رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل العشرون
وقفت رنيم مكانها كأن الأرض قد انشقت تحت قدميها، وكأن العالم كله توقف في لحظة واحدة، لحظة ثقيلة، قاسية، سقطت فوق قلبها كالصاعقة. تجمعت الدموع داخل عينيها حتى صارت تحجب عنها الرؤية، لكنها أبت النزول، كأن كبرياءها كان آخر ما تبقى لها وسط هذا الانهيار المفاجئ. كانت تنظر أمامها بعينين متسعتين، غير قادرتين على استيعاب ما تراه، ولا على تصديق أن الحقيقة التي كانت تقف أمامها الآن أكثر قسوة مما تخيلت يومًا.
شعرت وكأن شيئًا حادًا قد انغرس داخل صدرها، يمزقها ببطء، بلا رحمة. كل لحظة مرت بينها وبين شاهين، كل نظرة، كل كلمة، كل لمسة، مرت أمام عينيها في ومضة خاطفة، لكنها الآن بدت لها وكأنها مشاهد من خدعة محكمة، كأنها كانت تعيش داخل وهم جميل انهار فجأة فوق رأسها.
أما شاهين، فما إن وقعت عيناه عليها حتى شعر وكأن الدم تجمد في عروقه. انقبض قلبه بعنف، وأغلق عينيه للحظة طويلة، يحاول كبح تلك العاصفة التي انفجرت داخله. أدرك فورًا أن ما حدث لم يكن صدفة، بل كان فخًا مدبرًا بإحكام، نسجته مريم وزين بعناية، ليكشفا الحقيقة أمام رنيم في أكثر اللحظات قسوة، وفي أكثر توقيت قادر على تمزيق كل ما بناه معها.
كان يعلم أن الحقيقة مؤلمة، لكنه لم يكن يريدها أن تعرفها بهذه الطريقة، لا وهو يرى الحب بدأ يتسلل إليها، ولا وهو بدأ يسمح لنفسه أن يشعر بها بصدق.
اقترب منها بخطوات بطيئة، مترددة، وكأنه يخشى أن تنهار أكثر بمجرد اقترابه، لكنه توقف فورًا حين رفعت يدها نحوه، إشارة حادة، قاطعة، وكأنها تبني بينهما حاجزًا لا يكسر.
وتكلمت بغضب:
"خليك عندك متقربش! انت أزاي ممثل شاطر اوي كده؟ بس الصراحه محتاج تدرب اكتر علشان كانت فيه نظرة فى عيونك مقدرتش تداريها غموض كان واضح زي عين الشمس، لا بقى وعايش دور الحبيب الرومانسي اللي بيهتم بكل تفاصيلي وانت شيطان ابن شيطانه، بس ازاي ابنها ازاي؟"
خرجت كلماتها كسكاكين حادة، لا تصيبه وحده، بل تصيبها هي أيضًا. كانت تتكلم بغضب، لكن خلف الغضب كان هناك وجع أعمق من أن يحتمل، وجع الخديعة، وجع السقوط المفاجئ من قمة الأمان إلى قاع الشك.
ثم التفتت نحو مريم، ونظراتها مشتعلة بحقد قديم لم يمت يومًا، وكأن الماضي نهض من قبره دفعة واحدة.
وقالت بغضب وكره شديد:
"انتي ازاي عايشه لحد دلوقتي؟ انتي مش المفروض موتي واندفنتي؟ وايه رجعك بعد السنين دي كلها؟ ظهورك دلوقتي بيدل انك مش ناويه على خير، علشان عمرك ما جه من وراكي خير."
كانت كلماتها ترتجف، ليس خوفًا، بل من شدة الغليان الذي انفجر داخلها. صورة والديها، صرخاتهما، الألم، الدم، كل شيء عاد إليها دفعة واحدة وكأن السنوات لم تمر.
ثم التفتت إلى زين، وعيناها ممتلئتان بذهول ممزوج بالقهر، وكأنها لم تعد تعرف من يقف معها ومن يقف ضدها.
وتكلمت بغضب:
"وانت ازاي متقبل واحده زي دي؟ كانت خاطفه امك وهي السبب فى موتها، انا مش هنسى نظرت الكره والشر يومها، دي ست مجرمة دم امي وابويا ملطخ فى ايديها، رد عليا يا زين بتعمل ايه الوليه دي هنا؟"
أما مريم، فقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة امرأة ترى الفوضى التي صنعتها بعينيها وتتلذذ بها. كانت تنظر إلى انهيار رنيم وكأنها ترى انتصارًا صغيرًا في بداية معركة طويلة.
اقتربت منها بمقعدها المتحرك، ببطء متعمد، وكأنها تستمتع بكل ذرة ألم تراها في عينيها.
