رواية وجوه الحب الجزء الثاني 2 الفصل السادس عشر
- جحيم اقعی -
لحظات توقف فيها الزمن.
لحظات اللجت قلوب الحاضرين بأكملهم.
فشعر " فراد " وكأن أنفاسه قد حبست مرة أخرى وشعر أيضا وكأن سافيه لم تعد التسعه على الوقوف أو التحرك ولم يشعر بهم إلا وهم يهرولون إليها راكضين ليسبقهم وهو يشعر بأن قلبه يتخلع متدحرجا خلفها أعلى درجات السلم.
أما عن "سليم " فهو أول من ركض باتجاه والدته ولم يشعر بحالة في تلك اللحظة إلا وهو يهبط الدرجات في أقل من لمح البصر أخذا في سكنه الدرجة أثنان حتى يصل إليها بشكل لا ارادي صارحا بهلع باسم ولدته وهو يراها غارقة في دمائها فاقدة للوعي تماما ليجتو على ركبتيه محاولاً تحريكها إلا أن نبرة " نوح " الصارخة منعته من تحريكها وهو يقول بقلقا بالغ بعدما لحق به.
أوعي يا سليم تحركها ليكون في كسر ... ثم تابع وهو يقترب منها في سرعة بديهية وهو يمزق ذلك الصديري المرتدي له مستخدما رقعة منه في كتم دماء رأسها النازفة بغزارة قائلا لـ "
خليك كاتم بايدك رأسها أوى ترفع إيدك عنها ...
سليم " الذي على وشك أن يفقد أعصابه.
فاطاعه الأخير بالقلق واضح على تنفسه الذي ازداد معدله بشكلاً ملحوظ ووضح أيضا على حركاته المرتبكة المضطربة فوالدته بعد كل ما فعله من أجلها ستضيع من بين يداه وعلى وتك خسارتها للأبد دون أن يطلع معه فعل أي شئ لمساعدتها ، لم ولن يتحمل خسارتها والبعد عنها. لكنه استطاع بصعوبة كبيرة أن يتحكم بيداه المرتعشة واقترب ليأخذ مكان " نوح " ليكمم دمائها وما كاد أن يمسك بها حتى وجديد " مراد " تسبقه الذي ضحيت . صحبت ملامحه هو الآخر وتقلصت عضلاته بذعر شدید بخشی کنیزا خسارتها هو أيضا لينظر إليه " سليم " بأسوداد
والشرر يتطاير من عيناه وهو يجز على أنيابه بغضب.
شيل إيدك وابعد احسنلك... فشعر " مراد " بالصدمة تشيل جميع حواسه وشعر أيضا بالخجل. والكثير والكثير من الخوف والذعر فظل في مكانه تابنا لم يتحرك أنش واحدا يحسه قلبه على التقرب وعناقها والبكاء بين ثنايا أحضانها ولكن لم يسعه الموقف لفعل ذلك فاخذ ينظر إلى جسدها المنطرح على الأرض بإهمال والدماء تتدفق منه بغزارة، على عيناه أن يراها يتلك الحالة ولن يستطع أن يفعل شيئا من أجلها ، صعب عليه كثيرا أن يرى محبوبته بتلك الحالة ولم يكن
بإمكانه الإقتراب منها وضمها إليه.
اتری بعد كل تلك السنوات سيخسرها محددا ..15
فهوى قلبه بين سافيه وشعر بعبراته الساخنة تسيل على وجنته وكأنها ليران تلسعه دون هوادة. أيعقل أن بعد كل تلك السنوات وبعد ميلاد ذلك الرابط القوي بينهم من جديد ينقطع في أقل من
لمح البصر ..١٢
أيعقل أن شعاع الأمل الذي عاد ليضرب صدره مجددا انطفئ في أقل من ثانية ..؟!
لا لا ا ، لن يتركها تضيع من بداد تلك المرة ولو كلفه الأمر التضحية بحياته بأكملها
سيفعل ذلك بنفس راضية وقلب مطمئن لكن لن يستطيع خسارتها.
عقله رافضا للتسليم بتلك الفكرة، أما عن القلق والذعر والبلع فكلها مشاعر تسيطر على وجدانه
وعلى قلبه الأعرج في تلك اللحظة.
