رواية اربعة في واحد الفصل التاسع عشر
انفتح باب منزل هشام ودخل أمين بتريت ثم خلع المفتاح من الباب وأعاده لجيب معطفه تالية.
نظر لصالة البيت الهادئ مع معرفته أن في ذلك الوقت تكون ليلي في غرفتها وزوجته في المطبخ وهشام يذاكر في غرفته، أغلق الباب خلفه وخلع حذاته ولم يثبت أن صاح على هشام يعلو صوته ولم تمر نصف دقيقة قبل أن يتفتح باب غرفة هشام ويخرج منها وهو يعدل من
نظارته بابتسامة مرحبة
"أيوة يا بابا، حمد الله على السلامة "
ابتسم أبيه بالمقابل وربت على كتفيه الله يسلمك يا حبيبي، بتذاكر صح ؟"
اه يا بابا، بس قريت أخلص يعني "
"اومال فين أصحابك ؟ ما بقوش ييجوا ليه ؟"
قلب هشام عينيه على سيرة ثلاثتهم لكنه لا يستطيع التفوه بأي شيء يسيئ لهم أمام أبيه خاصة بعد أن أخبره من قبل بكم ما يمتلكونه من تهذيب واحترام، هذا قبل أن يعرف بأنهم
والعياذ بالله.
"عادي بتتقابل في الجامعة وساعات بتروح عند أدهم أو قيس" أجاب فرمقه والده بصمت الدقيقة وسأل بنبرة متشككة "أنت متأكد إنهم كويسين يا هشام ؟ أنت عارف يا ابني اليومين
دول الشباب بقوا عاملين إزاي "
شعر بالضيق وابتلع لغايه وصمم على موقفه قائلا بأنهم مهذبون كثيرا، فماذا سيخبر والده؟ كان يصادق ثلاثة من قوم لوط ؟
هما فعلا باين عليهم ولاد ناس، رغم إن الولد اللي اسمه قيس ده شكله مريب شوية، أنت إيه رأيك فيه ؟"
الفيظ اعتلى صدره على ذكر سيرة فيس تحديدا وعض على شفتيه ماتقا نفسه بالكاد من أن يسب قيس الآن ثم حمحم وأثر إكمال تلك الكذبة، فهو ما زال لا يريد أن يظهر بمظهر الكاذب امام والده
ده قیس ده مؤدب جدا يا بابا، حتى السيجارة ما بيشريهاش وكل حياته من الجيم للجامعة. للبيت، يعني مش عيل من العيال الصيع بنوع اليومين دول "
ابتسم أمين وربت على كتفه وهو يقول "طب الحمد لله، أنا كنت بحاول أوقعك بالكلام بس
عشان أعرف أخلاقه بس ما دام محترم كده يبقى على خيرة الله
عقد هشام حاجبيه بدون فهم واستفهم " على خبرة الله في إيه بالظبط ؟"
"أصله كلمني وطالب أيد أختك وخد معاد بعد بكرة عشان يجيب أهله"
شعر هشام بدلو بارد من المياه يسكب فوق رأسه بعد أن بدأ يستوعب كل شيء الآن بدأ يفهم لماذا ذلك الغبي كان يخبره بأنه يحبه وسيصبحان أكثر من أصدقاء وسارع بالنفي فوزا "ده صابع وواطي "
توسعت أعين والده فأكمل الآخر "ده قدر أقذر بني آدم شوفته في حياتي .. مش هو ابن ناس صحيح وساكنين في زايد؟ بس وربي أخلاقه أخلاق عيل سرسجي ساكن في بولاق الدكرون"
رمقه والده بدون تصديق فأكمل قيس ده المفروض ماكانوش يسموه قيس، كانوا المفروض يسعود تيس، لأنه غبي وماشي ينطح في اللي حواليه "
ثم اقترب وأمسك بذراع والده وترجاه " أنت تتصل بيه تشتمه دلوقتي وتقوله ما عندناش بنات للجواز، ماشي يا بابا؟"
لا من ماضي، أنت كنت قاعد تقول فيه أشعار من شوية وأتحولت أول ما عرفت إله متقدم الأختك وأنا مش مصدقك تم إن الولد كان في منتهى الذوق معايا وقالي إنه ما رضيش يفاتحك في الموضوع عشان خايف إنك ترفضه وتشوه سمعته قدامي وقدام أمك وطلع معاه حق ..... أنت غيران على أختك اكمته صاحبك وهيتجوز أختك "
توسعت أعين هشام ونفى براسه بهلع لا والله يا بابا أنا بقولك الحقيقة، ده حتى ذوقه زبالة وما بيحيش غير البنات المعقدة والستات المطلقة."