وتكلمت بنبرة مخيفة:
"مالك يا بنت فريدة؟ ايه مزعلك اني لسه عايشه؟ ما طبيعي لازم اكون عايشه مريم مش هتموت بسهولة كده، وبعدين دي مقابله تقابلي بيها خالتك؟ بالحضن يا بنت بنت خالتي."
تراجعت رنيم خطوة إلى الخلف، كأن قربها منها كان يلوث الهواء نفسه، وشعرت بالغثيان من مجرد سماع صوتها، ذلك الصوت الذي حمل في ذاكرتها كل الخراب.
ونظرت لها باشمئزاز وقالت:
"اسكتي بس، مش عايزة اسمع صوتك، نفس الصوت نفس النبرة وقتها نفس النظرة اللي غدرتي بيها بماما وبابا، انتي اللي زيك المفروض مكانها تحت التراب، مينفعش تعيشي وسط البشر، لانك خطر عليهم."
كانت ترتجف، ليس ضعفًا، بل من شدة الألم الذي عاد ينبض حيًا داخلها، كأن الجرح القديم لم يلتئم يومًا، بل كان ينتظر هذه اللحظة ليفتح من جديد.
أما شاهين، فقد كان يقف هناك يشعر وكأن كل شيء ينهار أمام عينيه، عاجزًا للمرة الأولى عن إصلاح شيء.
أغلق عينيه للحظة، ثم اقترب منها، وصوته خرج مثقلًا بالعجز والاختناق:
"رنيم اهدي ارجوكي."
لكن مجرد سماع اسمها على لسانه كان كافيًا ليشعل غضبها أكثر، كأن صوته نفسه أصبح خيانة. وتكلمت بصراخ:
"متجبش اسمي على لسانك، فاااهم، من هنا ورايح لو شفتني حتى لو صدفه اياك تقرب مني ولا تفكر تنطق معايا بحرف واحد، وبجد براڤوا عليك نفذت مهمتك على أتم وجه، دمرت حياتي، خسرتني شغلي، ادتني اهم درس فى حياتي، اني مأمنش لناس ولا عمري اثق فى حد مهما كان مين، شكرا على الدرس بس مش مجاني، لأن دفعت تمنه حاجه غاليه اوي عليا."
كل كلمة قالتها كانت تخرج من قلب ينزف، من روح بدأت للتو تدرك أنها سلمت نفسها لمن لم يكن من المفترض أن تثق به.
استدارت متجهة إلى الباب، كأنها تريد الهرب من المكان، من الوجوه، من الحقيقة كلها.
لكن شاهين ركض خلفها، أمسك ذراعها بسرعة، وكأن تركها الآن يعني خسارتها للأبد. وتكلم بنبرة مختنقة:
"رنيم أنا مقدر الحالة اللي انتي فيها، بس اديني فرصه واحده بس افهمك كل حاجة."
نزعت يدها من يده بعنف، وكأن لمسته باتت تحرقها.
وتكلمت بغضب شديد محذرة إياه: "قلتلك متجيبش اسمي على لسانك، وملكش دعوة بيا خالص."
شعر شاهين أن قلبه ينتزع من مكانه، لكنه تمسك بآخر خيط.
أمسك ذراعها مرة أخرى، وهذه المرة بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا، رجل يرى حياته كلها تنزلق من بين يديه. وقال:
"اديني فرصه واحده بس وبعد كده اعملي اللي انتي عايزاه."
وقبل أن ينطق بحرف آخر، اقترب زين، وانتزع يده عنها ببرود مستفز، وكأنه يعلن انتصاره بصمت.
ثم ابتسم له بشر وتكلم بصوت استفز شاهين من الداخل وقال:
"امشي يا قلب اخوكي ملناش مكان هنا."
نظرت رنيم إلى مريم، وعيناها مشبعتان بالكراهية، ثم حولت نظرها إلى شاهين.
وهنا كانت الطعنة الأشد، لم تكن نظرة غضب فقط، بل نظرة انكسار.
نظرة قلب أحب رغمًا عنه، ثم اكتشف أن حبه قد يكون أكبر خطأ ارتكبه.
نظرة قالت كل شيء دون أن تنطق.
وجع. خذلان. حب مكسور.
ثم تحركت سريعًا مع زين نحو الخارج، وكأنها تهرب قبل أن تنهار أمامهم.
ظل شاهين واقفًا مكانه يتابعها حتى اختفت عن ناظريه، وكانت تلك الثواني كافية ليشعر بأن شيئًا داخله قد انكسر بالفعل.
استدار ببطء نحو مريم، وعيناه لمعتا بشر لم تره فيه من قبل. لم يعد ذلك الابن الذي تظنه ما زال يسير وفق خطتها، بل رجل بدأ يتمرد على كل شيء.
