رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الثالث والعشرون
وصل خالد المحطة القطار، استنشق الهواء بعمق لحظة دخوله مبنى المحطة فقد شعر بقرب مريم في المكان رقص قلبه على نغمات الأمل في لقاء حبيبته ورفيقة دربه، لف المكان أكثر من مرة يمشط الأرصفة يعرض صورة مريم على البائعين والعاملين ويسألهم عنها.
بعد بحث دام لساعتين جلس ليريح قدميه دفن رأسه بين كفيه واعتصر الألم قلبه، لم يستطع العودة لمنزله والنوم في فراشه وهو لا يعلم أين زوجته وكيف حالها، ظل يفكر ماذا سيخير أولادها عنها. كيف سيواجه أسئلتهم عن أمهم مصدر الحنان والحب في بيتهم.
العديد من الأسئلة جالت في خاطره بدون أي إجابة.
اين هي زوجته؟
كيف حالها ؟
لماذا تركته وذهبت؟
هل ذهبت بإرادتها أم هناك من يعيقها عن العودة لمنزلها ؟
متى ستعود؟
اذا كانت غاضبة منه وتركته كيف تركت أولادها ؟
استحالة أن تكون تركتهم بإرادتها. فهي تعيش فقط لأولادها ولبيتها، لابد أن هناك ما يمنعها من العودة، لابد أنها تعرضت لحادث ما أو خطب ما منعها من العودة لحياتها.
قيض قلب خالد لمجرد ذكر فكرة إصابتها بمكروه، فخرج من المحطة وتوجه لقسم الشرطة ليبلغ عن اختفاء زوجته بالأخص بعد انتهاء مهلة الأربعة والعشرون ساعة على اختفاءها.
دخل قسم الشرطة وتوجه الظابط المختص بلغه عن اختفاء زوجته من الليلة السابقة، عرض عليه تسجيلات المراقبة التي تظهر خروج مريم من الفندق الليلة السابقة وأخبر الظابط على تركها المتعلقاتها وأنها خرجت بلا أموال أو هاتف أو أي شيء يعينها على الطريق.
سأله الظابط عن سبب تواجدها في الفندق في هذه الساعة من الليل وأخبره خالد بأنه تزوج من أخرى في تلك الليلة، ابتسم الظابط بسخرية وأخبره أنها خرجت بإرادتها ولا يوجد أي شبهة جنائية في إختفاءها، ربما طفشت من زوجها وذهبت لأي قريب
أخيرة خالد بعدم وجود أي قريب أو صديقة لزوجته واستحالة أن تترك أولادها ومتعلقاتها وتذهب بإرادتها. سخر منه الظابط وقال هذه ليست محكمة الأسرة ليحضر له زوجته ويصلحه عليها زوجته تركته برغبتها وبإرادتها ولا يوجد أي شبهة جنائية ولا عمل الشرطة في الموضوع. حاول خالد معه كثيرا ولكن الظابط وأصر على موقفه كظم خالد غضبه لأقصى درجة فهو كل ما أراده المساعدة في البحث عن زوجته ولكن الظابط لم يكف عن السخرية من الموقف وزواج
خالد من زوجتين.
خرج خالد من قسم الشرطة وأتصل بالمحامي وأخبره عما حدث، فنصحه المحامي أن يقدم بلاغ سرقة المجوهرات التي كانت ترتديها زوجته، رفض خالد تماما هذا الإقتراح فلن يقدم بلاغ سرقة ضد زوجته ولكن المحامي أخيره أن ذلك الحل الوحيد لأن زوجته خرجت بإرادتها والشرطة لن تساعده في البحث عنها مادام لا يوجد أي شبهة اختطاف. رضح خالد بعد إقناع من المحامي على تقديم بلاغ السرقة للمجوهرات التي كانت ترتديها
زوجته
عاد خالد لمنزله قرب منتصف الليل مثل عادته منذ شهرين فتح باب شقة إلهام واستقبلته هي بابتسامتها، القى السلام واستقبلته زوجته بين دارعبها، عانقته وقبلته وقابلها بنفس درجة
الحب والشوق يادرت هي بالسؤال
"عامل ايه يا حبيبي ؟"
ارتمى خالد بجسده على أقرب كرسي ومال برأسه للوراء وأغمض عينيه وقال.
"ملك ان يا إلهام "
أحضرت إلهام خفيه ونزلت على ركبتيها خلعت عنه حذانه وسألت.
بايا قال أنك خرجت من الفندق من بدري، كنت فين كل ده؟"
" هكون فين يعني يا إلهام. بلف في الشوارع اسال عن مريم وبدور عليها "
"وفي أخبار؟"
هر خالد رأسه نافياً، مال بجسده للأمام وسند كوعيه على ركبتيه وذلك جبهته بيده وقال.
