رواية قيد حب الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم شيما سعيد


 رواية قيد حب الفصل الواحد والعشرون 

شعور رائع وكأنها تملك الدنيا وما فيها، تضم جسدها إليه وتطير معه فوق حصانه دون قيود فقط كلا منهما مستمتع سعيد، وقف بها بمكان بدايته أشجار نزل من فوق الحصان ومد يده إليها مردفاً:

_ يلا إنزلي..

ألقت بجسدها ليجذبها لتقف أمامه، لحظة واحدة توقف به الزمن ماذا يريد أكثر وهي بين أحضانه، أشتاق إليها أشتاق إلي رائحتها المهلكة ونعومة جسدها أشتاق إلي متعة بها حلاوة الدنيا كان يعيشها بين يديها، انتهز فرصته الذهبية وضمها أغلق يد حولها والاخري مررها على خصلاتها ومقدمة ظهرها..

يا الله نعيم ما هو به الآن عبارة عن نعيم حرمته بدلالها منه، خرحت منه آه مستمتعة منتشية، تجمد جسدها ولا تعلم ما حدث بها مرتاحة جداً بين يديه وتود البقاء هكذا إلي أكبر فترة ممكنة، شعور رائع بالحنان والحب شعور معه فقط تعيشه..

بدأ الخطر يعطي لهما إنذار صريح بأن القادم خارج عن السيطرة، يده أخذت منحني أخر وأخذت تتجول على جسدها الناعم والكارثة إنها بدأت تذوب وتريد خوض المزيد، أبعدها عنه قليلاً وعينيه تتابع تعبيرات وجهها تأمل جمالها لتشتعل بجسده رغبة رفض عقله السيطرة عليها مال على شفتيها مشتاق إلي تذوقها...

ما يحدث الآن خطا وخطا كبير يا سما، وضعت كفها فوق شفتيه مردفة بنبرة مرتجفة:

_ مصطفي كدة غلط... 

خطا ؟!.. من قال على اقتراب العشاق خطا ؟!.. رأي بعينيها نظرة عجز عن فهمها فأبتعد بغضب منها ومن نفسه مردفاً بجنون:

_ غلطتي السودة إني طلقتك والغلطة الأكبر إني عايز أرجعك بمزاجك...

رفضت المناقشة، رفضت العتاب ، النهاية واحدة يحبها بعيداً عن أعين الناس يحبها دون أن يفعل مجهود يجعلها تفتح قلبها إلي هذا الحب، أشارت على المكان حولهما بتوتر مردفة:

_ مش ناوي تفرجني على باقي المزرعة... 

إذا صفعها الآن سيكون إليه كل الحق بذلك إلا أن أم مراد غالية ولن تهون ابدا، ضم كفها بكفه وترك بها بين الأشجار مردفاً:

_ ده بقى الجزء الخاص بالفاكهة..

تعجبت مردفة:

_  عندك اسطبل وزارع فاكهة إيه الحكاية بالظبط؟!..

أبتسم بحنين إلي أحلامه ثم أشار إليها على الأشجار مردفاً:

_ الحكاية ان من وأنا صغير بحب الخيل والزراعة والمواشي، بحب أربيهم وأبيعهم بس طبعا سيادة اللوا رفض الجنان اللي ده وقالي ان مكاني في طريق جدي وأكبر المدارس وأفضل قاعد على كرسي مجلس الشعب عملت له اللي هو عايزه.....

صمت قليلاً ثم أكمل بتعب:

_ وعملت كمان اللي أنا عايزه بس في السر المزرعة دي من تعبي وكل حاجة فيها بتاعتي لوحدي وحقي.. 

توقف عقلها عند جملة صغيرة " بس في السر" يبدو أنه يفعل كل ما يحبه سرا، سألته بترقب:

_ وهو لحد دلوقتي ميعرفش حاجة عن المزرعة دي؟!..

ضحك بخفة وقال:

_ سيادة اللوا يعرف إحنا اتنفسنا كام مرة في اليوم بس طول ما أنا بعمل اللي هو عايزه معندوش مشكله مع المزرعه ما دام مش واقفه قصاد مصالح العيلة واسمها.. 

ربما كان بحديثه رسالة واضحة إليها وهي فهمتها، أومات إليه بإبتسامة باهتة وقالت:

_ معنى كده ان طول ما أنا في السر ومش واقفة قصاد مصالح واسم العيلة مش هبقى مهمة مع سيادة اللوا صح؟!.. 

بينهما سنوات طويلة حتي كلا منهما يصل إلي تفكير الآخر، نفي بحركة هادئة من رأسه وقال:

_ أنا محربتش عشان المزرعة يا سما  أنتِ بس اللي حاربت عشانك أنتِ أول حاجة يبقى نفسي فيها وأقف قصاد الكل عشان أخدها.. 

حديثه معسول يعطي إليها مشاعر بالحب ممتعة وأفعاله قاسي تلقي بها بأعماق الحجيم، تنهدت بحيرة فقال بغمزة:

_ بتحبي المانجا مش كده؟!..

أومات إليه بحماس قائلة:

_ أوعى تقولي أنك زارع مانجا... 

جذبها لتسير معه وبعد وقت قصير نوعاً ما وقف بها أمام شجرة مانجو قائلاً:

_ عايز الشجره دي بقى مخصوص محصولها كله بتاعك..

لم يري سعادتها تلك لو كان أعطي إليها عقد من الألماس، رفعت حالها قليلاً وأخذت أول ثمرة ثم جلست أسفل الشجرة وبدأت تأكلها..