كان الغضب يتصاعد داخله كالنار، لكنه خرج هادئًا، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة. وتكلم بهدوء حذر:
"ارتحتي انتي كده؟ مفكرة أنك حطتيني قصاد الأمر الواقع؟ يبقى متعرفيش ابنك كويس، وان انا دراعي مبيتلويش، وبعد ما كنت عضو معاكم ضدها، هحميها منكم واللي أمه داعيه عليه يفكر يقرب منها، ويا ويلكم من غضب شاهين الرواي، اللي انتوا لسه متعرفهوش."
كانت كلماته إعلان حرب صريح، وتمردًا كاملًا على الماضي الذي صنعته له.
أنهى كلماته وخرج سريعًا، لكن حين مر أمام باب شقة رنيم توقف للحظة.
نظر إليه طويلًا، كأن خلف ذلك الباب توجد روحه التي خرجت منه.
شعر بوجع قاسي يخنق صدره، وجع لم يعرفه حتى في أقسى أيام حياته.
للمرة الأولى، فهم معنى أن تخسر شخصًا قبل أن يصبح لك.
هبط إلى الأسفل بخطوات ثقيلة، كأن كل خطوة كانت تسحق جزءًا منه، ثم صعد إلى سيارته وغادر بسرعة، هاربًا من المكان، من الذكرى، ومن نفسه.
أما مريم، فقد أسندت ظهرها إلى المقعد، وعيناها تلمعان بذلك الرضا المرعب.
كانت تحتفظ بابتسامتها الشيطانية، ابتسامة امرأة نجحت في تحريك أول قطعة في لعبتها الكبيرة.
أما زين، فكان يبتسم هو الآخر بصمت.
فقد بدأت الحرب فعلًا، لكن أحدًا منهم لم يكن يعلم أن هذه الخطوة، بدلًا من أن تعيد شاهين إليهم، قد تدفعه ليحرق العالم بأكمله لأجل عيونها وأصبح أعلان واضح بالحرب ضدهم بالكامل.
**************************
وقفت رنيم في منتصف الغرفة كأنها فقدت القدرة على الثبات، والغضب يشتعل داخلها كالنار، يلتهم ما تبقى من هدوئها واتزانها. رفعت يدها إلى شعرها تدفعه إلى الخلف بعنف مضطرب، وكأنها تحاول إبعاد الفوضى التي اجتاحت رأسها، أو ربما تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار. كانت أنفاسها متقطعة، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها ممتلئتان بدموع ثقيلة تقف عند الحافة، تقاوم السقوط كما تقاوم هي الاعتراف بحجم الألم الذي يمزقها.
كانت تشعر وكأن الأرض قد سحبت من تحتها دفعة واحدة، وكأن كل شيء كانت تتكئ عليه في حياتها قد انهار في ليلة واحدة. لم تكن صدمة شاهين وحدها هي ما يحطمها، بل فكرة أن الخديعة كانت أقرب إليها مما ظنت، وأن الناس الذين ظنتهم ملاذًا، كانوا جزءًا من العاصفة نفسها.
رفعت عينيها إلى زين، ونظرت إليه طويلًا، نظرة ثقيلة محملة بكل ما لم تستطع احتماله؛ لوم، عتاب، خيبة، ووجع لا يحتمل.
ثم تكلمت بصوت مختنق مليء باللوم والعتاب:
"ليه يا زين؟ ده انا قولت أن ماليش غيرك، كنت مفكراك السند والعوض، ليه تروح تحط ايدك فى ايد الست اللي كانت سبب قتل امك وقتل بابا؟ انت عارف انا دلوقتي حاسه بأي؟ حاسه بخذلان من الناس كلها وأولهم انت."
خرجت كلماتها مهزوزة، مكسورة، كأنها تنتزع من صدرها انتزاعًا. لم تكن تعاتبه فقط، بل كانت تعاتب الحياة كلها، تعاتب الأقدار التي لا تكف عن انتزاع الأمان منها كلما ظنت أنها وجدته.
اقترب منها زين سريعًا، وفي ملامحه ذلك القلق المصطنع الذي أتقنه جيدًا، بينما داخله كان يراقب انهيارها خطوة بخطوة، مستمتعًا بثمار خطته التي بدأت تؤتي أُكلها.
حاول أن يتكلم بكذب:
"وحياتك عندي ما حصل، أنا لما شفت شاهين ده مرتحتش ليه، شفت الغدر فى عيونه ليكي، حسيت أنه وراه حاجه سألت عليه وعرفت أنه ابن بنت خالة ماما ولما روحت وجهتها قالتلي ايوه أنه ابنها ومتفقين مع بعض أنه يوقعك في حبه وبعد كده تسلمي ليه ويضحك عليكي و يخسرك كل حاجه الشركة واهلك ويدمرك، وانا خفت عليكي واترجتها أنها تبعده عنك، وكنت هبوس ايديها، لحد ما وافقت وجات معايا علشان تخليه يبعد عنك، وهي دي المفاجأة اللي كنت قايلك عليها، علشان اثبتلك حبي ليكي، احنا اخوات يا بت ملناش غير بعض."
