رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني
كانت أروى تجلس على المقعد الجلدي المقابل لمكتب خالها تامر، لكنها لم تبدو مرتاحة أبدًا، كانت تتحرك في مكانها بقلق خفيف، تعبث بأصابعها أحيانًا، وأحيانًا أخرى تنفخ الهواء من صدرها في زفرات ضيق متلاحقة، بدا التذمر واضحًا على ملامحها، وكأن ضيقًا خفيًا يضغط على صدرها منذ فترة طويلة.
رفعت عينيها أخيرًا نحو خالها، وقالت بصوت اختلط فيه الضجر بالاختناق:
"انا زهقت يا خالو، حياتي ما بين مصر وتركيا، مافيش تغير خالص، والدراسه مطلعه عيني طلبت منهم اسافر مع البنات صحباتي وهما مش راضين، كلمهم انت يا خالو بليزز."
لم يتفاجأ تامر كثيرًا بانفعالها، بل تأملها لحظة بنظرة تحمل مزيجًا من الحنان والتسلية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة قبل أن يجيبها بروح ساخرة معتادة:
"يا اختي اتنيلي وتوكسي، ده تلت تربع بنات مصر هتموت وتروح تركيا، وانتي جايه تقولي زهقانه منها، احمدي ربنا انك عندك بلد تانيه بتروحي وتيجي عليها."
مدت أروى شفتيها للأمام في حركة طفولية، وكأنها تعلن احتجاجها الصامت على سخريته اللطيفة، ثم قالت بتذمر واضح:
"يا خالو أنا بتكلم بجد، أنا عايزة أسافر مع صحباتي بأي طريقة."
عندها ضيق تامر عينيه قليلًا وهو ينظر إليها بتفحص، لم يكن حديثها عاديًا في نظره، فقد التقط حدسه شيئًا خفيًا خلف إصرارها المفاجئ، مال بجسده قليلًا إلى الأمام، وسألها بنبرة يغلب عليها الشك:
"بت انتي، الموضوع ده فيه أن، تعالي معايا على الدوغري وقولي ايه موضوع السفر ده؟"
شعرت أروى للحظة أن نظرته اخترقت ما كانت تحاول إخفاءه، توترت ملامحها فورًا، وانعقد لسانها للحظة قصيرة قبل أن تبتلع ريقها بصعوبة وتقول محاولة إخفاء ارتباكها:
"م مافيش يا خالو، د ده سفر عادي ويك أند."
نهض تامر من خلف مكتبه ببطء، وكأن القرار قد اتخذ داخله بأن هذا الحديث لن ينتهي بسهولة، تقدم نحوها بخطوات هادئة، ثم جلس على المقعد المقابل لها مباشرة، كان قربه المفاجئ كافيًا ليزيد من توترها.
نظر إليها بعينين هادئتين تحملان دفئًا أبويًا واضحًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه عميق:
"زمان واحنا شباب قدك، كنا اخدين الدنيا ببساطة، كل حاجة مباحة حتى الغلط كان حلو فى عيونا، لحد ما الدنيا فؤقتنا بقلم على وشنا، فتح عنينا، بس للاسف وقتها فضلت تخدنا من حتة ترمينا فى حتة تانيه، ومن قلم لقلم اشد ومن وجع لوجع اكبر، وقتها بس فؤقنا وعرفنا أن الدنيا عمرها ما بتيجي بلوي الدراع، الدنيا عايزة المسايسة، عايزة عقل صاحي وقلب نضيف، فؤقنا بس للاسف الوقت كان اتأخر اوي، أنا بقولك الكلام ده ليه؟ علشان تعرفي، أن لو اهالينا قالوا لا على حاجة، ده لأنهم اتعلموا كتير أوي من تجارب الحياة، وشايفين اللي أنتي مش شايفه، خوفهم ده ناتج عن مصاعب عدوا بيها، وخطر كبير خسرهم أعز ما يملكوا، علشان كده، مش عايزك تزعلي ولا تتذمري، على رفضهم ده، لانك انتي اكتر واحدة عارفه، أن السفر ده وراه حاجه غلط، لأنها لو صح كنتي قولتيها ومخبتهاش."
ساد صمت قصير بعد كلماته، كأنها تركت أثرًا ثقيلًا في الجو بينهما.
ابتلعت أروى ريقها مرة أخرى، وقد شعرت بأن الكلمات أصبحت أثقل في حلقها، كان واضحًا أن المقاومة لم تعد مجدية، خفضت عينيها قليلًا، ثم قالت بخجل متردد:
"ب بص يا خالو، أنا مش هكدب عليك، أنا بحب واحد زميلي فى الجامعه، وهو كمان بيحبني، وهيطلع الرحلة دي مع مجموعة من أصحابنا، وفيه بنت عينيها عليه، ودي هتطلع معاهم، وانا لو مروحتش معاهم، خايفه البنت دي تستغل الفرصه وتقرب منه."
لم يبد على تامر أي انزعاج من اعترافها، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل شيئًا من الرضا، بدا وكأنه كان يتوقع الأمر منذ البداية. قال لها بنبرة عاقلة هادئة:
"طيب انا مش هقولك انتوا لسه صغيرين، ولا انتبهوا الاول لدراستكم، ولا الكلام الممل ده، هسألك سؤال، وعايزك تجاوبيني بصراحه."
هزت أروى رأسها موافقة وهي تقول:
"اوك أسأل يا خالو."
اعتدل تامر في جلسته قليلًا، ثم نظر إليها نظرة طويلة فاحصة قبل أن يسألها:
"ايه اخرت الحب ده؟ يعني ايه الخطوة اللي انتوا رسمتوها مع بعض؟"
بدت الحيرة واضحة على ملامحها، وكأن السؤال جاء أبعد مما كانت تفكر فيه، قالت ببساطة صادقة:
"عادي يا خالو اكيد هنستنى لما نتخرج وبعد كده هيجي يتقدم ليا."