"ولما هو ذوقه زبالة جاي يتجوز أختك ليه؟ تصدق إنك ولد قليل الأدب عشان أنت كده بتغلط في أختك بطريقة غير مباشرة "
" يا بابا حرام عليك أبوس أيدك صدقني، ده صايع وما شافت بنص جنيه تربية !"
ما شافش بنص جنيه تربية ؟ تصدق إن شكلي أنا اللي فشلت في تربيتك، عشان لأول مرة يكتشف إنك كداب وغير أمين، لما تكذب عليا وتشوه سمعة صاحبك اللي دخل البيت من بابه
وعمل لك احترام يبقى أنت اللي ماشوفتش بنص جنيه تربية."
فقد هشام أعصابه وصرخ على والدته يعلو صوته وهو يديدب على الأرض بقدميه " يا ماما تعالى الحقينا يا ماما، شوفي البلوة اللي إحنا فيها."
خرجت والدته من المطبخ تمسح عينيها عن آثار البكاء فأكمل والشرر يتطاير من عينيه "فيس القدر متقدم لليلى، ويقول لبابا إنه صنايع مش مصدقني "
توقفت والدته عن البكاء وعلقت عينيها عليه بذهول وتساءلت "قيس؟" فأجاب "أبوة هو الزفت قيس."
"اللي هو طويل وشعره ناعم وبعضلات وطيع حسن خفيف في دقته ده وابيضاني شوية وأملس وعنده عربية وأبوه صاحب المصنع اللي أنت شغال فيه؟" استفهمت فأوماً " هو
الحيوان، هو. "
فوجئ بها تزغرد بعلو صوتها فجحظت عينيه ونظر لها بصدمة "أنت بتزغردي بقولك حيوان "
تجاهاته والدته ورفعت يدها إلى السماء متوجهة بكلامها إلى الله "أحمدك يا رب انك استجابت لدعايا عشان أقهر محمود وأمم "
خرجت ليلى تنظر لهم بدون فهم " هو مين اللي بيزغرد ؟ فاقتربت منها أمها بملامح منهللة. واحتضنتها عميقا وهي تجيب "أنا اللي بزغرد أصل جايلك عريس "
ولا عريس ولا رفت، على جثتي تتجوز الحيوان ده صرخ هشام حتى كادت حنجرته تنفجر بينما طالعتهم ليلى بأعين حائرة
عریس مین؟" همست يخجل فسارعت أمها بالإجابة قيس صاحب أخوك طول بعرض وقمر و ابن ناس وغني ومؤدب ومهذب، ربنا عوضنا الحمد لله "
خرجت أعين هشام عن محاجرهما وصرخ "مؤدب و مهذب؟ ده معاه دكتوراة في قلة الأدب والهمجية !"
بس ياض، ما نتحشرش أصلا، أنا وأبوها موافقين يلا وياريت يكتب الكتاب الشهر الجاي أنا ما عنديش أي مانع " زجرته أمه وشعر بقليه وكأنه سيتوقف في أية لحظة.
قيس ؟ قيس الغبي الهمجي السافل قليل الحياء والدين سيتزوج بأخته هو؟ ومن نظرات أبيه وأمه يبدو أن هذا فعلا ما سيحدث فهما يبدوان مرحبان جدا بالموضوع ولا يصدقان ما يقوله! ماذا يفعل الان؟
نظر لليلى فوجدها صامتة لا تعطي ردة فعل، وهو فورا شعر بأن ليلى هي السبيل الوحيد للخلاص من تلك الزيجة، سيخبرها بماضي قيس القذر وهي ستشمئز منه وترفضه، قليلي مؤدبة ومحترمة ولن تقبل بالزواج من هذا الوعد الذي يتجول خلف المطلقات والأرامل ويعاكس الشغالات.
اشتغل الغضب في رأسه أكثر قيس الذي يعاكس الشغالات سيتزوج بشقيقته الوحيدة؟
وسيصبح صهره؟ وبينهما صلة نسب؟ وأولاده سيقولون له يا خالي؟ على جثته أن تتم هذه الزيجة.
