رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع عشر
عند جواد...
ما إن وصل الخبر إلى جواد بأن جواهر قد تم ترحيلها إلى السجن، حتى شعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه دفعة واحدة، وكأن شيئًا داخله قد انهار بلا رجعة. لم يكن الخبر مجرد كلمات تقال أو إجراء قانوني ينفذ، بل كان صفعة قاسية ارتطمت بروحه، مزقت ما تبقى فيها من ثبات، وأطفأت آخر شعاع كان يتمسك به في داخله.
تراجع إلى الخلف بخطوات متعثرة، كأن جسده لم يعد قادرًا على حمل ذلك الثقل الجاثم فوق صدره، ثم سقط جالسًا على الأرض، عاجزًا عن الوقوف، عاجزًا حتى عن التفكير. ولأول مرة، أمام الجميع، انكسرت تلك الصورة الصلبة التي طالما عرفوه بها، ولأول مرة انهمرت دموعه دون مقاومة، دموع رجل لم يبكي يومًا إلا حين بلغ به العجز حد الاختناق.
كان يشعر أن شيئًا في داخله يسحق تحت وطأة الإحساس بالفشل، إحساس قاتل بالعجز، وكأن رجولته كلها تسلب منه في هذه اللحظة، لأنه لم يستطع أن يحمي المرأة التي أحبها، ولم يستطع أن يكون لها الحصن الذي وعدها به.
تكلم بصوت موجوع منكسر قائلا:
"أنا لاول مره احس اني ضعيف متكتف مش قادر أحمي حبيبتي، أنا مستحقش تحبني، مستحقش اعيش وهي محطوطة فى مكان زي ده."
كانت كلماته تخرج ممزقة، مشبعة بالألم، كأن كل حرف منها ينتزع جزءًا من قلبه. لم يكن يبكي فقط على جواهر، بل كان يبكي على نفسه، على عجزه، على انهياره أمام أول معركة حقيقية شعر فيها أن قوته لا تساوي شيئًا.
انكسر قلب غريب حين رأى ابنه بهذا الشكل، ذلك الابن الذي طالما عرفه قويًا، صلبًا، لا تهزه العواصف، يجلس الآن محطمًا كطفل فقد كل شيء دفعة واحدة. شعر غريب بوخزة حادة في صدره، وكأن ألم جواد انتقل إليه، لكنه أدرك أن لحظة كهذه لا تحتمل الضعف من الاثنين معًا.
انحنى بجسده نحوه، وربت على كتف ابنه بثبات، يحاول أن يبعث فيه بعض القوة التي تتسرب منه سريعًا، ثم تكلم بنبرة هادئة لكنها حازمة:
"مش جواد ضرغام اللي ينكسر بالشكل ده ودموعه تنزل على خده، انت ابن غريب ضرغام، وعلشان تستحق اللقب ده لازم تقوى، لازم تخلي عقلك يسبق عضلاتك، انت لو فكرت بالعقل شوية هتقدر تحمي مراتك وتخرجها من المكان ده، إنما انت كل حاجه عندك بالضرب والعنف، خالك تامر قالي على اللي انت عملته، انتوا بغبائكم ده بوظتوا الدنيا، مريم عرفت أننا عارفين بوجودها وده هيخليها تلعب على المكشوف، وللاسف المكشوف بتاعها اصعب مليون مرة من اللي بتعمله معانا دلوقتي، عموما خلينا دلوقتي نفكر بالعقل، ونشوف طريقه نثبت براءة جواهر بيها، وبعد كده نبقى نشوف مريم ناوية على ايه، واللعب معاها هيوصلنا لفين؟"
رفع جواد عينيه إليه بوجع خالص، نظرة رجل يتشبث بأي أمل يلقى إليه، لكن الألم كان أثقل من أن يحتمل، والخوف على جواهر كان ينهش صدره بلا رحمة.
نظر له بوجع وتكلم بنبرة مختنقة:
"يا بابا أنا مش هممني أي حاجه دلوقتي غير خروج جواهر، حتى لو هضحي بعمري كله."
كانت تلك الحقيقة الوحيدة داخله الآن. لم يعد العالم يعنيه، لم تعد المعارك الأخرى تعنيه، كل ما يريده أن يراها خارج ذلك المكان، بعيدة عن القضبان، بعيدة عن الظلم، بعيدة عن القهر الذي يلتهمها الآن.
زفر غريب بضيق، ثم استقام بجسده، وأجبر نفسه على الثبات رغم كل ما يعتصره من الداخل، وقال بصوت مختنق:
"قوم أصلب طولك الأول، وبعد كده تعالى نقعد بهدوء ونفكر فى طريقه نثبت بيها براءتها."
ظل جواد لحظات في مكانه، يحدق في الفراغ وكأن عقله يحاول استيعاب كل ما حدث، ثم استقام ببطء، وملامحه مشدودة بالغضب، وعيناه تمتلئان بشرر الانتقام، كأن الحزن تحول داخله إلى نار تأكل كل شيء.
"اقسم بالله لو شفت مريم دي هطلع روحها بأيديا، هو فيه شر بالشكل ده؟!"
تحركت ملامح غريب بمرارة ثقيلة، مرارة رجل يعرف جيدًا حجم الشر الذي يتحدث عنه ابنه، شر قديم لم ينتهي يومًا، بل عاد الآن بصورة أكثر ظلامًا.
اومأ برأسه وتكلم بصوت مختنق:
"انت مشوفتش حاجه منها لسه، مريم زمان كانت هتبقى السبب فى موتي وكانت هتموت جدتك، وليها بلاوي سودا، ده حتى المافيا مقدرتش عليها."
ارتجف شيء داخل جواد عند سماعه لتلك الكلمات. لأول مرة يدرك أن مريم ليست مجرد امرأة شريرة، بل إعصار خراب يسير على قدمين، وأن ما يواجهونه الآن ليس إلا البداية.
زفر بضيق ونظر إلى والده وقال بتساءل:
"طيب والعمل يا بابا، هنعمل ايه؟"
عقد غريب يديه خلف ظهره وشبكهما داخل بعضهما البعض، وبدأ يتحرك بخطوات بطيئة، وعقله يعمل بأقصى طاقته، يحاول جمع الخيوط المتناثرة قبل أن تضيع منهم جميعًا.
