رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم شهد الشوري


رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الواحد والعشرون  بقلم شهد الشوري 

استيقظ يونس ما إن شعر ببرودةٍ تجتاح الفراش بجانبه الدفء الذي اعتاده منذ الليلة الماضية قد انسحب فجأة....
نفض عنه بقايا النعاس سريعًا، واعتدل في جلسته وعيناه تبحثان عنها بقلق لم تدم حيرته طويلًا فقد لمحها تخرج من غرفة الملابس

كانت ترتدي فستانًا صيفيًا بلونٍ بني فاتح ينسدل بنعومة على جسدها الفاتن وخصلات شعرها القصيرة التي أصبحت تلامس وجهها برقة زادت ملامحها نعومة وبهاء وقف يتأملها بهيامٍ واضح وكأن الصباح كله صار أجمل لمجرد وجودها أمامه

شعر بشيء جديد يتسلل داخله
إحساس لم يعرفه من قبل وهو يتساءل بصمت
هل يمكن أن يستيقظ كل يوم ويراها هكذا
بنفس الجمال والفتنة التي تسلب القلب والروح 

اقترب منها بخطواتٍ هادئة وابتسامته الساحرة تزين ملامحه قائلاً بنبرة دافئة :
صباح الورد

ارتبكت قمر قليلًا وردّت بخجلٍ واضح فهي لم تنسى بعد ما حدث بالأمس نومها وهي تشعر بالأمان وقربه الذي أربكها بل تلك التصرفات الرقيقة التي لامست بداخلها إحساسًا أنثويًا جميلًا  :
صباح النور

ثم تابعت وهي ترتدي ساعة يدها محاولة إشغال نفسها :
يلا اجهز خلينا ننزل نفطر مع الكل تحت

ضحك يونس فجأة بصوتٍ عالٍ وقال بمكرٍ مازح أربكها :
إنتي ليه مصرة تثبتي ليهم إني مقصر اتنين متجوزين جداد نازلين الساعة تسعة الصبح أقل واجب نفضل هنا كام يوم عشان أثبت لإلياس باشا إن ابنه أسد

غمز بعينه بمشاكسة فشهقت قمر بخجلٍ شديد واقتربت منه تضربه بخفة على صدره قائلة بغيظ :
سافل ومتربتش عمي إلياس معرفش يربي

رد عليها ضاحكًا بمشاكسة :
وحياتك أنا كده متربي أوي

مد يده فجأة وجذبها بخفة نحوه وهو يقول بمرح :
تعالي مش عاوزة تنامي تاني

دفعته بعيدًا بسرعة وقالت بغيظٍ واضح :
إنت استحلتها ولا إيه امبارح كان استثناء بس لكن بعد كده ممنوع تنام جنبي ولا تحضني بالشكل ده أنا خدت الموضوع على إنه هزار بس لو طلع بجد يا يونس......

اقترب منها أكثر وهو يبتسم بمكر قائلاً :
هتعملي إيه؟!

نظرت حولها بتوتر ثم قالت بإحراج :
هكسرلك الأوضة كلها

ابتسم لها بنظرةٍ مليئة بالدفء وقال :
فداكي الأوضة وصاحب الأوضة

احمر وجهها بشدة، ودفعته بعيدًا عنها قائلة بإحراج واضح :
يونس بطل هزارك ده معايا لو سمحت

كان يمازحها فقط…
كل ما قاله وكل ما لمح إليه، كان في نظرها مجرد مزاح ثقيل لكنها لم تدرك أن خلف ضحكاته كان هناك شيء آخر

نظر إليها للحظة بذهول وفي تلك اللحظة فهم كم هي ساذجة في تفسيرها لكل ما يحدث....
فهم لما وقعت في شباك ذلك الحقير نوح بتلك السهولة 
حمقاء انها لا ترى ما يحاول إخفاءه خلف مزاحه

ضحك بخفوت مكتفيًا بالصمت ثم اتجه إلى المرحاض وخرج بعد دقائق مرتديًا ملابس منزلية مريحة وجلس على الفراش قائلاً بمرح :
اقعدي أنا هطلب الأكل يطلعلنا هنا

أومأت له بصمت وما هي إلا دقائق حتى دخلت الخادمة بعربة الطعام تحمل أطباقًا متنوعة تفوح منها روائح شهية
جلس يونس أمام الطعام وقال بشهيةٍ واضحة ومرح :
الواحد لو كان يعرف إنه هيتدلع وياكل أكل زي العسل كده كان اتجوز من زمان

ضحكت قمر بخفوت،وجلست تتناول الطعام معه في صمتٍ خفيف لكن عقلها كان ممتلئًا بالتساؤلات
كانت تراقبه من حينٍ لآخر
تبحث عن تفسيرٍ لتصرفاته الغريبة معها

عقلها كان يقودها لاتجاهٍ واحد
اتجاه تحاول رفضه بشدة

لكنها سرعان ما هزت رأسها تنفض تلك الفكرة بعنف وكأنها ترفض مجرد التفكير فيها فمستحيل…
مستحيل أن يكون يونس واقعًا في حبها !!!
..........
نظر بدر إلى مالك بحدة ثم نقل بصره نحو عشق التي خفضت وجهها أرضًا بخجلٍ شديد تحاول الهروب من أثر ما فعله مالك بتهوره وقبل أن ينطق بدر بأي كلمة كانت حياة قد سحبت يده بسرعة إلى داخل مكتبه وهي تقول بحنان :
ارتاح يا مالك شوية وهنرجعلك

أغلق الباب خلفه وما زالت ملامح الغضب تشتعل في عينيه التفت نحو يوسف وقال بغيرةٍ واضحة وقد عادت إليه ذكرى قديمة لم تغب عن ذهنه حين قبل مالك عشق :
خلي عينك على أختك ماتخليش الحيوان ده يقرب لها

داخل المكتب وقفت حياة أمامه بثبات وقبل أن يتحدث سبقته بنظرةٍ هادئة لكنها تحمل تحذيرًا صريحًا :
إياك يا بدر ترفض مالك وتكسر قلبه هو وعشق بلاش حركاتك اللي أنا حافظاها دي الاتنين اتوجعوا أوي الفترة اللي فاتت من اللي عمله حمزة ومهرة الموضوع مش مستحمل

اشتعلت ملامح بدر أكثر وقال بغيرةٍ وغضبٍ مكبوت :
الحيوان لمس بنتي ولا نسيتي لما شوفته آخر مرة مقرب منها ده لازم يتربى

رفعت حياة حاجبها بسخرية وقالت :
الله يرحم....اللي قديمه تاه يا بدر يا جارحي ولا نسيت انك عملت نفس الحركة معايا زمان

زفر بدر بضيق والغيرة على ابنته تشتعل داخله لكن خلفها كان هناك خوفٌ أعمق خوف أبٍ يرى طريقًا مليئًا بالأشواك قد تسير فيه ابنته من جديد

اقتربت منه حياة ونظرت إليه بتفهم تشعر بالصراع
الذي يدور بداخله قائلة بحب :
أنا حاسة بيك يا بدر وعارفة إنت بتفكر في إيه خايف على عشق وأنا كمان زيك بالظبط خايفة عليها بس على قد خوفي عليها على قد ما أنا واثقة في مالك إنه بيحبها وهيسعدها

صمتت لاحظة ثم تابعت بنبرةٍ أعمق :
مش ذنبه يخسرها بسبب أمه وأخوه متنساش إنه اتظلم زيه زيها وكان ممكن مستقبله يضيع، إحنا كلنا اتوجعنا أوي يا بدر من حقنا نفرح

تنهدت وعينيها تحملان حزن وألم كبير قائلة :
ولادي كلهم وجعوا قلبي....
يوسف الندم بياكله ومش عارف يصلح ولا يبدأ منين ومش عارف يرجع يعيش حياته زي الأول ومروان ماشي على نفس خطى اخوه وبغبائه هيخسر اللي بيحبها ويرجع ندمان زي يوسف وعشق موجوعة على مالك من اللي حصله من اقرب الناس ليه امه واخوه واللي كان ممكن يفرق بينها وبين مالك طول العمر

ضحك بدر قائلاً بمرح باهت :
بس الحمد لله عاصم فلت

ضحكت حياة بخفة وهزت رأسها قائلة :
أنا مش خايفة على عاصم عشان لما بشوفه بحس إني شايفة بدر حبيبي قدامي بنفس جنانه وحبه وشخصيته فبطمن....

اقتربت أكثر ونظرت له بعينين دافئتين قائلة :
بطمن عشان بدر حبيبي عمره ما جرح قلبي بالعكس كان ليا كل حاجة وكان السعادة اللي لقيتها بعد ما كنت تايهة وأنا واثقة إن زي ما بدر كان ليا احسن اب واخ وزوج وحبيب عاصم هيبقى كده 

ابتسم بدر بحب وقال بمشاكسة خفيفة ونبرة مليئة بالحب :
هو أنا إمتى قولتلك إني بحبك يا صغنن

ضحكت بخفوت ثم احتضنته وهي تهمس برجاء :
وغلاوة حياة عندك يا بدر ماتكسرش قلبهم ووافق

أغمض عينيه لحظة ثم أومأ برأسه وقال بهدوء :
وغلاوتك عندي مش هزعلك بس همشي الموضوع بطريقة تحمي بنتي من أي أذى ومن غير ما أوجعها

وها هو يجلس برفقة جلس مالك قائلاً بهدوء شديد :
أنا عندي شروط الأول

رد عليه مالك فورًا بلهفة :
موافق

رفع بدر حاجبه قائلاً بابتسامة جانبية :
مش تسمعها الأول؟

أجابه مالك بثقة ولهفة :
من غير ما أسمع.... أنا هعمل أي حاجة عشان خاطر عشق

نظر إليه بدر للحظة، ثم قال بصرامة :
بعد الجواز عندك اختيارين يا تعيشوا معانا هنا يا تعيشوا في شقة لوحدكم بره لكن بنتي مش هتدخل البيت هناك تاني بعد اللي حصل وأظن إنت فاهم قصدي كويس 

ابتلع مالك غصة مريرة لكنه أخفاها وقال بهدوء :
أنا أصلًا كنت ناوي أعيش أنا وعشق لوحدنا بعد الجواز

أومأ له بدر ثم أكمل بنبرةٍ أشد :
لو دمعة واحدة بس نزلت من بنتي بسببك
أو بسبب أمك وأخوك واتعرضت لأذى منهم هاخدها منك علطول ومش هيهمني حد ولا حتى هيهمني حبك ليها طالما مقدرتش تحميها من اذاهم !!

رد عليه مالك بثبات وصدق رغم ألم قلبه الكبير :
لو أنا محميتهاش من نفسي قبلهم ابقى ما استحقهاش ومع ذلك أنا بوعدك اني عمري ما هزعلها ولا هجرحها 

سادهما صمت قصير ثم قال بدر بصرامة :
مفيش جواز غير بعد الترم ده ما يخلص ساعتها نبقى نحدد ميعاد وتيجي تطلبها مني اخر الأسبوع انت وابوك وعيلتك باستثناء طبعا.......