يعني ده آخر كلام عندكم؟ هنجيبوه برضه؟" تطق من تحت أسنانه وهو يشدد على فكيه فتجاهلته أمه وأوما أبوه أبوة، عشان تبقى تكدب كويس "
علق عينيه على ليلى فأعطته نظرة متوترة وشبكت يديها أمام خصرها فهرول نحوها وأمسك بها من ذراعها ولم يسيطر على نفسه وصرخ "بت الواد ده قالك ايه بالظبط لما كان بيوصلك بعربيته ؟
توسعت اعين والده وتقدم منه "إيه ؟ سمعني تاني كده أنت قولت ايه؟ يوصلها بعربيته ؟ لوحدهم؟ وأنت سيبته يوصل أختك لوحدهم ؟"
هرع هشام بالتبرير بعد أن أدرك الورطة التي وضع نفسه بها يا بابا ده كان ساعة السيول وهي كانت محبوسة في هايبرا اتصلت بيه عشان هو ساكن قريب فراح جابهالي الجامعة!"
الغضب اعتلى صدر أمين أكثر وسأله بطريقة مهددة متوعدة "يوم السيول التي أنا قولتلك تروحمعاها فيه ؟ سبيتها تروح لوحدها وكانت محبوسة لوحدها في هايبر؟"
رفع هشام يده ليضرب جبهته بيديه وهو يغمض عينيه بشدة ضاغطا على أسنانه ولاعنا قيس في عقله أكثر، فهو سبب كل هذا
يعني أنا بربي وأكبر بقالي أربعة وعشرين سنة، عشان أكتشف إن ابني كداب وبيضحك عليا وبيسيب اخته تمشي لوحدها وفوق ده كله بيسوم سمعة صاحبه اللي ساعده وراح جابله اخته ؟ انا مصدوم فيك، أجرى غور على أوضتك مش عايز اشوف وشك دلوقتي " صرخ أمين في وجهه وأشار له بالتحرك
نظر هشام الثلاثتهم وكان سيفتح فمه لكن أمين كرر بتهديد " والله لو ما اختفيت من وشي دلوقتي هتبقى ليلتك سودة، ابعد عن وشي دلوقتي أنا الشياطين كلها بتتنطط في راسي ومش طايقلب "
أخذ هشام نفسا عميقا وصك على فكيه بقوة وهو يزم شفتيه يتوعد ونحرك نحو غرفته لم صفع الباب خلفه بكل قوته وجلس على السرير يقبض على يديه بشدة وهو يهمس من تحت أنفاسه " والله لأوريك يا قيس الكلب".
لم يغمض له جفن في تلك الليلة، كان يعد الساعات والدقائق والثواني حتى تأتي الساعة الثامنة وينهض ليتحرك إلى الجامعة ويقابل ذلك الحيوان من منبه هاتفه فقفز عن السرير وقد كان متجهزا بملابس الخروج وكان قد صلى الفجر في معاده فلم يحتاج إلا أن يرتدي حذائه ويلتقط هاتفه ليضعه في جيب بنطاله وتحرك للخارج دون الاهتمام بأخذ دفتر المحاضرات أو أي كتاب فاليوم ليس يوما للمذاكرة بل يوما للعراك.