أومأ تامر برأسه بتفهم، لكنه لم يكتفي بذلك، بل عاد يسألها بنبرة أكثر عمقًا:
"طيب القرار ده اخدوا مع بعض ولا ده أستنتاج منك بس؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة خفيفة وقالت:
"لا متكلمناش فى الخطوة دي بس اكيد ده اللي هيحصل."
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، ابتسامة رجل وصل إلى ما كان يبحث عنه بالفعل، أرجع ظهره إلى المقعد قليلًا ثم قال:
"مش كل كلمة أنا معجب بتتقال، معناها عايز يجي يتقدم، لا خالص في كتير اوي من الشباب بتسخدمها علشان توصل للبنت اللي عجبته، علشان يقضي معاها يومين حلوين ويكون الواد الروش اللي عرف يثبت واحده حلوة شبهك، بس وقت الجد، تلاقيه طار وهرب، علشان كده أنا سألتك، الشاب الكويس مش هيروح لبنت من وراه أهلها ويقولها أنا معجب بيكي وبحبك، ولا يطلب منها تسافر معاه هنا ولا تروح تسهر معاه هنا، الكويس المحترم، هو اللي هيحافظ عليكي حتى من نفسه، علشان وقت ما تبقى ليه، تكوني أعظم انتصاراته ويعيش طول عمرة بيحترمك وبيحبك لانه بيبقى عارف، انك انتي مكافأة ربنا ليه."
استمعت إليه أروى باهتمام، بينما كان صوته يحمل حكمة رجل خبر الحياة طويلًا، وكان واضحًا أنه يحاول أن يفتح عينيها على أشياء لم تفكر بها من قبل.
وبعد أن انتهى، رفعت رأسها إليه وسألته بتردد صادق:
"طيب اعرف منين إذا كان بيحبني بجد، ولا بيقضي وقت وخلاص يا خالو؟"
ابتسم تامر بلطف، ثم مال قليلًا نحوها وأمسك يدها بحنان أبوي واضح قبل أن يقول بهدوء:
"اولا نستنى شوية لحد حتى ما نتخرج، ثانيا الشخص الكويس بيبان من نظراته، على طول لما يشوفك ينزل عينه فى الارض، وثالثا، نصاحب ماما ونقولها كل حاجه اول بأول، هي أقرب صديقه ليكي واكتر حد هيخاف عليكي، وهتلاقيها على طول عندها نظرة مستقبلية لأي شخص يقرب منك."
لكن أروى لم تستطع الاحتفاظ بجديتها طويلًا، إذ زفرت بضيق طفولي وقالت:
"طيب وميرو كده خلاص بح؟"
انفجر تامر ضاحكًا، حتى كاد صوته يتقطع من الضحك وهو يقول:
"بذمتك فيه واحده تحب واحد اسمه ميرو؟ ده اسم مايع اوي يا بنتي، وبعدين يعني ده مش منظر واحده بتحب واحد، ده انتي شكلك ما صدقتي لاقيتي سبب علشان تبعدي عنه."
حركت أروى عينيها بطريقة كوميدية ثم قالت ببساطة:
"الصراحه اه."
استمر الضحك بينهما لحظات قصيرة، قبل أن يقطعه صوت طرقات خفيفة على الباب. اعتدل تامر فورًا في جلسته، وعادت الجدية إلى ملامحه وهو يقول:
"ادخل."
انفتح الباب ببطء، ودخل شاب في منتصف الثلاثينات، كانت خطواته واثقة، لكن ما إن وقعت عيناه على أروى حتى خفض بصره فورًا باحترام واضح، ثم قال بصوت رجولي هادئ:
"أنا ماشي يا تمور عايز حاجة؟"
ابتسم تامر وأشار إليه أن يقترب، ثم قال معرفًا:
"تعالى لما اعرفك على بنت اختي، وزي بنوتي بالظبط."
وأشار إلى أروى قائلاً:
"دي أروى، بنتي وصحبتي واجمل حاجه حصلتلي."
ثم أشار إلى الشاب:
"وده أحمد اخو المدام، لسه راجع من امريكا بقالة اسبوع وناوي يستقر هنا بقى، وهيشتغل معايا هنا فى الشركة."
ابتسمت أروى له ابتسامة ترحيب لطيفة وقالت:
"اهلا وسهلا يا استاذ احمد."
رفع أحمد نظره نحوها للحظة قصيرة، ثم أنزلها سريعًا وقال:
"اهلا يا انسه أروى، بس بلاش استاذ احمد دي، خليها احمد على طول."
ابتسمت أروى واستقامت في جلستها قليلًا وهي تقول بخفة:
"اوك يا احمد، اتفقنا أنا أقولك يا احمد وانت تقولي يا انسه أروى."
ابتسم أحمد على كلماتها وأومأ برأسه قائلاً:
"اوك، موافق."
ثم نظر إلى تامر وقال:
"هروح انا بقى يا تمور، سلام."
لكن تامر أوقفه سريعًا قبل أن يتحرك:
"استنى يا ابو حميد خد أروي وصلها معاك بالمرة."
اتسعت عينا أروى بصدمة واضحة وهي تقول:
"نعم!! طيب ما أنا معايا عربيتي."
لكن تامر كان قد حسم الأمر بالفعل.
استقام تامر في وقفته وعدل ملابسه قليلاً ثم قال:
"لا ما أنا هخدها اروح بيها مشوار."
رفعت أروى إحدى حاجبيها بدهشة وقالت:
"والله! ما انت معاك عربيتك."
هز رأسه نافياً وقال:
"العربيه عند الميكانيكي، ولسه هتوصل بليل."
زفرت أروى بتذمر طفولي وقالت:
"على فكرة انت خال أستغلالي، بس ماشي هعديها علشان بحبك."
ثم تحركت أمام أحمد بخطوات خفيفة وقالت:
"يلا يا ابو حميد."
اتسعت عينا أحمد بصدمة وقال:
"ابو حميد مرة واحدة!"
لكن ضحكاتها الشقية سبقت رده، فقد خرجت بالفعل من المكتب وهي تضحك.