كانت كلماته تنساب إلى عقلها المنهك كسمّ بطيء، يجد أرضًا خصبة داخل روح مرتبكة، عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والكذب. في تلك اللحظة، كانت ضعيفة بما يكفي لتصدق أي شيء يبرر لها هذا الخراب.
وقفت مكانها تنظر إليه بعينين زائغتين، وكأنها تحاول التقاط الحقيقة من بين هذا الركام كله. لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تمسك.
وفجأة انهارت الدموع.
انهمرت بلا مقاومة، حارة، موجعة، كأنها تحمل معها كل ما احتبسته داخلها منذ البداية.
وتكلمت من بين شهقاتها:
"أنا مش مصدقه نفسي يا زين أن شاهين يطلع كده، يعني كل ده كان تمثيل؟ ليه طيب انا، انا عملت ايه علشان يوجعني بالشكل ده؟ وهي عايزه تنتقم مني ليييه؟ المفروض العكس هي اللي قتلت بابا وماما يعني انا اللي انتقم منها مش هما."
كان صوتها ممزقًا، يحمل دهشة موجعة أكثر من الغضب. كانت لا تزال تبحث عن تفسير منطقي، عن سبب، عن أي شيء يخفف وطأة الخذلان.
داخلها، كانت صورة شاهين تتصارع مع الحقيقة التي رأتها بعينيها. قلبها كان يصرخ رافضًا تصديقه، وعقلها يجلدها بالحقيقة التي لا مهرب منها.
اقترب منها زين واحتضنها بقوة، يضمها إليه بحنان زائف، بينما كانت عيناه تلمعان بانتصار خفي.
وتكلم بحنية مزيفة وقال:
"اهدي يا قلب اخوكي، دموعك غاليين عليا اوي، بس انا ليا رأي تاني ايه رأيك أقولها ليكي؟"
ابتعدت عن حضنه ببطء، ومسحت دموعها المرتبكة، ونظرت إليه باستغراب، كأنها تتشبث بأي حل، بأي طريق يشعرها أنها ليست الضحية الوحيدة في هذه اللعبة.
وأومأت برأسها له وقالت:
"قول!"
أمسك يدها وأجلسها بجواره على الأريكة، وكأنه يهيئها لزرع الفكرة الأخيرة داخل عقلها. وقال:
"السبب الرئيسي فى عذاب ماما كانت مين؟ مش ترنيم؟ الست دي بقى اكتر حد بتكرهه فى حياتها هي ترنيم وجوزها وعايزة تنتقم منهم بأي شكل وبما انك انتي الوحيدة اللي مسموح ليكي تدخلي عندهم ممكن تساعديها على انتقامها ده وبكده تبقي جبتي حق امنا وبعد كده اساعدك تنتقمي من مريم وابنها ونبقى كده ضربنا عصفورين بحجر واحد، وانتقامنا لامنا ولابوكي."
سقطت كلماته عليها كعبء جديد.
انتقام؟ مساعدة مريم؟ المرأة التي كانت سببًا في دمار حياتها؟
ارتجف قلبها بقوة.
نظرت أمامها بتوتر، تشعر أن الأمور تتشابك حولها أكثر فأكثر، وأنها تسحب إلى طريق مظلم لا تعرف نهايته.
وحركت رأسها بالرفض وقالت بتوتر:
"ل لا طبعا، أنا اه بكرههم بس مش هقدر أعمل كده، صدقني صعب عليا."
خرج رفضها فوريًا، كأنه آخر ما تبقى من نقاء روحها، آخر خيط يربطها بإنسانيتها.
لكن زين لم يتراجع. بل اقترب أكثر، يضغط على نقاط ضعفها، يغذي ألمها، يضخم غضبها، ويعيد تشكيل أفكارها بما يخدمه. وتكلم سريعًا محاولًا إقناعها قائلاً:
"يا بنتي افهمي، الطيب فى الزمن ده ملوش مكان، وإذا كان مريم ولا ترنيم ولا غريب ولا حتى شاهين، دول أهم حاجه عندهم مصلحتهم ولو جاتلهم الفرصه أنهم يدوسوا عليكي بجزمتهم، هيعملوا كده، ومش هيسموا عليكي، اسمعي كلامي نستفيد منهم ونضربهم فى بعض واحنا نخرج منها بسلام."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت للحظة أن منطقه يبدو مقنعًا، أو ربما لأنها كانت متعبة جدًا لتقاومه.
لكن ما إن ذكر اسم شاهين بين هؤلاء، حتى توقف شيء داخلها.
شيء رفض.
رفض أن يضعه في الصف نفسه.
ورغم كل ما رأته، رغم كل ما سمعته، كان قلبها يقف ضدها، يدافع عنه، يبرره، يتمسك به بطريقة أثارت غضبها من نفسها.