وصل إلى الجامعة واتصل بأحمد ليعرف اين هم فأخبره بأنهم يجلسون في المنطقة الفارغة خلف مدرج مئتين وثلاثة فتوجه إلى هناك والشرر يتطاير من عينيه
فور اقترابه وجد قيس يستند على سيارته في حين جلس أحمد على إحدى الأرصفة يشرب سيجارته الصباحية وكان أدهم يأكل من شطيرة في يديه
حرك قيس عينيه له وهو يحك عنقه ويبتلع لعابه بتوتر لكنه ورغم ذلك ابتسم له ابتسامة بسيطة جعلت من هشام يزداد جنونا وتقدم نحوه بأقصى سرعة وقبض على سترته وشده وهو يزمجر "بقى أنت بقى عايز تتجوز أختي ؟"
لهض أحمد بسرعة محاولاً التسليك بينهما بينما قضم أدهم من شطيرته وعلق عينيه عليهم مشاهذا دون أن يعنى بتلك المشاجرة التي كان يعرف بأنها ستحدث بالفعل
"أنت مش قولتلي إن الجواز نص الدين وإلي المفروض أنجوز عشان ألم نفسي؟" تذمر فيس وهو يحاول تخليص سترته الصوفية السوداء من أيدي هشام فصرخ الآخر بغيظ " ومالقيتش إلا اختى تتجوزها ؟ "
"ما أنت قولتلي نقي واحدة محترمة وبنت ناس " زمجر قيس هو الآخر فجحظت أعين هشام وتشبت بسترته أكثر " وهي أختي الوحيدة في الكوكب اللي بنت ناس وباقي البنات ولاد كلب ؟ لا انت قاصد تتجوز اختي تحديدا عشان تغيظني "
"لا، عشان عجبتني " ابتسم قيس مستقرا الثاني أكثر ولم يعي إلا وهشام يعطيه اللكمة الأولى في وجهه، وضع قيس يده على وجهه بصدمة بينما ابتلع أحمد لعابه بقلق وهو ينظر لكلاهما. يعرف أن قيس سريع الغضب ولن يصمت على هذا وأن الشجار سيتحول لقتال الآن، بينما قضم أدهم من قطعة المخلل وهو يكمل المشاهدة
أخذ قيس شهيقاً عميقًا ونظر لهشام بغل مكتوم لكنه تمالك أعصابه وأردف "أنا مش همد أيدي عليك عشان أنت أبو نسب برضه"
أشعل الغضب في هشام أكثر وهجم عليه محاولا ضربه للمرة الثانية فتصدى له أحمد وأمسك به محاولا تهدئته مما جعل هشام يصيح
عاجباك أختي ها؟ يا قذر يا بتاع الشغالات .... أنا سامعك بودني وأنت بتقول إن كل اللي يهمك في البنت جسمها، بللى أنا مدخلك بيتي ومعتبرك رجل وأنت بتبص على أختي يا حيوان؟"
"أختك ايه دي اللي هبص على جسمها دي لابسة خمار يا ابني أنا حاولت كثير بس للأسف مش عارف أشوف منها حاجة " قال قيس محاولا تصليح الموقف لكنه زاده سوءا ووجد أحمد يترك هشام ويستدير له ليكنم فمه بيده ويهمس " أنت بتقول إيه الله يخربيتك !!!!"
انفلات ضحكة من أدهم رغما عنه لكنه حين فمه بیداه و اشتغل هشام جنونا وتقدم من قيس مقررا ضربه ثانية لكن أحمد وقف بينهما وحاول تهدئته
يا هشام مش قصده، بس هو حمار ما أنت عارفه .... بعدين ده هو معجب باختك والله عشان محترمة وراح كلم ياياك ودخل البيت من بابه أهوا".
" وأنا بقى مش موافق على جنتي الجوازة دي تتم " صاح هشام يتحدي وهو ينظر لفيس بغيظ فامتعض وجهه وطفى الحزن على شعوره بالغضب وقال بالدفاع "ليه ؟"
فأجابه الآخر ساخرا "عشان أنت حيوان، وأنا مش لما أصدق أخلص من الحيوان الأولاني يجيلي حيوان ثاني!"
"ما الرجالة كلهم حيوانات يا اسطا ما هي كده كده هتتجوز حيوان في النهاية ليه ما يبقاش ات الحيوان ده أنا صاح من بعيد فسقط فك هشام ونظر له بدون تصديق
اسمه ياض أنت، أنت تتصل ببابا تلقي معاه الموضوع ده، فاهم ولا لا؟" هنده فرجع قيس ليستند على ظهر سيارته ونظر له يحنق ثم أجاب بعناد "لا "
طلب تمام، بس ما تبقاش تزعل، وأنا بقولها لك لآخر مرة أهو قدام أحمد وأدهم، جوازك من أختي مش هيحصل "
ابتسم فيس باستفزاز ورفع كتفيه هيحصل، وماتنساش تلبس بدلة عشان أنا وبابا وماما جايينلكم بكرة، وشكرا على البوكس يا أبو نسب، أنا مش همد إيدي عليك عشان ما يقولوش بس إلي ضربت أخو مرائي "