سمع مالك كل كلمة منه دون أن يعترض واكتفى بهز رأسه بصمت فالشروط لم تكن ثقيلة بقدر ما كانت مؤلمة

لم يكن يفكر في نفسه بل فيهم
في والدته وفي أخيه
اللذين كان من المفترض أن يكونا أول من يركض إليهما ليزف خبرًا كهذا خبرًا كان يومًا يحلم به ينتظره بشوق طفلٍ يرى سعادته تقترب لكن بدلًا من ذلك وجد نفسه يشعر بالعار

شعر بغصةٍ مريرة تخنق صدره.....
عارٍ ثقيل تسلل إلى قلبه ليس لأنه أخطأ بل لأن من يحمل اسمهم فعلوا كم كان يتمنى أن يكون هذا اليوم مختلفًا
أن يكون ممتلئًا بالفرح بالاحتواء بالركض نحوهم لا الهروب من ظلهم لكن الحقيقة كانت أقسى !!
............
اندفع أوس خارج الغرفة كإعصارٍ لا يرى أمامه متجاهلًا نداء مهرة بل دفعها بعيدًا بقسوةٍ لم يعهدها أحدًا منه معها بالذات
لم يترك له آدم فرصة أمسكه وسحبه إلى مكتبه وأغلق الباب بعنف ثم انفجر فيه :
إنت إيه اللي عملته ده إزاي تاخد خطوة زي دي من غير ما ترجعلنا إنت واعي إنت عملت إيه

وقف أوس أمامه هدوءه الظاهري يخفي عاصفةً داخله :
أنا حر ومش عيل عشان تحاسبني يا ادم 

اشتعلت عينا آدم وصوته ارتفع بغضب :
ياريتك يا اخي كنت عيل كنت لقيتلك عذر على لعب العيال اللي انت عملته ده إنما إنت كده هبت منك خالص رايح تتجوز وولادك على وش جواز يا اخي لو مش عشانهم كنت راعي الشعر الابيض اللي مالي راسك

رد عليه أوس بغضب مماثل :
مالوش لزوم الكلام ده يا ادم....
أنا معملتش حاجة غلط اتجوزت على سنة الله ورسوله محدش له عندي حاجة

ضحك آدم بسخرية ثم قال بغضب مشتعل :
اه واتجوزت مين بقى....
غزل اللي إنت عارف كويس إنها مش سهلة ومش هتنفذلك اللي إنت جبتها عشانه إنت عملت كده عشان تقهر مهرة
عشان تطفي النار اللي جواك بس لأ إنت غبي رايح تطفي نار ببنزين والنار دي هتولع فيك انت أول واحد

انفجر أوس صارخًا عليه بغضب :
مهرة بقت ولا حاجة بالنسبة ليا بعد اللي عملته فيا وفي ولادي أنا عشت معاها في وهم وجي الوقت اللي اصلح فيه غطلتي مش هعيش اللي باقي من عمري اندب ع اللي عملته فيا كفاية عليا اللي ضاع وأنا عايش مع واحدة غدارة زيها

هز آدم رأسه بيأس :
وهتقدر....هتقدر توجعها وإنت لسه شايل حبها جواك
يا سيدي مهرة غلطانة والغلط راكبها من ساسها لراسها بس هتقدر توجعها وإنت لسه بتحبها يا أوس
يا أخي غلطت وغلطها كبير اوي عاقبها طلقها وخليها تعرف غلطها إنما تروح تتجوز غزل اللي أصغر منك يجي بعشرين سنة إنت عارف الناس هتقول عليك إيه؟!

اقترب منه أكثر قائلاً بتهكم :
"فكرت في ولادك واللي هيتقالهم....
محدش هيقول أبوهم اتجوز عشان ينتقم هيقولوا أبوهم بيجدد شبابه فكرت فيهم وهما صلاً مش ناقصين وفيهم اللي مكفيهم كفاية صدمتهم في أمهم عاوز تصدمهم فيك كمان

صمت للحظة ثم أكمل بحدة :
لأ وجايبها وجاي هنا يا اخي ده بدل ما تشوف حل للي إنت طلقتها وعايشة بينا لحد دلوقتي....
طب بأي صفة هي عايشة هنا وبأي صفة هتقهرها وهي أصلاً مينفعش تقعد وسطنا بعد ما طلقتها

تجمد أوس لحظة ثم قال فجأة بغضب :
هردها

أغمض آدم عينيه بغيظ ثم صرخ عليه بنفاذ صبر :
مفيش فايدة فيك عمرك ما هتكبر وتعقل أوس المتهور بتاع زمان لسه زي ما هو وبكره تندم على الخطوة دي لما تلاقي إنك بدل ما تطفي نار ولعت غيرها كتير وإنت مش واخد بالك يا ابن ابويا وامي.....

في تلك اللحظة كانت حياة قد دخلت مع ريان وأمير....
استمعوا لكل شيء، تقدمت حياة منهما قائلة بحزن :
خلاص يا آدم سيبني أنا أتكلم معاه شوية لوحدنا

لكن أوس انفجر فيها بغضب أعمى :
محدش ليه دعوة بيا مش عاوز حد يتكلم معايا...
أنا مش عيل صغير سيبوني في حالي وإنتي خليكي في
بيتك وحياتك يا حياة مالكيش دعوة بيا ولا بيها عشان مش هسمع منك زي الأول مش هعدي ولا هسامح هي متستاهلش منك كده بعد كل الكره والغل اللي شايلاه ليكي في قلبها

اندفع خارجًا يجر خلفه غضبه ووجعه
ارتطم الباب بقوة هزت المكان ثم ساد الصمت.....

وقف الأربعة مكانهم ينظرون لبعضهم بعجز
حياة وضعت يدها على قلبها وكأن الألم امتد إليها بينما تنهد ريان بصمت، ومرر أمير يده في شعره بضيق

أما أوس فوقف أمام سيارته لثوانٍ ملامحه جامدة
لكن عينيه تحملان صراعًا لا يُخفى لم يكن غاضبًا فقط
كان موجوعًا.....
رفع رأسه ببطء وكأن كلمات آدم بدأت تتردد داخله رغماً عنه لكن كبرياءه كان أكبر من أن يعترف وظل يردد لنفسه
أنه واثق مما يفعل لكن الحقيقة…
أنه لم يكن واثقًا كما ادعى !!

بينما مهرة كانت تقف وحدها تضع يدها على موضع دفعه لها بقسوة منذ قليل لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدها 
بل في قلبها الذي بدأ يدرك أن ما بينهم لم يعد كما كان !!
............
كان نوح جالسًا على أرض غرفته وسط حطامٍ يعكس روحه جدرانٌ مخدوشة وزجاجٌ متناثر وفوضى لا تقل عما يشتعل داخله عیناه معلقتان بفراغٍ خانق.....
تلك الصور لزفاف يونس وقمر التي اجتاحت كل الشاشات كأنها جاءت لتؤكد له خسارته أمام العالم كله

كانت النار تأكله ببطء
يراها تُزف لغيره تبتسم وتبدأ حياةً كان يظنها يومًا حقًا له
حبٌ لا يُجيد الإنكار.....وأنانيةٌ لا تعرف الرحمة

نعم يُحبها لكن حبه لا يعرف الاحتواء بل يعرف الامتلاك
يريدها رغم كل ما فعله بها
يريد دموعها باسمه وانتظارها له
كأن وجعها حقٌ من حقوقه

لا يحتمل أن تنجو منه
أن تمضي....أن تُشفى....أن تكون لغيره أو حتى لنفسها

يريدها عالقةً عنده مكسورةً به
تحمل أثره كجرحٍ لا يلتئم ليس لأنه يستحق…
بل لأنه لا يحتمل فكرة أنها قد تنساه

حبه ليس حبًا بل قيدٌ يُمسك بها
حتى بعد أن تركها غدر بها وتركها تنزف وحدها

أغمض عينيه بقهر وقذف بزجاجة الخمر من يده فتحطمت على الأرض وتناثر الزجاج كأنه شظايا قلبه لقد نفذ ما طُلب منه ومع ذلك لم يعيدوا إليه شقيقته كانت خدعة ليضمنوا صمته وثباته حتى يتم كل شيء كما يريدون وكل ذلك بإشراف ذلك المدعو إلياس حفاظًا على السر الذي سعى ابنه ليخفيه !!

في تلك اللحظة انفتح الباب ودخلت مربيته هو شقيقته بسمة قائلة وهي تنظر إليه بعينين مثقلتين بالأسى :
كفاياك بقى يا ابني كفاياك وفوق لنفسك ومن الانتقام اللي سارقك وعاميك عن كل اللي حواليك

رفع رأسه بعنف وصاح فيها بغضبٍ أعمى :
انتي مالك انتي ازاي تسمحي لنفسك تتدخلي في حاجة ماتخصكيش انتي هنا خدامة شغالة بفلوس تعملي المطلوب منك وخلاص

ارتجفت ملامحها، لكنها تماسكت وقالت بانكسار وحزن :
عندك حق يا بني بس أنا لما فضلت معاك انت واختك من سنين عملت كده عشان حبيتكم زي ولادي بعد موت أمكم وكمان أبوكم وعشان معزتكم في قلبي أنا هسامحك على الكلام ده ومش هاخد على خاطري

صمتت للحظة ثم تابعت بحزن :
أبوك مات وماتجوزش عليه غير الرحمة وانت بدل ما تفضل جنب أختك وتحميها وتعوضها عن غيابهم فضلت تجري ورا انتقام مالهوش أي أساس ولا دليل مجرد كلام زرعته الشيطانة سمر مراة أبوك جواك

تصلب جسده وتسارعت أنفاسه وهي تتابع بغضب :
سيبتلها أختك هي ووليد الكلب مارحموهاش ولا يوم
مراة ابوك كانت بتسيبه يتحرش بيها كل يوم وينهش في لحمها وأختك مش قادرة تتكلم كانوا بيهددوها بيك، اختك مقدرتش تستحمل اللي عملته في بنت مظلومة مالهاش ذنب فسرقت ورق الجواز العرفي من خزنتك وهربتها ليها

ارتجف جسده بعنف وكأن الكلمات سياطٌ تنهال عليه :
اللي قتل أبوك سمر بالاتفاق مع وليد خوفوني ببنتي هددوني يقتلوها كنت عايزة أقولك بس أجبروني أسكت فضلت أراقبهم لحد ما عرفت الحقيقة كلها سمر كانت عايزة تنتقم من أدهم الجارحي بيك انت وتبقى كبش الفدا عشان يستولوا على فلوس أبوك الله يرحمه وفي نفس الوقت تحقق انتقامها

انفجرت بالبكاء وهي تقول :
اللي خلاني أتكلم إنهم خطفوا الحرباية دي وبعدوها عن هنا كانت مراقباني ومسجلة ليا كل نفس أبوس إيدك يا ابني فوق....فوق وأنقذ أختك بنتي هتضيع مني لو عرفوا إني قولتلك حاجة

ساد الصمت لكنه لم يكن هدوءًا.....بل كان ثِقلًا يكاد يخنقه
الصدمة اجتاحته كإعصار
غضبٌ عارم لكن هذه المرة كان نحوه هو

كل تلك السنوات أخته كانت تُعذب...
تُنهش وهو كان غائبًا عنها 

لم يكن منتقمًا…
بل كان أعمى مغفّلًا مجرد أداة في لعبةٍ قذرة
مرر يده في شعره بعنف وأنفاسه تتكسر في صدره وعيناه زائغتان كأنه يرى نفسه لأول مرة بلا أوهام يتساءل بداخله بتلك الأسئلة التي مزقته
كيف لم يشعر....؟!
كيف لم يرى.....؟!
كيف تركها وحدها.....؟!

قبض على صدره كأن الألم صار ملموسًا
ذنبٌ ينهش وندَمٌ لا يُغتفر فماذا عن تلك التي أحبها
فضاعت لا لأن الزمن سرقها بل لأنه هو من أضاعها

رفع رأسه ببطء عينيه لم تعد تحمل ذلك الجنون الأعمى

بل شيئًا أشد قسوة وعيٌ متأخر وحقيقةٌ جارحة مُرة 

لم يعد يدري ما به
لا يعرف إن كان ما يشعر به غضبًا أم ندمًا أم احتراقًا بطيئًا من الداخل لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط…
أنه لم يعد كما كان 💔
...........
كان الغليان ينهش صدره منذ الأمس....
منذ اللحظة التي قرر فيها أنه سيتحدث معها أخيرًا حتى لو في طريق عودتهم لكن ذلك الأمل تلاشى سريعًا حين فاجأته بطلبها من شقيقها وزوجته أن يتوليا توصيلهم بدلًا من السائق

طوال الطريق كانت تتحاشى النظر إليه تتجنب عينيه عمدًا
كأن وجوده لم يعد يعنيها أما هو فكان يختنق بنظراتٍ لا تجد طريقها إليها.....

يزداد نفورها منه بينما يقف ياسين له بالمرصاد كجدارٍ صلب يمنعه حتى من المحاولة تجاهل توسلات زوجته التي حاولت أن تترك لهما مساحة للحديث لكنه لم يستطيع
فكيف يأتمنه عليها وهو الذي شك بها ثم هرب وتخلى عنها في البداية.....؟!
كيف يمنح فرصةً لرجلٍ خذلها وكسرها.....؟!!

اقترب مجدي منه وعيناه مثقلتان بالحزن قائلاً :
بتحبها للدرجادي يا اياد

أومأ له إياد لحظات ثم انفجر وكأن السؤال كان الشرارة التي انتظرها طويلًا :
بحبها وكل ما افتكر اللي حصل بكره نفسي اوي ع اللي عملته فيها وبكره نزولي مصر وبكرهك 

تجمد مجدي مكانه وسأله بصدمة ولسان ثقيل :
بتكرهني !!