تابعها يتأمل حلاوة ما يراه، إمرأة بها جمال ودلال يكفي لجميع النساء، إمرأة روحه متعلقة بها وقلبه منتظر إشارة واحدة منها، تأكل بعفوية فسألها بمرح:

_ نجيب شوكة وسكينة وطبق طيب..

رفضت بحركة من رأسها وقالت:

_ المانجا مش بتتاكل غير كده هاتلك واحدة وتعالى أقعد جنبي...

ألقي نظرة سريعة على المكان حوله ثم حمحم مردفاً:

_ لأ أنا مرتاح كده.. 

رفعت المخلوط بالمانجو وقالت بتعجب:

_ ليه  هو في حد غيرنا في المكان؟!...

أومأ إليها مردفاً:

_ في أكتر من 30 عامل بيشتغلوا هنا ده غير الخدم اللي جوا... 

عادت إلي طعامها مردفة بسخرية:

_ وطبعاً مصطفى باشا مهران مينفعش يقعد على الأرض قدام الناس دي برستيجه ميسمحش...

بالحقيقة حقا مكانته لا تسمح لكن من أجلها كل شيء متاح، قطف ثمرة وجلس بجوارها مردفاً:

_ لأجل عينك يسمح..

إبتسمت إليها برضاء وقدمت إليه ثمرتها منتظرة ماذا سيفعل، الحمقاء تختبره وهو أكثر من مرحب أن يلمس مكان كان شفتيها عليه، مال ووضعها بفمه ثم همهم بمتعة مردفاً:

_ همممم إيه الحلاوة دي كلها... 

ضحكت قائلة:

_ مغرور أوي بتشكر في الزرعة بتاعتك؟!..

حدق بعينيها مردفاً بهيام:

_ بشكر في شفايفك اللي خلت المانجا مسكرة..

خطير هو وهي غلبانة غلب السنين أمامه، يأخذها إلي مكان بعيد ويأخذ عقلها منها لتصبح قطعة من السكرة سريعة الذوبان بين يديه، أبتعدت بجسد مرتجف قائلة:

_ أحترم نفسك واتكلم معايا بأدب...

زفر بتعب حقيقي مردفاً:

_ حتى الكلام واقفه لي عليه حرام عليكي أنا بقى لي شهور مش عارف أبوسك..

بتحذير قالت:

_ قولت أحترم نفسك..

مال عليها قليلاً ثم همس إليها بوقاحة مردفاً:

_ بقي بذمتك الاحترام ده عاجبك نفسك مش جاية على قلة أدب ؟!.. 

عادت برأسها للخلف بخجل مردفة:

_ لأ مش جاية...

آت بأخره معها أخذ منها الثمرة ثم قامت من مكانه مردفاً:

_ أنتِ خسارة فيكي اللقمة قومي يا بت ورايا على الزريبة...

أنتفضت بفزع مردفة:

_ زريبة ؟!.. 

_ أيوة زريبه بقى لي ساعة بدلع فيكي ومش نافع معاكي هشغلك لحد ما تقوليلي بنفسك أنا عايزة قله أدب... 

______ شيماء سعيد عبده ______

الأحمق هددها ونفذ تهديده بنفس اللحظة، ها هي ترتدي جلباب واسع ومعها إحدى الخادمات امرأة تظهر عليها الطيبة بأول الخمسينات تقريباً، وهو خلفها يقول:

_ يلا يا نبيله علمي سما هانم إزاي تحلب الجاموسة.. 

حدقت به سما بضيق مردفة:

_ خد بالك اللي أنت بتعمله ده مش كويس أنا عايزة أمشي من هنا...

أشار إليها على الباب مردفاً ببرود:

_ والله الباب قدامك أهو أمشي لو عرفتي السكة روحي.. إحنا هنا في مكان مقطوع ومفيش عربيات بتعدي.. 

أتسعت عينيها بذهول قائلة:

_ بس ده ظلم هو يا إما أشتغل يا إما أروح لوحدي..

غمز إليها بمكر مردفاً:

_ في إختيار تالت لينا إحنا الأتنين أنتِ مش عايزة تعمليه.. 

آه يا حقير، نجوم السماء أقرب إليه من لمسها، رفعت رأسها بكبرياء قائلة:

_ أنا جاهزة يا طنط نبيلة علميني.. 

إبتسمت إليها السيدة وقالت:

_ تعالي يا ست هانم.. 

مع أول خطوة شعرت بالخوف والرفض فقالت:

_ طيب هو ممكن لو سمحتي أغير البتاع اللي أنا لابساه ده الأول.. 

تدخل مصطفي بالأمر وهو يأخذها من يديها ليعلمها بنفسه الطريقة مردفاً بجدية:

_ اللي أنتِ لابساه ده حماية ليكي..

رفعت حاجبها بسخرية مردفة:

_ يا سلام ده اللي هو إزاي بقى إن شاء الله؟!.. .

وضع يده فوق يدها وبيد يساعدها على الحلب مردفاً:

_ المواشي بتحس بصحابها ودايما ريحة صحابها بتحفظها، اللي أنتِ لابساه ده من عند نبيلة لو كنت دخلتك بهدومك كانت شمتك وعرفت انك غريبة ورفستك أول ما قربتي منها...  

الآن مشاعرها يصعب وصفها، متوترة، خائفة، منبهرة، سعيدة، سألته:

_ أنت بتتكلم جد؟!..