تابع تامر المشهد مبتسمًا، ثم قال لأحمد قبل أن يغادر:
"خلي بالك منها يا أحمد معلش هتعبك معايا."
ابتسم أحمد بثقة هادئة وقال:
"متخافش عليها هوصلها لحد بيتها جوة واتأكد أنها دخلت كمان، احنا اخوات مافيش ما بينا الكلام ده، يلا سلام."
غادر بعدها وأغلق الباب خلفه.
ظل تامر لحظة ينظر نحو الباب الذي خرجا منه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة تفكير هادئة، ثم تمتم لنفسه:
"لايقين على بعض اوي، يا سلام لو حصل اللي فى دماغي، هطمن على البت دي للأبد."
تنهد بعدها ببطء، وعاد إلى مقعده خلف المكتب، مستأنفًا عمله، لكن ملامح وجهه ظلت تحمل أثر فكرة لم تغادر ذهنه بعد.
***************************
خرجت رنيم من مكتبها بخطوات سريعة متوترة، وفي اللحظة نفسها التي خرجت فيها ترنيم وسمية من الجهة المقابلة.
كان الغضب يشتعل داخل صدرها كجمر مخبىء تحت الرماد، أغمضت عينيها لثواني، تحاول أن تضبط أعصابها قبل أن تنفجر، ثم فتحتها مرة أخرى وهي تتجه مباشرة نحو المصعد الكهربائي، وكأنها تهرب من المكان كله، لكن قبل أن تصل إليه، جاءها صوت جواهر من خلفها.
توقفت رنيم فجأة، زفرت بضيق واضح، ثم استدارت ببطء وهي تقول بنفاذ صبر:
"عايزة ايه يا بلوة؟"
وضعت جواهر يدها على صدرها بتمثيل مبالغ فيه، وكأنها تلقت طعنة في قلبها، ثم قالت بمزاحها المعتاد:
"اخص عليكي يا رينو بقى أنا بلوة؟ طيب لعلمك بقى المكان اللي بكون فيه بيبقى كله بهجه."
لكن رنيم لم يكن لديها أدنى استعداد لتحمل مزاح أحد في تلك اللحظة.
زفرت مرة أخرى بضيق أشد، وقالت بحدة خفيفة:
"أخلصي عايزة ايه؟"
رمشت جواهر بعينيها باستغراب وقالت:
"رايحه فين يا بنتي مش هنروح سوا؟"
توقفت نظرات رنيم للحظة عند ترنيم الواقفة بجانب سمية، انقبض صدرها فجأة، وصعدت مرارة قديمة إلى حلقها.
ثم قالت بصوت مختنق حاولت إخفاء ما فيه من ألم:
"لا هروح اي مكان لحد ما البيت ينضف."
التقطت جواهر المعنى فورًا.
نظرت خلفها، رأت ترنيم واقفة بجوار سمية، وعيناها معلقتان برنيم بحزن واضح.
تنهدت جواهر، ثم عادت تنظر إلى رنيم قائلة بلوم هادئ:
"عيب يا رنيم، دي مهما كان ست كبيره فى مقام مامتك، وبعدين والله العظيم الست دي اطيب قلب قابلته فى حياتي، ومشحطفه قلبها على كلمة واحده منك، انسي يا رنيم، خالو سلطان لو كان عايش لحد دلوقتي مكانش هيقبل باللي انتي بتعملي فيها ده."
في لحظة، اشتعل الغضب داخل عيني رنيم كالنار.
ضغطت على أسنانها بقوة، وقالت بنبرة تحذيرية حادة:
"جواهر إياكي تقولي أن الست دي فى مقام امي، أنا ماما كانت أشرف منها مليون مرة واستحملت منها كتير، أنتي بتحامي عنها علشان ننوس عين امه، انتي حرة بس بعيد عني، علشان اقسم بالله هنسي حتى القرابه اللي ما بينا وهعتبرك عدوتي مش اختي، فاهمه؟"
أنهت كلماتها بحدة، ثم استدارت فورًا قبل أن تسمع أي رد.
دخلت المصعد، وضغطت الزر بعصبية.
وأبوابها انغلقت ببطء، بينما صدرها يعلو ويهبط من شدة الغضب.
وقفت جواهر مكانها لثواني وهي تهز رأسها بنفاذ صبر، ثم عادت إلى حيث تقف سمية وترنيم.
ابتسمت لهما ابتسامة متوترة وقالت محاولة تغيير الجو:
"الكلام على ايه؟ هنروح على الفيلا ولا هنستنى قرة عيني؟"
هزت سمية رأسها بعدم رضا، وقالت بنبرة فيها تعب واضح:
"من كتر ما أنا عيبت عليكي، بنتي طالعة نسخه منك زمان ترنيم برو ماكس، هتجبلي جالطة من بجاحتها."
ابتسمت ترنيم ابتسامة باهتة، لكن الألم كان واضحًا في عينيها.
ثم قالت بصوت خافت يحمل وجع السنين:
"ربنا يباركلك فيها، ويجعل أيامها احسن من ايامي وما تشوف اللي انا شوفته، ربنا ما يكتبها عليها ولا عليا."
فهمت سمية مقصد كلامها فورًا، اختنق قلبها بذكرى أخيها سلطان، ذلك الغياب الذي ما زال يترك فراغًا لا يملأ.
تجمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مرتعش:
"ربنا يرحمك يا حبيبي وحشني أوي."
انزلقت دمعة صامتة على خد ترنيم وهي تقول:
"سلطان وحشنا كلنا يا سمية، ربنا يصبر قلوبنا على فراقه."
وقبل أن يغرق المكان في الحزن أكثر، تدخلت جواهر بطريقتها المعتادة، وهي تقول بتأفف تمثيلي:
"تصدقوا؟ هتصدقوا إن شاءالله، انتوا عيلة نكد ومعندكمش اتيكيت الحزن ابدا، ربنا يبعد عننا امينه شلباية وما يشمتها فينا."