ان يعيش بتلك الحياة ثانية واحدة بعد أن لم تكن هي بها ، هكذا حدث حالة بوجع وظل ينظر إليها نظرات يتأكلها الندم والحسرة والعبرات تعرف طريقها جيدا على وجتناه.
أما على الصعيد الآخر تجاهل " نوح " الموقف بأكمله وتابع عمله وهو يجس نبضها ويستشعر بيداه ذلك الشريان النابض برقبتها بقلق وعجالة.
النبض ضعيف ، اطلب الإسعاف بسرعة يا سليمان...
لشعر الجميع بالذعر والخوف الشديد قد تملك قلوبهم ليفيقوا من صدمتهم ونوبة هلعهم على نبرة " سليمان " الذي كان سريع البديهة واسعفه عقله في الحال لفعل ما طلبه " نوح " ليقول بقلق رغم تبرته الذي حاول جعلها هادئة قدر استطاعته. كلمتهم وزمانهم على وصول.
لينطق " عابد " بخوف يتملك قلبه على تلك المرضحة رأسها بين الحياة والموت بعدما هبط درجات السلم بسرعة كبيرة أحدثت نهاجا في أنفاسه مما جعله يلهث بقوة.
يا لطيف الألطاف الطف بينا يارب...
وفي تلك اللحظة قد حضرت تلك الـ " شهيرة " بعدما هبطت درجات السلم بصعوبة بالغة وهي تمسك بيداها ذراعها بتألم رغم التشفي الواضح في عيناها وعلى ابتسامتها الشريرة التقول بكل الجبر وضحكات هستيرية كالمكذوبين تماما.
ههههههههههي مش شهيرة الأناضولي اللي تقع في حفرة حفرتها بإيديها.
ثم تابعت يتشفي وجحود قلب من بين ضحكاتها الهستيرية.
ههههههي ، الولتلك قبل كده خيالك الواسع هيفضل يعلى بيكي، يعلى بيكي لحد ما متقعي على جدور رقابتك بس انتي مصدقتيش ... كانت تتحدث بكل كلمة وهي تنظر إلى جسد "
أصالة " المفترش الأرض.
كان يصاحب حديثها نظرات متيقنه مستحقره من الجميع لها. لا أحد يستطيع تصور أن كل هذا الشر كان بينهم أو أنه يوجد في بشر من الأساس.
من قال إنها بشر، هي شيطان متجسد على هيئة بشر وليست ببني أدم على الإطلاق. فشعر " سليم " برغبة عارمة تلح عليه للقيام وتكسير عظامها إلا أن حالة والدته المجتيه بين يديه منعته من فعلها فأطبق على فكيه بغضب يحاول السيطرة عليه حتى لا ينحدر وضع والدته أكثر من ذلك تاركا لتلك النيران المشتعلة بداخله على جانب، فمن ناحية قلبه يتأكله على والدته پخشى كثيرا خسارتها ومن ناحية أخرى يريد أن يشفي غليله فيها ولو بنسبة واحد بالمائة ولكن حمدت نیرانه قليلا عندما رأي " فراد " تقيم عيناه بضباب أسود حالك وهو يمسح عبراته بصلابة - مطبقا على فكيه بقوة حتى نفرت عروقه منطلقا كالرمح الذكي ليخلصهم من كابوس تلك الشمطاء
أما عنه فقد طفح به الكيل ولآخر لحظة كان يحسب حسانا لابنة شقيقه ولكن لن ولم يحسب حسانا لأحد بعد الآن ولم يشعر بحاله إلا وهو يهب واقعا مقتربا منها وعلى حين غرة هوت يداه على وجنتها بصفعة قوية يتبعها سيل من الصفعات التي كادت أن تحدث لها ارتجاجا بالمخ وانهال عليها بعد ذلك ميرخا لها ضرنا ولكما ممطرا عليها بوابل من الشتائم والألفاظ اللاذعة التي لا يحتملها مخلوق صارخا دون وعي بزاير أشبه بزأير أسد قد بلغ ذروة تجبره وبطشه. مكفكيش كل اللي عملتيه فيها يا ............ ) عايزة تخلصي على اللي باقيلي منها ...
جابية البجاحة والفجر ده كله منين يا ........... ) .