"مدام اخوها كان بيلعب على جواهر وهي كانت بتلعب عليك ومريم تبقى خالتهم، يبقى كده اكيد حد هيلعب على رنيم أو أخ..."
وتوقف فجأة.
تجمدت الكلمات في حلقه عندما مرت في عقله صورة أروى. صورة ابنته، ابنته التي قد تكون الهدف القادم. شعر بقلبه ينقبض بعنف، وكأن فكرة اقتراب الخطر منها وحدها تكفي لخنقه.
ابتلع ريقه بصعوبة، وأكمل بصوت أثقل من قبل:
"او اختك، احنا لازم نحميهم بسرعه، ومن خلالهم، ممكن نوصل لمريم، ونثبت براءة جواهر."
اتسعت عينا جواد وهو يستوعب خطورة الأمر، وشعر فجأة أن الوقت يركض ضدهم، وأن كل لحظة تأخير قد تكلفهم الكثير.
اومأ برأسه وتكلم سريعا:
"عندك حق يا بابا دلوقتي مافيش غيرهم هما الاتنين، واكيد حد تبعها هيلعب عليهم، خلينا منضيعش وقت، أروى فين؟"
اجابه بقلق واضح وقال:
"روحت مع امك عند سمية، علشان منهارة بسبب بنتها وأغمى عليها."
تنفس جواد بارتياح بسيط، مجرد معرفة أن أروى ليست وحدها خففت عنه قليلًا، لكنه لم يمنحه الطمأنينة الكاملة.
أومأ برأسه بأطمئنان وقال:
"تمام أروى متروحش الكليه خالص الفترة دي، وانا هحاول اعرف مكان رنيم، واحميها من بعيد وفى نفس الوقت اراقبها وأشوف إذا كان حد قرب منها الفترة دي يبقى اكيد تبع مريم."
رفع غريب عينيه إليه بنظرة صارمة، يعرف جيدًا طبيعة ابنه المتهورة، ويعرف أن أي خطوة خاطئة الآن قد تكلفهم الحرب كلها.
"اياك والتهور يا جواد، علشان منخسرش أي خطوة بنخدها."
أخفض جواد رأسه قليلًا، يحاول ابتلاع غضبه ووجعه معًا، لكن النار داخله لم تهدأ، ولن تهدأ قبل أن يخرج جواهر بيديه.
زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
"حاضر يا بابا، أنا هروح اقعد فى الشارع علشان اكون جنب جواهر."
حرك غريب رأسه بالرفض وقال:
"مينفعش، ابقى روح فى الزيارة اطمن عليها، انما دلوقتي وجودك هناك هيكون زي قلته."
أغلق جواد عينيه بقهر، وكأن كل الأبواب تغلق في وجهه واحدًا تلو الآخر. كان يريد أن يراها، أن يطمئن عليها، أن يخبرها أنه لن يتركها، لكنه كان يعلم أن والده على حق.
اكتفى بأمأة خفيفة، ثقيلة، موجوعة، ثم استدار وغادر دون أن ينطق بحرف آخر، وكأن الكلمات كلها ماتت داخله.
ظل غريب ينظر إلى أثره طويلًا، ثم أطلق زفرة مثقلة بالحزن، وشعر لأول مرة أن الحمل الذي يحمله فوق كتفيه صار أثقل من أن يحتمل؛ ابنه المنكسر، زوجة ابنه المسجونة ظلمًا، وابنة قد تكون الهدف القادم، وعدو قديم عاد أكثر شراسة من ذي قبل.
وفي داخله كان يعلم جيدًا، أن القادم لن يكون سهلًا أبدًا.
**************************
عند رنيم...
جلست رنيم على مقعدها خلف مكتبها، تحدق أمامها بشرود عميق، بينما بدت ملامحها هادئة من الخارج، هدوءًا خادعًا لا يشبه أبدًا ما كان يضج به داخلها من اضطراب. كان السكون يلف المكان من حولها، إلا أن داخلها كان يعج بضجيج لا يهدأ، ضجيج أفكار متشابكة ومشاعر متزاحمة لا تعرف كيف تفك عقدتها. وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة صغيرة، خافتة، كأنها خرجت منها دون إذن، كلما تسللت إلى ذاكرتها تفاصيل ذلك الصباح؛ نظرات شاهين، طريقته في التحديق بها، ذلك الثبات الغريب في عينيه وكأنه كان يراها وحدها وسط العالم كله.
كانت تتذكره كما لو أن اللحظة لم تمر، وكأن الزمن توقف عند حضوره. كلماته لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت تستقر بداخلها كأنها وجدت لتوقظ شيئًا نائمًا في قلبها. نبرته الهادئة، ابتسامته الواثقة، حضوره الرجولي الذي كان يربكها حد العجز، كل ذلك كان يعود إليها الآن بصورة أوضح، بصورة جعلت أنفاسها تثقل شيئًا فشيئًا.
رفعت يدها ببطء نحو شفتيها، تتحسس موضع تلك القبلة التي باغتها بها، وكأنها تحاول التأكد إن كان أثرها قد زال أم لا، لكن الحقيقة أنها لم تكن على شفتيها فقط، بل كانت مطبوعة في أعماقها. وما إن استحضرت تلك اللحظة حتى اضطربت دقات قلبها بعنف، حتى خيل إليها أن صدرها لم يعد يتسع لها، وأن قلبها يكاد يفضحها بصوته المرتفع.
ارتجفت أناملها قليلًا، ثم أبعدت يدها سريعًا، وحدقت أمامها بعينين مضطربتين، تحاول أن تفهم ما يحدث معها، لكنها كانت تغرق أكثر كلما حاولت الفهم.
لماذا أصبح حاضرًا في كل تفصيل داخلها؟ لماذا صار تفكيرها يدور حوله بلا إرادة؟ ولماذا، كلما تذكرت نظرة منه أو كلمة قالها، شعرت بأن شيئًا بداخلها يهتز بعنف، وكأن قلبها لم يعد يطيعها كما كان؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تدرك، للمرة الأولى بوضوح موجع، أن هناك حقيقة تقف أمامها، حقيقة حاولت الهرب منها طويلًا، لكنها لم تعد قادرة على تجاهلها. كانت تعرفها، تشعر بها، لكنها كانت تخشى الاعتراف بها، لأن الاعتراف بها يعني أن كل الحواجز التي بنتها داخل نفسها ستنهار دفعة واحدة.