ابتسمت سمية رغم حزنها، وترنيم أيضًا ضحكت بخفة.
ثم قالت ترنيم بمزاح وهي تنظر لجواهر:
"انتي عارفه، أنا خايفه عليكي من ابني مرة تعصبي، يطلع روحك بأيديه."
وقفت جواهر بثقة مبالغ فيها، وعدلت ملابسها وكأنها تستعرض قوتها، ثم قالت:
"لا لا متقلقيش جواهر مسيطرة، ومماشيه مسطرة."
وفي اللحظة التالية مباشرة، شعرت بضربة خفيفة على مؤخرة رأسها.
وصوت رجولي مألوف يقول خلفها:
"والله!! بقى انتي مسيطرة وممشياني أنا مسطرة؟"
التفتت جواهر بسرعة، وابتسمت بتوتر وهي تقول:
"يا عم أنا لسه كنت هكمل بس انت اللي قطعتني، مسيطرة وممشياك مسطرة بس انت ممشيني برجل ومنقلة وماسح بوش امي الاسفلت، مرضي كده يا سيدي؟"
انفجرت الضحكات حولهم.
اقترب جواد منها وأحاط كتفها بذراعه، وقال بغرور رجولي واضح:
"ايوه كده أتعدلي."
نظرت ترنيم إليهما بابتسامة دافئة، ثم التفتت إلى سمية قائلة:
"بقولك ايه يا سمسمة تعالي معايا نروح مشوار، وسيبي جواهر جواد هيوصلها."
فهمت سمية المقصود فورًا.
ابتسمت بخفة وأومأت برأسها.
ثم دخلت مع ترنيم إلى المصعد، وبدأتا الهبوط إلى الأسفل.
وقفت جواهر تراقب باب المصعد المغلق، ثم قالت وهي ترفع حاجبها بمكر:
"شغل امي وامك ده مكشوف أوي على فكرة، محسسني أننا لسه هنتعرف على بعض."
هز جواد رأسه بنفاذ صبر وقال ساخرًا:
"انتي مستحيل تكوني حب طبيعي، لا انتي عقاب من ربنا، بيخلص بي مني القديم والجديد."
عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت حاجبيها بصدمة تمثيلية وقالت:
"بيخلص بيا منك القديم والجديد! اللي هو ايه بقى، انت خنتني يا نهار اسوس يا جواد ما هو معنى كلامك كده، اه يا قلبي يا نايم على ودانك وانا اللي كنت فاكرة نفسي الاولى والأخيرة، مصدومة بجد ومش بنطق ولا عارفه ارد."
وضع جواد يده على وجهه بيأس، ثم أمسكها من ملابسها كما لو كان يقبض على مجرم هارب وقال وهو يجرها معه:
"امشي يا أخرت صبري، امشي."
تحركت معه وهي تتمتم بدلع مبالغ فيه، وتدندن كلمات أغنية:
"يا أبويا كنت منعتني…"
ثم بدأت تمثل البكاء بطريقة كوميدية جعلته يبتسم رغمًا عنه.
وصلا إلى السيارة، فتح الباب، ودفعها إلى الداخل برفق متعمد، أغلق الباب، ثم دار إلى الجهة الأخرى من السيارة.
وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة لا يستطيع إخفاءها، وهو يفكر أن جنون جواهر ربما يكون أكثر شيء يحبه فيها.
*************************
تحركت رنيم بسيارتها في الشوارع بسرعة غير معتادة، وكأنها تحاول الهروب من شيء يطاردها داخل رأسها.
كانت أصابعها تضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصلها، بينما قدمها تضغط على دواسة الوقود بعصبية واضحة.
كلما حاولت تهدئة نفسها، تعود كلمات ترنيم لتدوي داخل عقلها من جديد.
تشد أعصابها، وتوقظ جراحًا قديمة ظنت يومًا أنها دفنتها للأبد.
ازدادت سرعة السيارة، والمدينة تمر أمامها كصور متقطعة بلا معنى.
وفجأة، بدأ شريط حياتها يتحرك أمام عينيها بلا رحمة.
دموع والدتها، ذلك الحزن الذي لم يفارق وجهها لسنوات.
لحظة هجر والدها لهم، حين اختفى من حياتهم وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا منها.
ثم ذلك المشهد الذي لا يغيب عن ذاكرتها أبدًا، لحظة اندفاع والدتها أمام الرصاصة، وأخذتها بدلاً من ترنيم.
ارتجف صدرها بقوة، ظهر أمامها المشهد التالي، وصول والدها إلى المشفى، ملابسه ملطخة بالدماء، وجهه شاحب، وعيناه غارقتان في الذهول.
ثم صرخات عمتها الممزقة للقلب لحظة إعلان الوفاة، ازدادت أنفاس رنيم اضطرابًا.
وفجأة، لم تنتبه إلى أحد المارة الذي ظهر أمام السيارة.
ضغطت المكابح بكل قوتها في اللحظة الأخيرة.
توقفت السيارة بعنف، واندفع جسدها للأمام مع قوة التوقف.
تسارعت أنفاسها بشكل غير طبيعي، كأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها.
ظلت لثواني ممسكة بعجلة القيادة، ثم فجأة دفعت باب السيارة بعصبية وترجلت منها.
ركضت بضع خطوات بلا هدف، حتى وصلت إلى أحد المقاعد العامة في الحديقة القريبة.
جلست عليه بسرعة. حدقت أمامها في الفراغ، الدمعة متحجرة داخل عينيها، تأبى النزول.
كأن كبرياءها يمنعها حتى من البكاء.
أغمضت عينيها بقوة، وحركت رأسها بطريقة شبه هستيرية، وكأنها ترفض الواقع الذي تعيشه.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا يقول بجوارها:
"أحياناً الدموع مش ضعف، بالعكس بتكون قوة، لأنها بتثبت للإنسان أنه لسه على قيد الحياة، وساعات بتكون الدمعه بداية جديدة لمشوار اقوى."
فتحت عينيها بسرعة، والتفتت نحوه بحدة.