_ طبعاً

_ لما هو كده ما رفستكش ليه بهدومك دي ؟!.. 

ضحك بخفة مردفاً:

_ لأني صاحبها يا سما وبأجي هنا كتير..

مع أول قطرة لبن وقعت بداخل العجان، إبتسمت بسعادة ثم قالت بفخر شديد:

_ مصطفى دي نزلت لبن بجد.. 

أبتسم إليها بحنان ثم أبتعد وتركها بمفردها مردفاً:

_ شطورة يلا كملي.. 

نفت مردفة ببعض الخوف مردفة:

_ لأ خليك معايا أنا لوحدي بخاف..

وضع يده فوق خصلاتها بحنان مردفاً:

_ متخافيش أنا معاكي وهي طيبة ومش هتعمل لك حاجة... 

هل حديثه اعطي إليها القوة ؟!.. نعم هذا ما حدث بدأت تعمل بحماس يزيد كلما انتهت من جاموسة وذهبت للآخري بالبداية يدعمها هو وبعدها يتركها تكمل بمفردها.. انتهت.. 

انتهت فقامت من مكانها بعلامات النصر مردفة:

_ طلعت جامدة وشاطرة وخلصت كل ده لوحدي وأنت الخسران.. 

أشار إليها مردفاً:

_ برافو عليكي ندخل بقى على المرحلة اللي بعدها.. 

صرخت بغضب:

_ مرحلة إيه اللي بعدها  هو أنت جايبني هنا تذلني؟!.. 

جذبها من خصرها لتبقي بين يديه مردفاً برجاء:

_مش جايبك أذلك جايبك ادلعك وأنتِ اللي مش عايزة تدلعي ما ترضي بقى.. 

نفت بدلال مردفة:

_ تؤ بعينك..

نفذ صبره وإذا  اغتصبها سيكون من حقه، جز على أسنانه بغيظ وقال:

_ يعني أنتِ راضية تحلبي البهايم ومش راضية تبقي في حضني؟!.. 

_ أيوة راضية..

مستفزة وهو على أخره منها، أومأ إليها مردفاً:

_ وماله روحي بقى أعملي لنا باللبن اللي جبتيه عيش فلاحي ناكله.. 

أتسعت عينيها بذهول وقالت:

_ كدة كتير أوي وبعدين ده أعمله إزاي ده؟!.. 

_ نبيلة هتعلمك..

الله عليك يا ظالم، ها هي تجلس مع نبيلة وخادمة أخري تتعلم منهما، لتكون صريحة الأمر مسلي بالنسبة إليها جداً، دون أن يشعر اعطي إليها فرصة للهروب من مشاكلها وزحمة أفكارها، دلف إليهم مردفاً بهدوء:

_ سيبي اللي في أيدك يا سما وقومي أعمليلي فنجان قهوة.. 

لولا وجود الخادمات لكانت مسحت بكرامته الأرض، إجابته وعينيها على عملها:

_ مش فاضية في ناس كتير جوا أطلب منهم.. .

ببرود قال:

_ أي حد من اللي جوا ممكن يكمل شغلك لكن قهوتي محدش هيعملها غيرك وكلمة كمان هنبات النهاردة هنا...  

لا يستحيل أن تنام معه تحت سقف واحد وخصوصاً الليلة، أنتفضت من مكانها مردفة بإبتسامة مرغمة عليها:

_ روح أرتاح وخمس دقايق والقهوة هتكون عندك وأنا عندي كام مصطفى يعني.. 

ببراءة قال أشار إليها بأحد أصابعه على رقم واحد:

_ مصطفي واحد...

قالها وذهب لتقول بغيظ:

_ كانت هتبقى مصيبة كبيرة لو ربنا خلق منك أكتر من واحد.. 

بعد خمس دقائق دلفت إلي غرفة مكتبه ومعها فنجان القهوة قدمته إليه بغضب مردفة:

_ القهوة...

رفع عينيه إليها مردفاً:

_ قدميها بأسلوب أحسن من كده..

_  يا سلام ده اللي هو إزاي بقى إن شاء الله؟!.. 

ببساطة قال:

_ بدلع... ادلعي وأنتِ بتحطي القهوة قولي كلام حلو ولو عايزاني أبقى مبسوط منك أوي اتحرشي.. بوسه هنا حضن هنا وووو... 

ضربته بكتفه مردفة بغضب:

_ أحترم نفسك وبطل قلة أدب أنا مش شغالة عندك... اللي خلاني أعمل القهوة دي اني مرضيتش أقل من الستات اللي قاعدين بره وأقولك عندك اللي بيخدموك... 

رفع عينيه إليها ليجدها شهية، جلوسها بحرارة النيران لبعض الوقت أعطي إلي وجهها لون أحمر مع بشرتها البيضاء زادها إغراء وهو حالته صعبة بلا مجهود ما بالك بالمجهود الرائع هذا..

أنتفض من محله يجذبها ليضعها بينه وبين المكتب مردفاً:

_ عايزك... يا بت عايزك  وتعبت ما تيجي نجيب مراد بقى وكفاية فرهدة.. 

حالته كانت خطر والعناد الآن سيزيد الأمر خطوة فأفضل شئ تستخدم أسلوب الدلال فقالت بنعومة:

_ مش أنت وعدتني تحل كل مشاكلك وبعدين هتعملي فرح كبير وتقول للناس إني مراتك ونجيب مراد براحتنا؟!.. 