وقبل أن تغرق أكثر في دوامة هذا الإدراك المؤلم، دوى صوت هاتفها معلنًا عن اتصال جديد، فقطع ذلك الحبل المشدود بين عقلها وقلبها.
التقطت الهاتف ونظرت إلى الشاشة، وما إن وقع بصرها على اسمه حتى تبدلت ملامحها تلقائيًا، وعادت تلك الابتسامة ذاتها لترتسم فوق شفتيها، ابتسامة لم تستطع منعها مهما حاولت.
شعرت بتوتر خفي يسري في أوصالها، ثم أجابت بصوت متردد:
"ا ألو، السلام عليكم."
أتاها صوته الرجولي الذي هز قلبها من الداخل وهو يقول بأهتمام واضح: "اكلتي ولا لسه؟"
اتسعت عيناها قليلًا، ونظرت إلى ساعة يدها بدهشة، وكأنها بالفعل لم تشعر بمرور الوقت من شدة انشغالها به، به وحده، وكأن وجوده في رأسها سرق منها الإحساس بكل شيء آخر. وقالت بأستغراب:
"تصدق مأخدش بالي أن ده وقت الغدا."
جاءها صوته سريعًا، وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة تحديدًا:
"طيب انزلي أنا مستني تحت."
انعقد حاجباها بدهشة، واعتدلت في جلستها دفعة واحدة، وكأن الكلمات أيقظتها من شرودها.
"تحت! بتعمل ايه؟"
تعالت ضحكاته على كلماتها، وكانت ضحكته تحمل تلك الخفة القادرة دائمًا على بعثرة اتزانها، ثم قال بمزاح:
"بتشمس."
ثم تكلم بنبره هادئة حنونه وقال:
"اكيد جاي علشان نتغدا سوا."
شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها مع كلماته، دفء غريب لم تعتده من قبل، دفء يجعلها تشعر بأنها مهمة، وأن هناك من يفكر بها حتى في تفاصيلها الصغيرة.
اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها، وأومأت برأسها بالموافقة تلقائيًا، وكأنه أمامها فعلًا، يراها ويراقب أدق حركاتها.
وكأن بينهما رابطًا خفيًا يتجاوز المسافات، جاءها صوته سريعًا بمزاح:
"تمام، أنا شفتك وانتي بتهزي راسك بالموافقه، انزلي يلا متتأخريش."
أغلقت عينيها بخجل، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجهها، وزفرت بضيق خفيف من قدرته العجيبة على قراءة ما تفعله وكأنه يعيش داخلها.
نهضت من مكانها بسرعة، التقطت هاتفها، وعدلت ملابسها بيدين مرتجفتين قليلًا، ثم خرجت من المكتب واتجهت نحو المصعد.
كانت خطواتها هادئة من الخارج، لكن داخلها كان في سباق كامل؛ قلبها يسبقها إليه، وأنفاسها تتسارع مع كل ثانية تقربها منه.
هبطت إلى الأسفل، وما إن خرجت من المبنى ورأته حتى توقفت للحظة.
كان واقفًا بجوار سيارته، بهيبته المعتادة، بثباته، بحضوره الطاغي الذي يفرض نفسه على المكان دون جهد، وكأن مجرد رؤيته كافي ليقلب اتزانها كله.
ابتسمت له بخجل واضح، ثم اقتربت وقالت بتوتر:
"مكانش ليه لزوم تتعب نفسك، انا كده كده اكتر الوقت مش بتغدا."
عقد ذراعيه على صدره ونظر لها باهتمام حقيقي، اهتمام صادق لا يحمل تصنعًا، ثم قال:
"من هنا ورايح هتفطري وتتغدي وتتعشي، ومش مسموح ليكي بأي أهمال فى نفسك."
تسللت كلماته إلى قلبها بطريقة أربكتها، ليس لأنها جديدة عليها، بل لأن اهتمامه بها كان حقيقيًا لدرجة جعلتها تشعر بثقل تأثيره عليها.
ابتسمت بتوتر وتكلمت بتلعثم:
"و وايه سبب ا الاهتمام ده يعني؟"
أقترب ببطء إليها، ونظر إليها بنظرة جعلت أنفاسها تختنق داخل صدرها، ثم قال بصوت هامس:
"لانك الاول كنتي ملك نفسك، إنما دلوقتي انتي ملكيه خاصه ليا، ومش مسموح ليكي بالاهمال فى نفسك ابدا."
تجمدت للحظة كاملة.
شعرت وكأن الكلمات لم تمر عبر أذنيها فقط، بل اخترقت قلبها مباشرة، واستقرت هناك، تعبث بثباتها وتوقظ ما كانت تخشاه.
ابتلعت ريقها بصعوبه وتعالت دقات قلبها بشدة وكادت أن تخرج من صدرها وقالت:
"ب بس انا مش ملكيه خاصه لحد."
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس وجهها، وصوته أصبح أكثر انخفاضًا، أكثر خطرًا على قلبها المرتبك. وقال:
"أنا ختمت بصمتي على شفايفك، وشاهين الراوي مادام حط ختمه على مكان بيكون صاحبه ملكية خاصة."
اتسعت عيناها على آخرهما، وشعرت بأن جسدها كله فقد قدرته على المقاومة، وكأن قربه كان يسلبها قدرتها على التفكير، ويجردها من كل دفاعاتها.
ثم بحركة مفاجأة أحاطها بذراعه قربها إليه وقال بنبرة حارة:
"عيونك صك ملكية خاصه بيا يا رنيم، وممنوع أي حد يقرب منهم، علشان وقتها أنا همحيه من على وش الأرض."
ارتجفت أنفاسها بعنف، وشعرت بحرارة تجتاح وجهها وعنقها، حتى خيل إليها أن العالم كله يسمع صوت قلبها الآن من شدة اضطرابه.
أرادت أن تتكلم، أن تعترض، أن تقول أي شيء يعيد إليها بعض اتزانها، لكن الكلمات خانتها تمامًا، وظلت شفتيها تتحركان بلا صوت، عاجزة عن ترتيب حرف واحد.