نظرت إلى الرجل الجالس بجوارها باستغراب واضح، ثم قالت بغضب:
"مين حضرتك؟ ومين سمح ليك تقعد جنبي وتدخل فى اللي ملكش فيه؟"
ظل صوته هادئًا على عكس غضبها تمامًا، وقال بتوضيح:
"أنا قعد على كرسي عمومي تبع الحكومة، ومن ممتلكات الشعب، يعني مقعدتش على ممتلكاتك الخاصة، وانا مدخلتش فى حاجة أنا بقولك نصيحه وانتي حرة تخدي بيها أو لا."
اتسعت عيناها من الغضب أكثر، وقالت بصراخ:
"انت مين؟ وازاي تتكلم معايا كده؟"
عندها فقط، اعتدل الرجل في جلسته.
وقف ببطء، ليظهر طوله الواضح وبنيته القوية، عدل سترته بهدوء شديد، ثم قال بنبرة متكبرة تحمل ثقة لا تخطئها الأذن:
"أنا شاهين الرواي، اللي انتي اخدي منه حاجة مش بتاعتك."
أغمضت رنيم عينيها بنفاذ صبر.
لكن حين فتحتهما مرة أخرى، لم يعد في ملامحها ذلك الضعف الذي كان قبل لحظات.
تحول وجهها المنهك إلى وجه أكثر صرامة، وقالت ببرود واضح:
"اه انت بتراقبني بقى، دي مش صدفه يعني، عموما أنا اه اخد المناقصة منك وأعلى ما في خيلك اركبه."
اقترب منها شاهين بخطوات هادئة، لكن حضوره كان ضاغطًا بشكل غريب.
ثم قال بنبرة حذرة:
"أنا كل ده بقول عيلة صغيرة وغلطت، وجوز عمتها هيعرف يعقلها، بس واضح كده انك طفلة عنيدة ومحتاجة قرصة ودن."
رفعت رنيم ذقنها بتحدي واضح، اقتربت منه خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة.
وقالت بثبات:
"اخبط راسك فى الحيط، ولا تقدر تعمل حاجه."
وفجأة، مد شاهين ذراعه، وأحاطها به بقوة مفاجئة.
جذبها نحوه حتى التصق جسدها بجسده.
ثم قال بصوت منخفض خطير بجوار أذنها:
"أنا مش بخبط راسي فى الحيطة، أنا اخبط راس اللي يتحداني واللي يتشدد ليه كمان، ولو كنتي فاكرة نفسك ذكية وتقدري تحمي شركتك مني، تبقى عبيطة، ومتعرفيش مين هو شاهين الرواي."
لم تتراجع، لم ترتبك، بل اقتربت أكثر، وهمست هي الأخرى بجوار أذنه بتحدي أكبر:
"لا انا أعرف شاهين الرواي كويس اوي، وعارفه اخرك ايه، إنما بقى انت اللي متعرفش مين رنيم الدسوقي ولا تتوقع آخرها ايه، بلاش ثقتك الزيادة فى نفسك علشان هتسوحك."
أنهت كلماتها، ثم دفعته بعيدًا عنها.
وقفت أمامه بثبات،.وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها.
وقالت بسخرية خفيفة:
"ابقى اقفل شبابيك مكتبك كويس اوي احسن ملفاتك تستهوى."
ثم أشارت له بيدها بإشارة ساخرة.
استدارت، وتحركت نحو سيارتها بخطوات واثقة.
صعدت إليها سريعًا، وأدارت المحرك.
وبعد لحظات، انطلقت السيارة مبتعدة عنه بسرعة.
ظل شاهين واقفًا مكانه يراقب السيارة وهي تبتعد
حتى اختفت تمامًا في نهاية الطريق.
عقد ذراعيه أمام صدره ببطء.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجاب واضحة.
وقال لنفسه بصوت خافت:
"واضح إن اللعب هيبقى ممتع."
أخرج هاتفه من جيبه، وأجرى اتصالًا سريعًا.
انتظر لحظات حتى جاءه الرد.
ثم قال بنبرة حاسمة:
"اجمعلي كل المعلومات اللي تخص الباشمهندسة رنيم وتكون عندي خلال ساعه."
أنهى الاتصال، وأعاد الهاتف إلى جيبه.
ثم تحرك باتجاه سيارته بخطوات هادئة.
لكن عقله كان يعمل بسرعة.
يفكر، كيف سيدخل عالم تلك الفتاة.
الفتاة التي سمع اسمها طوال حياته، أكثر مما سمع أسماء أصدقائه.
دون أن يعلم، أن القدر بدأ بالفعل ينسج خيوط معركة لن يخرج منها أي منهما كما دخلها.
**********************
داخل سيارة أحمد…
كان الليل قد بدأ يمد ستاره فوق الطريق، والأنوار الصفراء المتناثرة على جانبي الشارع تنعكس على زجاج السيارة في خطوط متقطعة، بينما يسود داخلها صمت ثقيل، صمت لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه التوتر المكتوم.
جلست أروى في المقعد المجاور له، جسدها متصلب قليلًا، وكتفاها مرفوعان بتوتر واضح، كانت تزفر بين الحين والآخر بزفرة طويلة وكأنها تحاول إخراج شيء عالق داخل صدرها، شيء أكبر من مجرد ضيق عابر.
كانت قدماها تتحركان بقلق فوق أرضية السيارة، وأصابعها تعبث بحافة حقيبتها في حركة لا إرادية، كل شيء فيها كان يشي بأنها غاضبة، أو ربما مجروحة، أو ربما الاثنين معًا.
أما أحمد فكان يقود بهدوء، عيناه مثبتتان على الطريق أمامه، ويداه ثابتتان على المقود، كان يبدو هادئًا من الخارج، لكن في الحقيقة لم يكن غافلًا عما يحدث بجانبه.
منذ دقائق وهو يتابعها بطرف عينه، يلاحظ تلك الزفرات المتتالية، وحركاتها العصبية، وتعابير وجهها التي تتبدل بين الضيق والتذمر.