ابقى قابلني لو ليلى وافقت عليك، أنا هقولها على ماضيك القدر كله " صباح هشام بالمقابل وهم ليتحرك فأوقفه أحمد "استنى طيب، رايح فين؟
رايح في داهية" بصق بكلماته فنهض أدهم خلفه ولحق به أحمد بينما توقف قيس ينظر له بضيق وبدون رضى، لكنه لم يكن غاضبا كثيرا منه حتى بعد أن لكمه في وجهه، تذكر ليلى
وقضم شفتيه مانغا ابتسامة من الظهور، لكن وجهه سرعان ما تجهم من جديد والإحباط خيم على وجهه، ماذا لو رفضته ؟
في كلية العلوم كانت ليلة تجلس في زاوية بعيدة من مدرج المحاضرات بجانب رحمة، كلتاهما معلقتان أعينهما على هاتف رحمة المفتوح على الصفحة الشخصية لقيس في موقع الفيسبوك والتي كان من الساهل إيجادها
بت عارفة لو ما قبلتيهوش مقطع معرفتي بيك قالت رحمة فتوترت لیلی و همست "هشام رافض قالي أن قيس ده قليل الأدب"
ماهو قال على محمود إنه رزل وكان رافض برضه أخوك بيغير عليك بس بعدين ده بالذات ما ينفعش يترفض يا ماما ده بينور في الضلمة " رفعت رحمة يدها بالهاتف لتضع صورة قيس امام اعين ليلى فحدقت ليلى لصورته بخجل و حمحمت بس مش عارفة هو عايز يتجوزني ليه ؟"
"اكيد معجب بيك انت مش قولتي إنه كان متضايق لما شاف الدينة في إيدك ؟
اومات فأكملت الأخرى "خلاص، واضحة أهي الواد وسيم وفورمة وغني وابن ناس وبيحبك ده حتى اسمه قيس ... ما فيهوش غلطة "
شدت ليلى هاتف رحمة من يدها وحدقت في صورته ثم شعرت بوجنتيها يشتعلان حرارة رغما عنها فنكرتها رحمة اوعى تسمعي كلام أخوك الاتم ده ده عيل غلس وأنا عارفاه
تجهمت ملامح ليلى وتذمرت بت بطلي شتيمة في أخويا بعدين مشر الفلس ده اللي أنت هتموتي عليه وصوره مالية موبايلك ؟"
نفخت رحمة وجنتيها بطريقة طفولية خانقة ورفعت رأسها للأعلى وهي تجيب من تحت أسنانها الله منه لله هعتس جنيه".
في صباح اليوم الثاني استيقظ هشام على صوت جلبة قادمة من خارج غرفته، فنهض يحك عيناه ليجد أمه وأخته يقلبان الشقة رأسا على عقب فواحدة تمسح الأرض والثانية تنقض الأثاث والمفروشات قلب عينيه ونظر للساعة فوجدها السادسة صباحًا وتملك منه الغضب فورا
تم سخر بغيظ
وتاعبين نفسكم وبتنضفوا من الساعة سنة الصبح، بس وديني الجوازة دي ما هتتم " وفور إنهاءه الجملته وجد أمه تقذف عليه بالقطعة القماشية التي كانت تمسح بها الأرض وصاحت .
أجري ياض على أوضتك ونقطنا بسكاتك."
صك على فكيه ونظر لها بنظرة متوعدة ثم أوما إيماءة تحمل معاني كثيرة، وسرعان ما دخل وصفع الباب خلفه ليبدل ملابسه ويقرر الخروج عن هناء فلو بقى أكثر سيرتكب جريمة وربما سيقل أدبه على أمه لأول مرة فيأتي والده نيويخه للمرة المئة، لكنه لم يعرف أين يذهب، خاصة واليوم يوم الجمعة، فقادته قدماه إلى منزل أدهم الذي فتح بابه ناعنا لكن انتهى بهما المطاف في شرفته يتداولان الإفطار
"أنا لولا أحمد امبارح كنت مسكت قيس ده قطعته بس يصبر عليا، الموضوع مش هيعدي كده " نطق من تحت أسنانه وهو يرتشف من كوب الشاي باللبن فأعطاه أدهم شطيرة وحك عنقه "ما يمكن يتعدل ؟ ما تديله فرصة طيب؟"
نفی هشام براسه ورمى بالشطيرة على الصينية "ده واحد بيعاكس بتاعة النعناع جوزه اختى ؟ لو عندك أخت هتجوز هاله ؟"
طاطا أدهم رأسه وقضم من شطيرته بصمت فوجد الآخر يكمل "إحنا الديسنا مع الإثنين دول غلط، إحنا مش شبههم أصلا، لا أنا ولا أنت"
حك أدهم ذقته بتوتر ثم دافع عنهما "بس إحنا بقيدا أصحاب " فصمم هشام على موقفه "تمام أنت وأحمد أصحابي، إنما قيس من صاحبي وربي لأخلي الجوازة دي سودة فوق دماغه".