لماذا؟ لماذا ما زال قلبها يرفض كرهه؟
لماذا، رغم كل شيء، ما زالت تتذكر نظرته الأخيرة وكأنها كانت صادقة؟
كانت هذه الفكرة تؤلمها أكثر من الخديعة نفسها، لأنها تعني شيئًا واحدًا، أنها وقعت فيه بالفعل.
أعادها من شرودها صوت زين المتسائل قائلًا:
"ها قولتي أيه؟"
رفعت عينيها إليه ببطء، ونظرت له نظرة طويلة، ثقيلة، نظرة إنسانة تقف على حافة قرار سيغير كل شيء.
داخلها كانت الحرب دائرة.
بين وجعها، وغضبها، وحنين قلبها، ورغبتها في الانتقام.
وفي النهاية، غلبها الوجع. وحركت رأسها بالموافقة.
وفي اللحظة التي فعلتها، شعرت بشيء بداخلها ينكسر أكثر، كأنها خطت خطوة في طريق لا عودة منه.
احتضنها زين بسعادة، يخفي انتصاره خلف قناع الأخ الحنون.
وتكلم بنبرة منتصرة:
"قلب اخوكي من جوه."
وظل يربت على ظهرها بهدوء، بينما كانت دموعها الساخنة تنهمر فوق صدره بلا توقف، تبكي حبًا خذل، وأمانًا ضاع، وقلبًا لم يعد يعرف أين يقف.
أما هو، فارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية باردة، وهو يشعر بلذة النجاح بعدما حصل أخيرًا على ما أراده.
لقد سقطت رنيم في الفخ، ولم تكن تعلم بعد أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
***************************
عند شاهين...
جلس داخل سيارته وكأن العالم كله قد انطبق فوق صدره دفعة واحدة، وكأن الهواء من حوله صار أثقل من أن يدخل إلى رئتيه. أسند رأسه فوق عجلة القيادة، وأغمض عينيه بقوة، بينما الغضب كان يتضاعف داخله بصورة مرعبة، يتكاثر كالنار كلما استعاد ما حدث منذ دقائق، وكلما ارتسمت أمام عينيه صورة رنيم وهي تنظر إليه بتلك الصدمة الموجعة، بتلك النظرة التي حملت داخلها خذلانًا لم يستطع احتماله. كانت أنفاسه مرتفعة بشكل واضح، حادة ومتلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة كبيرة، كأن قلبه يخوض حربًا عنيفة داخل ضلوعه، حربًا بين ماضيه الذي يطارده، وحاضره الذي بدأ يتشكل معها، وبين الحقيقة التي انكشفت لها بأبشع صورة ممكنة.
كان يشعر أن كل شيء انهار في لحظة واحدة، وكأن الحياة التي بدأ يلمسها بيديه سحبت منه فجأة قبل أن يطمئن إليها. منذ متى وهو يشعر بهذا؟ منذ متى أصبح مجرد التفكير في خسارتها كافيًا لخنقه بهذا الشكل؟ لم يكن يعلم، لكنه الآن يعرف جيدًا. يعرف أن رنيم لم تعد مجرد فتاة اقتحمت أيامه، بل أصبحت الجزء الهادئ من روحه، الشيء الوحيد الجميل الذي تسلل إلى عالمه المظلم دون أن يستأذن.
وفجأة اعتدل في جلسته بعنف، وكأن النار التي تشتعل داخله لم تعد تحتمل الاحتباس، ورفع قبضته يلكم المقود بقوة، ضربة تلتها أخرى، ثم أخرى، حتى احمرت قبضته من شدة الضغط، وكأنه يعاقب نفسه، يعاقب ضعفه، يعاقب اللحظة التي سمح فيها لقلبه أن يتورط بهذا الشكل. كان يزأر مثل أسد جريح، صوته خرج من أعماقه، مليئًا بالقهر والغضب والألم، حتى بدا وكأنه زلزل المكان من حوله، ثم تكلم بصراخ غاضب:
"لييييه يا أمي لييييه، ليه في الوقت ده بالذات، كنت خلاص ما صدقت حياتي تتغير، ما صدقت روحي بدأت تطهر، قلبي ما صدق يلاقي الراحه، رنيم مبقتش مجرد شخص عادي بالنسبالي، رنيم بقت هي حياتي، الضحكه اللي نورت دنيتي بعد سنين عذاب."
خرجت الكلمات منه كاعتراف موجع، اعتراف لم يقله لأحد من قبل، حتى لنفسه. وللمرة الأولى شعر أن الحقيقة التي كان يهرب منها وقفت أمامه واضحة بلا مفر. نعم، رنيم أصبحت حياته فعلًا، أصبحت الشيء الوحيد الذي أعاد إليه إحساسه بأنه إنسان، لا مجرد أداة للكره والانتقام. معها فقط شعر أن قلبه ما زال حيًا، وأن داخله شيء يستحق النجاة.