جاءه الرد كطعنةٍ لم يكن مستعدًا لها :
اه مستغرب ليه، انت ليه أصلا متوقع اني ممكن احبك او نكون اب وابن طبيعين بعد اللي حصل منك ليه مستني منك ابادلك مشاعر انا عمري ما حسيتها منك

ارتبك صوت مجدي وهو يهمس بألم :
انت ابني

لكن إياد لم يعد يحتمل…
سنوات الصمت انفجرت دفعةً واحدة :
دلوقتي بس افتكرت اني ابنك ولما رمتني سنين لواحدة انت عارف ان مفيش في قلبها رحمة واحدة مكنتش ابنك وانت بتسيبني ليها وبتتخلى عني مكنتش ابنك طول السنين اللي فاتت وانت راميني ومش سائل عني رمتني ليها وأنا عندي خمس سنين عيشت معاها وشوفت كل فجرها
طفل شايف امه من راجل لراجل والكاس مش بيفارق ايديها ام مدمنة وبتلعب قمار وفيها العبر رمتني ليها وانت عارف انها ماتصلحش تكون ام رمتني ليها عشان تخلص من همي مفركتش فيا غير لما حسيت نفسك كبرت وأنا الوريث الوحيد ليك واللي شايل اسمك واللي عشان تخلص ضميرك منه زمان كنت بترميله فلوس كل شهر

مرر يده على وجهه بعنف وكأن الكلمات نفسها تؤلمه ثم تابع بصوتٍ مبحوح :
انا من اي تصرف منك بحسك غريب عني...
أنا مش شايفك اب ولا عارف التمس ليك عذر ولا عارف اسامحك عشان سبتني ليها وخليتها تطلعني كده من ساعة ما جيت من السفر نازل فيا تقطيم اني نسوانجي وزبالة ولازم دلوقتي اشتغل واعقل حطتني في بيئة انت عارفها كويس كنت مستني مني اخرج منها عامل ازاي....
أنا طلعت زيها زي اللي ربتني وسبتني ليها

رفع عينيه إليه وفيهما حزنٌ أعمق من الغضب :
انت نزلتني مصر بالعافية لما قفلت عليا حنفية الفلوس اجبرتني انزل عشان بس لقيت نفسك عندك استعداد تمارس دور الابوة طب ما افتكرتش محاولاتي زمان مافتركتش كام مرة اتصلت بيك عشان تيجي تاخدني بس انت اصلا مكنتش بتسمعني من قبل ما حتى ما ارد على سؤالك وانت بتسألني عن اخباري كنت بتقولي اقفل معايا شغل.......

امتلأت عيناه بالقهر وهو يهمس :
في الوقت اللي انا كنت محتاجك فيه تكون اب ليا انت مكنتش موجود فليه مستني مني أكون ابن ليك لما احتاجتني شغلك اللي فضلته زمان على انك تسمع ابنك رجعتني مصر عشان امسكه ليك

ثم أضاف، بصوتٍ مكسور :
على فكرة انت نفسك مش قادر تشوفني ابنك ولا قارد تاخدني في حضنك لانك شايفني غريب عنك زي ما انا شايفك غريب عني!!

انهمرت دموع مجدي بصمت…
كلماته كانت كالسياط لكنها صادقة مؤلمة لأنها حقيقية

أما إياد فكان صدره يعلو ويهبط بعنف
كمن أفرغ سنواتٍ من الألم دفعةً واحدة استدار ليغادر
غير قادرٍ على البقاء ثانيةً أخرى

لكن دوى صوت ارتطامٍ قوي بالأرض تجمد في مكانه
ثم التفت ببطء ليجد والده ساقطًا أرضًا وجهه شاحب
يحاكى شحوب الموتى.....!!!!!!
...........
دخلت حبيبة الغرفة فوجدت غنوة كما تركتها منذ ساعات… جسدٌ ساكن، ودموعٌ لا تتوقف، حتى الطعام لم تقترب منه كانت هيئتها يثير الغضب أكثر مما يثير الشفقة فتقدمت نحوها وصرخت عليها غاضبة :
مالك يا بت قاعدة كده ليه زي خبيتها...
زعلانة وبتعيطي على واحد زي ده مايسواش وندل
ده انتي المفروض تقومي تفقعي زغروطة وتوزعي شربات كمان عشان ربنا بعده عن طريقك خسارة اللي زي ده مكسب يا عبيطة

رفعت غنوة وجهها بصعوبة ودموعها تنساب في صمتٍ موجع قائلة :
هو مكنش ليا من البداية عشان أخسره يا حبيبة أنا اللي كنت غبية وعيشت نفسي في أحلام العيب على سذاجتي أنا

زفرت حبيبة بغيظ وردت عليها بحدة :
آه غلطانة والغلط راكبك من ساسك لراسك بس هو كمان كان زبالة واستغلك خلاكي تتعلقي بيه وبعدها فجأة اكتشف إنك خدامة ماتلقيش بيه ده واحد واطي وخسيس

اشتد بكاء غنو، فاقتربت منها حبيبة أمسكتها وأوقفتها بالقوة قائلة بحدة :
قومي يا بت واصلبي طولك، حالتك دي هي اللي مرخصاكي في عيونهم قومي كده وانشفي اللي حصلك مش نهاية العالم إنتي لسه صغيرة ماكملتيش عشرين سنة حب إيه وجواز إيه اللي بتدوري عليهم فكري في نفسك وفي شهادتك ده احنا شقينا عشان ترجعي تكملي تعليمك الحب مش هيعيشك بس شهادتك هتعيشك

نظرت إليها غنوة بعينين دامعتين فتابعت حبيبة بضيق :
طول عمرك قاعدة تندبي حظك ومفكرتيش تغيريه طول عمرك بتستني حاجة من ناس قلوبها حجر اتجرحتي منهم كتير ومع ذلك مش بتتعلمي أبوكي كان واطي هو ومراته الحرباية وبناتها كان ممكن تمشي وتسيبيهم وبيت خالتك كان مفتوحلك بس انتي فضلتي مستنية منه حنان وهو طول عمره قاسي وآخرها اتهمك بالسرقة وكدبك وصدق مراته ونصفها عليكي

صمتت للحظة ثم أكملت بحدة :
حتى الزفت اللي اسمه مروان لسه مستنية منه حب بعد ما أهانك قدام الكل وقال عليكي خدامة يابت ماتقهريش نفسك على حد ما يستاهلش اللي بيعوز حاجة من الدنيا بيعافر عشان يوصلها مش يفضل حاطط ايده على خده مستنيها تيجي لغاية عنده

ردت عليها غنوة بقهر وألم :
بستنى عشان بصبر نفسي يا حبيبة بصبر نفسي أحسن ما أصدق إن أبويا كارهني وإن الوحيد اللي حبيته كسر قلبي بستنى وبعشم نفسي عشان موصلش لنفسي إحساس إن مفيش حد بيحبني وعاوزني

صرخت عليها حبيبة بانفعال :
يولع أي حد مايحبكيش مش هتشحتي الحب يا بت
فوقي كده واتعدلي أحسن والله أكمل عليكي العلقة اللي خدتيها من خالتك أبوكي مش عاوزك يغور في داهية
مروان طلع ندل غور في ستين داهية مش داهية واحدة بس
مرات أبوكي وبناتها كانوا قاسين عليكي يولعوا في نار جهنم البُعدة.....يابت افهمي بقى ماتبقيش على حد مش شاريكي الضربة اللي متموتش بتقوي يا عبيطة

ثم جذبتها نحو المغسلة ودفعت رأسها تحت الماء قائلة بصرامة :
فوقي يا بت كفاية استسلام وانزلي شوفي دراستك ودوري على شغل جديد الهي نفسك بيه

كانت كلمات حبيبة كصفعاتٍ متتالية مؤلمة، لكنها صادقة
تركتها ورحلت بينما بقيت غنوة وحدها تغرق في صدى تلك الكلمات أخذت توبخ نفسها بصمت وكأنها ترى حقيقتها لأول مرة.....بعد قليل.....

خرجت من غرفتها، وقد بدلت ملابسها ثم وقفت أمام حبيبة التي تجلس مع خالتها قائلة :
أنا هنزل أدور على شغل

ضحكت خالتها قائلة بسخرية لاذعة :
طب حاسبي يا أختي لا يشربك حاجة صفرا زي اللي قبله

ابتلعت غنوة غصةً مريرة ثم غادرت دون رد
نظرت حبيبة لوالدتها بضيق قائلة :
كان اي لزومه الكلام ده يا ماما ما البت خلاص فاقت
لنفسها وعرفت غلطها 

تنهدت خالتها بحزن قائلة :
لسه مفاقتش ولازم تفوق لو الموضوع عدى بالساهل هتكرره تاني ربنا العالم اني بقولها كده عشان بنتي وخايفة عليها من الغلط ومتمناش ليها الضرر ده لولا الملامة من حرقتي كنت روحت بهدلته ونسلت شبشبي على دماغه بس أنا عارفة اني بنتي غلطانة زيها زيه

أومأت لها حبيبة قائلة بهدوء :
عارفة يا ماما وفهماكي بس كفاية عليها لحد كده أنا اتكلمت معاها وفهمتها غلطها هي دلوقتي محتاجانا جنبها فبلاش نزودها عليها ونجيب سيرة الواد ده كل شوية قدامها عشان تعرف تنساه وتشيله من دماغها

في الخارج دارت غنوة طويلًا بين الشوارع تبحث عن عمل لكن الأبواب كانت موصدة والفرص قليلة جدًا لم تجد سوى عمل بسيط في مكتبة براتب زهيد لا يكفي احتياجاتها

عادت وأخبرت حبيبة التي قالت لها :
خلاص ولا يهمك الأوتيل اللي بشتغل فيه طالبين عمال في المغسلة حتى محمود قدم هناك معايا في قسم المحاسبة وإن شاء الله نتقبل كلنا المكان بعيد شوية بس يستاهل مرتبهم حلو اوووي

أومأت لها غنوة بصمت ثم انسحبت بهدوء إلى الشرفة وقفت تنظر إلى المنزل المقابل لها منزل والدها القديم
الذي باعه وتركه وتركها معه لكن هذه المرة كان معروضًا للإيجار تعلقت عيناها به طويلًا وفكرة جديدة بدأت تنبض داخلها ربما النجاة هذه المرة لن تأتي من أحد بل منها نفسها !!

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

وقف إياد في الممر الطويل كأن الزمن قد علق هناك بين جدرانه الباردة انحنى قليلًا واضعًا رأسه بين كفيه وكأنهما لم تعودا قادرتين على حمل ثقل ما يدور داخله الحزن لم يكن وحده ما يرتسم على ملامحه بل كان الندم أيضًا حادًا، قاسيًا ينهش فيه بلا رحمة...

كان يعنف نفسه بصمت فلو لم تخرج منه تلك الكلمات القاسية لو كتمها كما اعتاد لسنوات ربما ما كان والده ليسقط بهذا الشكل لكنه لم يعد يحتمل تلك الكلمات ظلت حبيسة داخله طويلًا تتراكم، تضغط على صدره حتى خرجت
دفعة واحدة صادقة نعم لكنها كانت جارحة أكثر مما تخيل

انفتح باب الغرفة فانتفض واقفًا وركض نحو الطبيب يسألها بلهفة وخوف :
بابا عامل ايه يا دكتور طمني عليه....؟!

نظر إليه الطبيب لحظة وكأن الكلمات تثقل على لسانه ثم قال بأسف واضح :
إياد باشا أنا متأسف على اللي هقوله بس والدك أهمل صحته جدًا واتجاهل كل التحذيرات اللي قولتله عليها من فترة طويلة إنه لازم ميتأخرش في جلسات العلاج أكتر من كده لحد ما حالته ساءت جدًا، خصوصًا إن.....

قاطعه إياد بذهول، وصوته خرج مرتجفًا.:
والدي عنده ايه....؟!

تنهد الطبيب بعمق وكأنه يستجمع ما تبقى من مهنية أمام هذا الانكسار ثم قال بوضوح مؤلم :
كانسر.....وللأسف كانسر البنكرياس وده بيتكتشف غالبًا في مرحلة متأخرة وحالة والدك اتدهورت بشكل كبير الورم للأسف انتشر وبقى متشعب احنا هنبدأ معاه جلسات من النهارده......