أمضيا اليوم سويا واستغل أدهم تواجده معه بأن يحاول أن يلين رأسه من ناحية قيس لكن الآخر كان عنيدا كفاية ورأسه متيبنا ولم يسمع أية كلمة، وبعد صلاة العصر قرر الرحيل لأن قيس وأهله سياتون بعد المغرب، حاول أدهم لآخر مرة ارجاعه عما يدور برأسه لكن الأخير رحل وهو ينوي تدمير تلك الزيجة مهما كلفه الأمر.
فضل الجلوس أمام مقهى قريب وألا يصعد إلى منزله إلا بعد أن يأتي قيس وأهله، وبعد صلاة المغرب وجد سيارة والدقيس الرائع روفر تتوقف أمام باب منزلهم، خرج فيس أولا ببناته السوداء الأنيقة وهو يمسك بباقة من الورود الحمراء وفي يده الأخرى علية أخرى مغلفة بدت كعلب الحلويات، وبعده خرج والده ببدلة رمادية وهيبة كبيرة، ثم خرجت أمه التي كانت ورغم كبر سنها فاتنة كثيرا وأنيقة، ترتدي تنورة تصل إلى ركبتيها وسترة شتوية باللون الأبيض وعقد الفاظ يزين عنقها، وتترك شعرها البني القصير منسدلاً على كتفيها، لكن من ملامحها التي تنظر يمينا ويسارا إلى المكان الشعبي بإستباء هشام قد عرف بأن اخته سنواجه مشاكل كبيرة مع هذه السيدة أيضا، ثم نزلت أخت قيس والتي كانت في الخامسة والعشرون وتشبه أمها إلى حد كبير، حتى أن الضيق اعتلى صدرها فور نظرها للمكان حولها، وكلاهما رمقا قيس بنظرة مقروفة وكأنهما يوبخانه على اختياره الزواج من فتاة تسكن في ذلك الحي.
صعد هشام بعد فترة ليجد ذلك التجمع العائلي حيث الابتسامات التي كان يراها - متكلفة و عبارات الترحيب السخيفة تملى المكان حيا والد قيس ووالدته واخته ولم يمد يداه ليصافحقيس الذي مد يده له فسحب قيس يداه بحرج نوعا ما لكنه تبادل معه نظرات متحدية.
جانت شقيقته بعد قليل ترتدي فستان أسود من الشيفون اللامع وفوقه خمار باللون الأحمر الداكن الذي أظهر بياض بشرتها أكثر، استقبلها سالم المرشدي بتهال واضح وبدى عليه الإعجاب بها، عكس مدام سالم المرشدي وابنته اللتان رسمنا ابتسامة مزيفة يعرفها هشام جيدا.
بعد فترة اقترح سالم أن يتركا العروسان بمفرديهما ليتحدثا قليلا ونهضوا جميعا نحو غرفة الضيوف الأخرى، عدا هشام الذي تعدد بجسده على كرسي الأنتريه وابتسم بشر القيس الذي جمجم عندما وجده لم ينهض.
نظرت له ليلى بتوتر ثم عادت للنظر إلى الأسفل دون توجيه آية نظرة لقيس الذي كان يلقي بنظراته النارية نحو هشام وقال بضيق ايه يا هشام؟ مش كلهم قاموا يا حبيبي ؟"
ابتسم هشام ابتسامة صفراء وأجاب واضعا قدما فوق الأخرى "لا أصل أنا عجباني القعدة هنا."
رفعت ليلى عينيها وتبادلت النظرات الخجولة مع قيس لأول مرة فتخلى عن انعقادة حاجبيه وابتسم لها ثم حمحم ونظر نحو هشام بضيق وأشاح بوجهه بعيدا وهو يزم شفتيه ويسيه في عقل.