وكان ارتباكها الواضح، وخجلها المفضوح، ونظرتها الضائعة، كافيين ليزرعوا على شفتيه ابتسامة هادئة؛ ابتسامة رجل يعرف جيدًا ما يفعله بها، ويعرف جيدًا أنه بات يسكنها أكثر مما تتصور.
ابتعد عنها وصعد على مقعده امام المقود ووضع يده إلى عجلة القيادة، وكأن شيئًا لم يحدث، ثم قال بهدوء:
"أركبي يلا."
ظلت واقفه مكانها، أسيرة تلك اللحظة، أسيرة همساته وأنفاسه وقربه، وكأنها لم تستطع التحرر منه بعد.
حرك رأسه بأبتسامة وتكلم مرة اخرى:
"امم، شكلك عايزة ختم من بتوعي علشان أنعش قلبك اللي مسموع دقاته دي."
وما إن سمعت كلماته وفهمت مغزاها حتى انتفضت مكانها، وكأن نارًا اشتعلت تحت قدميها، ثم ركضت سريعًا إلى الباب وصعدت على المقعد المجاور له وأغلقت الباب بتوتر واضح.
تكلم بنبرة هادئة وقال بتساءل:
"تحبي تروحي تاكلي فى مكان معين؟ ولا اخدك أنا فى مكان على مزاجي؟"
احتاجت لثواني طويلة حتى تستعيد أنفاسها المبعثرة، ثم ردت بصعوبة:
"ا أي مكان م مش فارقه."
ظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، تلك الابتسامة التي كانت تربكها أكثر من كلماته، ثم أدار السيارة وتحرك بها نحو أحد المطاعم.
جلست رنيم بجواره صامتة، لكن داخلها لم يكن يعرف الصمت أبدًا.
كان كل شيء بداخلها مضطربًا، متشابكًا، مشتعلًا بصورة لم تعهدها من قبل. كانت تحاول أن تهدئ نفسها، أن تعيد ترتيب أفكارها، لكن حضوره بجوارها كان كافيًا لإفساد كل محاولة.
كانت تائهة بين كلماته التي اخترقت قلبها بلا مقاومة، وبين خوفها الحقيقي من الاعتراف بما يحدث لها، لأن الاعتراف يعني السقوط الكامل.
أما هو، فكان يراقبها بطرف عينه طوال الطريق، يقرأ ارتباكها كما لو كان كتابًا مفتوحًا أمامه، يرى خجلها، ويرى ذلك التوتر الجميل الذي يفضح ما تخفيه، وكان يشعر بلذةٍ غريبة وهو يراها تسقط فيه شيئًا فشيئًا، دون أن تدري.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر شاهين أن الطريق مهما طال، لن يكون كافيًا، وأن هذه اللحظات القليلة بجوارها صارت أثمن مما كان يتوقع، حتى إنه وجد نفسه يتمنى، بصمت لم يعترف به لأحد، ألا تنتهي هذه الرحلة سريعًا.
**************************
عند جواهر...
جلست جواهر على الأرض الباردة، تضم ساقيها إلى صدرها وكأنها تحاول الاحتماء بنفسها من ذلك العالم الجديد الذي أُلقيت فيه قسرًا، وكانت عيناها تدوران في أرجاء المكان بارتعاد واضح، كأنها تبحث عن مخرج، عن نافذة، عن شيء يمنحها شعورًا بالأمان وسط هذا الاختناق الثقيل. كان جسدها يرتجف بطريقة غير طبيعية، ارتجافًا لم يكن من برد المكان، بل من ذلك الرعب الذي استقر في أعماقها منذ اللحظة التي أُغلقت فيها الأبواب خلفها وأدركت أن هذا الواقع صار واقعها.
كانت الجدران من حولها تضيق عليها شيئًا فشيئًا، حتى شعرت أن الهواء نفسه صار ثقيلًا، بالكاد يدخل إلى رئتيها. كل شيء هنا كان غريبًا، قاسيًا، موحشًا، وكل زاوية فيه تصرخ بالحقيقة التي كانت ترفض تصديقها؛ أنها أصبحت سجينة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت بالعجز كاملًا.
لم تكن تخاف من السجن بقدر ما كانت تخاف من الظلم، من أن تدفن حياتها هنا وهي بريئة، من أن تضيع منها الأيام وهي تنتظر عدلًا قد يتأخر.
وفي وسط ذلك الخوف الكاسح، لم يخطر ببالها إلا جواد، احتاجته بجنون.
احتاجت حضنه، صوته، يديه حين يحتويها، نظرته التي كانت دائمًا تطمئنها أن كل شيء سيكون بخير. شعرت أن وجوده وحده كان قادرًا على انتشالها من هذا الرعب الذي يغرقها الآن.
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أنه ليس هنا.
ولن يكون، اختنق صدرها بهذه الفكرة، وانهمرت دموعها بغزارة، وكأن كل ما كانت تحاول التماسك به انهار دفعة واحدة. تعالت شهقاتها بصورة مؤلمة، حتى صار بكاؤها يملأ المكان بصوت مكسور يشبه قلبها تمامًا.
كانت تبكي خوفًا، وجعًا، حنينًا، وقهرًا.
تبكي على حلم كان على بعد أيام من أن يصبح حقيقة، فإذا به يتحول إلى كابوس.
وفي وسط انهيارها، شعرت بيد تربت على ظهرها بحنو غريب لم تتوقعه في مكان كهذا.
رفعت رأسها بسرعة، لتجد امرأة تقترب منها بعينين تحملان مزيجًا من الشفقة والخبرة، وكأنها تحفظ هذا المشهد عن ظهر قلب.
تكلمت بأستغراب وربت على ظهرها بحنو وقالت:
"متخافيش يا حبيبتي، احنا هنا مش بناكل البني أدمين، تعالي اقعدي على السرير."
انتفضت جواهر مكانها بعنف، وكأن مجرد الاقتراب منها أخافها أكثر، وحركت رأسها بالرفض وتكلمت بصوت مرتعش:
"ل لا انا عايزه اقعد هنا."