تذكر ابتسامتها، ارتباكها، نظرتها الخجولة حين كان يقترب منها، والطريقة التي كانت تتلعثم بها أمامه، فتتسلل إلى قلبه دون مقاومة. تذكر كيف كان ينتظر صوتها، كيف أصبح يومه يبدأ وينتهي بها، وكيف صار يخاف عليها أكثر مما يخاف على نفسه. والحقيقة التي كانت تقتله الآن، أنه لم يعد قادرًا على تخيل حياته بدونها.
شعر براحة غريبة تتسلل إلى صدره بعدما أخرج ما كان مختبئًا داخله، وكأن هذا الاعتراف، حتى لو كان بينه وبين نفسه فقط، حرره من حمل ثقيل ظل يكتمه طويلًا. يكفي أنه اعترف أخيرًا بما يسكن قلبه، بما صار حقيقة لا يمكن إنكارها.
ثم عاد مرة أخرى وأسند رأسه فوق عجلة القيادة، أنفاسه لا تزال لاهثة، لكنها هذه المرة كانت مثقلة بالحزن أكثر من الغضب. أغمض عينيه بقوة، بينما داخله يتوعد بشيء واحد فقط، حماية رنيم. مهما حدث، مهما كرهته بعد اليوم، مهما ابتعدت عنه أو رفضت سماع تفسيره، سيظل يحميها، سيقف بينها وبين أي أذى، حتى لو كان الثمن عمره كله. لأنه أدرك أخيرًا أن خسارتها ليست مجرد ألم، بل نهاية الجزء الوحيد النقي الذي ولد داخله من جديد.
***************************
مرت عدة أيام...
لكنها لم تمر كما تمر الأيام العادية، بل مرت ثقيلة، متخمة بالاختناق، كأن الزمن نفسه أصبح عالقًا فوق رؤوس الجميع، لا يتحرك إلا ليزيد الجراح اتساعًا. ظل الوضع معلقًا فوق صفيح ساخن، وكل طرف في هذه الدائرة المشتعلة يعيش حربه الخاصة بصمت ينهش روحه ببطء.
رنيم كانت تغلق كل الأبواب أمام شاهين، ترفض كل محاولاته للتبرير، لا تمنحه فرصة واحدة للكلام، وكأنها تخشى أن تسمع منه شيئًا قد يضعف غضبها أو يهز قرارها. كانت تحاول أن تتمسك بخذلانها حتى لا تعترف بأن جزءًا منها ما زال متعلقًا به رغم كل شيء. أما شاهين، فكان يعيش أيامه كمن فقد شيئًا من روحه، يراقبها من بعيد، يحترق بصمت، عاجزًا عن الاقتراب، وعاجزًا أكثر عن الابتعاد.
زين كان يتحرك بخطوات محسوبة، يعمل بكل ما لديه ليصل إلى غايته الشريرة، يستغل ضعف رنيم، وجراحها المفتوحة، ويغذي داخلها نار الانتقام شيئًا فشيئًا، حتى يجعلها قطعة أساسية في لعبتهم القذرة.
أما مريم، فقد استقرت مع شاهين تحت سقف واحد، وجودها وحده كان كافيًا ليحول المكان إلى ساحة صامتة من التوتر والعداء. لم يتحدث معها شاهين منذ ذلك اليوم، وكأن بينهما جدارًا من غضب وكراهية لم يعد بالإمكان تجاوزه.
وفي مكان آخر، كانت جواهر تجلس فوق سريرها البارد داخل السجن، ترفض الحديث مع الجميع، ترفض حتى النظر في وجوه من حولها، كأن روحها انسحبت منها وتركت جسدها فقط. ورغم محاولات زينات المستمرة للوقوف بجانبها وانتشالها من تلك الهوة المظلمة، إلا أن جواهر كانت غارقة في ألمها، في صدمتها، وفي خوفها من مستقبل مجهول.
أما جواد، فلم يتوقف لحظة عن البحث. كان يجوب الطرقات، يفتش في كل زاوية، يبحث عن دليل واحد فقط، دليل يعيد لها حقها، ويعيدها إليه. كان قلبه مجروحًا، منكسرًا، وكل لحظة تمر عليه دونها كانت تمزقه أكثر.
غريب وتامر لم يتركا أروى وحدها لحظة، شددا الحراسة حولها ومنعا خروجها تمامًا في تلك الفترة، خوفًا من أن تمتد إليها الأيدي نفسها التي تعبث بالجميع. حتى أحمد، الذي اعتادت رؤيته في الأيام الأخيرة، صار غيابه فرضًا ثقيلًا عليها.
وترنيم كانت بجانب سمية، تساندها بكل ما تملك، بعدما تدهورت حالتها الصحية بسبب الحزن على ابنتها، ذلك الحزن الذي أكل من جسدها وروحها معًا.