لو لم يعلم باتفاقها مع والده وموعد سفرها لكان صدقها، حدق بها بشك مردفاً:

_ ما هو أنتِ مش راضية تصبري شوية وأنا مش عارف أحل حاجه وأنتِ بعيد عني..

للحظة شعرت بالضعف، شعرت إنها تود البقاء بجواره مهما حدث، آه يا حمقاء بالقليل من الكلمات أكل عقلك، مصطفي دائما صاحب كلمات معسولة بينهما وبالحقيقة الأمر مختلف تماماً، أبتلعت ريقها بصعوبة وهمست بحديث تعلم إنها أخذت قرارها بعدم تنفيذه:

_ ماشي هصبر عليك بس أنت متضغطش عليا ولا تخليني أعمل حاجة غصب عني لحد ما تنفذ كل اللي وعدتني بيه..

رغم كل الاشارات المؤكدة على كذبها الا أنه قرر أعطائها ثقته فقال:

_ كل طلباتك أوامر هعملك كل اللي أنتِ عايزاه مادام هتفضلي جانبي..

أبتعد فأخذت نفسها براحة أخيراً وقدرت على السيطرة لو قليلاً على جسدها مردفة بنبرة ضائعة:

_ شكراً..

_ العفو... 

حمحمت قائلة بهروب:

_ أنا رايحة اكمل معاهم..

رفض قائلا:

_ لأ انا كنت بعاند فيكي بس متتعبيش نفسك...

رفعت رأسها بكبرياء قائلة:

_ وأنا كنت بعمل لأن الموضوع بالنسبه لي حلو ومبسوطة بيه مش عشان أنت قولتلي ورايحه أكمل..

سند ظهره بإبتسامة وقال برجاء قبل أن تذهب:

_ استني عايز اطلب منك طلب..

سألته بترقب:

_ إيه ؟!..

برجاء قال:

_ وحشني أكلك وعايز أكل النهاردة من أيدك ممكن؟!.. 

يا الله ماذا يريد منها حقا لا تعلم، مشاعرها أمامه تضيع وقلبها ينتفض وعقلها يرفض كل هذا، أومات إليه مردفة:

_ أكيد ممكن...

________ شيماء سعيد عبده _____

حقق أمنية صغيرة بقلبه وأكل من طعام صنعته بيدها، تدلل عليها مردفاً:

_  أكليني بأيدك كده..

حدقت به بتحذير مردفة:

_ عندك أيد كل واتلم بقى..

رفع المعلقة وقال وكأنه يفكر بأمر ما:

_ مع لسانك الطويل وقلة أدبك وعنادك شكلي هعاقبك وهنيمك الليله في حضني... 

قبل أن يكمل أخذت المعلقة منه بسرعة وقدمتها إليه من جديد مردفة:

_ يلا دوق أكلي السمنه البلدي وقولي رأيك إيه.. 

نعيم، فعلته بيدها وهذا بمفرده نعيم لا يود الخروج منه طوال حياته، فتح فمه يستقبل منها الطعام مردفاً بمتعة:

_ جنة أكلك وريحتك وصوتك كل ده بالنسبة ليا جنة.. 

ابتسمت بخجل وقالت:

_ بالهنا والشفا.. 

أنتهي يوم أكثر من ممتع ووقفت سيارته أمام منزلها، سألها بترقب وهو يتمنى لو خاب ظنه بها:

_ أعدي عليكي نروح المدرسة مع بعض الصبح.. 

لو قالت نعم سيحارب الدنيا وما فيها من أجلها، يود فقط أن يطمئن ويعلم انها معه وتريده وسيفعل المستحيل من أجلها، خاب أمله مع حديثها المرتبك:

_ لأ أنا بعد اليوم المتعب ده بكرا إجازة...

رفع حاجبه مردفاً:

_ وأخدتي الاجازة من مين بقى؟!..

بدلال قالت:

_ هأخدها منك وأنت هتوافق عشان خاطري.. .

يبدو ان أنقلب السحر على الساحر وأصبح إبن مهران ضحية إليها، بقلة حيلة قال:

_ ماشي يا سما أعملي إللي يريحك.. 

______ شيماء سعيد عبده _____

بصباح اليوم التالي ضمتها والدتها باكية:

_ فكري تاني يا بنتي وخليكي معانا..

الأمر مرهق إلي قلبها قبلهم، عضت على شفتيها تمنع نفسها بصعوبة من البكاء ثم قالت:

_ اعتبرني لسه متجوزة ورايحة بيت جوزي يا ماما واوعدك هكلمك كل يوم لحد ما تزهقي مني وتقفلي السكة في وشي.. 

أبتعدت عنها وفتحت يدها إلي حمزة مردفة:

_ مش هتاخدني بالحضن قبل ما أمشي يا حمزة.. 

ألقي بنفسه على صدرها وبكي بقهر مردفاً:

_ خليكي يا سما ولو خايفة منه أنا هقف قدامه ان شاء الله أموت بس أفضلي معانا.. 

أبتعدت عنه قليلاً ثم قالت بحنان:

_ بعد الشر عليك من كل حاجة وحشة يا حبيبي، بعدين مين قالك اني خايفة من مصطفى وعشان كده عايزة أمشي؟!.. مصطفى ميقدرش يعملي حاجة أنا عايزة أمشي عشان ابدا حياتي وأعرف عايزة إيه بالظبط، طول ما أنا موجودة هنا تايهة ومش عارفة أخد قرار.. ..