كانت نبرتها تحمل خوفًا طفوليًا موجعًا، خوف إنسانة سحبت من حياتها الطبيعية وأُلقيت فجأة في عالم لا تعرفه.
ابتسمت لها المرأة بهدوء، تلك الابتسامة التي تحمل صبر السنين، ثم جلست بجوارها على الأرض، وكأنها أرادت أن تطمئنها بأنها لا تنوي إجبارها على شيء، وتكلمت بنبرة حنونة:
"أنا زينات كل اللي هنا بيعتبروني زي امهم، حتى العساكر هنا، بيعملوا ليا مليون اعتبار، اصل عمري كله مقضياه هنا."
رفعت جواهر عينيها إليها، وكانت الدموع لا تزال معلقة بأهدابها، لكنها شعرت بشيء من الارتياح يتسلل إليها، ربما بسبب دفء صوتها، أو بسبب تلك الطمأنينة الغريبة التي تحملها ملامحها.
نظرت لها بدموع وقالت:
"ا ازاي قادرة تعيشي كل ده فى مكان زي ده؟ ده انا حاسه ان المكان ضيق اوي ويخنق."
خرجت كلماتها مثقلة بالاختناق الحقيقي، لأنها لم تكن تتحدث عن المكان فقط، بل عن شعورها الداخلي، عن روحها التي بدأت تضيق هي الأخرى.
اومأت زينات برأسها، وكأنها تعرف هذا الشعور جيدًا، أكثر مما تتصور جواهر، ثم تكلمت بنبرة هادئة:
"حاسه بيكي وبتفكريني بنفسي أول يوم دخلت هنا، كنت خايفه زيك كده واخد وقت كبير على ما اتأقلمت على المكان ده، ولاقيت أن مافيش فايدة من دموعي كده كده حكم المؤبد واجب النفاذ ومافيش خروج منه وبقيت زي ما انتي شايفه كده."
استمعت جواهر إليها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، مؤبد.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تمزق ما تبقى من ثباتها، لا، هي لا تستطيع.
لا تستطيع تخيل أن تتحول حياتها كلها إلى هذا المكان، إلى هذه الجدران، إلى هذا السرير، إلى هذا الانتظار القاتل.
حركت رأسها بالرفض سريعًا، وكأنها ترفض الفكرة نفسها، وتكلمت بدموع:
"لا لا انا مش عايزه اقضي عمري كله فى مكان زي ده، ا أنا كنت خلاص هيتحدد ميعاد فرحي وهتجوز الشخص اللي بيحبني وانا بعشقه، امي ملهاش حد غيري دلوقتي، وجودي هنا صعب عليا وعليهم."
خرجت كلماتها مكسورة، متعثرة، تحمل حجم الفقد الذي تشعر به.
كانت ترى حياتها أمامها كأنها فيلم ينتزع منها بالقوة.
فستانها الأبيض الذي كانت تحلم به.
بيت صغير يجمعها بجواد.
أمها التي كانت تنتظر فرحتها.
كل شيء صار معلقًا خلف هذه القضبان.
ابتسمت زينات لها بحنو، وكأنها ترى في عينيها صورة قديمة من نفسها، ثم قالت بتساءل:
"انتي مخطوبة؟"
نظرت جواهر إلى إصبعها تلقائيًا، إلى المكان الذي كان يحتضن خاتمها قبل أن ينتزع منها عند دخولها، وشعرت بألم غريب وهي تدرك أن حتى رموز حياتها القديمة سلبت منها، وقالت بدموع:
"مكتوب كتابي، وكنا خلاص هنحدد الفرح."
كان في صوتها حنين موجع، وكأنها تتحدث عن حياة لم تعد تخصها.
ربتت زينات على يدها بحنو، وكأنها تمنحها بعض القوة، وقالت:
"سبيبها على ربنا اللي لا بيغفل ولا بينام، وما بين الليل والنهار قادر ربك يغير الحال ويقلب الموازين."
تعلقت جواهر بهذه الكلمات كما يتعلق الغريق بأي شيء يطفو أمامه.
رفعت عينيها إلى الأعلى، وقد اختلطت دموعها برجائها، وتعالت شهقاتها وتكلمت بصعوبه:
"يارب انت بس اللي تعرف اني مظلومة ومعملتش كده، أظهر براءتي وخرجني من هنا فى أقرب وقت."
خرج دعاؤها من قلب مكسور، من روح أنهكها الخوف، وكأنها تلقي بثقلها كله إلى السماء لأنها لم تعد تملك شيئًا آخر.
مسحت زينات دموعها وتكلمت بنبرة حنونة:
"ايوه كده طول ما انتي قاعدة، ادعي ربنا كتير، قومي يلا يا حبيبتي تعالي على السرير اللي جنبي، كان بتاع واحده لسه خارجه امبارح عقبالك يارب."
نظرت جواهر إليها بامتنان حقيقي، امتنان لإنسانة غريبة منحتها بعض الطمأنينة في أكثر لحظاتها ضعفًا.
أومأت برأسها ونهضت ببطء من على الأرض، وكانت ساقاها ترتجفان من أثر الانهيار والخوف، ثم تحركت معها نحو السرير وجلست عليه.
ضمت قدميها إلى صدرها مرة أخرى، بنفس تلك الحركة التي تحتمي بها من العالم، وأسندت رأسها إلى الحائط خلفها.
وظلت صامتة، صامتة تمامًا.
لكن عقلها لم يعرف الصمت.
كانت تنظر أمامها بأعين شاردة، تفكر فيما هو آت، تفكر في أمها، في جواد، في حياتها التي توقفت فجأة، وفي الغد الذي صار مجهولًا بصورة مرعبة.
وكان الشيء الوحيد الذي تتمسك به الآن، وسط هذا الظلام كله، هو إيمانها بأن الحقيقة لا بد أن تظهر يومًا، حتى لو تأخر ذلك اليوم.
***************************
عند مريم...
كانت مريم في حالة من الانفعال لم تبلغها منذ سنوات طويلة، حالة نادرة عليها، حتى وهي التي اعتادت ضبط غضبها وتطويعه لخدمة خططها، لكنها هذه المرة شعرت بأن شيئًا ما ينفلت من بين يديها، شيئًا كانت تظنه ملكًا خالصًا لها، فإذا به يتمرد عليها لأول مرة.