" شهيرة " بدموع رغم القوة والتجبر والقل التي تتحدث بهم ورغم ضعفها الشديد في تلك اللحظة بعدما زال غطاء سترها عنها والدماء تسيل من جانب المها. الست دي أخدت مني كل حاجة.
أخدتك مني.
وأخدت حلم حياتي في أني أكون الزوجة الوحيدة ليك، كان لازم اخلص منها عشان تبقا ليا وتحبني زي ما بحبك.
كان لازم ابعدها عنك عشان تحبني وأكون أول واحدة تجري عليها من بعدها ...
كان لازم لما اتحط في اختيار معاها أكون أنا رقم واحد...
" مراد " وهو يصفعها بقوة مما أخل بتوازن جسدها الهزيل بين يديه.
عملني حساب كل حاجة، وشلتي كل العقابات من طريقك بس معملتيش حساب ألي عمري ما حبيتك ولا حتى شغلتي سنتي واحد من قلبي.
ثم تابع وهو يجذب خصلاتها إليه بغلا كبيرا مشددا على كل كلمة ينطق بها لنصيبها في الصميم وعيناهم تتقبلان في نظرات قاتلة، ثاقية ، يملؤها الفل والكراهية بنظرات أخرى مليئة بالدموع يظهر بها الفل والاحتراف.
أنتي ولا يوم كنتي من أولوياتي أو حتى ضمن دائرة اهتماناتي.
لأتي ببساطة محبتش ولا هحب غير أصالة ولا عيوني وقلبي قدروا يشوفوا غيرها .... كان لازم تفهمي من الأول أن مينفعش اختار بين حتة ألفاظ تمنها غالي أوي وبين حتة حديد مصدي مالوش سعر ولا قيمة ، بيسمم كل اللي يقرب منه ... فأخذت تنظر إليه وهي تبكي بحرقة بكانا مريرا ليقذف بها بعيدا عنه دون رحمة ومن ثم أبرحها ضربا ولكنا دون أن يرق قلبه النزيف ذراعها ووضعها المزري بين يديه فحبيته تسارع بين الحياة والموت أمامهم على وشك أن يفقدها للمرة الثانية من وراء كراهيتها وأفكارها المسمومة لذلك لم يعد يرى أمامه وظل يركل أسفل بطنها بعنف كبير مفرغا لشحنة غضبه لعله يطفئ ولو جزءا من نيرانه المشتعلة طيلة ستون غمره التي عاشها معا.
ظل يضربها ويسدد لها العديد من اللكمات وهو لم يرى أمامه سوى وجه " أصالة " الغارق في
ظل يركلها ويضربها بجنون دون وعي مما جعل الجميع يجزمون بأنهم يرون أمامهم ثور هائج في حالة ثورة عارمة.
لم يرى أمامه سوى معشوقته الذي على وشك خسارتها للمرة ثانية دون أدني حق الدفاع عن حقه بها.
فهي من سلبت كل تلك الحقوق منه وهي من أخرجت أسوء ما به معها ومع الجميع.
تلك المرأة لعنة اصابت حياته وحياة كل من أحبهم بصدق من صميم قلبه دون أن تشقق بحالة قلبه ولو لمرة واحدة لذلك لن ولم يشفق عليها مهما حيا، فلم يفق من جنونه هذا إلا على نبرتها وهي بين الوعي واللاوعي غارقة بدمائها تهذى بجنون وهستيرية من بين لكماته وركلاته.
حق تلها
وديني لقتلها ...
انت بتاعي ...
بتاعي أنا ويس...
ثم همست من بين لهائها ودماء وجهها وهي تفترش الأرض كحال " أصالة " تماما.
هفت لها... هكذا نطقت بعبراتها الأخيرة ومن ثم اغلقت عيناها واستلمت أخيرا المصيرها ونهايتها.
وهنا صاح " مراد " بكل قوته صيحة أفزعت أهل المنزل بأكمله وهو ينادي أحدى حراسيه قائلا. با آاااامببین ، با رااااااااشد...
فحضر أثدائهم على الفور واتو مهرولين على صرخاته من الخارج ووقفوا أمامه في تهذب وطاعة ليصبح بهم بشر يختبره لأول مرة بحياته.