ضمها بقوة إليه وقال:

_ هتوحشيني أوي.. 

_ وأنتوا كمان هتوحشوني أوي..

بعد ساعتين وقفت أمام باب الطائرة تقدم ساق وتأخر الأخري، تود الرحيل والبقاء بنفس الوقت، تخشي البعد وأرهق القرب قلبها، ستشتاق الى حبه ودلاله وسترتاح من ضغطه وحروبه، أغلقت عينيها لحظات ثم دلفت جلست على مقعدها وانتهي الأمر بانغلاق باب الطائرة.. 

بعد أربع ساعات وصلت إلي جناحها بالفندق، أغلقت بابها وأخذت نفسها بإرهاق كبير ثم دلفت إلي غرفة النوم لتقول برعب:

_ مصطفي ؟!.. 

_ أم مراد نورتي دبي...

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

_ سامعك..

قالها بهدوء مريب وهو يجلس أمامها منتظرة منها إجابة تريح قلبه، أبتلعت ريقها بصعوبة وهمست:

_ أنت بتعمل إيه هنا؟!..

سؤال عجيب وهل هو منذ أن رآها يفعل شئ غير أن يذهب خلفها هنا وهناك ؟!.. أجابها بسخرية:

_ زي العاده بجري وراكي، السؤال بقى اللي أنا عايز أعرف اجابته أنتِ بتعملي إيه هنا؟!.. 

نظراته اليوم مختلفة، طريقة حديثه مريبة، لا تعلم لما تشعر الان بالخوف لكن هذا ما تشعر به، بتعب قالت:

_ اللي قالك إني هنا اكيد قالك إني جيت هنا عشان خاطر أهرب منك.. 

أومأ إليها مردفاً بسخرية:

_ فعلا قالي كدة بس أنا وقتها مصدقتوش أنا كدبت الدنيا كلها وصدقتك أنتِ وانا عارف انك كدابة.. 

صمتت فانتفض من فوق المقعد صارخاً بغضب:

_ امبارح طول اليوم كنتي حاطة عينك في عيني وأنتِ بتكذبي عليا ازاي؟!.. 

طفح الكيل بها، قامت ووقفت أمامه قائلة بنفس الغضب:

_ عادي خالص زي ما أنت فضلت شهر كامل خاطبني ومفهمني ان أهلك ميتين وبتكب عليا، وقتها مكنتش بتحط عينك في عيني؟!.. زي ما أنت فضلت متجوزني بالشهور من غير ما تقولي إنك خاطب وقتها برضو مكنتش بتحط عينك في عينيا؟!.. بطل بجاحة بقى أنا فاض بيا خلاص ومش هكمل معاك دي مهما عملت..

صدمته بحديثها، حديث اثبت إليه إن ومهما فعل ماضيه لن يموت، شعر بثقل العالم يسقط بأعماق صدره يضيق عليه أنفاسه ومع ذلك ضم كفها إليه مردفاً:

_ ليه بتفتحي في الموضوع ده مش قفلناه وسامحتي؟!.. أنا عملت كده وقتها عشان مدخلكيش جوا الدايرة اللي أنتِ فيها دلوقتي، عارف إني غلطان ووحش وزبالة بس بحبك... بعمل كل حاجة عشان ترجعي تحبيني وأنتِ بتعملي كل حاجه عشان تهربي.. 

مشتتة وهو يزيد عليها هذا، جذبت كفها منه وقالت:

_ مصطفى انا محبيتكش عشان أرجع أحبك.. ملحقتش أحبك أصلا.. في الأول اعجبت بيك وقبل ما احبك اكتشفت حقيقتك بعدها كل حاجه راحت ولحد دلوقتي أنا مش بحبك، الأحسن لنا احنا الأتنين إن كل واحد فينا يبعد عن التاني... 

لو كانت وضعت سكين بمنتصف صدره كان أرحم ألف مرة من حديثها، نفي مردفاً بقوة:

_ أنتِ كدابة أنتِ مش بس بتحبيني أنا بجري في دمك بتعملي كده عشان زعلانة وده حقك ادلعي براحتك بس متقوليش الكلمة دي تاني... .

كاذبة؟!.. حقا لا تعلم، كل ما تريده الآن مساحة تعرف بها حقيقة مشاعرها وماذا تريد فقالت:

_ أنا مش كدابة أنا محتاجه أبعد عنك، لو فعلا عايزني أحبك أبعد عني يمكن وقتها أحبك يمكن أكون بحبك ومش حاسة من كتر ما أنت قريب..  

جلطته الأولي لم يمر عليها وقت طول وبدأ يشعر ببوادر الثانية، لا مصطفي مهران أقوي بكثير من الوقوع أمام إمرأة مهما كانت من تلك إمرأة فضغط على كفه بقوة مردفاً:

_ ماشي يا سما خدي وقتك ومساحتك وفكري براحتك وأعملي اللي يريحك أنا مش هقف قدامك تاني..

حدقت به بشك ثم قالت:

_ أنت كل مرة بتقولي نفس الكلام وأول ما أبدا أخد نفسي وأحس إني خلاص بقيت حره الاقيك واقف قدامي وحاطط أيدك حوالين رقبتي بتخنقني.. 

ربما بدأ يفقد السيطرة على قوته فأوما إليها لينهي الحوار مردفاً:

_ طالما أنتِ شايفة ان حبي ليكي بيخنقك فاطمني مش هخنقك تاني.. 