شاهين، ذلك الذي صنعته بيديها، وغرست داخله بذور الكراهية كما يغرس السم في الجسد قطرة قطرة، حتى يفسد الروح كلها. ربته على الحقد، غذته بالغضب، وسقته رواياتها المشوهة حتى جعلت الانتقام غايته الوحيدة، لكنه الآن، ينحرف عن الطريق الذي رسمته له.
وما زاد اشتعالها هو كلمات زين، حين نقل لها ما قاله شاهين، ونبرته، وغضبه، وحمايته العنيفة لرنيم، ونظراته التي لم تعد تخطئها عين، نظرات رجل وقع في الحب حد الهلاك.
وهنا شعرت مريم بشيء لم تعهده كثيرًا، الخوف.
الخوف من أن تخسر سيطرتها عليه.
الخوف من أن يهدم الحب ما بنته هي بالكراهية طوال سنوات.
كانت جالسة على مقعدها المتحرك، لكن داخلها كان يغلي كبركان على وشك الانفجار، أصابعها تضرب بعنف على ذراع المقعد، وعيناها تقدحان بشرر حاد، وكأنها ترى أمامها انهيار مخطط كامل بسبب فتاة واحدة.
كانت أنفاسها متلاحقة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وداخل رأسها تدور الأفكار كدوامة سوداء، وكل فكرة منها أكثر قسوة من الأخرى.
كيف استطاع أن يضعف؟
كيف سمح لقلبه أن يتورط؟
كيف أحب ابنة من تريد تحطيمهم؟
بالنسبة لها، الحب لم يكن إلا نقطة ضعف، ثغرة قاتلة، وسقوطًا مذلًا.
ولهذا، حين أدركت أن شاهين قد وقع في هذا الفخ، شعرت برغبة وحشية في سحق مصدر هذا الضعف قبل أن يستفحل أكثر.
طرقت بيدها على يد المقعد المتحرك بعنف، حتى كادت عروق يدها تبرز من شدة الضغط، ثم تكلمت بصوت غاضب:
"ما هو لو متراجعش عن اللي بيعمله ده هحرق قلبه على السنيورة بتاعته، بس قبل ما احرقه هعذبها وهخليه يشوف كرهها ليه في عنيها ولو هو شاهين الرواي فأنا مريم أمه اللي لو عاش عمرة كله مش هيفهم ايه اللي فى دماغها."
خرجت الكلمات منها محملة بسم خالص، لا يشبه مجرد الغضب، بل يشبه وعيدًا حقيقيًا، وعهدًا بالخراب.
أما زين، فكان على النقيض منها تمامًا.
هادئًا، ثابتًا، يراقب ثورتها بعين باردة، وكأن غضبها هذا مجرد خطوة متوقعة في معركة أكبر.
كان يعرف جيدًا أن المواجهة المباشرة مع شاهين الآن لن تجلب لهم إلا الخسارة، فالحب حين يصل إلى هذه المرحلة، يجعل صاحبه أكثر شراسة، وأكثر استعدادًا للقتل من أجل من يحب.
ابتسم بهدوء، تلك الابتسامة التي تحمل خبثًا مدروسًا، ثم قال:
"معتقدش يا خالتي انتي مشوفتيش نظرة الحب اللي فى عيونه، نظرة بتقول انه مستعد يهد الدنيا كلها لو اتلمس شعرة منها، كلامه مكانش مجرد تهديد، دي حقيقه هتحصل، وانا من رأي العصبيه مش هتجيب نتيجه معاه، احنا ممكن نبوظ كل حاجه، بس بتخطيط وتكنيك هادي هنقدر نرجع كل حاجه فى مكانها الصح."
ضيقت مريم عينيها وهي تنظر إليه، تحاول التقاط ما بين سطور حديثه.
كانت تعرف زين جيدًا، وحين يتحدث بهذا الهدوء، فهذا يعني أنه يخفي وراءه شيئًا أكبر، شيئًا أخطر.
توقفت يدها عن الطرق على المقعد، ومالت بجسدها قليلًا نحوه، وكأنها تمنحه كامل انتباهها، بينما عقلها بدأ يعمل بسرعة، يحلل، ويربط، ويتوقع.
لكن زين لم يترك لها مساحة طويلة للتفكير.
بل قطع الطريق على تساؤلاتها، وهو يطلق قنبلته التالية بصوت ثابت:
"أنا عندي فكرة هتقلب الموازين كلها لصالحك، ومدام كده كده غريب عرف أنك لسه عايشه فده وقت الظهور وتحريك اول قطعة شطرنج على اللوحة علشان اللعبه تكون فى مصلحتنا احنا."
سكنت ملامحها للحظة، لحظة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية لتتغير نظرتها بالكامل.
وكأن قطعة ناقصة في عقلها اكتملت فجأة، فهمت.
فهمت تمامًا ما يقصده، وفور أن استوعبت الفكرة، بدأت ملامح الغضب تتبدل ببطء إلى شيء أكثر رعبًا، الرضا.
ذلك الرضا المخيف الذي لا يظهر على وجهها إلا حين تولد داخل رأسها خطة جديدة للدمار.
ارتسمت ابتسامة شر بطيئة على ثغرها، ابتسامة جعلت ملامحها تبدو أكثر قسوة، وأكثر ظلامًا، ثم أومأت برأسها بالموافقة وقالت:
"امم، فهمت اللي انت عايز تقوله، جدع يا ولا هو ده ابن فريدة."
اعتدل زين في جلسته بكبرياء واضح، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة غرور واثقة، كأنه كان يعلم مسبقًا أن فكرته ستنال إعجابها، فهو يعرف جيدًا أي نوع من الخطط يرضي امرأة مثل مريم.
ثم قال بثقة واضحة:
"أنا كنت متأكد انها هتعجبك علشان كده مهد الطريق ليكي ما عليكي غير تنفيذ الخطوة الأخيرة ونبدأ اللعب على المكشوف."
أومأت برأسها ببطء، لكن عينيها كانتا قد دخلتا بالفعل إلى ساحة الحرب.
لم تعد هناك أقنعة، لم يعد هناك اختباء.
الآن سيبدأ اللعب الحقيقي، لعبة لا مكان فيها للرحمة.