نعم قتلك المرة غير فالمرة السابقة كان غضبه مطعون بداء الحب والغدر ولكن تلك المرة غير. فتلك المرة الطعنة لم تكن هيئة إطلاقا فهو الآن مطعون بداء الندم والحسرة والقهر والظلم الذي
عاشت به محبوبته وصغيرهم لسنوات التخرج نبرته حازمة ، باردة حد الموت. خدوا الـ ( ...... ) دي ارموها في المخزن المهجور ورا مصنع عايدين ومفيش لقمة واحدة تتقدمها ، وكلم سعد خليه يبعتلكم رجالة تأمن المكان ، وعليهم كمان يبعدوا كام راجل من
رجلتنا يجيبوا ال (......) اللي اسمه رؤف من قلب شفته ويرميه معاها لحد ما اجيلهم اسوي حسابي معاهم بنفسي مفهوووووووم...١٢ أنهى حديثه وهو يسحبها من خصلاتها مجرجزا لها على الأرض راميا بجسدها أمام حارسيه.
الحارسان في نبرة واحدة وهم يهمون بفعل ما أمرهم بيه سيدهم في طاعة. علم وينفذ با باااااااااااااا...
كل ذلك تحت نظرات " مريم " الذابلة كزهور مانت وذيلت يفعل الإهمال والقتل عمدا. فالموت أهون لديها من سماع تلك الحقائق الفرة عن والدتها وبشاعة جرمها.
لا تستطيع تصديق أنها بعد كل ذلك وبعد انفضاح أمرها لازالت مصرة على إخراج أبشع ما بها . لازالت فصره على تشوية ما تبقى من صورتها ينظرها ونظر الجميع.
فكانت تبكي بمرارة بداخل احضان عمتها.
بكاء صامت لكنه كان يشرح روحها من الداخل ويحرقها كالشعلة العالقة بكومة قش.
بكاء على أمالها وأمانها وأمنياتها.
بكاء على أبيها التي لم تراه يوما لكن وجع اشتياقها وحنينها إليه مرق ما بين أضلعها طويلا. بكاء على والدتها التي لم تعتبرها أبنة لها يوما ولم تكثرت لمشاعرها وكانت بيداها مجرد لعبة ولم تعتبرها هي بدورها أما طيلة حياتها.
بكاء على القلب الأوحد الذي عشقته بهذا الكون دون إرادة وجرحها بدوره جرح كبير وهو بكامل ارادته.
ليس بوسعها في التفعله بتلك اللحظة سوى البكاء.
البكاء فقط ...
فشددت من احتضان عمتها عندما شعرت بالبرودة تلفح سائر جسدها وشددت عمتها بدورها على ضمها وهي تلمس بيداها خصلاتها تبكي بحرقة بكاء صامت غير مسموع فما تشعر به صغيرتها بتلك اللحظة يصعب على أي مخلوق احتماله. فهي تقدر حجم صدمتها والامها وهي أدرى الناس بما تشعر به الآن.
ليخرجهم من تلك اللحظة هذان الرجلان اللذان قاموا بحمل تلك الـ " شهيرة " والخروج بها من القصر أمام أعينهم وفي الوقت نفسه قد وصلت عربة الإسعاف التي ستسعف " أصالة " وتنقلها إلى المشفى.
وما هي إلا لحظات حتى كان المسعفون قد قاموا بحمل " أصالة " التي ظل صغيرها ممسك بیداها حتى صعدت العربة وفي تلك اللحظة صعد صغيرها إلى جوارها ووقف " مراد " ينتوى الصعود هو الآخر إلا أن " سليم " أوقفه وهو يقول بأسوداد.
رايح فين يا بااااشاااااا مكانك مش هنا ..؟!
فتصنم " مراد " في مكانه ونطق بقوة وإصرار كبير بداخل عيناه. مفيش جنس مخلوق هيقدر يمنعنى أركب معاها وايقى جميها ، أنت سامع ..؟!
" سليم " بغل كبير وهو ينظر بداخل عيناه بمرارة وعيناه مليئة بالدمع الذي يأبى الهطول.
عدى ٢٧ سنة مقضتش فيهم ثانية واحدة في قربها، ودلوقتي بأي حق تطلب أنك تبقا
جمبها ..١٢
انت آخر واحد في الدنيا يطلب قربها أنت سامع ... هكذا أنهى حديثه مستخدما لنفس جملته
الأخيرة لتأنيه خبرة " مراد " الغاضبة والمتحدية بإصرار.