أما وحيد، فقد اختفى تمامًا، وكأنه تبخر من الوجود. لا أحد يعلم أين هو، ولا ماذا حدث له، لا أحد سوى مريم وزين، منذ تلك المواجهة الأخيرة التي اشتعلت بينهما، بعدما واجهها باتهامه الصريح بقتل أخته.
وفي صباح يوم جديد...
جلس جواد على المقعد داخل غرفة الزيارة، جسده حاضر، لكن روحه كانت معلقة خلف ذلك الباب الذي ينتظر أن تفتح منه الحياة أو يخرج منه المزيد من الوجع. كان قلبه يخفق باضطراب، ولهفة موجعة تأكل صدره، وكأن كل دقيقة انتظار تمر فوقه كانت سنة كاملة.
عيناه كانتا معلقتين بالباب، لا ترى شيئًا غيره، ولا تنتظر أحدًا سواها.
وحين انفتح الباب أخيرًا بصوته المعدني القاسي، انتفض جواد واقفًا في اللحظة نفسها، كأن جسده تحرك قبل عقله.
ظهرت هي، لكنها لم تكن جواهر التي يعرفها.
كانت نسخة باهتة منها.
وجهها شاحب بصورة موجعة، وكأن الحياة انسحبت من ملامحها، والهالات السوداء تحت عينيها احتلت مساحة واسعة، شاهدة على ليالي طويلة من البكاء والأرق والخوف. يداها كانتا متشابكتين ببعضهما بقوة، لكن ارتعاشهما كان واضحًا، كأن جسدها كله يرتجف تحت وطأة ما تعيشه.
وعيناها، كانتا ممتلئتين بالدموع التي توقفت على الحافة، وكأنها عاجزة حتى عن السقوط.
تحركت نحوه ببطء شديد، بخطوات مترددة، منهكة، كأن الطريق بينهما صار أطول من أن يقطع بسهولة.
لكنه لم ينتظر.
ركض إليها وكأن روحه كانت تسبقه، وما إن وصل إليها حتى عانقها بقوة، عناقًا عنيفًا، موجوعًا، عناق رجل وجد نفسه بعد ضياع.
ضمها إليه حتى كاد يسحق عظامها من شدة احتياجه لها، من شدة خوفه عليها، من شدة شوقه الذي كاد يمزقه في غيابها.
وحين سمع أنينها الخافت من قوة عناقه، لم يبتعد، بل دفن رأسه في عنقها، وكأنها الملاذ الوحيد الذي ينجو به من كل هذا الخراب.
وفي تلك اللحظة، هبطت دمعة ساخنة من عينه، سقطت فوق عنقها.
شعرت بها، ابتعدت عنه ببطء، ورفعت عينيها إليه، وما إن رأت تلك الدمعة حتى اهتز شيء بداخلها.
حركت رأسها بالرفض، ورفعت أصابعها المرتجفة تمسح أثر الدمع عن خده، وكأن دموعه كانت أشد وجعًا عليها من كل ما تعيشه، ثم تكلمت بصوت ضعيف مختنق، وقالت:
"لا عاش ولا كان اللي ينزل دموع جواد ضرغام، دول غاليين عندي ولو انت ضعفت، مين هيقويني؟"
انكسر قلبه أكثر عند كلماتها.
كيف لها، وهي المسجونة المظلومة، أن تفكر فيه هو أولًا؟
اقترب منها ووضع قبلة طويلة مرتجفة فوق خدها، وكأنه يعتذر عن عجزه، ثم ابتعد عنها وقال بصوت مختنق:
"وحشتيني أوي يا جواهر، وجودك هنا صعب اوي عليا، انا حاسس اني متكتف واني مستحقش حبك ليا ده."
وضعت أصابعها المرتعشة فوق شفتيه، تمنعه من إكمال هذا الجلد القاسي لنفسه، ثم تكلمت بصوت موجوع:
"متقولش كده يا جواد، مافيش غيرك اللي يستحق قلبي وحبي، انت اجمل حاجه فى حياتي، حبك اللي مقويني ومصبرني على اللي انا فيه ده."
جلس على المقعد وأجلسها أمامه، وكأنه يريد أن يحتفظ بها بين يديه لأطول وقت ممكن، وأمسك يدها بين كفيه، يتمسك بها كأنها آخر ما يملكه، وقال:
"انتي جميله اوي يا جواهر، يعني بدل ما أنا اللي اقويكي، انتي اللي بتحاولي تقويني، الحياة صعبه اوي من غيرك والله."
ابتسمت له ابتسامة حزينة، مكسورة، لكن فيها بقايا روحها المرحة، ثم تكلمت بمزاح حزين:
"اهو علشان تعرف قيمتي ومتتعصبش عليا على الفاضي والمليان، ده انا مشوفتش الشخصيه الهاديه الكيوت دي غير بعد المصايب السودا دي."