كاد يبتسم أكثر من مرة، لكنه كان يحاول كتم ضحكته حتى لا يثير غضبها أكثر.
وأخيرًا، لم يعد قادرًا على تجاهل الأمر.
تنحنح قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة فيها شيء من الفضول:
"خير يا انسه أروى فيه حاجه مضايقاكي؟"
التفتت إليه ببطء، نظرة ضيقة، حادة قليلًا، وكأنها كانت تنتظر فرصة لتفرغ ضيقها في أحد.
ثم قالت بلا تردد:
"انت ممل."
تجمدت ملامح أحمد للحظة، واتسعت عيناه بدهشة حقيقية قبل أن يلتفت لها بسرعة.
وقال باستغراب واضح:
"نعم!"
هزت كتفيها بتذمر طفولي، وكأن الأمر بالنسبة لها بديهي جدًا، ثم قالت وهي تعقد شفتيها:
"ايوه ممل، ساكت على طول، عيونك مثبتها على الطريق بشكل مبالغ فيه، ده حتى مش مشغل كاست يطري الجو."
لم يتمالك أحمد نفسه، فضغط على الفرامل قليلًا وأوقف السيارة على جانب الطريق، ثم التفت إليها بالكامل، ينظر لها بوجه يحمل مزيجًا غريبًا من الحيرة والدهشة.
رمش بعينيه مرتين وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال:
"يطري الجو! يعني ايه مش فاهم؟"
تنهدت أروى بنفاذ صبر واضح، وكأنها تتعامل مع طفل بطيء الفهم، ثم قالت وهي تلوح بيدها في الهواء:
"اااه انت هتعيش دور الشاب اللي عايش حياته بأمريكا ومش بيفهم كلام المصريين ويشتغل وات مش وات والمرار الطافح ده، منك لله يا خالو."
رفع أحمد يده إلى وجهه وفرك جبينه قليلًا، ثم مرر كفه فوق ملامحه وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن يتكلم.
هز رأسه ببطء وقال بصدق حقيقي:
"هو أنا مش فاهمك، بس ملوش علاقة إذا كنت عايش فى مصر ولا عايش فى أمريكا، انتي كلامك اصلا مش مفهوم ولا قادر اعرف المشكله عندك فين."
أطلقت زفرة طويلة أخرى، لكنها هذه المرة كانت أثقل.
ظلت تحرك قدميها بتوتر وكأن الطاقة داخلها تبحث عن منفذ، ثم قالت وهي تشيح بوجهها ناحية النافذة:
"امشي يا احمد روحني."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ابتسامة تحمل قدرًا من التسلية بطفولتها الواضحة.
أدار السيارة من جديد وعاد للطريق، ثم قال بنبرة متعجبة قليلًا:
"يا بنتي انتي ليه محسساني أن فيه ما بينا حاجه ونعرف بعض من سنين؟ ده انا لسه عرفك من نص ساعة."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغم ضيقها، وكأن كلماته نجحت في كسر حدة التوتر قليلًا.
تنهدت ببطء ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
"سوري بجد، بس انا مضايقه اوي وحاسه أن محدش فاهم دماغي خالص، كله بيتعامل معايا على أني لسه طفلة صغيرة، مش قادرين يقتنعوا أن الطفلة دي كبرت، وبقى ليها شخصية مستقلة، عايزة اكتشف الحياة بطريقتي انا، اشوفها بعيوني مش بعيونهم، انت عارف المشكله انهم شايفين علشان أنا بنت، ممنوع اخرج وارجع فى وقت متأخر، ممنوع اسافر لوحدي، ممنوع اتكلم واهزر مع أي شاب، لازم صوتي يكون واطي، لازم اختار هدومي اللي الناس تشوفني بيها مؤدبة، مش اللي برتاح فيها وبحبها، كل حاجة بحساب لمجرد اني بنت، أما اخويا جواد، مسموح ليه كل حاجة مافيش اي اعتراض على افعالة على خروجه على لبسه، على كلامة على هزاره كل حاجه مباحه لمجرد أنه راجل، ليه التفرقه دي؟ احنا جنسين مختلفين بس عندنا قلب ومشاعر زي بعض، بالعكس أحنا أرق وأطيب من شباب كتير."
خرجت الكلمات من فمها دفعة واحدة، كأنها كانت تتكدس داخل صدرها منذ وقت طويل.
لم تكن مجرد شكوى، بل اعتراف كامل بما يختنق داخل روحها.
وكأنها أخيرًا وجدت شخصًا لا يعرفها جيدًا، ولا يحكم عليها، فسمحت لنفسها أن تتكلم دون قيود.
ظل أحمد صامتًا للحظات.
كان ينظر أمامه للطريق، لكن ذهنه كان معها.
مع ذلك الألم الصادق الذي خرج من كلماتها.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، ابتسامة تحمل تفهمًا أكثر مما تحمل سخرية.
وشعر بشيء خفيف يتحرك داخل قلبه، شيء يشبه التعاطف، وربما الإعجاب بصدقها.
اعتدل في جلسته قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"يمكن كلامك أكتره صح بس أنتي قولتي الاجابه لكل ده، وإنتي مش حاسه."
التفتت إليه بسرعة، حاجباها معقودان بارتباك، ثم قالت:
"مش فاهمه."
أجابها بهدوء وطريقه سلسة وقال:
"الإجابة هي، علشان انتوا طيبين، كائنات رقيقه، عندهم الرومانسيه شئ أساسي في حياتهم، مش عايزين حاجة غير كلمتين حلوين وشخص يرضي مشاعرها ويشبع رغباتها الرومانسية من كلام حب وغزل، فى المقابل الشباب: مش كلهم بس أكترهم بيتعاملوا ب الغريزة بتاعتهم تفكيرهم شهواني أكتر، وده بيبقى خطر عليكم، علشان كده بتلاقي الأهالي دايما بيخافوا على بناتهم وبيحاولوا يحافظوا عليهم بطريقه تحسوها خانقه شوية، ومش معنى كده أنهم ميربوش الولد ويسيبوه يمشي يأذي فى بنات الناس، بس على الاقل بيبقوا عارفين أن الضرر الناتج عن أفعال الولد أقل حدة من الضرر اللي بيجي من أفعال البنت الغلط، فهمتي كلامي؟"
كانت تنظر إليه بصمت.
