالة دي عشان كدا استنيت شوية يمكن أهدى.


شعر بالحرج و بأن الموقف يُحتم عليه أن يساعدها مما جعله يقول:

ـ طيب لو حابة أنا ممكن أوصلك بس أي مكان غير بيتكوا. 


تبدلت نظراتها إلى الصدمة ثم تشتت بين النظر إلى الخلف إلى مجموعة من الشباب و بينه لتقول بلهفة:

ـ حقيقي أنا مش عارفة أشكرك ازاي. انا موافقة وديني أي مكان وانا هتصرف. 


لاحظ أن هناك شيء غير طبيعي لذا تحدث بجمود:

ـ تعالي أنا راكن قدام. 


بعد مرور بعض الوقت زفرت هايدي براحة وهي تجلس في أحد الأماكن الهادئة و أمامها رؤوف الذي قال باستفهام:

ـ أتمنى أنك بقيتي أحسن؟ 


هايدي بابتسامة باهتة:

ـ الحمد لله و ميرسي انك جبتني هنا عشان أهدى شوية و مروحش البيت وأنا في الحالة دي، ماما أصلًا تعبانه و مش هتتحمل لو شافتني منهارة كدا..

ـ لا ألف سلامة عليها.

لم تغفل عينيها عن ملامحه الجامدة و كأنه مُجبر على ما فعله بدافع الشهامة لذا حاولت جذب انتباهه حين قالت بحرج:

ـ أنا بتكلم بجد على فكرة. حقيقي متخيلتش اني أكون في موقف صعب و أنت اللي تساعدني. أنا طبعًا أقصد عشان المشاكل اللي حصلتلك بسبب. يعني أنت فاهم.


نجحت في جذب اهتمامه ليقول بنبرة يشوبها الحدة:

ـ مينفعش اشوف بنت في مشكلة و مساعدهاش حتى لو كان في أيه


ميرهان بخفوت:

ـ ماهو دا تحديدًا اللي فاجئني. 


ـ ازاي؟ 


انتقت جيدًا الكلمات التي أثارت جميع حواسه حين قالت:

ـ مش عايزة اكون بلخبط في الكلام أو بقول كلام يزعل. بس اللي سمعته عنك ميخلنيش اتخيل انك تكون gentleman و تقف تساعدني يعني.


رؤوف باندهاش:

ـ ليه أن شاء الله ؟ هو أنتِ سمعتي عني أيه؟ 


أغمضت عينيها بقوة في حركة تدل على استيائها من اندفاعها في الحديث لتقول بنبرة رقيقة خافتة:

ـ بليز متفهمنيش غلط أنا مقصدش أضايقك..


رؤوف بحنق:

ـ لا عادي متضايقتش دا العادي في عيلتكوا انكوا تقلبوا الحقايق و تطلعوا الناس كلهم شياطين و أنتوا اللي ملايكة.


تجعدت ملامحها بعبوس و ذمت شفتيها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ بليز بلاش تتكلم عن عيلتي وحش قدامي. عشان حتى لو فيهم عيوب دول عيلتي، و لو أنت ندمان انك يعني ساعدتني أو قاعد معايا أنا ممكن أقوم امشي حالًا.


شعر رؤوف بالحرج و بأنه تمادى قليلًا لذا قال بنبرة أهدأ:

ـ لا طبعًا أنا مقصدش كدا. بس كلامك استفزني بصراحة. 


ارتخت ملامحها قليلًا و ابتسمت بهدوء قبل أن تقول بنبرة خافتة:

ـ أنا مقصدش خالص أضايقك. بس فعلًا أنا اتفاجئت لما شوفتك قدامي، بس مفاجأة حلوة أنا كنت في نفس اللحظة اللي لقيتك واقف قدامي فيها كنت بطلب معجزة تاخدني من المكان دا.


رؤوف باستفهام:

ـ معجزة! ليه كدا؟ 


زرعت الغموض في كلماتها حين قالت بخيبة أمل:

ـ لقب الوتيدي زي ما له مميزات له عيوب.


رؤوف باندفاع:

ـ لا بصراحة أنا مش شايف فيه أي مميزات!


هايدي بحدة طفيفة:

ـ هو انت ليه يا aggressive دايمًا ؟ طب على فكرة بقى أنا عندي كومنتات كتير عليكوا و هنا بقصدك أنت و صاحبتك آسيا. 