سقطت الكلمة كأنها حكم نهائي لا يقبل الاستئناف
تجمد إياد في مكانه فقد صوته وفقد معه القدرة على استيعاب ما سمعه لم يعد يرى الطبيب وهو يغادر ولم يسمع باقي حديثه فكل شيء من حوله تلاشى وبقي هو وصدمة تهشم داخله بصمت......
ثم، دون مقاومة، انهار انفجرت دموعه بقوة كأنها تحاول أن تغسل ذنبًا لا يُغتفر كان يبكي كطفلٍ فقد أمانه دفعة واحدة يشعر بوحدة قاسية تلتف حوله تخنقه والده كان يعلم
كان يعرف أنه مريض منذ فترة وتحمل الألم وحده دون أن يخبره فكرة كهذه غرست في قلبه غصة مرة موجعة حد الاختناق

تسللت فكرة أكثر قسوة إلى داخله…
هل لم يفكر فيه إلا حين اشتد عليه المرض...؟!!
لم يعد له مكان في حياته إلا عندما صار على حافة الموت
ازدادت دموعه أكثر وقلبه يعتصره الألم
..........
استعادت نفسها خلال الأيام القليلة الماضية أو هكذا أوهمت ذاتها وأوهمت الجميع......
كان الألم بداخلها هادئًا في ظاهره لكنه عميق كقاعٍ لا يُرى
كلما ظنت أنها تجاوزته عاد اسمٌ واحد يطفو على سطحها ليغرقها من جديد....."يوسف"

أربعة أحرفٍ بسيطة لكنها تحمل ثقل دمارها بالكامل
أربعة أحرفٍ تسكنها كما يسكن الوجع جرحًا لم يُكتب له الالتئام !!

اعتذاره أمام الجميع لم يُحرك بها شيئًا بل أشعل فيها ما ظنت أنه انطفأ ذكريات زفافها عليه تلك الإهانة التي انغرست في روحها لم تكن شيئًا يُغتفر ولا شيئًا يُنسى بتلك السهولة
كان بينهما ما هو أثقل من الاعتذار ما لا يُمحى بكلمات ولا يُرمم بمحاولات ومع ذلك كانت تشتاق إليه....
تشتاق له بطريقةٍ تُغضبها من نفسها تُضعفها أمام ذاتها وكأن قلبها يُصر على خيانتها كلما حاول عقلها النجاة

ما إن دخلت إلى أحد فروعها مستعدةً للغرق في العمل هربًا من كل شيء حتى قُطع خيط أفكارها بطرقاتٍ على الباب
سمحت بالدخول فتجمدت للحظة.....كان هو !!
قطّبت جبينها، بينما أغلق الباب خلفه وجلس بهدوء قائلاً
كأن وجوده هنا شيء طبيعي :
أنا مش هعطلك بس جيت أسلمك حاجة وهمشي على طول

أومأت له بينما مد يده بالظرف قائلاً :
دي كل حاجة تخص الفروع اللي حرقتها والعمال قفلوا الشغل باقي الفروع وكمان معاهم ورق الأرض اللي في الزمالك سمعت انك من فترة عاوزاها بس صاحبها مش راضي يبيع تقدري من بكرة تبتدي شغل عليها وتفتحي فرعك الجديد

نظرت إليه بهدوءٍ مصطنع يخفي تلك العاصفة التي بداخلها :
كل ده كنت تقدر تبعته مع المحامي مكنش فيه داعي تيجي بنفسك

ابتسم بخفوت وقال بصراحة أربكتها :
بصراحة بتلكك عشان أشوفك

اهتز شيءٌ بداخلها لكنها تجاهلته وحاولت اخفائه وهي تقول ببرود ظاهري :
وبالنسبة للأرض مكنش فيه داعي تتعب نفسك

رد عليها بنبرةٍ دافئة :
مفيش أغلى منك على قلبي عشان أتعبله

تسلّل ارتباكها رغمًا عنها لكنها احتمت بالبرود :
المحامي بتاعي هيتواصل مع محاميك عشان أحولك تمن الأرض

عقد حاجبيه بدهشة قائلاً باستنكار :
تمن الأرض؟!

أومأت بصمت فرد عليها بحدةٍ مكبوتة :
أنا مش هرد عليكي يا ليلى عيب اللي بتعمليه ده

زفرت بضيق قائلة :
يا تاخد تمنها يا تحتفظ بيها أنا محدش يعملي حاجة ببلاش

رد عليها بضيق مماثل :
أنا مش حد أنا ابن عمتك والأرض دي حاجة بسيطة قصاد اللي عشتيه بسببي

اشتعلت عيناها قائلة بغضب :
اللي عيشته بسببك مش هيتعوض بحتة أرض ولو فاكر إنك كده هتخليني أسامحك تبقى غلطان

أغمض عينيه للحظة فهو لم يقصد ما فهمته ثم قال :
أنا مش بعمل كده عشان تسامحيني أنا بس بحاول أعوض جزء صغير من اللي خسرتيه لما حرقت ليكي الفروع وعطلت شغلك غير كده وقبل أي حاجة انا عملت كل ده عشان احب ما على قلبي اعملك نفسك فيها يا ليلى 

اقترب خطوة ثم انخفض صوته برجاءٍ صادق :
قوليلي يا ليلى أعوضك إزاي إيه اللي ممكن يريحك

نظرت له ببرودٍ قاسٍ ثم قالت :
إنك تبعد عني ومشوفش وشك

نظرت إليه بثباتٍ بارد لكن كلماتِه سقطت داخلها كحجرٍ في ماءٍ راكد تُربك سكونها رغمًا عنها حين قال بإصرارٍ لا يعرف التراجع :
انسي مستحيل أعمل كده، أنا كنت غبي زمان وغلطت...
ندمان وبضرب نفسي مية جزمة إني فرطت فيكي ومعنديش استعداد أعيش باقي عمري ندمان إني ما حاولتش عشان أرجعك ليا معنديش استعداد أعيش وأشوفك بتضيعي مني يا ليلى تاني عشان كده حطي في اعتبارك إني هكون موجود في كل حاجة في حياتك برضاكي أو غصب عنك هتلاقيني دايمًا زي ضلك منين ما هتهربي مني هتلاقيني وراكي

لم يكن يتحدث فقط…
كان يُلقي بقلبه أمامها، عاريًا من أي كرامةٍ تحميه مُحملًا بندمٍ متأخر وخوفٍ صادق من خسارةٍ لم يعد يحتملها

ابتسمت بسخرية جارحة قائلة :
بالغصب يعني هو......هتفرض نفسك عليا ولا صحيح هستغرب ليه ما انت عملت الاسوء منه !!

اقترب منها أكثر أشار إلى قلبها :
لأ بالرضا يا بنت خالي

ثم همس بثقةٍ موجعة :
عشان عارف أنا إيه بالنسبة ليكي مهما حاولتي تهربي
قلبك لسه شايفني أنا وبس

ارتبكت.....
تاهت بين ما كان يجب أن تشعر به وما تشعر به فعلًا

فأين كان هذا الإصرار من قبل.....؟!
أين كان هذا الحب حين كانت تحتاجه.....؟!
الآن فقط بعد أن كسرها يأتي ليُرمم

قال بحزنٍ وندمٍ صادق :
أنا عارف إني ما استاهلش واني جيت متأخر بس انتي تستاهلي أحارب عشانك العمر كله يا ليلى...
عهد عليا انسيكي كل الوجع اللي شوفتيه مني بس.....

ثم أضاف برجاءٍ يكاد يُكسر :
بس انتي ساعديني أرجع ليلى بتاعت زمان
ساعديني ارجع السعادة لقلبك افتحيه ليا لو لمرة واحدة بس صدقيني عمره ما هكسره افتحي قلبك وخليه يشوف كل محاولاتي وأنا بثبتلك اني بحبك !!

وقفت أمامه لا تدري كيف يمكن لشيءٍ واحد أن يكون كل هذا التناقض هو وجعها وحنينها خسارتها وأمنيتها...
هو الشيء ونقيضه لها
كأنه قدرٌ كُتب عليها…
أن تحبه وتُعاقب به في الوقت ذاته !!

نظرت إليه طويلًا نظرة مُتعبة كأنها عبرت به سنواتٍ في لحظة ثم ابتسمت ابتسامة خافتة موجوعة وقالت بصوتٍ هادئ لكنه مُثقل بكل ما لم يُقال :
إنت جاي تطلب مني أفتح قلبي ليك طب هو كان اتقفل ليه من الأساس يا يوسف....؟!

صمتت للحظة ثم تابعت ونبرتها انكسرت رغم قوته ا:
أنا فتحتهولك قبل كده من غير ما تطلب إديتهولك كامل بثقتي وبحبي وبضعفي وانت عملت اي بقى.....
كسرته من غير ما تفكر حتى كلمة كسرته دي قليلة أوي ع اللي انت عملته فيه

تنفست بعمق وعيناها تلمعان بوجعٍ حقيقي :
دلوقتي جاي تقولي ساعديني أرجع ليلى القديمة
ليلى القديمة كانت بتصدقك كانت شايفة فيك أمانها وكانت فاكرة إنك آخر حد ممكن يوجعها بس الحقيقة إنك
كنت أول حد يكسرها

ابتسمت ابتسامةً باهتة تحمل في طياتها وجعًا أثقل من الرد قائلة بهدوءٍ قاسي وعيناها تواجهانه بحقيقة لا ترحم :
فمتطلبش مني أفتح لك باب إنت مش بس قفلته إنت خلتني أخاف أفتحه تاني لأي حد حتى لنفسي اللي ضاع مرة مش دايمًا بيرجع حتى لو صاحبه فاق أخيرًا وقرر يتمسك بيه !!

ثبت نظره فيها عليها وكأن كل كلمة قالتها غرست فيه لكنه لم يتراجع بل اقترب خطوة وصوته خرج منخفضًا مهتزًا بثقل ما يشعر به :
وأنا مستعد أستنى عمري كله لو ده التمن

صمت لاحظة ثم أكمل وعيناه لا تفارقانها :
إنتي بتقولي إني قفلت الباب وأنا بقولك إني هفضل واقف قدامه مهما خد وقت لحد ما تفتحيه بإيدك

اقترب أكثر وكأن المسافة بينها وبينه لم تعد تُحتمل :
أنا مش جاي أطلب فرصة عشان أريح ضميري أنا جاي أحارب عشانك حتى لو الحرب دي ضدي أنا 

تنفس ببطء وصوته أصبح أعمق وأكثر صدقًا :
انتي الحاجة الوحيدة اللي هتوجعني لو بعدتي والوحيدة اللي تقدر تخليني أرجع لنفسي من تاني 

ثم تابع بثبات اربكها :
ولو فاكرة إنك هتقدري تمشي وتعيشي كأن مفيش بينا حاجة تبقي بتضحكي على نفسك قبل ما تضحكي عليا لأن اللي بينا مش حاجة تتنسي ولا حاجة هسمح إنها تضيع مني تاني......

وبالفعل، ها هي في اليوم التالي تجد الفرع بأكمله قد تبدل كأنه انتقل من عالمٍ إلى آخر.....
الزهور التي تعشقها تملأ المكان تتدلى على المداخل وتفترش الزوايا برائحةٍ تعرفها جيدًا كأن أحدهم حفظ قلبها قبل أن يحفظ ذوقها ولم يكن الأمر مقتصرًا على هذا الفرع فقط....
بل امتد إلى جميع فروعها، كأن يدًا خفية قررت أن تعلن وجودها في كل مساحة تخصها دون استئذان وعلى كل باقةٍ كبيرة وُضع اسمها بخطٍ أنيقٍ يأسر النظر وأسفله تلك الجملة التي كادت أن تُربك ثباتها رغم كل ما تحاول ادعاءه :
ليلى لو اجتمعت بلاغةُ العرب كلها
لما وسعتكِ جملة ولا اكتمل بكِ بيت 

توقّف الزمن داخلها لثوانٍ ليس لأنها لم تفهم بل لأنها فهمت أكثر مما ينبغي تلك الكلمات لم تكن مجرد غزل كانت إصابة دقيقة في موضعٍ لم يُشفى بعد رغم خفقان قلبها الذي خانها للحظة ورغم تلك السعادة الصغيرة التي تسللت خفيةً إلى عينيها إلا أنها تماسكت رفعت رأسها بهدوءٍ بارد كأن لم يحدث شيء.....