وأنا مركب معاها يعني هركب معاها وابقى وريني متمنعني إزاي...؟!
فتدخل "نوح " يحزم لينهي ذلك الحديث الغير متناسب مع الموقف تماما.
یا جماعة ميصحش كده كفاية يا سليم أرجوك.
كل ثانية بتضيعوها في كلام مالوش لازمه محسوبه علينا وعلى حياة أصالة، هي في اللحظة دي محتاجة الدعم وبس لكن أي خداقات وحسابات قديمة تتأجل لحد ما تطمن عليها الأول.
ثم تابع وهو ينظر إلى " فراد " يتهذب ورقي.
من فضلك يا مراد بيه الموقف مش متحمل أي مجادلات، وسليم أحق واحد فينا أنه يركب معاها.
فراد " بغيرة وجنون وإصرار وقلق والعبرات متحجرة بداخل عيناه وهو يضرب بكلامه عرض الحائط..
أنا مركب معاها يعنى هركب معاها ... فهم بالفعل بالصعود معهم ولكن سبقته يد صغيرة لتمتعه وهو يقول بسخرية.
أظن كلام نوح واضح ومحدش هيركب مع أمي غيري ... أنهي حديثه ولم يترك لأي منهم مجالا للحديث.
ليغلق الباب بقوة ليمنعه من الصعود معهم أو حتى الرفض دون أن يرمش له جفن أو يصعب عليه حالة أبيه.
ليتراجع " مراد " بقلة حيلة وهو يرى العربة بدءت في التحرك ولحق بها كل من " نوح " و "
سليمان " بسيارتهم الخاصة، فسقطت عبرة منه على حين غرة دون أن يشعر بها وهو يشعر
بقفصه الصدري يتمزق وقلبه ينخلع ليركض خلفها محد لا حالة بضياع وحرفة.
أنا مش عارف أعمل ايه ..؟!
ثم أضاف بضياع.
أنا لازم ابقى معاها ، لازم ابقى جمبها في اللحظة دي....
مش هينفع الخلى عنها المرة دي كمان مش مستحمل.....
لينتشله من حديثه وضياعه هذا تيرة والده الذي كان يرى ما حدث واستمع إليه فمد يداه يربت
على كتفه بحنان وهو يشد ازره ويبته بالدعم اللازم.
عندك حق أنت لازم تبقا جمبها ....
لازم كلنا نبقا معاها ...
فتابع بإصرار وهو يستند على عصاه بشموخ بعدما استقام ظهره لأول مرة بحياته.
- يلا بينا يا فرادا
يلا بينا تحصلهم يا حبيبي...
فهز رأسه بضياع وتابع وهو يركض بظهره باتجاه سيارته ووالده يلحقه بصعوبة.. أكيد، أكيد يا بابا...
وبعد مرور ما يقرب العشرة دقائق كان جميعهم يسيرون بداخل رواق المشفى بعد أن لحق بهم " فراد " وأبيه، فكان المشهد كالاتي:
" أصالة " طريحة الفراش يجرها اثنان من المسعفون وعلى رأسهم طبيبها، وصغيرها ممسك. بیداها يخشى تركها وكأنها كنز ثمين على وشك الضياع من بين بداه، و" نوح " و "سليمان " يركضان معهم بقلق شديد.
أما عن " مراد " فكان يركض وكان قلبه من يركض وليست بسافيه غير قادر على استيعاب كل ما حدث، لكنه يستوعب شيئا واحدا وهو أن تلك المرأة التي على وشك خسارتها الآن هي كل ما الديه بتلك الدنيا، أن ولم يسمح بحدوث أي مكروه لها مهما كلفه الأمر.
وما أن وصلوا بها إلى غرفة الطواري، حتى منعهم الطبيب من الدلوف وتركهم بالخارج تيران اللهفة والقلق تنأكلاتهم دون رحمة.
كان الجميع يقف وكأنهم يقفان على مواقيد من نار موقدة، حتى أن نظراتهم لم تخلص من تلك النيران.
فكان " سليم " يشعر بالسخط حتى أن نيران قلبه قد جلت بوضوح على عيناها ج لكنها قد اصابت والده في مقتل.