رؤوف مصححًا:

ـ آسيا بنت عمي مش صاحبتي. احنا مبنصاحبش..


هايدي بحنق:

ـ what ever. المهم اني بسببها و بسبب عداوتها مع ميرهان اتاخدت في الرجلين و اتعاقبت في حوارات أنا أصلًا معرفش عنها حاجة..


اغتاظ من حديثها ليهتف بحدة:

ـ أولاً أنا مش طايق اسمع اسم ميرهان دي. ثانيًا اللي اعرفه انكوا انتوا اللتنين طول عمركوا بتكرهوا آسيا. دلوقتي بقت ميرهان بس اللي عدوتها!


نجحت بإتقان في ارتداء قناع الدهشة فوق ملامحها و تضمينه لهجتها حين قالت:

ـ !Seriously I can’t believe it آسيا مين اللي أنا عدوتها! أنا أصلًا في كل المشاكل اللي حصلت بينها وبين ميرهان كنت بفضل افصل بينهم، مش هكذب و اقولك عشان بحبها أو حتى بكرهها! بس هي مكنتش فارقة معايا. مشكلتها أنها كانت طول الوقت بتحاول تستفز في ميرهان، و تحسسها أنها فاشلة و أنها نابغة عصرها، و دا كان بيستفز ميري جدًا. 


اتقنت تزييف كل شيء ملامحها و نبرتها و حتى كلماتها ولكنه استنكر حديثها قائلًا:

ـ لا والله! و أنتِ كنتِ الملاك اللي في النص! 


ميرهان بنبرة لامُبالية:

ـ مش ملاك. بس بصراحه موضوع المذاكرة و الكرير و الكلام دا مكنش فارق معايا اوي. أنا مش محتاجاه في حاجة. مكنش نقطة ضعف بالنسبالي.


رؤوف باستفهام:

ـ لو كلامك صح طب ما هي نفس وضعك ليه هيفرق معاها الكرير في أيه ؟


هايدي بنبرة خافتة يشوبها الحرج:

ـ مش دي ال point أصلًا. بالنسبة لميرهان أن دادا رضا طول عمرها يعني..


رؤوف بسخرية:

ـ فهمت. دادا رضا الخدامة بتاعت الهانم، فازاي بنتها تبقى متفوقة عليها ولو في حاجة واحدة.


عضت هايدي على شفتيها في حركة استعراضية عن الندم الذي ضمنته في لهجتها حين قالت:

ـ رؤوف بليز خلينا نقفل على الموضوع دا. أيًا كان مين غلط فيهم، فالموضوع انتهى، و بجد ثانكيو على وقفتك معايا النهاردة. يمكن انت متعرفش أنا كان فيا أيه بس حقيقي you really save me و اكيد مش هنسى الموقف دا طول حياتي. 


لم يُشبع حديثها فضوله وخاصةً أنها نبشت في أمور الماضي و الحاضر وقد كان يريد معرفة الكثير ولكنه لم يحاول أن يظهر ذلك لذا قال بجمود:

ـ أنا معملتش حاجة. متكبريش الموضوع..


اتسعت ابتسامتها وهي تقول بمرح:

ـ طب ممكن أكبره شوية واقولك ميرسي عالكوفي؟ 

ابتسم بمجاملة وهو يقول:

ـ بالهنا والشفا.


ميرهان بدلال متعمد:

ـ ثانكيو. بس خلي بالك أنا كمان هفاجئك و هتلاقيني طالعالك من أي مكان و بقولك يالا بينا نشرب كوفي. I owe you one 


" بتقوله أنها هتردله الجميل مقصوفة الرقبة"


رؤوف بحرج:

ـ أنتِ مكبرة الموضوع زيادة عن اللزوم بس ماشي. مفيش مشكلة.


نجحت خطتها نجاح مُبهِر، لذا اهدته ابتسامة رائعة قبل أن تُغادر، وهي تبتسم بخُبث واثقة من أن هذا اللقاء سيتكرر كثيرًا…


اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين وغَلَبة الرجال ❤️


★★★★★★★★


ـ أنتِ كسرتي خاطري يا رنا و جرحتيني. أنا اعتبرتك أختي واتعاملت معاكي على الأساس دا. متخيلتش تعامليني بالطريقة دي، و مع ذلك أول عرفت من البنات أن عمتك تعبانه مقدرتش مطمنش عليكِ و أكون جنبك.