أدارت نظرها بين الزهور ثم بين الموظفين الذين يتهامسون بإعجاب تأمرهم بالعودة إلى عملهم كن داخلها لم يكن
هادئًا كما بدا كان هناك شيءٌ صغير يتمرد بصمت شيء يشبه قلبًا يحاول أن يتجاهل أنه ابتسم ومع كل خطوة كانت تمشيها داخل الفرع كانت الجملة تتكرر في رأسها كأنها لا تريد مغادرته "لما وسعتكِ جملة ولا اكتمل بكِ بيت"

تشد قبضتها على نفسها أكثر كأنها تحاول كبح ذلك الشعور الذي يصر على أن يتسرب رغمًا عنها ورغم كل هذا الصمود الذي تتقنه أمام الجميع ورغم ذلك الثبات الذي ترتديه كدرعٍ لا يُكسر إلا أن الحقيقة داخلها كانت أضعف من كل ما تُظهره فهي لا تتأثر أمام الزهور ولا أمام الكلمات لكنها تخاف.....
تخاف من أن يقترب أكثر فتضعف ومن أن يصر أكثر فتسقط كل الحواجز التي بنتها بوجعها وكرامتها معًا تخاف أن يخونها ثباتها هذه المرة فلا تعود قادرة على المقاومة كما اعتادت

تخاف لأنها تحبه، ولو كانت لا تعترف بذلك حتى لنفسها
تخاف أكثر لأن قلبها لم يعرف يومًا حبًا غيره وكأن كل الطرق التي سارت فيها عادت لتنتهي عنده هو رغم كل ما حاولت الهروب به......

ومهما فعل ومهما لم يفعل ستظل الحقيقة ثابتة بداخلها كوجعٍ جميل أن قلبها رغم كل جراحه لم يتعلم كيف يحب سواه ولم ينسى كيف يحبه هو !!!!
.........
اندفعت ليان مبتعدة بخطواتٍ متسارعة يغلي الغضب في عروقها كالجمر بينما حمزة خرج خلفها مسرعًا بعد أن ألقى بالنقود على الطاولة دون أن يلتفت......

نادى عليها بصوتٍ متوتر لكنها تجاهلته تمامًا وكأن صوته لم يعد يعني لها شيئًا أخرجت هاتفها بيدٍ مرتجفة من الغضب ترد على اتصال والدتها وما إن سمعت صوتها حتى قالت باقتضاب :
أنا جاية ع البيت يا ماما.....خلاص أنا في الطريق

ثم ألقت الهاتف في حقيبتها بأهمال وقبل أن تفتح باب سيارتها لحق بها حمزة وأمسك بذراعها فجأة فاستدارت نحوه بعينين مشتعلة ليسألها بضيق وأنفاس متلاحقة :
سبتيني ومشيتي ليه.....؟!

انفجرت فيه صارخة بغضب ونفاذ صبر :
عشان انت زي ما أنت واقف مكانك ومحلك سر عمال تقول أنا عايز اتغير ومابتعملش أي حاجة لا اتكلمت مع أبوك أو حتى أخوك وطلبت منهم السماح ولا حتى اعتذرت من عيلتك ع اللي عملته أنت سلبي يا حمزة !!

اشتدت ملامحه ورد عليها بحدةٍ مماثلة :
وإنتي عايزاني أروح أواجههم كده بسهولة أروح أخبط عليهم وأقولهم سامحوني معلش فاكرة مالك هياخدني بالحضن ولا أبويا هيفتحلي الباب ويقولي نورت ولا مهرة هانم هتسكت ع اللي حصل دي مش بعيد أصلاً تكون بتخطط لحاجة أسوأ من اللي عملتها 

ضحكت بسخرية مُرة وقالت وهي تواجهه بصدق :
إنت اللي مستنيهم ياخدوك بالحضن ومش قادر تتحمل نتيجة اللي عملته عايز تعتذر منهم ويسامحوك فورًا من غير ما حد يعاتبك ولا يلومك حتى مامتك هي اه غلطت بس انت كمان غلطت زيك زيها هي ماضربتكش على ايدك انت عملت كل ده بمزاجك كل واحد عنده عقل يميز الشر والخير وانت اختارت بإرادتك تكون اي، فماتلومهاش عشان هي لو عملت كده عملته بدافع انها تبعد ابنها عن عشق وكانت هتخرجه علطول لكن انت.......

اقتربت منه خطوة وعيناها تلمعان بوجعٍ قاسٍ :
انت كنت بتشحن نفسك ضد اخوك وبتكره نفسك فيه كنت عاوز تاخد اي حاجة منه حتى عشق....
انت غدرت وخونت وكنت هتضيع مستقبله

انفجر حمزة صارخًا بغضب أعمى :
اسكتي إنتي متعرفيش حاجة اللي بتدافعي عنها وبتبرري ليها كانت عايزة تأذيكي بيا كانت عاوزاني امثل عليكي
الحب واقرب منك عشان تذل امك بيكي....
كانت عاوزاني اتجوز عشق وامسيها واصبحها بعلقة عشان تنتقم من عمتي حياة فيها !!

تجمدت ليان في مكانها كأن الكلمات التي سمعتها لم تكن مجرد حديثٍ عابر بل ضربةٌ قاسية زلزلت ما بداخلها اتسعت عيناها بذهولٍ حاد وارتبك عقلها أمام بشاعة ما يُقال....
كيف يمكن لإنسانٍ أن يبلغ هذا الحد من القسوة....؟!
أن ينتقم من أوهامٍ نسجها في رأسه ثم يعاقب الآخرين عليها كأنها حقيقة

لكن ما لم يكن يعلمه أحدهما أن الخط لم يُغلق وأن سارة والدتها استمعت لكل شيء !!

في الطرف الآخر كانت سارة لا تزال ممسكة بالهاتف
وصلها صوت حمزة واضحًا، باردًا، قاسيًا ومع كل كلمة كانت تشتعل....اشتعل الغضب داخلها تدريجيًا نار صامتة تكبر تتمدد، تلتهم كل ما يقف في طريقها

قبضت على الهاتف بقوة حتى كادت تكسره وعيناها تحولت إلى جمرتين متقدتين وفي لحظةٍ واحدة اختفى أي أثرٍ للهدوء.....

كان الغضب بداخلها أعمق، أشبه بوحشٍ ظل حبيسًا
لسنوات والآن فقط وجد طريقه للخروج

أصرت مهرة دومًا أن تُخرج أسوأ ما فيها
أن تستدعي شياطينها التي دفنتها منذ زمنٍ بعيد أن تعود تلك النسخة التي ظن الجميع أنها اختفت لكن مهرة من بدأت بالانتقام والبادي أظلم كما يقولون.....
مهرة من بدأت حين فكرت أن تؤذي بناتها

لم يعد التفكير مهمًا المهم هو ما سيحدث الآن
ألقت الهاتف بعنف ثم اندفعت نحو خزانتها ارتدت ثيابها بسرعةٍ حادة حركاتها تعكس الغضب الذي يغلي داخلها غادرت 
بملامح قاسية عينان تلمعان بشر مكتوم وهدوء مخيف يسبق العاصفة اتجهت نحو مهرة والغضب يسبقها كإعصار وعلى وجهها ارتسمت ملامح لا تبشر إلا بالدمار !!
...........
- هديت !!
حين نطقتها حياة التي لطالما كانت طوق نجاةٍ لأوس كلما غرق في فوضى نفسه جاءت إليه خصيصًا تحمل في عينيها ذلك الحنان الثابت الذي لم تُبدله السنوات كأنها لا تزال ترى فيه ذلك الطفل الذي يحتاج لمن يحتوي اندفاعه لا الرجل الذي أرهقته الخيبات

أشاح بوجهه بعيدًا عنها وقد ثقل داخله بما لا يُقال ثم قال بصوتٍ خافت يختبئ خلفه خجلٌ واضح :
متزعليش من اللي قولته ليكي اخر مرة

ابتسمت له حياة ابتسامة دافئة تفيض بحنانٍ مألوف وقالت بنبرةٍ مطمئنة :
مزعلتش منك عشان عرفاك متهور وعصبي ومابتشوفش قدامك لما بتتعصب وبتقول كلام مش قصدك تقوله

مالت عليه قليلًا ثم قالت بمرحٍ خفيف :
طب اقولك على حاجة بس متقولش لاخواتك

أومأ لها بصمت لتتابع وهي تنظر إليه بحب :
انت اقرب واحد ليا في اخواتك عشان بحس انك زي العيل الصغير يا أوس مهما كبرت محتاج اللي يوجهك ويرجعك لعقلك من تاني

زفر أوس بضيق وقد لامست كلماتها شيئًا يؤلمه وقال بنبرةٍ دفاعية :
أنا عاقل يا حياة واللي عملته تصرف طبيعي للي هي عملتع

لكن حياة بقيت على هدوئها وقالت بثباتٍ لا يخلو من عتاب :
غلطت يا أوس وكلنا عارفين بس ولادك ذنبهم اي هي فكرت بأنانية وكانت هتدمرهم وأنت كمان فكرت بأنانية لما روحت اتجوزت وعرضتهم لموقف زي ده.....
مع أن الأولى بدل ما تفكر تنتقم منها وتجرحها كنت تلم ولادك تحت جناحك من تاني وتداوي جروحهم وعلى فكرة حمزة مش وحش يا أوس حمزة اصله طيب هي بس الغيرة سيطرت عليه رد مهرة يا أوس وصلح العك اللي انت عملته ده كله........

قاطعها أوس وصوته هذه المرة خرج مثقلًا بوجعٍ عارٍ لا يظهر إلا أمامها :
أنا موجوع اوي يا حياة مش قادر اتخيل اللي هي وصلتنا ليه أنا عملتلها اي طب شافت اي مننا وحش عشان يبقى فيه غل في قلبها بالشكل ده....
عمال ابرر وادور ليها على عذر بس مش لاقي عمال اقول يمكن فرق المستوى بينا خلاها تبقى كده مش بقتنع أنا عمري ما حسستها بكده ولا هي كانت فقيرة وقليلة بالعكس انا رجعتلها ورث أبوها وأمها زمان يعني كان معاها اللي تشوف نفسها بيه مش قليلة ده غير ان كل اللي املكه كان تحت رجليها وحتى لو هي كده طب ما فرح مراة اخوكي أمير زيها بالظبط نفس العيلة وعمرها ما ضرت حد بالعكس كانت حنينة
مع الكل وكويسة 

تسارعت أنفاسه وكأن الكلمات تتدافع للخروج بعد طول احتباس ثم أكمل بألمٍ وحيرة :
بشك في نفسي واقول يمكن انا وصلتها لكده بس انا عمري ما قصرت معاها يا حياة هدت عشرة العمر اللي بينا وكل الحب ده بحقدها وغلها…
قدها اللي خلاها تستغل ولادها اللي عمرهم ما هينسوا لبعض اللي حصل…
طب مفكرتش فيهم للحظة مخافتش عليهم مخافتش ان مالك كان ممكن مستقبله يضيع مخافتش عليه من وجع القلب اللي هيعيشه لما يشوف عشق متجوزة اخوه وفي حضنه هي مفكرتش غير في اننقامها وبس…
انا هتجنن يا حياة هتجنن ومش قادر اسامح ولا قادر اتغافل واعدي حتى لو عشان ولادي ولا هقدر استأمنها تاني ولا انام جنبها في سرير واحد بعد اللي عملته
نفسي اوجعها زي ما وجعتتني انا وولادي مصدوم مش قادر استوعب ان دي مهرة اللي حبيتها من سنين طويلة مهرة اللي شدتني وخطفت قلبي ببرائتها وجمالها وجمال روحها مش قادر اصدق اني كنت مغفل واتخدعت فيها السنين دي كلها كنت بتغاضى عن تصرفاتها واقول معلش زعلانة ع اللي عمله يوسف في ليلى بس الموضوع طلع كبير اووي

ثم نظر إليها بعينين مثقلتين بالخذلان وأردف بصوتٍ خافت :
انا طول الايام اللي فاتت بتجاهل اتكلم معاكي عشان متخليش قلبي يحن ليها عشان ماتقنعنيش انها معذورة وأنا زي الغبي اجري اصالحها بس أنا المرة دي مش هقدر يا حياة كل مشكلة بينا كانت بفوت وبعدي ولما كنت تبني بيني وبينها طوبة كنت بهدها لكن دلوقتي هي بنت بينا حيط سد

تألمت حياة لرؤيته بهذا الانكسار لكنها لم تجد ما تقوله
لم تجد هذه المرة عذرًا تنقذه به من ألمه وفجأة انهار أوس وارتمى في حضنها كطفلٍ فقد قدرته على الثبات والصمود قائلاً بصوتٍ مختنق :
امي وحشتني اوي يا حياة ياريتها كانت معانا

احتضنته في صمت تربت عليه برفق وتهمس بآياتٍ خافتة محاولةً أن تُسكن العاصفة التي تعصف داخله
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.....!!!