تعالی یا هشام " نادت عليه أمه من الغرفة الأخرى حينما لاحظت غيابه لكنه صاح بالمقابل "لا أنا قاعد هنا"
توترت ليلى أكثر وصك قيس على فكيه بغضب
"أبوك بيقولك تعالى ! " صاحت أمه من جديد فأبي وزمجر وهو يشبك يديه أمام صدره بعناد "لا يقى أنا مرتاح هنا"
فوجئ بها تتقدم لنشده " بقولك تعالى " فنهض رغما عنه وهو يلقي بنظرات مهددة ومتوعدة القيس لكن أمه صحبته بعيدا على أية حال فدخل نحو الغرفة التي كانوا يجلسون بها جميعهم وجلس مقابل اخت قيس التي وجدها تنظر له بنظرات خاطفة من حين إلى آخر فضيق عيناه و رمانها بقرف ثم أشاح بوجهه بعيدا فتوسعت عينيها بصدمة وشعرت بضربات قلبها ترتفع تم قطبت جبينها وابتلعت لعابها بصعوبة، كيف يجرؤ ؟!
فور رحيله ابتسمت ليلى بإحراج فحك قيس عنقه وابتسم هو الآخر قائلا بتوتر "بيغير عليك جدا، بس أنا عاذره ... لو عندي أخت قمر كده ماكنتش هسيب أي واحد ياخدها "
أخفضت رأسها بعد أن توردت وجنتيها
"إحنا اتكلمنا قبل كده بس مش عايزة تسأليني أي حاجة ؟ تعرفي علي أي حاجة؟ لأن المفروض بعد ما هنمشي أبوك هيسألك موافقة عليا ولا لا؟ "
كانت تريد إخباره بأنها موافقة على كل حال لأنها حقا تشعر بالراحة تجاهه كما أنه وسيم ولطيف وأمها بالفعل لن تسمح لها بالرفض لكنها لم تستطع وحمحمت طلب طلب ... ممكن تقولي الحاجات اللي المفروض أعرفها عنك ؟"
طيب يا ستي بصي اسمي قيس .. أكبد أنت عارفة ضحك وأكمل " عندي أربعة وعشرين سنة، وده لأني سقطت سنة في سنة أولى "
" اهتماماتي محددة ومش كثيرة، بحب الجيم والرياضة ومتابع ماتشات الكرة، بشجع الأهلي .... عصبي شوية .. مش شوية ... عصبي جدا الحقيقة بس يهدى بسرعة لو ماحدش استفزني. فيعني او العصيت مستقبلا حاولي تمتصي غضبي وما توقفيش تعاندي قدامي "
بشتغل حاليا في مصنع أبويا، عندي شقة في الزمالك ودي اللي هنسكن فيها "
ما بشريش سجاير أو شيشة ولا أي نوع من الحاجات اللي ممكن تأذي الجسم لأني مهتم
"ما بحبش الكتابة، يعني ما بحيش النكد والخناق عمال على بطال وتصغير الدماغ والتلكيك على أي حاجة، ده في حالة لو هتسلكي الطريق اللي بتسلكه أي زوجة عربية عموما . " قالها بطريقة
مازحة فضحكت لكنه حقا لم يكن يمزح
وفيه حاجة مهمة لازم تعرفيها، أنت أكيد عارفة أن ماحدش ملاك وكلنا بنغلط، وأكيد أنا كان ليا بعض الأخطاء اللي هشام أكيد هيقولك أو قالك عليهم، وأنا كنت عايز أقول بس إن دي حاجات في الماضي وإلي أكيد مش هتصرف أي تصرف ممكن يضايقك مستقبلا".