نعم، فنظراته إلى أبيه كانت نظرات غائمة، مفعمة بالنيران القاتلة، وكأنه يرمي باللوم عليه فيما
حدث لوالدته، وقد قابلها " فراد " بارتباك وخجل، فهو أيضا يشعر بالعار من حاله وتصرفاته وحركاته حتى أنفاسه يخجل منها، فما فعله بهم قاس ولا يعلم كيف له أن يصلح كل من أفسده.
ها قد مرت ساعة، لتزيد عن الساعة وأكثر ولم يخرج أحد، ولم يطمئنهم أيا من هيئة التمريض أو الطبيب المعالج لها.
كانوا يجلسون على نيران والقلق يكبر بداخلهم على قدر كل ثانية تمر يهم وهم لا يعلمون شيئا عن تلك المصابة بالداخل.
وهنا جاء أحدهم يركض ويلهت بقوة والفلق يبدو واضحا على تقاسيمه هاتفا بـ " سليم "
والقلق يتأكله.
سليم وينه صولا ..؟!
حدا يخبرني شو اللي صار..؟!
" نوح " بهدوء رغم حالة القلق الذي تعتريه.
صولا وقعت من عالسلم يا يوج، والدكاترة لسه جوه محدش فيهم خرج.
" سليم " بأسوداد وهو يطبق على فكيه بغل مما أبرز عروق جبهته بوضوح
صولا موقعتش يا نوح ...
صولا حاولوا يقتلوها خد بالك كويس...
ثم تابع وهو يقف أمام والده بكراهية وغل كبيران.
بس السقا بالله لو جرى ليها أي حاجة ما هرحمكم كلكم.....
شعر " مراد " بأن ذلك الحديث موجه له وتأكد من ذلك حينما وجد نظراته تخترقه كالسهم النافذ، ولكن هذا لم يفرق معه على قدر نظراته التي أحدثت شرحا بداخل صدره.
هذا حقا قد كسر قلبه الملكوم ويعثر شتاته، لا يوجد بالعالم مشاعر أصعب من هذا الشعوران
الذي يشعر بهم في تلك اللحظة...
ايعقل أن صغيره الذي تمناه من قبل ابنا له يكرهه إلى هذا الحد..؟! محبوبته، يخشى رحيلها إلى الحد الذي من الممكن أن يجعله يلحق بها إذا وقع ما لا يحمد عقباه. لكنه عاجل غير قادر على التعبير عن أوجاعه أو وصف جراحه النازفة أمام أيا منهم. وما كاد أن ينطق حتى قد تفاجيء بتلك الفتاة الناعمة التي أنت راكضة مرتميه بأحضان صغيره الذي احتضانها بدوره بحيا كبيرا وهي تهتف به في تلهف.
قلبه غير قادر على احتمال كراهية صغيره له وفى الوقت نفسه لن ولم يقوى على خسارة
سليم أنت منيح
شو بها صولا ؟!
" سليم " يقلق بعد أن لانت تبرته بعض الشيء.
لسه جوه محدش يعرف حاجة، ادعيلها يا أماليا بليز هي محتاجة لده دلوقتي.
" أماليا " وهي تبته الدعم والشجاعة.
ليك يا زلمي راح تقوم منها وبتشوف صولا اكثير قوية وفيها تتخطى هديك الأزمة، أنا اكثير
وثقه فيها.
وهنا اقترب " عابد " من صغيره " فراد " واكفا له في ذراعه برفق فنظر إليه الأخير بدهشة. ففي غالب الأمر تلك القناة هي نفسها الفتاة الذي سيعلن خطبته منها قريبا، تلك الفتاة هي نفسها الفتاة التي ستحطم حياة صغيرتهم " مريم " وتفطر قلبها الحزين، فأخذ اثنائهم ينظران إلى بعضهم البعض في دهشة لكن لم يسعهم الموقف على الحديث لينفتح الباب يتلك اللحظة ويخرج منه " الطبيب " بعدما استمر عمله بالداخل لما يقرب الساعة وأكثر ليهرع إليه الجميع في تلهف كبير وقلق بالغ ليكون " سليم " أول المتحدثين يخوف قد بدى بوضوح على نبرته.
طمنا يا دكتور بليز..؟!
" الطبيب " بمهنية وعملية شديدة.