هكذا تحدثت سهيلة على الطرف الآخر من الهاتف إلى رنا التي أشعرتها كلمات سهيلة بالذنب لتقول بخفوت:

ـ سوري يا سهيلة أنا مقصدتش. بس أنا فعلًا متعودتش على كدا، و اتفاجئت فغصب عني انفعلت عليكِ..


تمادت في الأمر وهي تلعب على أوتار برائتها:

ـ لو تعرفي أنا زعلت و عيطت قد أيه. العشم وحش يا رنا و بيكون على قد المحبة، وانا بحبك اوي فوق ما تتخيلي. 


كانت عقلها البريء لا يعي مقدار الحقارة التي تعج بها كلماتها لذا قالت ببراءة:

ـ و أنا كمان بحبك صدقيني. 


سهيلة بوقاحة:

ـ يالهوي على بحبك بصوتك الشتوي دا. يخربيتك جسمي قشعر.


رنا باستهجان:

ـ يعني إيه دا؟ 


سهيلة بلهفة:

ـ لا متاخديش في بالك. المهم خلاص احنا اتصالحنا. عايزين نعوض اليوم اللي اتضرب دا. عايزة نخرج ونتفسح يعني نقضي وقت كدا مع بعض..


رنا بحزن:

ـ مش عارفة. الدنيا هنا في البيت مش ألطف حاجة، و بابا متضايق و معرفش هقدر اطلب منه حاجة ولا لا. كمان ماما أشجان أنا مش عايزة اطلب منها حاجة 


سهيلة في محاولة للتقرب منها أكثر:

ـ ليه حصل أي ؟ ولا مش واثقة فيا تحكيلي بردو..

احتارت رنا هل تقص عليها الأمر أم لا؟ و في النهاية قررت الحديث لتخرج كل هذا الكبت بداخلها، فقصت عليها الأمر برمته لتهتف سهيلة بصدمة:

ـ يعني بعد ما يتجوزها و يجيبها تعيش في القصر معاكوا هي واولادها مش عايزة تخلف منه؟ أما ستات نمرودة صحيح!


رنا باستنكار:

ـ ايه الكلام دا؟ 


سهيلة باندفاع:

ـ أيوا اسمعي مني. الست دي مش سالكة كانت عايزة تضمن مستقبل عيالها، و طبعًا أبوكي مصباح علاء الدين اللي هيحققلها و يحققلهم كل أحلامهم، و لما وصلت للي هي عايزاه بان وشها الحقيقي. رنا اسمعيني دي ملهاش أمان. اوعي تأمنيلها و تاخدي حذرك منها. استحالة تكون بتحبك.


رنا بصدمة:

ـ سهيلة إيه اللي بتقوليه دا؟ 


ـ يا بنتي بطلي براءة و عبط بقى. أنا عارفة الستات دي كويس. اوعي تأمنيلها ولازم تنبهي باباكي منها.

هكذا تحدثت سهيلة حتى تفسد العلاقة بينها و بين أشجان، فلا يتبقى لرنا سواها.

لم تكد رنا تجيبها حتى سمعت صوت طرق على باب الغرفة تلاه دخول أشجان التي ابتسمت بلطف لتقرر رنا انهاء المكالمة:

ـ طيب بعدين نتكلم سلام.


أغلقت الهاتف ولم تبادل أشجان الابتسامة ولكن الأخيرة لم يفتها ذلك ولكنها قالت بلطف:

ـ كنتِ بتكلمي مين؟ 


رنا بجمود:

ـ سهيلة.


أشجان بهدوء:

ـ طب مش هتعرفيني عليها بقى. 


رنا باختصار:

ـ قريب. 


اقتربت أشجان من رنا وهي تنظر إلى داخل عينيها قبل أن تقول بعتب:

ـ احنا متخاصمين ولا ايه ؟ 


رنا بعبوس:

ـ لا عادي.


أشجان بمزاح:

ـ التكشيرة دي مش لايقة على الملامح القمر دي على فكرة..