كان كلامه يبدو جديا وهو ينظر في عينيها مباشرة فابتلعت لعابها وأومات
بس كده عايزة تعرفي أي حاجة ثانية عني ؟ "
"أيوة .. هو أنا لو حبيت أشتغل مستقبلا هتوافق ولا لا؟"
ضم كتفيه وصمت لوهلة مفكرا ثم أجاب "هو أنا أفضل لو ما تشتغليش وأنا هديك المصروف اللي تطلبيه لأني هحب إنك تاخدي بالك من البيت ومني وتكوني فاضية ورايقة مش جاية من الشغل مش طايقة نفسك ومش طايقاني أنا كمان ... أنا والدني ما يتقعدش في البيت تقريبا وده
ماتر عليا من وأنا طفل فحابب لما أتجوز مراتي تبقى فاضيالي ومهتمة بها من كل النواحي "
سقطت ابتسامتها عن وجهها وزمت شفتيها وأومات بتفهم، لكن الشيء المؤكد أن كلامه الآن لم يرقها وكان هو سريع الملاحظة كفاية كي يفهم أن ما قاله لا يعجبها وهذا جعله يكمل شارخا
"أنا بس أنا حابب أدخل بيتي ألاقي واحدة تدلعني مش واحدة قرفانة من حياتها وهنكانة من الشغل "
الموضوع من موضوع فلوس، أنا عايزة أحقق ذاتي " اعترضت لیلی فرمقها قيس بإحباط وفوجئوا بهشام يفتحم الغرفة فجأة مؤيدا شقيقته
"أيوة بالظبط كده هي عايزة تحقق ذاتها، وبما إنك مش موافق فيلا قوم اتكل على الله سعيكم مشكور
نظرت له ليلى يضيق غير راضية عن تصرفاته الهوجاء وقيس نظر له يغيظ ثم عاد بنظرة لليلى وأجاب نكاية بهشام فقط "طب لعلمك بقى عايزة تشتغلي اشتغلي، بس توفقي بين الشغل والبيت "
توسعت أعين هشام ونظر له وهو يسبه بأقطع الشتائم في المجرة ثم حول بصره لشقيقته و حاول إرجاعها على فكرة كتاب قيس ده عايز واحدة ما وراهاش غيره وغير طلباته وتعامله على انه في السيد وتقوله يا سي قيس "
رسم قيس ملامح مشمئزة على وجهه وتمتم "سي قيس ؟ إيه الكلام البلدي دها نقي الفاظك شوية يا هشام ... عيب أنت مهندس محترم!"
"أنا اللي بلدي نسبت نجلاء ؟" صاح هشام في وجهه
نظرت ليلى القيس وعقدت حاجبيها "نجلاء مين ؟!"
سارع قيس بالإجابة نجلاء دي كانت سيدة فاضلة عندها أربعين سنة بتشتغل عندنا في البيت! ما عرفش هو بيتكلم عن إيه ؟ قصدك يعني إلي هيصلها؟ يا ابني دي قد أمي !"
" يا سلام! أومال مفتوها ليه وجيبتوا أم كريم؟"
حمحم قيس ووسع ربطة عنقه تم أمال على ليلى وهمس بصوت منخفض "أنا هقولك ليه بس
ياريت ما تقوليش الكلام ده لحد ... أصل أبويا بصراحة هو اللي عاكسها فماما طبعا مشيتها
وجابت أم كريم.
جال هشام بصدمة وتمتم بدون تصديق بقى أبوك الرجل المحترم هو اللي عاكسها ؟"
مثل قيس الأسف ونظر لليلى ورفع كتفيه وهو يجيب "طيش شباب بقى تعمل إيها بصي اصل الرجالة بييجي عليهم فترة كده بيبقى عندهم مراهقة متأخرة ... وماما مش مهتمة بيابا وعلى طوال مشغولة في شغلها .. فدي نتيجة حتمية للموقف، وعشان كده انا مش عايزك تشتغلي "
ياض بطل كدب بالا ده انت غلبت مسيلمة الكذاب ! " صاح هشام مرة أخرى لكن أمه جانت وشدته بعيدا ثم وقفت توبخه كالطفل الصغير للمرة المليون حينما ألقى قيس بنظرات حزينة.
إلى ليلى وقال بصوت خفيض يعبر عن مدى ضيقة ده
"أنا مش كداب، ولو قليل الأدب فعلا زي ما هشام بيقول ماكنتش جيت اتقدملك دوغري وكنت حاولت أقل أدبي معاك لما كنت بوصلك بس أنا حتى ما بصيت لكيش بطريقة مش كويسة !"
اومات ليلى بتفهم و هست " هو بس هشام عصبي شوية" لكنها فوجدت بقيس ينهض ويعدل من هندام بذلته وأعطاها إيماءة بسيطة ثم ابتسم وتمتم "عموما أنا هديك وقت تفكري وتصلي استخارة وكده وبعدين هتواصل مع والدك وإن شاء الله خير بس ياريت ما تسمحيش لأخوك إنه يوصلك صورة غلط علي أديك شايفة أهو قاعد يتبلى عليا بالباطل عشان غيران عليك"
فور إنهاءه لكلامه وجد هشام يقفز لداخل الغرفة مجددا وهو يصيح "صورة غلط ؟ ده أنت
الغلط نفسه ! "
أعطاه قيس ابتسامة جانبية مستفزة دون أن تراه ليلى وتحرك بجانبه ثم همس في أذنه "برضه
هتجوزها".