هل ما قاله بث بداخلها الأطمئنان ؟!.. لا والله ما تشعر به الآن اختناق مرعب، سألته بضياع:

_ أنت بتتكلم جد؟!..

_ أيوة بتكلم جد..

قالها وزاد تعبه فحمل جكيت بذلته وخرج من الغرفة بخطوات سريعة لتلقي بجسدها أرضا مردفة بحزن:

_ هو أنا زعلانة ليه وعايزة إيه أنا بجد عايزة إيه...

أما هو وصل إلى موظف الاستقبال بأعجوبة وقال بلسان ثقيل:

_ أطلب الأسعاف حالا..

______ شيماء سعيد عبده _____

بعد خمس دقائق  قامت من جلستها على الأرض بثقل، وقعت عينيها على هاتفه فقالت بتعجب :

_ إزاي نسيت ده مستحيل يمشي من غيره؟!.. ممكن يبقي لسة تحت هنزله بيه.. 

حملت الهاتف ثم أسرعت إلي الأسفل أقتربت من أحد موظفي الإستقبال وقالت:

_ لو سمحت الأستاذ مصطفى مهران مشي ولا لسه موجود؟!.. 

بهدوء قال الموظف:

_ الأستاذ مصطفي تعب، وجت الإسعاف وخذته..

اهتزاز عنيف أصاب جسدها، حدقت بالمكان حولها لتجد إنها بمكان غريب وسط ناس لا تعرف منهم أحد، هو فقط من تعرفه وتعلم إن بإشارة واحدة منها يأتي إليها بالعالم وما فيه، سندت على مكتب الإستقبال بضعف مردفة:

_ عايزة أروح له ممكن حد يوديني المستشفى؟؟..

أومأ إليها الآخر بأحترام مردفاً:

_ هيه نعم، متوفرة سيايير تقدر توصلك.. 

كيف وصلت أمام غرفته حقا لا تعلم، شعورها بالذنب كبير، تعلم إنها السبب الرئيسي بوجوده هنا الآن، الكارثة إنها تقف تنتظره وحيده وخائفة، انكمشت على أقرب مقعد للباب منتظرة خروج الطبيب بقلب مرتجف..

بعد عشرون دقيقة خرج الطبيب فأقتربت منه بلهفة مردفة:

_ هو كويس مش كده؟!.. 

بعملية قال:

_للأسف، المريض يته جلطة للمرة الثانية في وقت قصير، وهذا وايد أثر على صحته.. بس الحمد لله حالياً هو بخير، يا ريت نهتم فيه وننتبه له الفترة الياية. 

بنبرة مهزوزة أشارت على الغرفة مردفة:

_ ينفع أدخل أشوفه؟!..

_ هيه يصير...

بخطوات مترددة دلفت إلي غرفته، وجدته مستيقظ وعندما رآها أغلق عينيه لعدة ثواني قبل أن يفتحها مردفاً:

_ جيتي هنا إزاي وليه؟!.. 

نبرة مختلفة عليها كأنها لأول مرة تتحدث معه، أبتلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة مرتجفة:

_ مش مهم جيت إزاي بس جيت عشان أشوفك، أنت كويس مش كدة ؟!.. 

طفلة صغيرة خائفة منتظرة عقابها أو على الأقل معاتبتها، لكنه أخلف كل ظنونها عندما قال بقوة:

_ كويس وهفضل كويس أنا مصطفى مهران يا سما مش أي حد...

كانت رسالة واضحة إليها وهي فهمتها سريعاً فقالت:

_ الف سلامه عليك.. 

أومأ إليها مردفاً:

_ الله يسلمك إنزلي هقول للسواق يوصلك..

هل حقاً يطلب منها الرحيل ؟!.. بالمرة الأولي طلبها رغماً عن أنف الجميع، بللت شفتيها بطرف لسانها لتعطي إليها بعض الطراوة ثم جلست على المقعد المجاور للفراش مردفة:

_ بس أنا مش همشي أنا هفضل معاك لحد ما نمشي سوا.. 

الكارثة الكبري إنه قال بهدوء:

_ مش عايزك معايا..

ماذا ؟!.. هل قال هذا ؟!.. كيف ؟!.. يستحيل أن يقولها مصطفى إليها، شحب وجهها وقالت:

_ مش عايزني معاك إزاي؟!.. 

طاقته في الحديث والجدال انتهت كل ما يريده الآن القليل من الراحة، أخذ نفسه بتعب وعينيه تنظر بعيداً عنها ثم قال:

_ يعني أنتِ حرة يا سما خلاص مش هجري وراكي ولا هجبرك ترجعيلي ولا هخليكي تعيشي مع راجل مش بتحبي غصب عنك تقدري تمشي السواق هيرجعك الفندق... 

نعم هذا ما كانت تتمناه وتريد الوصول إليه لكن لما تشعر بألم غريب ؟!.. لما يدق قلبها وكأنه فقد عزيز غالي؟!.. يكفي يا سما يكفي أخيرا قيود مصطفي مهران وقعت من حولك، عضت على شفتيها بقوة ثم قالت بنبرة مهزوزة:

_ حتى لو زي ما بتقول مش هسيبك وأنت تعبان هفضل جنبك لحد ما تخف وترجع مصر...

يبدو أن الدواء به شئ جعله يغلق عينيه بتعب مستعد للنوم فهمس بنبرة خالية:

_ اللي يريحك أعمليه..