لم يكن صوته مرتفعًا، ولا حادًا، بل كان هادئًا بشكل غريب، كأنه لا يحاضرها بل يشرح لها شيئًا من واقع الحياة.
ابتسمت له أخيرًا، وأومأت برأسها بتفهم.
تكلم بصوت رجولي هادئ قائلاً:
"انتي لسه صغيرة قدامك الحياة طويلة، كل يوم هيعلمك درس شكل، بس خدي بالك تتعلمي الدرس من غير خساير، لأن الدنيا مبتعوضش المغفل."
عقدت حاجبيها قليلًا وهي تحاول فهم قصده، ثم قالت:
"انت بتصعبها عليا ليه؟ يعني كل ما احاول افهم، تقول حاجة تتوهني منك تاني."
ابتسم أحمد على كلماتها، ابتسامة خفيفة تحمل صبرًا واضحًا، ثم قال موضحًا:
"ولا بتوهك ولا حاجة، قصدي يعني خلي الدروس اللي تتعلميها من الدنيا، ملهاش مقابل لأن تقريبا هيكون التمن غالي اوي عليكي."
ساد الصمت للحظة داخل السيارة.
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا متوترًا، بل صمتًا مريحًا.
ابتسمت له أخيرًا وقالت بصدق:
"شكرا يا ابو حميد، أنا ارتحت جدا لما اتكلمت معاك."
ضحك بخفة ثم قال بنبرة مازحة:
"ابو حميد مرة واحدة، يا بنتي أنا فى مقام اخوكي الكبير أو كمان فى مقام خالك تامر، يعني المفروض تقوليلي يا أبيه."
رفعت أحد حاجبيها إلى الأعلى، ومالت برأسها قليلًا وهي تقول بتذمر طفولي واضح:
"ااايه يا عم الأڤورة دي؟ ده الفرق اللي ما بينا خمستاشر سنه حاجه بسيطه يعني."
ابتسم على شقاوتها، تلك الشقاوة التي بدأت تذكره بأنها رغم كلامها العاقل ما زالت فتاة صغيرة تحمل روحًا خفيفة.
وضع يده على المقود وقال بنبرة رجولية:
"الفرق ده وبسيط؟ ده انا لو كنت اتجوزت وانا في سنك، كان زمان عندي عيل طولك."
عقدت ذراعيها على صدرها وقالت بمزاح:
"طيب الحمدالله انك متجوزتش."
انفجر أحمد ضاحكًا.
ضحكة رجولية صافية خرجت من أعماقه دون تكلف.
وفي تلك اللحظة، شعرت أروى بشيء غريب يحدث داخل صدرها.
انتفض قلبها فجأة، كأنه استجاب لتلك الضحكة دون إذن منها.
ظلت تنظر إليه للحظة أطول مما ينبغي.
تأملت ملامحه وهو يضحك، الطريقة التي تلمع بها عيناه، والثقة الهادئة التي تحيط به، لم تره مجرد رجل أكبر منها.
بل رأت فيه شيئًا آخر لم تستطع تفسيره.
اتسعت عيناها قليلًا عندما أدركت نفسها.
فأدارت وجهها سريعًا نحو النافذة، تتظاهر بالانشغال بمراقبة الطريق.
لكن الحقيقة، أنها لم تكن ترى شيئًا مما بالخارج.
كانت تشعر فقط، بإحساس جديد يتسلل إلى قلبها بهدوء.
***************************
بالمساء…
كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على أرجاء الفيلا الكبيرة، والأنوار الدافئة المنبعثة من النوافذ تعطي المكان مظهرًا ساكنًا من الخارج، لكن خلف تلك الجدران كانت القلوب أبعد ما تكون عن السكون.
عادت رنيم إلى الفيلا بخطوات هادئة، بعد أن تأكدت من مغادرة ترنيم من خلال اتصالها بجواهر.
كانت تسير في الممر الطويل بعينين شاردتين، تلقي التحية على الموجودين بلباقة معتادة، لكن دون أن تتوقف كثيرًا، كأنها تخشى أن يسألها أحد عما يدور داخلها.
كانت ملامحها تبدو طبيعية للوهلة الأولى، إلا أن شيئًا ما في عينيها كان يكشف أن بداخلها عاصفة لم تهدأ بعد.
اتجهت مباشرة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها ببطء، وكأنها أخيرًا وجدت المساحة التي تستطيع أن تتنفس فيها دون أن يراها أحد.
تقدمت بخطوات ثقيلة نحو السرير، ثم ألقت نفسها عليه بإرهاق واضح، وكأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
مدت يدها أسفل رأسها، وثبتت عينيها في السقف الأبيض فوقها، لكنها لم تكن تراه.
كان عقلها يعيد عرض ما حدث منذ قليل، لقطة تلو الأخرى، كلمة بعد كلمة، ونظرة بعد نظرة.
وفجأة، اشتعل بريق حاد في عينيها.
تصلبت ملامحها، وتحول الشرود إلى غضب خالص.
كلما تذكرت اقترابه منها، ذلك القرب الذي شعرت فيه بأنفاسه تكاد تلامسها، كانت معدتها تنقبض باشمئزاز.
شعور بالاشمئزاز، والغضب، والتحدي.
كأن مجرد استعادة تلك اللحظة يوقظ في داخلها كل شيء حاولت دفنه لسنوات.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة دون استئذان، كعادة شخص يعرف أنه مرحب به دائمًا.
دخلت جواهر بخطوات سريعة، ثم ألقت نفسها بجوار رنيم على السرير، حتى اهتز الفراش قليلًا من الحركة المفاجئة.