ابتسم رغم الألم الذي يمزق صدره، وكأنها ما زالت قادرة على انتشاله من حزنه حتى وهي غارقة في حزنها، وقال:
"لسه لمضة زي ما انتي وشقيه، يا جواهر، اخرجي بس من هنا وانا اوعدك، مش هتعصب عليكي تاني مهما حصل منك."
تنهدت بوجع، وكأن سؤالًا كان يخنقها منذ أيام، ثم قالت بتساؤل:
"امي عاملة ايه يا جواد؟ اكيد منهارة صح؟"
زاغ بصره بعيدًا عنها للحظة، لأنه يعلم أن الحقيقة مؤلمة، لكنه لا يريد أن يزيدها وجعًا، ثم قال:
"متقلقيش عليها يا عمري أمي معاها ومش بتسيبها."
شعرت بالقلق يزداد داخلها، وسألته بسرعة:
"ماما كويسه يا جواد؟"
زفر بضيق وقال بصوت مختنق:
"كويسه بس السكر والضغط مش مظبوطين عندها من زعلها عليكي، بس ماما قاعدة معاها ومتابعه صحتها وبتديها علاجها فى وقته."
توقفت الغصة في حلقها، وأغمضت عينيها تمنع دموعها من الهبوط، لأن مجرد تخيل أمها وحدها كان يمزقها، ثم قالت:
"خلي بالكم منها يا جواد هي دلوقتي ملهاش غيركم."
ثم تذكرت رنيم.
تلك التي كانت تعتبرها روحًا أخرى لها.
رفعت عينيها وسألته بصوت مختنق:
"ورنيم! متعرفش حاجه عنها؟"
حرك رأسه بالنفي، والغضب ظهر في صوته وهو يقول:
"لا معرفتش، من ساعة ما سابت الفيلا واخدت شقه لوحدها محدش يعرف حاجة عنها."
شردت للحظة، ثم نظرت أمامها بوجع عميق، وقالت:
"عارف انا صدقت دلوقتي مقولة تسلم الشدة اللي تبين عدوك من حبيبك، أنا اكتر حد مصدومه فيه هي رنيم، ده انا كنت بعتبرها اختي أقرب حد ليا، ازاي جالها قلب تتخلى عني فى وقت زي ده؟ ازاي؟"
ربت على يدها بحنو وقال:
"متفكريش فى حد دلوقتي ولما تخرجي من هنا بالسلامه، ابقى اقعدي معاها وافهمي منها ليه عملت معاكي كده."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة موجوعة، فاقدة للأمل، وقالت بصوت مختنق:
"تفتكر هخرج من هنا؟ أنا حاسه ان عمري كله هقضيه هنا، وان الدنيا بره مش هشوفها تاني."
مجرد الفكرة جعلت قلبه ينتفض بعنف، كأن أحدهم طعنه بها.
هز رأسه بعنف، ثم احتضنها بقوة، وكأنه يرفض حتى احتمال هذا المصير، وقال بصوت مختنق:
"لا متقوليش كده، انتي هتخرجي من هنا وهنعمل فرحنا وهيتقفل علينا باب واحد وهيكون عندنا عيال كتير اوي مني ومنك."
اهتز قلبها عند تلك الصورة التي رسمها لها، بيت، حياة، أطفال، مستقبل كانت تخشاه أن يضيع منها.
هبطت دمعة من عينيها، لكنها مسحتها سريعًا قبل أن يراها، ثم قالت:
"أن شاءالله يا حبيبي."
وفي تلك اللحظة، جاء الصوت القاسي من الخارج، معلنًا نهاية الزيارة:
"الزيارة انتهت."
كان وقعها كالحكم على قلبين لم يشبعا من بعضهما.
استقامت جواهر بجسدها بصعوبة، بينما وقف جواد أمامها، أمسك يدها ورفعها إلى شفتيه يقبلها بحب وألم، ثم قال بصوت مختنق:
"خلي بالك من نفسك وانا جبتلك اكل وهدوم وهكون عندك الزيارة الجايه، ومتقلقيش أنا مش هسكت غير لما اجيب دليل برأتك واخرجك من هنا."
أومأت له برأسها، عاجزة عن الكلام.
اقترب منها وقبل رأسها بوجع، قبلة رجل يودع جزءًا من قلبه.
ثم تحركت إلى الخارج، وما إن ابتعدت عنه، وما إن خرجت من دائرة أمانه، حتى انهارت كل القوة التي كانت تتماسك بها.
سمحت لدموعها بالسقوط أخيرًا.
انهارت شهقاتها بقوة، موجعة، ممزقة، حتى انتشرت في المكان كله، وسمعها كل من داخل السجن، شهقات امرأة لا تبكي فقط على ظلمها، بل تبكي على حياة كاملة تسحب منها ببطء.