استسلم إلي النوم بسرعة لتقول بضياع:

_ من أمتى اللي بتريحني بتعمله ما أنت على طول بتعمل اللي يريحك أنت ...

______ شيماء سعيد عبده ______

بالمساء..

طال نومه وطال تأملها إليه، ضائعة ببحره وعاجزة عن إيجاد شط مريح إلي قلبها، أتت الممرضة ومعها الطعام والدواء وكانت مصرية فقالت:

_ ميعاد العشا والدوا يا مدام..

أخذت سما منها الأشياء وقالت بتوتر:

_ سيبيهم أنا هصحيه..

أومات إليها الممرضة قائلة:

_ تمام لو أحتجتي حاجة انا موجودة.. 

بإبتسامة باهتة قالت سما:

_ شكراً.. 

خرجت الأخري فأقتربت من فراشه مردفة بتردد:

_ مصطفي.. 

لو تعلم تأثير صوتها الناعم واسمها عليه لكانت إستغلت هذا أسوأ إستغلال، رغم نومه وتعبه مع وصول صوتها إليه فتح عينيه مردفاً:

_ إيه.. 

أشارت على الطعام مردفة:

_ ميعاد الدوا والأكل هتأكل الأول وبعدين تأخد الدوا.. 

نفي مردفاً:

_ نادي الممرضه تديني الدوا مش جعان..

تحلت بالقوة وأقتربت منه تساعده على الجلوس ثم قالت:

_ مفيش حد غيري هنا اللي هيساعدك عشان منتعبش بعض كتير هتفتح بوقك تأكل وتأخد الدوا وتسكت.. 

كان يتمني أن يتدلل عليها وها هو أتى إليه الدلال على طبق من ذهب، ولكن وبكل أسف بوقت فقد به الرغبة، تنهد بتعب:

_ سما أنا تعبان ومش عايز حاجة غير إنك تنادي الممرضة وتقعدي على الكرسي اللي هناك ده لحد ما أروحك..  

حركت رأسها بعناد ثم أخذت معلقة كبيرة من الشوربة مردفة:

_ يلا أفتح بوقك وقول بإسم الله...

باستسلام نفذ ما أمرته به، فتح فمه لتدخل به المعلقة، تأمل بها وتركها تفعل به ما تريد فقط يرغب بأن يشبع عينيه من تفاصيله، ربما يكون هذا اللقاء الأخير..

انتهت فقالت بهدوء:

_ الحمد لله دلوقتي بقى تأخد الدوا وتكمل نوم لو عايز...

صمت أخذ الدواء ثم ألقي برأسه على الوسادة مردفاً:

_ الدنيا بقت ليل روحي الفندق..

_ قولتلك مش هروح غير معاك..

فقد أعصابه فأعتدل على الفراش مردفاً بغضب:

_ هو أنتِ غاوية وجع قلب مش قولتي مش عايزاني قاعدة معايا بتعملي ايه؟!.. 

نعم قالت هذا كثيراً وهو دائما كان يفعل العكس لما تلك المرة الأمر مختلف ؟!.. زفرت بحنق ثم رفعت راسها بكبرياء قائلة:

_ إحنا ولاد بلد واحدة وفي الغربة مش هسيبك... 

حدق بها بسخرية ثم عاد لينام فوق الفراش بتعب:

_ كتر خيرك يا ستي سيبيني عادي أنا بعرف أتصرف في الغربة.. 

وضعت ساق فوق الآخر وقالت:

_ بس أنا مبعرفش أتصرف في الغربه وأنت دلوقتي البني آدم الوحيد اللي أنا اعرفه هنا..

رفع حاجبه مردفاً:

_ وجيتي هنا ليه لما أنتِ مبتعرفيش تتصرفي في بلد غريبة؟!..  

قبل أن تجيب أكمل بسخرية مردفاً:

_ عشان الشرير الوحش اللي مدمر لك حياتك في مصر...

أومات إليه بصدق قائلة:

_ أيوة أنا هجيت من البلد عشانك وأيوة أنت شرير ووحش ودمرتلي حياتي.. بس أنا غلبانة وقلبي أبيض مش بقدر أشوف حد تعبان لما تخف هبقى امشي.. 

اللعنة عليها حديثها يقوده إلي جلطة جديدة، بقلة حيلة قال:

_ تعالي نامي... 

بتعجب قالت:

_ أنام فين؟!..

أشار الى المكان الفارغ بجواره على الفراش ثم قال:

_ على السرير..

_ السرير ؟!..

_ أيوة ماله ما واسع يأخدنا إحنا الاتنين..

_ هو أنت شايف إن المشكلة في حجم السرير مش في ان إحنا مطلقين؟!.. 

نظر إليها بضيق قائلا:

_ آمال هتنامي فين على الأرض؟!..

_ هفضل هنا على الكرسي..

_ هيتعبك..

_ هبقى أفرش على الأرض مش مشكلة.. 

_ وليه تعب القلب ما السرير أهو..

_ حرام والله العظيم حرام... هو أنت صاحب مدارس إزاي كنت بتهرب من حصه الدين؟!..

معها حق تنهد ثم رفع سماعة الهاتف الأرضي الموضوع بجوار الفراش مردفاً:

_ عايز أتنقل لاوضة فيها سريرين.. 

بعد دقائق كانت تنام على الفراش المجاور إليه فقالت بتردد:

_ حاسس إنك بقيت أحسن؟!..

_ تصبحي على خير..