ولا نجاة فيها للضعفاء.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان صمتًا مشبعًا بالنوايا السوداء، والخطط المؤجلة، والشر الذي يستعد للخروج إلى النور.
كانت نظراتهما تتحدث بدلًا من الكلمات.
نظرات تحمل اتفاقًا خفيًا، وتحالفًا قذرًا، ووعدًا ضمنيًا بأن القادم لن يكون مجرد مواجهة، بل كارثة كاملة.
وفي مكان آخر، كان الجميع يظنون أن المعركة لم تبدأ بعد، لكن الحقيقة، أن أول خطوة فيها قد تحركت بالفعل.
***************************
بالمساء...
حل المساء بهدوئه الثقيل، لكن داخل رنيم لم يكن هناك أي هدوء. كانت جالسة فوق سريرها، تنظر إلى الشرفة للمرة العاشرة، وربما أكثر، بعينين متوترتين وقلب لا يعرف الاستقرار. كانت تتمنى، ولو من باب الجنون، أن يخرج الآن إلى شرفته، أن تراه واقفًا هناك ينتظرها، أو أن يهاتفها فجأة ويطلب منها الخروج، أو حتى أن يرسل لها كلمة واحدة فقط، أي شيء يشعرها أن ما تشعر به وحدها ليس وهمًا.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
مر الوقت بطيئًا ومزعجًا، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من ضجرها وارتباكها، حتى بدأت تشعر بالاختناق من هذا الانتظار الذي لم تعتده يومًا. لم تكن معتادة على الاشتياق بهذه الصورة، ولا على أن يسيطر أحد على أفكارها إلى هذا الحد. لكن شاهين فعلها، تسلل إليها دون استئذان، واستقر بداخلها بطريقة لم تعد تستطيع إنكارها.
زفرت بضيق وهي تحاول طرد صورته من رأسها، لكن محاولتها كانت عبثية، فكلما حاولت نسيانه عاد أقوى، بصوته، بنظرته، بابتسامته، وبطريقته التي تربكها وكأنه يعرف تمامًا كيف يبعثرها.
وحين أدركت أن لا فائدة من الانتظار، نهضت ببطء واتجهت إلى المرحاض، عل الماء الدافئ يهدئ هذا الاضطراب الذي ينهشها من الداخل. نزعت ملابسها ووقفت تحت الماء، لكن الغريب أن حرارة الماء لم تكن أقوى من حرارة أفكارها، ولم يكن قادراً على غسل أثره من قلبها.
خرجت بعد دقائق، ارتدت ملابسها، وكانت خصلات شعرها المبللة تتساقط على كتفيها وعنقها، تمنحها مظهرًا هادئًا من الخارج، بينما الداخل كان عاصفة حقيقية.
وقبل أن تمسك المشط، رن جرس الباب.
رفعت رأسها باستغراب، وتجمدت للحظة، وكأن قلبها سبق عقلها في معرفة من يكون.
تحركت بخطوات مترددة نحو الباب، وما إن فتحته ورأته واقفًا أمامها حتى شعرت أن قلبها ارتطم بقوة في صدرها، حتى كاد يسمع.
كان يقف أمامها بهدوئه المعتاد، حضوره الطاغي، ونظرته التي دائمًا تجعلها تشعر أنها مكشوفة أمامه.
ابتسم لها وقال بنبرة رجولية:
"بتعملي أيه؟"
ارتبكت فورًا، وحركت كتفيها بتوتر وقالت:
"و ولا حاجه ك كنت قاعدة عادي."
ابتسم بلؤم، ثم مد يده وأمسك خصلة من شعرها المبلل، يمررها بين أصابعه ببطء أربك أنفاسها كلها، وتكلم بصوت هامس مغري:
"انتي كنتي بتاخدي شاور؟ علشان كده مردتيش على تليفوني."
تجمدت للحظة، اتصل بها؟ وكان يبحث عنها؟
شعور غريب بالدفء اجتاحها، دفء لا يأتي إلا من الاهتمام، من شعور أن أحدهم قلق عليها.
تراجعت إلى الخلف بتوتر وتكلمت بتلعثم:
"م مسمعتهوش والله."
أومأ رأسه بتفهم وقال:
"أنا قلقت عليكي، لما اتصلت وملاقتكيش رديتي كنت عاملك مشروبك المفضل وعايز ادهولك."
ارتجف قلبها بقوة.
كيف لرجل أن يهزها بهذه البساطة؟
كيف يستطيع أن يجعلها تشعر بأنها مهمة بهذا الشكل؟
ابتسمت له بتوتر وقالت:
"ش شكرًا روح و وانا هطلعلك البلكونه."
لكن ملامحه تغيرت فورًا، وظهر قلقه الحقيقي وهو يحرك رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعًا متطلعيش البلكونه وانتي لسه اخده شاور تبردي."
أغمضت عينيها لثواني، وكأنها تحاول جمع شتات نفسها، لأن هذا الاهتمام لم يعد شيئًا يمكنها تجاهله. كان واضحًا. واضحًا إلى حد مؤلم.
رفعت عينيها إليه، وقد غلبها ارتباكها وصراعها الداخلي، وقالت بتلعثم:
"شاهين أنا مبقتش فاهمه حاجة، أنا تايهه، مبقتش عارفه نفسي، بقيت شخص تاني، مبقتش فهماك، افعالك اهتمامك حركاتك نظراتك كل حاجة بتعملها بتدل على حاجه واحده بس، بس فى نفس الوقت انت رافضها مني وطلبتها أني محبكش، أنا فيه حرب جوايا، ما بين ينفع وما بين مينفعش."
خرجت كلماتها محملة بوجع حقيقي، كأنها كانت تحتفظ بها منذ زمن، ولم تعد قادرة على احتمالها.
تنهد شاهين بوجع، ولأول مرة بدا عليه الضياع، وكأنه هو الآخر لم يعد قادرًا على حمل هذا الصراع وحده. أسند ظهره على الحائط وعقد ذراعيه على صدره، ثم قال بصوت موجوع حزين:
"أنا طلبتها منك علشان انتي اللي متتوجعيش، مش علشان انا مش عايز ده."
توقفت أنفاسها للحظة.