خير يا جماعة أن شاء الله المدام فاقت، والحمد لله الجرح سطحي بس الخبطة كانت قوية. شوية، واثرت على الأوكسجين الواصل للمخ عشان كده سبينها شوية على جهاز الأوكسجين وأن شاء الله خلال ٤٨ ساعة الوضع هيكون استقر إلى هذا ما وتقدر تخرج.
فتنفس الجميع الصعداء، لا يستطيعون تصديق أنها قد مرت على خير يحمدون الله كثيرا على ذلك، ولكن نغص عليهم راحتهم تلك نبرة " الطبيب " التي لم تؤشر إلى خيرا إطلاقا قائلا: بس كان في حاجة مهمة حايب أبلغكم بيها...؟!
" فراد " بقلق وهو يضيق عيناه محاولا إلا يفقد أعصابه.
في إيه يا دكتور قلقتنا ...!
" الطبيب " باسف رغم محاولته التمسك بعمليته قدر المستطاع.
للأسف مدام أصالة حصل ليها شلل نصفي، والمؤشرات بتقول أنها فقدت النطق كمان.
شعر الجميع وكان على رؤسهم الطير.
ايعقل ما استمعوا إليه الآن ..
فشعر " مراد " وكأن الأرض تحيد به، وكان أحدهم قد أظل عيناه بظلالة سوداء يكاد يجزم أنه لم يعد يرى أو يسمع لكل ما حدث، وكأن العالم قد توقف به عند تلك اللحظة.
هو من شعر بالعجز وقلة الحيلة..
هو من شعر بأن ساقيه لم تعد لتحمل.
هو من شعر وكانه فقط قدرته على الحركة للتو وليست هي، وكأنه أصبح قعيد ( مشلول ) كحالها تماما.
أما عن "سليم " فشعر وكأن هناك عدو قد أفرغ بداخل صدره ذخيرة كاملة من الرصاص يصعب ويستحيل معها العيش.
ظلااااااااااام دامس...
كل ما يراه الآن وتقع عيناه عليه ما هو الإظلاااااام لو كان هناك بقعة سوداء بذلك العالم فهو
مهزوزة غير مصدقة لما يستمع إليه.
يراها الآن أمام نظريه بتلك اللحظة، فشعر بان حلقه قد جف، وكأن لعابه قد نصب ونطق بنبرة
- شلل 15 طب إزاي..؟!
" نوح " بهدوء محاولا التفسر عما حدث.
أرجوك يا دكتور فهمنا الوضع كامل
حضرتك طمنننا وبعدين رجعت تقلقنا.
واحنا كلنا هنا على أعصابنا..
ثم تابع وهو يحاول فهم المغزى من كلماته المنتقضة تماما.
ازاي جرح سطحي، وازاي حصل شلل كفانا الشرر ..؟!
" الطبيب " بعملية وهو يتفهم موقفهم جيدا.
فعلا يا أستاذ الجرح سطحي ومالهوش أي علاقة بالإصابة، حتى نقص الأوكسجين نتج عن
الدم اللي فقدته.
" عابد " برزانة وحكمة.
واحدة واحدة علينا يا دكتور، وفهمنا الله يرضى عنك الشكل ده چه متین، دي لسه صغيرة على اللي هي فيه ده يا حبيبتي.
" الطبيب " بتقدير لحالتهم النفسية.
الشلل اللي عند المدام مالهوش أي أساس عضوي يا عابد بيه المدام بتعاني من حالة نفسية
صعبة والشلل اللي صاب رجليها ورفضها الكلام ده سببه تراكمات وضغوطات نفسية انحطت فيها عشان كده يقترح على حضراتكم تعرضوها على دكتور نفسي لأن مؤشراتها الحيوية كلها
طبيعية واكيد هيكون عنده حل الحالة المدام.
" سليم " بقلق ونبرة مهزوزة.
يعنى أفهم من كلام حضرتك أنها محتاجة لدكتور نفسي مش علاج طبيعي ..؟!
" الطبيب " بعملية شديدة.
الحالة التي مدام أصالة بتمر بيها أساسها نفسي بحث عشان كده الحالة أن شاء الله هتكون مؤقته والدكتور اللي هيتابع معاها هيساعدها بأكثر من ميكانيزم أنها ترجع تمشي وتتكلم من ثاني...
ثم تابع وكأنه قد تذكر شيئا ما.