هل أنهي الحوار معها الآن ؟!.. نعم فعل ذلك، وضعت الوسادة فوق رأسها وقالت بضيق:

_ وأنت من أهله..

صباح اليوم التالي..

فتحت عينيها على إشاعة الشمس، ألقت نظرة على فراشه لتجده فارغ فانتفضت من محلها برعب، دقت على باب المرحاض لم تجد رد فتحته واغلقته ثم خرجت من الغرفة رأت الممرضة بطريقها فذهبت إليها مردفة بلهفة:

_ هو الأستاذ مصطفى اللي كان في الأوضة معايا راح فين؟!..

بهدوء قالت:

_ مشي من بدري يا مدام..

ذهب ؟!.. كيف ومن دونها ؟!.. عادت إلي الغرفة لتجد بعض الأوراق على فراشه وبطاقة بنكية مدت يدها وحملت أول مرة وقرأت:

" صباح الخير لما تصحي هكون أنا رجعت مصر الورقة التانية إللي في أيدك ده العقد اللي ماضيتي عليه قبل كده يوم ما طلقتك، من النهاردة مفيش عليكي قيود أنتِ حرة يا سما، الفيزا دي تقدري تصرفي منها زي ما أنتِ عايزة لحد ما تقرري هترجعي مصر ولا هتشتغلي في المدرسة اللي أنا عينتك فيها وسيادة اللوا قالك وقتها إنه اللي هيعينك، خدي بالك من نفسك لو ولو احتجتي أي حاجة رني عليا.." 

تركها ؟!.. هل فعلاً فعلها مصطفي وتركها وذهب ؟!.. منذ متي وهو قادر على البعد وبتلك البساطة ؟!.. حدقت بالورقة الثانية لتتاكد إن قيد حبه لها الآن بين يديها..

توقعت إنها لن تهون، دائماً تطلب البعد وهو يزيد بالاقتراب لما الآن أبتعد ؟!.. رفض جزء بداخلها ما يود قلبها الوصول إليه ثم أخذت نفس عميق وقالت:

_ الحمدلله أخيرا خلصت منه الحمد لله.. 

كاذبة تريده.... لا لا لا هي سعيدة جداً ببعده... أو..... تريده.... حقا هي ضائعة...

______ شيماء سعيد عبده _____

بمطار القاهرة الدولي..

أستقبله حارسه الشخصي على البوابة الرئيسية مردفاً بإبتسامة هادئة:

_ حمد لله على سلامتك يا باشا..

أومأ إليه مصطفي بوقار وقال:

_ الله يسلمك عملت اللي طلبته منك قبل ما أسافر..

فتح إليه الآخر باب السيارة ليدلف ثم أغلق الباب وذهب ليجلس بجواره السائق مردفاً بهدوء:

_ كله اتنفذ يا باشا..

أشار مصطفي إلي السائق مردفاً:

_ استنى أنت بره شوية..

_ حاضر...

خرج فقال مصطفي:

_ قولي كل حاجة بالتفاصيل..

_ سيادة اللوا فعلاً له علاقة بتسريب خبر جوازك من علياء هانم شوفت الواد الصحفي عنده من يومين.. 

آه وألف آه من سيادة اللواء، ماذا يفعل معه لا يعلم، سند ظهره على المقعد براحة أكثر ثم قال للسائق:

_ أدخل وأطلع بينا على البيت.. 

بعد فترة وقفت السيارة أمام منزل مهران، خرج منها وبخطوات سريعة دلف إلي منزله، وجد العائلة على السفرة فقال بهدوء:

_ متجمعين عند النبي ان شاء الله..

سأله السيد حسام:

_ كنت مختفي فين من امبارح متقوليش أنك روحت وراها؟!..

أومأ إليه مصطفي مردفاً بإبتسامة ساخرة:

_ روحت وراها ورفضتني زي العادة ملقيتش مكان ولا باب مفتوح ليا غير بيتنا فرجعت.. 

أبتسم السيد حسام مردفاً:

_ طيب كويس إنك رجعت لعقلك حمد لله على السلامة.. 

_ ولسه هصلح كل اللي عملته كمان..

أقترب مصطفي من مقعد علياء ثم قال إليها بهدوء:

_ علياء أنا عايز أسألك سؤال واحد وتردي عليا بصراحة لما بتشوفيني مع سما بتغيري عليا؟!.. 

سؤال لم تسأل نفسها به رغم وضوح الإجابة، نفت بحركة بسيطة من رأسها قائلة:

_ لأ..

_ لأ ليه ؟!..

_ مش عارفة..

أبتسم إليها بحنان وقال:

_ عشان أنا قبل ما أكون إبن عمك كنت أخوكي وقبل ما أكون أخوكي كنت ابوكي اللي رباكي على ايديه.. 

صمتت فقال:

_ عايزة تكوني مراتي يا علياء؟!..

تدخل السيد حسام بحدة:

_ إيه الأسئلة المحرجة اللي أنت بتسالها لمراتك قدام الناس دي مش ليكم أوضة تتقفل عليكم؟!.. 

تجاهل حديثه وقال بقوة:

_ قولي اللي أنتِ عايزاه وحاسة بيه من غير خوف واعرفي إني في ضهرك..

كل ما مرت به بالايام الماضية ثقل كبير على قلبها ثقل اسقطت عنها بجمله واحدة:

_ أنت أخويا وأبويا يا مصطفى..

أخذ نفسه براحة ثم قال:

_ أنتِ طالق يا علياء...


تعليقات