اقتحمت سارة الفيلا كإعصارٍ غاضب صوتها يعلو وهي تنادي على مهرة، بنبرةٍ أفزعت الجميع خرج أوس وحياة سريعًا ليتفاجأوا بتجمع الكل والقلق يملأ الوجوه…

سأل آدم سارة بقلق :
مالك يا سارة صوتك عالي ليه

لكنها لم تجب كانت عيناها تبحثان عن مهرة بجنون حتى رأتها تنزل من الأعلى تنظر نحو غزل التي وقفت بجانب أوس بدلال وفي لحظةٍ خاطفة اندفعت نحوها سحبتها من
ذراعها وانقضت عليها تضربها بقسوة
تجمدت مهرة من الصدمة تحاول الدفاع عن نفسها لكن سارة كانت في حالةٍ من الغضب الأعمى لا ترى ولا تسمع

اقتربت حياة سريعًا تحاول الفصل بينهما وهي تقول بلهفة :
سارة انتي اتجننتي اي اللي بتعمليه ده سيبيها

لكن سارة لم تتوقف بل صرخت بحدة جعلت الجميع يتراجع :
قسما بالله اللي هيحوشني عنها هياخد اللي فيه النصيب معاها !!

تدخل أوس أخيرًا جذبها بعنف من فوق مهرة التي لم يتحمل رؤيتها هكذا قائلاً بنفاذ صبر :
سااااارة فوقي وفهمينا في اي لكل ده

التفتت إليه وصرخت بجنون وعيناها غارقتان في ظلام الغضب :
في ان بنت ال.....دي زبالة وعمرها ما هتنضف كانت عاوزة ابنها الزبالة زيها يقرب من بنتي ويمثل عليها الحب عشان تسلمله نفسها وتكسر عينها وتنتقم منها فيا...
زي ما كانت عاوزة تعمل في حياة وتنتقم منها في عشق

ثم صرخت في وجه مهرة التي كانت فرح تساعدها على الوقوف :
فضلتي تعايريني طول حياتك بالماضي بتاعي وبسارة القديمة اللي كنت عليها بس أحب اقولك انك رجعتي سارة القديمة لما حاولتي تمسي عيالها وتأذيهم ورحمة ابويا وامي يا مهرة لا اعمل فيكي اللي عمالة تنتقمي مني بسببه

توقفت لحظة تلهث ثم أكملت بنبرة حادة :
سكت وقولت لبناتي يستحملوا كلامك اللي زي السم وتلقيحك عليهم بس انتي مفيش فيكي فايدة الفرق اللي بيني وبينك اني من الأول خالص كنت صريحة مع الكل واتغيرت وبقيت أحسن انما انتي عاملة زي الحية وبتكرههي الكل حتى ولادك اللي مالهمش ذنب غير انك امهم انتي مابتحبيش حد غير نفسك وبس...

ترك أوس يدها فجأة كأن الصدمة سحبت منه القدرة على الاستمرار وغادر المكان دون كلمة بعد أن ألقى على حياة نظرةً عابرة مثقلة بالألم

ساد الجمود بين الجميع لكن غزل تقدمت بخطواتٍ هادئة على وجهها برودٌ مستفز ومدت حذاءها ذو الكعب العالي الذي من المؤكد سيؤلم مهرة حين تضربها به لسارة قائلة :
خدي ده هيقوم بالواجب معاكي اكتر

أخذته سارة دون تردد وانقضت مجددًا على مهرة تضربها بقسوة بينما وقف الجميع متجمدين في أماكنهم من الصدمة
اقتربت فرح أخيرًا وقالت برجاء :
عشان خاطري يا سارة كفاية

توقفت سارة تلهث بانفعال ثم نظرت إلى مهرة الملقاة أرضًا تبكي وتأن من الألم والإهانة وقالت ببرودٍ قاسٍ :
انتي اللي ابتديتي يا مهرة استحملي بقى اللي جاي

ثم غادرت غير عابئة بنداءات أحد بعد أن بصقت عليها باشمئزاز وعند الباب، كان مالك وليلى قد وصلا منذ لحظات استمعا لكل شيء تبادلا نظرةً مثقلة بالخذلان والخجل ثم غادرا في صمتٍ موجع يحملان خيبة أكبر من أن تُحتمل !!
............
اقتربت زينة من آدم الذي كان يجلس بصمتٍ ثقيل ملامحه غارقة في الهم والحزن من كل ما يحدث حولهم بدا وكأن السنوات هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة بينما عيناه شاردتان في نقطةٍ بعيدة كأنه يحاول الهروب من واقعٍ لم يعد يحتمله

جلست بجواره بهدوء ثم قالت بصوتٍ خافت يختلط فيه الحزن بالرجاء :
ادم انا ليا عندك طلب

رفع عينيه إليها بصمت ينتظر ما ستقوله لتتابع وهي تحاول السيطرة على ارتجافة صوتها :
عشان خاطري يا ادم حاول تصلح بين صافي وجوزها بلاش تعوم على عومها بنتك حامل واللي في بطنها لازم يتولد يلاقي اب مينفعش بنتك تطلق في السن ده وبعد الوقت الصغير ده الناس مش هتسكت

اشتدت ملامحه فجأة ورد عليها بحدة خرجت ممتلئة بالغضب المكتوم :
اديهاله بسهولة عشان يضيعها تاني ويهرب ويسيبها الجبان

تألم قلب زينة من طريقته لكنها تماسكت وقالت بحزنٍ مرير :
الاتنين غلطانين بس هما كمان اتلعب بيهم يا ادم

زفر بضيق وأشاح بوجهه قليلًا قبل أن يقول بجمود :
بنتك اصلا مش طايقاه ولا طايقة تشوفه ولا تسمع سيرته

مدت يدها تمسك يده برجاء صادق كأنها تتشبث بآخر أمل :
خليها تسمعه يا ادم وخليها تحكم جايز قلبها يحن

ثم تابعت ودموعها تلمع في عينيها :
انا قلبي بيتقطع عليها وانا شايفاها كده مقهورة ومطفية

تنهد آدم طويلًا فقد كان الألم ينهشه مثلها تمامًا لكنه حاول أن يتمسك بعقله وسط كل هذا الخراب وقال بصوتٍ أكثر هدوءًا :
يا زينة مينفعش اللي انتي بتقوليه ده...
بنتك هي اللي عملت في نفسها كده ومشيت بدماغها وده نتيجة افعالها خليها تتعلم من غلطها وخليه هو كمان يندم على اللي عمله الاتنين بدايتهم من الأول كانت غلط في غلط ماينفعش احنا كمان نصلح غلطهم بغلط أكبر ونرجعهم لبعض من غير ما يتعلموا من اللي عملوه

صمت للحظة ثم أكمل بجدية :
لو كانوا بطولهم كنت قولتلك ماشي انما دلوقتي فيه بينهم طفل لازم يعقلوا عشان يعرفوا يشيلوا مسؤوليته

كانت كلماته قاسية لكنها صادقة تخرج من أبٍ أنهكه الشعور الحزن أكثر مما أرهقه الغضب
مرر يده على وجهه بتعب ثم قال بصوتٍ خافت يحمل اعترافًا موجعًا :
انا عارف انا بعمل اي كويس يا زينة انا فشلت الأول في تربية صافي بدلعي ليها وأنا اللي هصلح الغلط ده بنفسي

ثم رفع عينيه إليها وأضاف بحزمٍ ممزوج بحنان الأب :
ولو فعلا اياد يستحقها وبيحبها أنا بنفسي هسلمها ليه بس ابقى مطمن عليها

صمت لحظة قبل أن يتابع :
من بكره انا هخليها تنزل الشركة تشتغل وتخرج من اللي هيا فيه ده

أومأت له زينة بحزن رغم أن قلبها تعلق بكلماته الأخيرة كغريقٍ وجد ما يتمسك به لاحظ حزنها فاقترب منها قليلًا قائلاً بلين وحب :
عشان خاطرك عندي هخليه يقعد معها ويكلمها غصب عنها هخليها تسمعه وتحكم بنفسها

اتسعت عيناها بفرحةٍ صغيرة وسط كل ذلك الألم ثم عانقته بقوة تدعو في سرها أن يصلح الله حال ابنتها ويطفئ هذا الخراب الذي التهم حياتها وبالفعل…
كان إياد قد ذهب لرؤية صافي يجره إليها لهفةٌ موجوع، رغم الحزن الساحق الذي يعتصر قلبه على والده وحالته
كان مثقلًا بالهم، منهك الروح، لكنه رغم ذلك لم يستطع البقاء بعيدًا عنها وكأن قلبه مهما انكسر لا يزال يعرف طريقه
إليها وحدها !!

وقفت مكانها متجمدة بالكاد تصدق أنها ستتحدث معه بعد كل هذا الوقت وستواجهه بعد كل العذاب الذي أثقله
قلبها والوجع الذي خلفه في روحها صحيح أن الخطأ كان
منه ومنها لكنها شعرت أنها وحدها من دفعت الثمن بينما هو تخلى وهرب

نزلت للأسفل خطواتها على السلم كانت كأنها تقترب من نصلٍ يغرز في صدره، وكلما اقتربت منه غُرز أكثر في قلبها

بينما هو عيناه لم تُفارقها كان يراها ويشعر بألم يمزق داخله كأن كل ما جرى بينهما خنجر ارتد إلى صدره

كيف وصلوا إلى هنا.....؟!
كيف بعد أن كانوا يضحكون ويخططون لمستقبل يظنونه قريبًا يفصلهم القدر ويضع كل واحد منهما في مكان....
القدر الذي كان من المفترض أن يجمعهما برضا وحب
صار يضعهما أمام زواج قسري وبتلك الطريقة

توقفا أمام بعضهما عيون متقابلة لكن مشاعر متناقضة
نظرتها له كانت مزيجًا من الاشمئزاز والندم على يومٍ عرفته فيه بينما نظراته كانت مملوءة بالندم على جُبنه على تلك اللحظة التي تردد فيها وفر هاربًا
لحظة واحدة خاف فيها على نفسه وشك بها ولم يفكر بها
لكن النظرة الوحيدة التي تشابهت بينهما كانت نظرة الألم

رددت صافي بصوتٍ متكسر وصدى الخيانة يثقل حروفها :
عملت فيا كده ليه انا عملتلك ايه عشان تعمل فيا كده ؟؟

اقترب خطوة فتراجعت خطوات ووضعت يدها على بطنها
بلا وعي الحركة صدمت اياد فتجمد لثوانٍ مد يده يريد أن يضعها على بطنها بسعادة لكنها انسحبت للخلف ببرود وامتعاض من لمسته.تكلم أخيرًا وصوته خرج مليء
بالحزن والندم :
ابننا !!!!

صرخت بوجهه والغضب يشتعل في عروقها تصحح له :
ده ابني انا لوحدي مش ابنك......
ابني اللي أكيد شكيت في نسبه زي ما شكيت في شرفي

انفجر هو الآخر صائحًا بغضب وندم ينهش صدره :
كل اللي حصل كان لعبة لعبة كنت ضحية ليها زي ما انتي كنتي ضحية احنا الاتنين اتلعب بينا يا صافي انا ما اتخليتش عنك ولا كنت أعرف انك حامل ولو كنت أعرف كنت حرقت الدنيا كلها ولا اني ابعد عنكم

ضحكت بمرارة ثم قالت وعيناها تمتلئان بالقهر :
آه لو كنت عرفت بوجوده يمكن كنت استنيت لكن لو مكانش موجود كنت سبتني وهربت عادي....
كان زمانك لسه هربان وأنا اللي بدفع التمن لو سامحتك على هروبك عمري ما هسامحك ع اللي شوفته ولسه بشوفه دلوقتي عمري ما هسامحك على الكسرة اللي بشوفها لحد اللحظة دي في عين اهلي بسببي

أطبق قبضته وبرر لها بحجج واهية :
انا هربت بس كنت راجع، اكيد هرجع بس كنت محتاج افكر كويس، عمري ما كنت هتخلى عنك لحظة ضعف خوفت فيها يا صافي وشكيت فيكي كنت راجع عشان أنا ولا حاجة من غيرك.....رجعت عشان بحبك يا صافي !!