اخذت كلمات سهيلة ترن بأذنيها وهي تنظر إلى أشجان لا تعرف هل هي فعلاً إمرأة سيئة أم طيبة؟ كان تفكيرها مشوش و لكنها سرعان ما جمدت نظراتها وهي تتذكر مشهد والدها و حزنه جراء فعلتها لتعطي أشجان ظهرها وهي تقول بجفاء:

ـ حضرتك كنتِ عايزة حاجة؟ اصلي مش فاضية عندي مذاكرة..


آلمتها كثيرًا أفعال رنا تجاهها، و لكن تشتت انتباهها حين سمعت صوت سيارة خالد في الأسفل لتقترب من رنا و تضع قبلة حانية فوق خصلاتها من الخلف قبل أن تقول:

ـ جيت عشان اقولك انك وحشتيني و وحشني نقعد نتكلم سوى، و اتمنى لما تخلصي مذاكرتك تيجي تقعدي معايا شوية..


لم تجد رد من رنا لتتراجع إلى الخلف دون أن ترى عبرات الصغيرة التي آلمتها كلمات أشجان و شعرت بالذنب تجاهها و بالشوق أيضًا لعناقها و الحديث معها.


دلفت أشجان إلى غرفتها وهي تشعر بالحزن جراء ابتعاد رنا عنها، ألم يكُن يكفيها فراقه و اشتياقها له لتأتي تلك الصغيرة التي تعتبرها ابنتها و تخاصمها بهذه الطريقة؟ شعرت بحاجة ماسة للبكاء ولكنها لن تبكي بل ستقابله وهي بأبهى حالتها هكذا قررت في محاولة منها لنيل نظرة واحدة منه، فقد اشتاقته حد الجحيم 

توجهت إلى طاولة الزينة و وضعت بعض مساحيق التجميل البسيطة ثم وضعت عطرها الذي يعشقه و خلعت حجابها مطلقه العنان لخصلاتها لتحيط وجهها و تغطي ظهرها و قد كانت ترتدي فستان من اللون الأحمر الداكن الذي لائم تلك الحمرة التي وضعتها فوق شفاهها، و قد سرت رعشة قوية في جسدها حين سمعت صوت قفل الباب يدور و غمرها خجل كبير حاولت تجاوزه و تقدمت إلى باب غرفة الملابس تحاول تنظيم أنفاسها قبل أن تتخذ القرار لملاقاته و ما أن عبرت باب الغرفة حتى اصطدمت بقوة بجسده الصلب الذي جعلها ترتد إلى الخلف حتى كادت أن تقع لولا يداه التي أمسكت بها بشدة تنافي نظراته القلقة و نبرته المُتلهفة حين قال:

ـ اتخبطي جامد ! وريني راسك كدا.


هكذا تحدث وهو يتفحص مقدمة رأسها التي اصطدمت بزر بذلته و نال منها الإحمرار، ولكن بالرغم من الألم فقد كانت في عالم آخر حين غزت رائحته أنفها و شعرت بدفء ذراعيه لتغمض عينيها ليظن هو أنها تتألم، فهتف بنبرة خشنة:

ـ تعالي اقعدي هجبلك تلج..


حين أوشك على الابتعاد أمسكت به يدها وهي تهتف بلهفة:

ـ خليك. أنا كويسة..

لأول مرة تتمسك بيده بهذه القوة و عينيها التي اشتبكت مع خاصته في نظرة قوية يشوبها العتب و الاعتذار و الشوق ليمتد كفها الآخر و تمسك بيده بنفس القوة ولازالت عينيها أسيرة لخاصته التي كانت تفيض شوقًا أحرقه لتبحران عينيه فوق ملامحها و كأنه يروي ظمأه منها لتحاول التحلي بالجرأة و نفض هذا الخجل الذي يعتريها و اقتربت لتضع رأسها فوق صدره الذي يرتج من فرط دقاته الهادرة، لتتحرك يديه دون إرادته و تحيط بكتفها، وكأنه أخذ هدنة مع عقله و كبرياءه الجريح. حتى يستطيع مواصلة حرب الخصام بعدها.

وأيضًا هل يرتضي قلبه بالرغم من جرحه العميق رفضها! 

ـ خالد. 