استدارت برأسها نحوها، ونظرت إلى ملامحها المتجهمة ثم قالت بمزاح خفيف:
"الجميل بيفكر فى أيه؟"
اعتدلت رنيم في جلستها ببطء، وكأنها خرجت لتوها من بحر عميق من الأفكار.
تنهدت بضيق واضح، ثم قالت وهي تمرر يدها في شعرها بتوتر:
"أنا بفكر اشوف شقه صغيره اعيش فيها لوحدي، أنا مبقتش صغيرة، ومن يوم تيته صباح ما ماتت، وعمته شايلة همي، وصممت أن أعيش معاكم هنا."
للحظة، ساد الصمت.
ثم اتسعت عينا جواهر فجأة وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
جلست معتدلة بسرعة وقالت بصدمة حقيقية امتزجت بغضب واضح:
"انتي بتستهبلي؟ شقة ايه دي اللي عايزة تشوفيها؟ اقسم بالله لو فكرتي تعملي كده، لا انتي بنت خالي ولا أعرفك."
زفرت رنيم بضيق، وكان في تلك الزفرة شيء من الإرهاق العاطفي أكثر من مجرد الانزعاج.
خفضت عينيها قليلًا وقالت بصوت مختنق:
"يا جواهر افهمي، أنا مش عايزة احس نفسي حمل تقيل على حد، عمته كتر خيرها ربتني وكبرتني لحد ما وصلت للي أنا فيه ده، بس خلاص كفايه عليها لحد كده."
وقفت جواهر أمامها بسرعة، كأن الكلمات أصابتها في نقطة حساسة داخلها.
ارتسم الغضب على ملامحها بوضوح وهي تقول بانفعال:
"محدش اشتكى على فكرة، رنيم، أنا بعتبرك اختي الكبيره وصحبتي الوحيدة، اتعود عليكي، مش هقدر استحمل اقعد على السفره في يوم وانتي مش موجودة، أنا فاهمة القرار ده اخديه ليه، علشان خالتو ترنيم صح؟"
بمجرد أن نطقت اسمها، تغير وجه رنيم بالكامل.
أغلقت عينيها بقوة، كأن الاسم وحده قادر على فتح جرح لم يلتئم أبدًا.
ثم قالت بغضب مكبوت:
"انتوا حرين مش هقولكم تعرفوا مين ومتعرفوش مين، بس انا، مش هقبل اكون فى مكان، مع واحده زي دي، أنا لما بشوفها، الذكريات كلها بتمر قصاد عيني كأنها بتحصل دلوقتي، قلبي بينزف من جوة، وجودها فى أي مكان بكون فيه، بيحسسني بالقرف، انا مهما قلتلك على اللي بحسه، مش هقدر اوصف ربع وجعي، الحل الوحيد هو أن انا اشوف شقة ليا بعيد عن أي مكان تكون هي فيه."
كانت كلماتها تخرج بحدة، لكنها لم تكن حدة غضب فقط.
بل حدة وجع قديم ما زال حيًا.
تنهدت جواهر بضيق، ثم جلست بجوارها مرة أخرى، ومدت يدها تمسك يد رنيم بلطف.
نظرت إليها بنظرة هادئة وقالت:
"رنيم انتي اللي مصعباها على نفسك وعليها، ادي نفسك فرصه تسمعيها، حاولي تبصي للماضي بطريقة تانيه غير المرسومة فى خيالك، علشان تقدري تسامحي وتعيشي حياتك طبيعيه زي اي بنت."
لكن رنيم لم ترد فورًا.
أغمضت عينيها للحظة طويلة، وكأنها تحاول منع الدموع من خيانتها.
ثم قالت بصوت يحمل ألمًا حقيقيًا:
"صعب يا جواهر احساس اليتم اللي عيشته بسببها عمره ما هيتنسي بسهولة، وجعي اول يوم مدرسة، بعد موت بابا وماما عمري ما هنساه، وجع قلبي كل عيد وانا لوحدي صعب يتنسى، لحظة نجاحي وانا لوحدي من غير بابا وماما سكينة كانت بتدبحني، وكل ده بسببها هي، وكل مرة بشوفها فيها، بيزيد كرهي ليها."
شعرت جواهر وكأن شيئًا ثقيلًا سقط فوق قلبها.
لم تكن تعرف أن الألم داخل رنيم بهذا العمق.
اعتدلت في جلستها بسرعة، ثم احتضنت رنيم بقوة، كأنها تحاول أن تحميها من ذلك الماضي الذي ما زال يطاردها.
وقالت بصوت حنون مليء بالأسف:
"حقك عليا يا قلبي، مقصدش اوجعك والله، بس علشان خاطري شيلي موضوع انك تمشي من هنا وتعيشي لوحدك، مقدرش استغنى عنك يا رينو."
تعلقت رنيم بها بقوة، كأنها وجدت أخيرًا شيئًا ثابتًا تمسك به وسط فوضى مشاعرها.
أومأت برأسها ببطء ثم قالت بصوت هامس مليء بالمحبة:
"بحبك يا جوجو."
ابتسمت جواهر، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.
فجأة ابتعدت عنها بسرعة، ونظرت إليها بمكر مصطنع وقالت بمزاح:
"يا فضحتشي، الناس تقول علينا ايه دلوقتي، لا يا بت خالي ماليش فى الالوان والله، أنا ليا فى القشطه اللي بالعسل اللي معايا."
ضغطت رنيم على شفتيها بغيظ واضح، ثم التقطت الوسادة بجانبها بسرعة وانهالت بها على جواهر.
تعالت صرخات جواهر وضحكاتها وهي تحاول الهروب، بينما كانت رنيم تضربها بالوسادة دون رحمة.
وبعد لحظات، امتلأت الغرفة بضحكاتهم الجميلة الصافية.
ضحكات خفيفة، لكنها كانت كافية لتخفف قليلًا من ذلك الثقل الذي كان يضغط على قلب رنيم منذ قليل.
لكن، خلف تلك الضحكات، كان هناك جرح قديم ما زال مفتوحًا.