قهقهت بضحكة ساخرة، ممزوجة بدموع الانكسار :
حب واحد زيك ما يلزمنيش، حب واحد اتردد لحظة يقف جنبي، ما يلزمنيش، هستأمنك على نفسي وابني إزاي، إنت ممكن في ثانية تقول للحظة ضعفت وتهرب، أنا اديتك فرصة واحدة، وإنت خسرتها، لو كنت حبتني بجد، ما كنتش اترددت لحظة، ولا خفت وشكيت فيا وصدقت كل اللي اتقال

صمتت للحظات ثم رددت بحرقة وقهر :
لو كنت حبتني مكنتش خنتني وخلفت بوعدك معايا كل اللي انت بتقوله ده حجج بتقنع بيها نفسك وتبرر بيها ندالتك أنا هنا كنت مقهورة وخايفة وانت كنت مسافر مقضيها في حضن كل واحدة شوية !!!

صمت، يعرف انها على حق
يعرف أنه أكبر مذنب، وأن كل شيء كان يمكن أن يكون أبسط لولا هروبه، فبهروبه جعلها تواجه كل شيء وحدها، جعلها تقف في وجه المدفع وهي عزلاء، وغير ذلك هو بالفعل خانها مع كثيراتظ.....

مد يده يريد ان يمسك يدها، لكن يدًا أخرى اعترضت طريقه
يد قوية، غليظة، تحمل ثقل السنين انه آدم العمري والدها الذي كان يتابع كل ما قيل منذ البداية قلبه ممزق من ابنته التي خذلته وجرحته جرحًا لن ينساه طوال عمره لكنه رغم كل ذلك كان فخورًا بها وبرفضها لإياد

تنهد ثم اقترب من إياد ووقف بينه وبين ابنته قائلاً بصرامة تزلزل المكان :
ارمي اليمين.....طلقها !!

تجمد إياد عيناه معلقتان بصافي لم يحرك ساكنًا
أشار ادم بيده لرجاله فحاصروه من كل جانب رافعين أسلحتهم نحوه حتى أصبح الآن يقف محاطًا محاصرًا من كل اتجاه......

لم يكن يعلم ان ما يتعرض له ليس مجرد تهديد
بل اختبار لحبه، إما أن يفشل ويخسرها إلى الأبد
أو يفوز ويثبت انه يستحقها
لكن بين السلاح الموجه إلى صدره، ودموعها المعلقة بعينيها
أدرك أن أثقل الحروب ليست تلك التي تُخاض بالرصاص
بل تلك التي يُقاتل فيها المرء ليُثبت أنه لم يكن يومًا خائنًا للحب !!!!!!!!
...........
لم يكن مجرد اقتحام بل كان إعصاراً بشرياً.....
اقتحم نوح مكتب وليد بغضب أعمى وقبل أن يرف وليد جفنه حتى أو ينطق بكلمة كانت قبضة نوح الفولاذية قد هوت على وجهه بلكمةٍ أطاحت بكل ذرة اتزانٍ لديه !!

ما حدث بعد ذلك لم يكن شجاراً بل كان دماراً شاملاً استحال المكتب الفاخر إلى ساحة حطام تكسر الزجاج وتناثرت الأوراق المخضبة بالدماء بينما كان رجال نوح في الخارج يقفون كالسدود المنيعة يمنعون أي أحد من التدخل في هذه المجزرة الخاصة......

بين كل صفعة وركلة كان لسان نوح يقذف حمماً من
السباب واللعنات كلماتٌ تخرج من جوفه كالرصاص بينما كان وليد جسداً هامداً شبه فاقد للوعي تحت وطأة ضرباتٍ لا تعرف الرحمة كان نوح يضرب ويضرب وكلما لاحت أمام عينيه صورة شقيقته وما فُعل بها تضاعفت قوته واستحال غضبه إلى جنونٍ عارم......

جذبه من فوق الأرض بقوةٍ غاشمة بعد أن حطم المقعد الخشبي فوق جسده ورفعه لمستوى عينيه المشتعلة

نظر إلى الدماء التي غطت وجهه وإلى جسده الذي لم يَعُد فيه موضعٌ سليم وقال بفحيحٍ مرعب يهز أركان المكان :
ورحمة أبويا وأمي لهدفعك التمن غالي أنت والوس.....التانية إنكم لعبتوا عليا وضحكتوا عليا كوم واللي عملتوه في أختي كوم تاني خالص.....

اقترب من أذنه وهمس بصوتٍ يقطر شراً :
الموت هيبقى رحمة ليك من اللي هتشوفه على إيدي. هخليك تتمنى تبقى جماد مش إنسان عشان بس متحسش بالعذاب اللي هتشوفه يا ابن ال.......

لفظه نوح على الأرض باحتقار ثم استدار خارجاً بخطوات غاضبة وهو يأمر رجاله بنبرةٍ آمرة لا تقبل الجدل :
هاتوه ورايا ابن.....ده ورايا !!

اندفع نوح إلى فيلا إلياس كالإعصار كأن الجنون قد تلبسه، لا يرى أمامه سوى هدف واحد أن يستعيد شقيقته وسمر بأي ثمن حتى لو أشعل حربًا......

اخترق بسيارته بوابة ذلك القصر دون تردد ثم ترجل منها كوحشٍ جريح وصوته يعلو في الأرجاء وهو يهتف باسم إلياس تاركًا رجاله يتصرفون مع الرجال بالخارج
لكن ما إن وطأت قدماه بهو الفيلا حتى تجمد في مكانه

كانت قمر تقف هناك مرتعشة، شاحبة، يكسو عينيها ذعرٌ منه لا يموت كلما رأته عادت بها الذاكرة إلى تلك اللحظات السوداء فترتجف روحها قبل جسدها أما هو فقد ارتدت إليه أفعاله كصفعةٍ مدوية لانَت ملامحه وانكسر في عينيه شيءٌ لم يُجبر بعد ألمٌ، ندم، وقهر وهو يراها الآن في بيت رجلٍ غيره !!

اقترب منها وقال بصوتٍ متقطع عيناه تفيض بالدموع، وهو يمسك كتفيها بينما تحاول الإفلات منه :
مكنتش أعرف والله ما كنت أعرف هما ضحكوا عليا هما السبب أنا بحبك يا قمر غصب عني عملت كده أنا غبي دمروني ضيعوني وضيعوكي مني اتجوزتيه ليه
انتي بتحبيني أنا صح قوليلي انك اتجوزتيه عشان يحميكي مني مش كده قوليلي ان.....

لم يُكمل إذ دُفع بعنفٍ مفاجئ فتراجع للخلف وإذا بيونس يقف أمامه كالإعصار عيناه تشتعلان بنارٍ لا تُطفأ شهقت قمر واندفعت تحتمي بيونس، تتشبث به بذعر !!

اقترب يونس من نوح ولكمه بكل ما يختزنه صدره من غضب صارخاً عليه :
إنت ما بتتعلمش المرة اللي فاتت كنت بسبع أرواح وفلت المرة دي هخلص عليك بإيدي وهتأكد إنك موت حتى لو هدفنك حي

لكن الغيرة كانت قد أكلت قلب نوح وهو يرى قمر تختبئ خلف غيره،فاندفع يرد اللكمة لتشتعل معركةٌ ضارية بينهما كأنهما وحشان يتنازعان على روحٍ واحدة حاول الجميع التفريق بينهما لكن النار في صدريهما كانت أقوى بكثير أنها نار الغيرة !!

تدخل إلياس أخيرًا، وجذب يونس بقوة :
يونس خلصنا

صرخ يونس لأول مرة في وجه والده :
لا ماخلصناش بيحط إيده على مراتي وبيقولها الكلام ده وعايزني أسكت ليه شايفني إيه حضرتك لو إنت مكاني كنت قطعت إيده وده قليل عليه كمان 

انفجرت قمر بالبكاء صوتها اخترق القلوب فتسابق نحوها كلاً من يونس ونوح الذي قال بصوتٍ مكسور تختلط فيه الغيرة بالرجاء :
سيبيه يا قمر وارجعيلي هما السبب، هما اللي دمرونا ارجعيلي وأنا هعمل كل اللي إنتي عايزاه سامحيني أنا غلطت
غضبي عماني كنت عايز أنتقم لموت أبويا واللي عملته فيكي اترد فيا بسمة أختي دفعت التمن.....سامحيني

لكن قبل أن ترد اندفع سليم ولكمه بعنفٍ أسقطه أرضًا
صرخ أدهم قوي غاضب بصوتٍ دوى في المكان :
خلاااص مش عايز أسمع صوت الكل يقف مكانه

ساد صمتٌ ثقيل، لا يقطعه سوى بكاء قمر وهي بين ذراعي أمها، تتلاشى كزهرةٍ ذابلة أما يونس فكان ينظر إلى نوح نظرة قاتلة لكن سليم لم يسكت بل صرخ بغضبٍ محتدم :
واحد وس......زيك كان مستني اي 
طالع لابوك اللي مات موته يستحقها وان شاء الله هخليك تحصله وعلى يدي

اشتعل نوح وصرخ عليه بغل :
إنت مش أحسن مني ولا إنت شيخ جامع إنت زبالة زيك زيي كل اللي فالح فيه تتجوز دي عرفي ودي عرفي وآخرتها شدوى اللي هربت منك وهي على ذمتك انت زبالة ومتتخيرش عني

شهقت والدته بألم وتجمد سليم في مكانه يشعر بالعار ذ::
لكن فجأة انفتح باب الفيلا ودخلت فتاةٌ بملامح مذعورة تقول بصوتٍ مرتجف :
سليم فين.....حد يساعدني

التفتت الأنظار إليها.....كانت فيروز !!
اقتربت من سليم بسرعة قائلة أنفاسها متلاحقة :
أنا فيروز أخت شدوى لو فاكرني هي دلوقتي في المستشفى حالتها خطيرة جدًا لازم ننقلها مستشفى أحسن وأنا مش عارفة أجيب فلوس منين لأني لو بلغت اهلي في البلد يبعتوا هيعرفوا بجوازها العرفي منك انت ابو اللي في بطنها ومسؤول عنه وعنها

كانت كلماتها تتساقط كحجارةٍ مشتعلة لا تُصيب الآذان فقط بل تخترق الصدور وتستقر في القلوب كطعنةٍ لا تُحتمل

ساد صمتٌ كثيف صمتٌ يشبه الموت كأن الهواء نفسه قد انسحب من المكان تجمدت الوجوه وتخشبت الأجساد وانعقدت الألسنة عن النطق بينما الحقيقة الثقيلة تهبط عليهم دفعةً واحدة بلا رحمة !!