همست بنبرة حزينة ارتد صداها في قلبه الذي انتفض أسفل رأسها لتخرج نبرته مُتحشرجة حين قال:

ـ نعم..


أشجان بخفوت:

ـ وحشتني..


كانت تدفعه شيئّا، فشيئًا إلى الهاوية بأفعالها، فلم يعد يحتمل يكفيه نيران الشوق و ألم الجرح. ضاق صدره وانقبض قلبه يئن وجعاً مما جعله يتراجع عنها دون أن تفلتها يداه وكأنه يخشى جرحها بالانسلاخ كُليًا عنها، وقد شعرت هي بمعاناته لتخفض رأسها بألم حاولت تجاوزه لتتعامل مع الأمر بذكاء و تكسر حاجز الصمت بينهم:

ـ طمني نبيلة عاملة ايه؟ 


كان مرهقًا لا يبغي سوى الارتماء بين ذراعيها ناشدًا الراحة، ولكنها كانت أمنية مستحيلة لذا تحدث بجفاء:

ـ كويسة. روحت بيتها. 


تجاوزها ليتجه إلى خزانة الملابس لتهتف بلهفة:

ـ أجهزلك الحمام؟


لم يعُد في استطاعته المقاومة أكثر لذا قال باختصار:

ـ متتعبيش نفسك..


كانت على وشك البكاء لذا تهدجت نبرتها حين قالت:

ـ بس انا مش هتعب ولا حاجة. هروح اجهزلك الحمام.


تركته و استدارت تتوجه إلى الحمام لتقوم بتجهيزه وعبراتها تتساقط في حوض الإستحمام، لتتذكر شيء ما جعلها ترفع رأسها وهي تفكر كيف لم يخطر ببالها من قبل، لتقوم بتجهيز المياة سريعًا و تتوجه إلى الخارج تنوي تنفيذ خطتها 


اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقرّبه، وإن كان قليلًا فكثّره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه ❤️ 


★★★★★★★★★


ـ ألف سلامة يا بُلبُلة. اتخضيت عليكِ لما عرفت اللي حصل.


هكذا تحدثت زينة وهي تنظر إلى نبيلة المستلقية فوق مخدعها لتقول الأخيرة بنبرة حادة:

ـ سيبك من الكلام دا وقوليلي هنبدأ في تنفيذ خطتنا امتى!


زينة بحماس:

ـ أول ما تقولي 123 هبدأ فورًا


نبيلة بخُبث:

ـ خالد عرف أنها بتاخد حبوب منع الحمل، و رنا قلبت عليها، و دي فرصتنا عشان نقلب الموازين لصالحنا.


زينة باستفهام:

ـ هنبدأ من عند مين ؟


نبيلة بتخطيط:

ـ من عندهم هما اللتنين. هنشتغل على اللتنين في نفس الوقت.


زينة باستفهام:

ـ طب و أشجان؟ 


نبيلة بتهكم:

ـ أشجان دي هتسلى عليها. مش هتاخد في إيدي غلوة متقلقيش. المهم عيزاكي في حاجة تانية قصاد اني اطفش أشجان و اوافق تتجوزي خالد..


زينة باستفهام:

ـ ايه هي؟ 


نبيلة بلهجة آمرة:

ـ تراقبيلي عز الدين؟؟

اللهم اكفِني بحلالِك عن حرامِك، وأغنِني بفضلِك عمّن سواك. ❤️


★★★★★★★★


ـ ها سكتي ليه يا ست البنات ؟ تحبي نجيب أبوكي و نحكيله على اللي حصل و نشهده عليكِ ؟ 


هكذا تحدثت رضا إلى آسيا التي ناظرتها بألم ولكن سرعان ما تجمدت نظراتها حين سمعت صوت عزام من خلفهم:

ـ تحكيلي على ايه يا رضا ؟ 


التفتت آسيا لتبرق عينيها حين وقعت على والدها و خلفه كمال الذي كانت نظراته منصبة عليها، فانقبضت معدتها حين تخيلت أن يقص على والدها ما حدث ذلك اليوم، ولكن الأخير تقدم الى منتصف الغرفة مستفهمًا بنبرة حادة:

ـ ما تردي في اي؟ و هتشهديني على أيه ؟



الفصل التاسع عشر من هنا 

stories
stories
تعليقات