صحيح في دكتور استشاري أمراض نفسية وعصبية بيمر عندنا كل أسبوع ممكن لو حبين
العرض الحالة عليه.
" نوح " بهدوء رغم الأسى الذي أصبح يكسو معالم وجهه بأكمله.
شوف الصح ايه واعمله يا دكتور المهم أنها ترجع تمشي وتتكلم من تاني ....
ثم تابع بتساؤل ولهقة.
صحيح، ينفع نشوفها دلوقتی با دكتور ولا ممنوع ..؟!
" الطبيب " يعملية.
أنا أفضل بلاش زيارات دلوقتي بس لو لزم الأمر فهنسمح لشخص واحد بس منكم بالدخول.
" فراد " بتلهف وقلق وهو على حافية الهوية والإنهيار.
أرجوك يا دكتور أنا عايز أدخلها ..؟!
" سليم " بغضب أعمى وأسوداد حقيقي وكأنه يرمي اللوم بأكمله على عاتقي والده:
لو في حد له حق أنه يشوفها فهو أنا ...
أنا ابنها والوحيد اللي له الحق أنه يفضل جميها بين كل الموجودين يا دكتور.
" الطبيب " بعملية شديدة وهو بهم بالرحيل.
تمام مفيش مشكلة بس متتأخرش عن 4 دقايق من فضلك.
وما أن رحل الطبيب هم " سليم " بالدخول إلى والدته مسرعا والقلق كاد أن يخلق قلبه إلى شطرين ولكن ما أن هم يفتح الباب حتى وجد يد تمنعه، فانتفت بدهشة ليرى ذلك الشخص الذي تجري على الوقوف أمام رغبته في رؤية والدته والاطمئنان عليها، وإذا به يجد " مراد " هو من أعترض طريقه ليمنعه، فنظر إليه " سليم " وعيناه كادت أن تطلق رصاضا حيا تسف به دون هوادة ومن ثم استمع إلى نبرة " مراد " التي قد عادت صلابتها وهو يهتف بأسوداد وحدة.
محدش هيدخل عندها غيري.
فضحك " سليم " بسخرية وهتف به باستهزاء.
هنهنهنهي أنت مصدق نفسك لاااااا بجد أنت مصدق نفسك ..
اللعبة انتهت يا فراد بيه وأنت آخر واحدة في الدنيا مسموحله أن يشوفها أو يلمحها حتى
بطرف عينه.
ثم أضاف وهو يتكئ على كل حرف ينطق به وكأنه قاصدًا للضغط على جرحه الغائر والنازف بكل ما أوتي من قوة.
أنت دمرتها وكسرتها، أنت سبب مرضها وشقاها
عايز منها إيه ثاني أكثر من كده..؟!
أخذ ينظر إلى عيناه بتحدى كبير ومن ثم نطق بغل وغيظ.
خلصنا ااااااا
أنا ابنها الوحيد، وأنا اللي هقرر مين يشوفها ومين ياخذ بعضه ويمشي من هنا ...
واظن انت مش مرغوب فيك ولا مرحب بيك بينا، فياريت تتفضل من غير مطرود، حفاظا على الهدوء لسلامة المرضى ... هكذا أنهى جملته الأخيرة وهو يجذب معصمه من بين يديه بقوة.
ليأتيه نبرة " مراد " القائمة وهو يضيق عيناه بلؤم وتحدي صريح له.
لو أنت فاكر أنك هتقدر تستغل أنك ابنها الوحيد وتمنعني أني أشوفها تبقا غلطان.... ثم تابع بلوم وعيناه تبتسم دون شفتاه في حركة لم يفعلها سوى اثنائهم فقط.
لو أنت فاكر عشان أنت تبقا ابنها الوحيد هتقدر تمتعنى أشوفها، تو تبقا غلطااااااان
مفيش حد في الدنيا يقدر أنه يمنع راجل يشوف مراته حتى لو كان الحدده ابنهم. ولو هنتكلم في الحقوق يا ابن أمك، يبقا أنا من حقي أني أفضل جمب مراتي اللي حقي فيها أكثر منك أنت شخصيا.
فاكمل وهو يضرب بسبابته على جانب رأسه بحركات متتالية، سريعة الإيقاع.
على عقلك الصغير ده، يفهم كلامي كويس
عشان مش هعيده تاني ...