كانت تلك الكلمات كافية لتربك قلبها أكثر، حركت رأسها بعدم فهم وقالت:
"مش فاهمه حاجة يا شاهين، معناه ايه كلامك ده؟ وايه اللي هيوجعني لو حبيتك؟"
أنزل عينيه إلى الأسفل، وصمت، صمت رجل يعرف أن الحقيقة قد تكون نهاية كل شيء جميل بدأ بينهما.
لكن صوتها أعاده إليه وهي تتساءل:
"انتي مين يا شاهين؟ الغموض اللي فى عيونك ده، وراه ايه؟"
رفع يده ببطء، ووضعها على خدها، ولمستها وحدها كانت كافية لتربك جسدها كله.
اقترب منها حتى أصبح الفاصل بينهما مجرد أنفاس، ثم تكلم بنبرة أقرب إلى الهمس، لكنها كانت موجعة وصادقة حد الاختراق:
"أنا واحد عاش عمره كله على كلمة واحده "الكره"، بس جيتي انتي وبكل بساطة بنظرة واحده من عيونك قلبتي كل الموازين، سحروني لدرجة أنهم غسلوا روحي من كل حاجه وحشه، خلوني بنى أدم جديد، حتى أنا مبقتش عارف نفسي، كل اللي اعرفه هو أني اتولد من أول وجديد، من اللحظة اللي اسرتني فيها عيونك، وحابب التغير ده."
شعرت أن قلبها توقف، هذه ليست كلمات عابرة، هذا اعتراف.
اعتراف رجل يسلم لها روحه دون أن يطلب شيئًا.
توقفت الكلمات في حلقها، وتعالت دقات قلبها حتى شعرت أن الأرض تهتز تحتها، ولم تعد قادرة على الثبات، فأمسكت بذراعه بقوة.
أما هو، فأحكم ذراعه حولها حتى لا تسقط، وتكلم بصوت مغري:
"انتي كل حاجه فيكي تجنن حتى كسوفك يا رنيم."
كانت تنظر إليه بعينين ضائعتين، غارقتين فيه، وكأنها لأول مرة ترى الرجل الحقيقي خلف كل هذا الغموض.
اقترب منها أكثر، وقبل عينيها اللتين أسرته منذ البداية، ثم وضع قبلة سريعة على شفتيها.
قبلة قصيرة، لكنها كانت كفيلة بإشعال كل شيء داخلها.
ابتعد عنها، وحرك يده على خدها المحمر من الخجل وقال:
"ادخلي يلا وبلاش تطلعي البلكونه دلوقتي علشان متبرديش، ومتقفليش الباب علشان أنا ربع ساعه بالكتير هدخلك حاجة وهخرج على طول."
أومأت برأسها بخجل، وتحركت إلى الداخل، لكنها لم تستطع رفع عينيها عنه، كانت نظراتها معلقة به، وكأنها تخشى أن يختفي.
ابتسم لها بحب، وغمز لها بشقاوة، ثم وارب الباب قليلاً واتجه إلى شقته.
جلست رنيم على الأريكة، ووضعت يدها على وجهها، تشعر بحرارة خجلها تحرقها، بينما كانت تستعيد كل كلمة قالها، وكل لمسة، وكل نظرة.
شيئًا فشيئًا، بدأت تدرك الحقيقة.
هي لم تعد تهرب من حب شاهين، بل وقعت فيه بالفعل.
وبعد عدة دقائق، سمعت صوت خطوات تقترب.
فارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، ونهضت سريعًا، وظنت أنه عاد كما وعدها.
استدارت بحماس واضح، لكن ابتسامتها اختفت فورًا حين رأته.
تجمدت مكانها وقالت باستغراب:
"زين!!"
اقترب منها وهو محتفظ بتلك الابتسامة، وأمسك يدها وقال:
"مش انا قلتلك أن بحضرك مفاجأة؟ اهي المفاجأة جاهزة اهي تعالي معايا."
وقبل أن تفهم شيئًا، أرغمها على التحرك معه إلى الخارج.
عند شاهين...
كان يقف في المطبخ، يعد لها بيديه سندوتشات وكوب عصير، وكأنه يفعل شيئًا بسيطًا، لكنه بالنسبة له لم يكن بسيطًا أبدًا.
كان يشعر بسعادة غريبة، هادئة، لم يعرفها منذ سنوات.
كان يتخيلها وهي تأكل، تخجل، تبتسم، تنظر إليه بذلك الارتباك الجميل.
ولأول مرة منذ زمن، شعر أن الحياة قد تمنحه شيئًا يستحق التمسك به.
وحين سمع صوت خطوات تقترب، ظن أنها لم تصبر عليه.
ابتسم بسعادة وتكلم بمزاح:
"أيه معندكيش صبر تستنى اجيلك ولا ايه؟"
استدار سريعًا، لكن الابتسامة ماتت فورًا.
تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية.
كانت مريم، جالسة على مقعدها المتحرك.
تنظر إليه بابتسامة هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها خرابًا كاملًا.
تكلم بعدم تصديق:
"انتي! أنتي أزاي جيتي هنا؟ ممكن حد يشوفك؟"
حركت كتفيها بعدم اهتمام وقالت:
"مبقتش تفرق، كل حاجه على المكشوف دلوقتي، وانا لما لاقيت اللعبه عجبتك، قولت اجيلك بنفسي، وأهو نبدأ الخطوة التانيه سوا."
أغلق عينيه بضيق، وكأن الكلمات تخنقه، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما خرجي رنيم من الموضوع ده، اصلا البنت ملهاش اي ذنب فى اللي ابوها عمله فيكي، يمكن هي كمان اتظلمت زيك، احنا انتقامنا من غريب وترنيم وعيالهم وتامر وبس."
وفي تلك اللحظة، كان القدر أسرع من أي محاولة للهروب.
وقفت رنيم أمامه، الدموع تتجمع في عينيها، وجهها شاحب، وصدمتها كانت أكبر من أن تخفى، كانت تنظر إليه، وكأن الأرض انشقت تحت قدميها.
وكأن كل لحظة دافئة جمعتهما منذ قليل تحولت في ثانية إلى خنجر غرس في قلبها.
وكان شاهين يعلم، من نظرتها وحدها، أن اللحظة التي خاف منها طويلًا، قد جاءت أخيرًا.