كانت الصدمة أشد ما تكون على سليم وعلى نوح أيضًا الذي لم تلحظه فيروز في بادئ الأمر وحين وقعت عيناها عليه تبدل الذهول إلى نارٍ مستعرة اشتعلت في نظراتها كأنها ترى أمامها شيطانًا من لحمٍ ودم

ثم التفتت إليه قائلة بغضب كأنها لا تملك زمامها تُلقي بكل ما في صدرها دفعة واحدة برعونة دون أن تحسب لأي حرفٍ عاقبته :
منك لله ربنا ينتقم منك لو فكرت تأذي أختي تاني ورحمة أبويا وأمي لأقتلك

كانت كلماتها تخرج متعثرة، غير مرتبة، لكنها مشبعة بصدق الخوف محملة بثقل الألم الذي لا يُصاغ :
دمرتها....دمرت حياتها ودخلتها حياته بالعافية عشان توقعه خليتها تتجوزه عشان تفضحه بصوره معاها إنت شيطان

شهقات متقطعة قطعت صوتها لكنها واصلت بغل :
وخد بالك اللي في بطن شدوى ممكن يكون ابنك إنت كمان ولو جرى له حاجة هو أو أختي ذنبهم في رقبتكم إنتوا الاتنين ده غير اني هقول لأهلي واهلها عشان يشربوا من دمكم

ارتفعت نبرتها في النهاية صرخةً مشروخة خرجت من قلب يكاد ينفطر :
يلا خلصوني حد ييجي معايا أختي بتموت ولازم تتنقل مستشفى أحسن مفيش وقت

انتهت كلماتها....لكنها لم تنتهي آثارها
بل كانت كقنبلةٍ انفجرت في وسطهم بعثرت كل شيء كشفت ما كان مستورًا، وعرت وجوهًا ظنت أنها نجت من الحساب

وقف أدهم كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه، وعيناه معلقتان بسليم لا يرى فيه ابنه....بل يرى خطيئةً وعار
أما هنا فقد وضعت يدها على فمها تبكي بصمتٍ موجع وكأنها تحاول كتم صرخة خذلانٍ تفتك بصدرها

بينما سليم لم يتحرك كان واقفًا، لكن روحه سقطت ملامحه شاحبة، وعيناه زائغتان كأن الحقيقة صفعته حتى أفقدته الإحساس لأول مرة، لم يجد ما يقوله لا كذبًا ينقذه، ولا تبريرًا يخفف عنه

أما نوح فكان ينظر إلى فيروز بذهولٍ مشوبٍ بالاضطراب كأن كلماتها سحبت البساط من تحت قدميه أيضًا وألقته في دوامةٍ لم يكن مستعدًا لها
في تلك اللحظة…لم يعد أحد كما كان !!
...........
كانت ليلى تخرج من عملها بخطواتٍ مرهقة تشعر أن يومها استنزف آخر ما تملكه من طاقة كل ما أرادته في تلك اللحظة أن تعود إلى منزلها بصمت بعيدًا عن أي مواجهة أو حديث لكنها توقفت فجأة ما إن وقعت عيناها على باقة ورد ضخمة تستقر فوق سيارتها

كانت باقة خاطفة للأنفاس مليئة بورودٍ حمراء حتى بدا وكأن من اختارها يعرف جيدًا ما الذي يهز قلبها رغم عنادها

لفت حولها بنظراتٍ سريعة تحاول أن تبدو متفاجئة رغم أنها في أعماقها كانت تعرف صاحب تلك الحركة جيدًا يوسف ولا أحد غيره يفعل ذلك وما إن استدارت حتى خرج صوته من خلفها مشاكسًا :
بتدوري عليا !!

أغمضت عينيها بضيق قبل أن تلتفت إليه ثم التقطت
الباقة وألقتها أرضًا بحدة وهي تقول :
بطل حركات العيال دي واكبر مش شوية ورد هما اللي هيخلوني اسامحك وانسى....بطل تبعت ورد تاني

ابتسم يوسف بهدوء وكأن غضبها لا يخيفه بل يعجبه ولم يعلق على كلماتها بل اقترب منها ببطء حتى التصقت بسيارتها دون أن تشعر ثم حاصرها بين ذراعيه
قائلًا بنبرةٍ عبثية دافئة :
بس انا مش ببعت الورد ده عشان تسامحيني انا ببعته عشان بحبه وبموت فيه

ارتبكت من قربه المفاجئ وشعرت بأنفاسها تتعثر رغم محاولتها التماسك فسألته بحدةٍ مصطنعة :
وده من امتى؟!

نظر إليها بعينين صادقتين على غير عادته ثم قال بهدوءٍ موجع :
من يوم ما اكتشفت اني غبي وحرمت نفسي من حاجات كتير

ارتعشت نظراتها للحظة لكن عنادها كان أقوى فردت بغضب تخفي خلفه اضطرابها :
طالما بتحبه اوي كده خده ليك وحل عني

ضحك بخفوت ثم رفع يده يلامس بطرف إصبعه خصلات شعرها النارية التي كانت دائمًا تجتذبه منذ طفولتهما وقال بصوتٍ مملوء بحبٍ صريح :
بحبه....بس مفيش غير وردة واحدة بس هي اللي عجباني لكنها مش راضية عني

فهمت قصده فورًا فاشتعل وجهها خجلًا رغم محاولتها المستميتة لإخفاء ارتباكها حاولت الابتعاد لكنه أمسك يدها برفق قبل أن تنسحب منه ثم قال :
على فكرة انا بحبك ومش هبطل اقولك الكلمة دي يا ليلى مهما كنتي رافضة تسمعيها بس أنا اكتشف ان الكلمة دي حلوة أوي وهي طالعة ليكي وعشان اعوض غبائي اللي خلاني ماشوفش النعمة الكبيرة اللي كانت في ايدي وانا ضيعتها

ردت عليه ليلى بحدة وهي تدفعه بعيدا عنها :
انت قولتلها اهو....ضيعتها يعني تبطل الحركات اللي بتعملها دي عشان خلاص كل حاجة بيني وبينك انتهت

ابتسم قائلاً بأصرار :
ما انتهتش يا ليلى وانتي عارفة كده كويس وبعدين طول ما أنا لسه شايف نفسي في عينك عمري ما هبعد وحتى لو بطلتي تحبيني انا وراكي لحد ما اصحي حبي في قلبك من تاني......

ردت عليه بشراسة :
بتحلم

ابتسم قائلاً بحب وتصميم :
ولأول مرة انا مصر اني احقق حلمي عشان انتي فيه 

نظرت له للحظة وتلك النظرة القديمة التي كانت دائمًا تسكن عينيها حين تنظر إليه ظهرت رغمًا عنها حاولت مقاومتها لكن قلبها ضعف أمام شيءٍ طالما حلمت به لسنوات أن تسمع منه هذا الاعتراف وأن ترى نفسها أخيرًا في عينيه بهذه الطريقة
لكنها أفاقت فجأة على صوتٍ مألوف جاء من خلفهما :
مش معقول ليلى العمري بنفسها

التفتا معًا لتقع أعينهما على كريم زميل المدرسة القديم ابتسمت له ليلى تلقائيًا وهي تقول بدهشة :
كريم !!

مد كريم يده ليسلم عليها لكن يوسف سبقه فورًا وصافحه بدلًا منها بغيظٍ واضح فهو لم يطقه يومًا ولم تجمعهما علاقة جيدة منذ الصغر

نظر كريم إلى يده ثم إلى يوسف وقال بسخرية :
يوسف مخدتش بالي منك خالص.....انت بتعمل اي هنا

زفر يوسف بنفاد صبر وقال بسخرية لاذعة :
صدفة اي المهببة اللي خلتنا نشوف خلقتك الكريمة بعد كل السنين دي يا كريم

رد عليه كريم بنفس النبرة الباردة المستفزة :
نفس الصدفة اللي خلتني اشوفك يا يوسف ماعدا ليلى طبعًا دي غالية من يومها

توقفت ملامح يوسف لحظة عند كلمة "غالية" تذكر في ثانيةٍ جملة والده القديمة حين كان عمه إلياس يصف والدته
بالغالية وكيف كان رد والده وقتها فخرجت منه الكلمة
بغيظ وغيرة قبل أن يفكر :
غالية دي تبقى امك

اتسعت عينا ليلى بصدمة ثم عنفته فورًا :
يوسف عيب اللي قولته ده

رد عليها بضيق بينما عيناه لم تفارقا كريم الذي كان ينظر إلى ليلى بنفس النظرات القديمة التي يعرفها جيدًا :
عيب اي كريم مابيزعلش طول عمره واخد ع التهزيق مني

ضحك كريم بسخرية وقال :
تصدق ما اتغيرتش يا چو

ابتسم يوسف بنفس السخرية اللاذعة :
طب تصدق مش طايقك ولسه دمك يلطش

نظرت لهما ليلى بنفاد صبر بينما قال كريم لها بابتسامة متجاهلاً يوسف :
اي رأيك يا ليلى نتغدا سوا بقالنا كتير ما اتقابلناش...
تعرفي ان نانسي وهاشم هيقابلوني دلوقتي تعالي نشوفهم اهو نستعيد ذكريات الطفولة

قبل أن ترد قال يوسف بحدة ونبرة غاضبة وغيرة فاضحة :
شايفها واقفة مع كيس جوافة قدامك

رفع كريم حاجبه ورد عليه باستفزاز بارد :
أنا مش شايفك اصلا

في لحظةٍ واحدة اقترب يوسف منه وأمسكه من مقدمة قميصه بعنف وهو يقول بغضب :
احترم نفسك يالا

شهقت ليلى واقتربت بسرعة تبعد يوسف عنه وهي تقول بحدة :
يوسف انت زودتها اوي

ثم التفتت إلى كريم وقد وجدت أخيرًا فرصةً تجعله يشتعل أكثر وقالت ببرودٍ متعمد :
يلا يا كريم خلينا نروح بس تعالى نروح بعربيتي احسن

أومأ كريم لها بابتسامة منتصرة وغادر معها لكنه قبل أن يركب التفت إلى يوسف وغمز له بعينه قائلًا باستفزاز :
باي يا يويو

اشتعل يوسف غضبًا ووقف يراقبهما وهما يبتعدان وشرارة الغيرة تحرق صدره بعنف وما إن تحركت سيارة ليلى حتى اندفع نحو سيارته بسرعة يلحق بهما دون تفكير وعيناه تلمعان بشيءٍ واضح جدًا....نه لا ينوي الخير لكريم أبدًا !!!
..........
بخوفٍ حقيقي كانت ريما ترتدي ثياب الممرضات....
تتسلل خلف الممرضة في الممرات المعتمة تتحرك بخطواتٍ متعثرة وقلبها يخبط بعنف داخل صدرها كل صوتٍ حولها كان يرعبها وكل بابٍ تمر بجواره كانت تظنه سينفتح فجأة لتنكشف خطتها

الممرضة التي قبلت تهريبها مقابل مبلغٍ كبير من المال كانت تسير بسرعة وتوتر تلتفت كل لحظة حولها قبل أن تخرجها أخيرًا من الباب الخلفي للمشفى وما إن خرجت ريما
حتى وجدت سيارة سوداء تنتظرها تعرف صاحبتها ففتحت الباب الخلفي وصعدت بسرعة وفور أن استقرت في المقعد وقعت عيناها على المرأة الجالسة أمامها بكل هدوءٍ وبرود بينما أمرت السائق بالتحرك دون حتى أن تنظر إليها !!

انطلقت السيارة والصمت داخلها كان خانقًا قبل أن تلتفت ريما إليها أخيرًا وعيناها تشتعلان بالحذر والتوعد :
اسمعي لو نويتي ع الغدر بيا هندمك طول عمرك

التفتت المرأة إليها ببطء ثم قالت ببرودٍ مستفز وكأن تهديدها لا يعني لها شيئًا :
لمي لسانك يا بت انتي وماتنسيش انك برصاصة بملاليم كان ممكن اموتك واخليكي تحصلي اختك بس انا محتاجاكي

اتسعت عينا ريما بجنون وكأن مجرد ذكر شقيقتها أشعل نارًا دفينة داخلها فصرخت بانفعالٍ هستيري :
لا انتي خايفة وحقك تخافي عشان لو نويتي تغدري بيا هعرف الكل حقيقتك وهقولهم مين اللي بيعمل كل ده واللي كان بيحرك بابا وماجد ومين اللي زق اروى زمان على
يوسف وكل اللي حصل ليوسف كان من تخطيطك انتي !!!

كانت أنفاسها تتسارع بعنف وعيناها ممتلئتان بحقدٍ وخوفٍ في الوقت نفسه بينما أكملت ريما بصوتٍ مرتفع مرتجف :
هقولهم وهفضحك قدام ولادك هقولهم ان امهم مرجعتش بعد السنين دي عشان ندمانة لا دي رجعت عشان تنتقم من حياة اللي اخدت منها حبيب القلب بدر زمان ومن إلياس في عيالهم

لأول مرة تبدلت ملامح المرأة قليلًا وظهر في عينيها شيء يشبه التوتر لكن ريما لم تتوقف بل اقتربت منها وهي تقول بتهديدٍ حقيقي :
انا لو جرالي حاجة ففي غيري هيفضحك فخافي مني يا نسرين هانم !!!!!!
...........

stories
stories
تعليقات