"لا مفيش أي خير مش عارف أروح فين ولا أسأل عنها فين ثاني رحت كل مكان ممكن أسأل فيه وأدور عليها فيه، كل يوم بعد الشغل أنزل وألف في الشوارع أسأل عنها، لما خلاص مش عارف أروح فين تالي "
"ربنا يطمنك عليها."
"يا ريه"
وقفت إلهام أمامه و حاوطت رأسه بكفيها ودفعته برفق ليسترخي على الكرسي حركت يدها حركات دائرية بسيطة لتخفف عنه أثار الصداع، أغمض خالد عينيه واستسلم السحر يديها، بعد
دقائق قليلة أستسلم خالد للنوم.
جهزت إلهام العشاء واقتربت من زوجها هزت كنفه بخفه ونادت عليه التوقظه.
"خالد قوم اغسل ايدك وتعالى تتعشى "
فتح خالد عينيه الحمرواتان كالجمر من شدة الإرهاق ونظر لزوجته وقال.
"لا أنا هروح أطمن على الأولاد وأنام في الشقة الثانية."
طيب مش هتتعشى الأول ؟"
وقف خالد وقال
"لا ماليش نفس "
ظهرت علامات الحزن على وجه إلهام وقالت بإنكسار.
" يعني أنا مستنياك من بدري وأنا جعانة علشان أكل معك وبعدين تيجي تقول لي ماليش نفس "
أبتسم خالد نصف ابتسامة وأقترب منها وملس على كتفيها العاريين بيده وقال.
حاضر يا ستي هاتعشى معك أنا ما أقدرش على زعلك أبدا"
دخل خالد الحمام وأغتسل وأرتدى ملابس النوم وجلس يتناول عشاؤه مع زوجته، سألها قبل أن يسمي بالله ويبدأ طعامه.
"الأولاد أتعشوا قبل ما يناموا."
"أيوة. عمر وأسيل اتعشوا هنا وناموا، أما محمد فأنت عارف لا بيقبل مني أكل ولا دخل الشقة هذا من يوم ما اتجوزنا "
تنهد خالد وقال.
"ربنا يصلح الحال. لا قابل منك أكل ولا قابل مني فلوس بيصرف من مرتبه وحتى الأكل بيعمله
لنفسه مش عارف هيفضل لغاية أمتى بيتصرف كدة"
"ما تضايقت نفسك يا حبيبي بكرة بهد ويتقبل الوضع، فاكر في أول جوازنا أسبل كانت رافضة تتكلم معي كلمة واحدة دلوقت أغلب وقتها هي وعمر قاعدين معي هنا في الشقة. سيبه براحته وهو هيجي بنفسه"
"يا رب"
أخذت إلهام قطعة صغيرة من الفراح بين أصابعها وقربت يدها من فم خالد. فتح خالد قمه والتقمها ونظر لها متعجباً وقال.
"أيه؟ أنت هناكليني بأيدك ولا ايه ؟"
أخذت إلهام ملعقة رز وقربتها من هم زوجها وقالت بنبرة دلال وحب.
" وفيها أيه؟"
نظر لها خالد بحب وقال.
"أنت كدة بتداعيتي وممكن أخد على الدلع ده."
اطعمته ملعقة سلطة وقالت.
وإن ما كنتش أدلع جوزي حبيبي هداع مين ؟"
أبتسم خالد وقال.
دلعي يا حبيبتي، مش هقول لا "
أنتهى خالد من طعامه واغتسل رفعت إلهام الأطباق ونظفت المكان ، توجه خالد لباب الشقة وقال.
"عاوزة حاجة يا حبيبتي، أنا هروح أنام في الشقة التانية."
اقتربت منه إلهام وبدأت تعبث بأزرار قميصه وقالت بدلال.
ما تبات هنا الليلة دي."
نظر لها خالد بجدية وقال.
"أنت عارفة انه ما ينفعش أنا تحت هذا إمبارح، يبقى الليلة ده آيات هناك "
نظرت له إلهام للأعلى يعيون يملأها الرجاء وقالت.
أظن محمد كبير يقدر ياخد باله من اخواته
نظر لها بجانب عينيه وقال.
لكن ده مش إتفاقنا يا إلهام. أنت عارفة من قبل ما أنجوزك أني هبات عندك ليلة وفي شقة
مريم ليلة "
قالت إلهام بنبرة ضيق.
"ما مريم مش موجودة، لازمتها أيه تروح تبات هناك لوحدك وأنا آيات هذا لوحدي "
الأيام. مضايقة ليه دلوقت؟"
"أنت عارفة أنك متجوزة رجل متزوج وهيقعد معك نص الأيام وفي بيته الثاني مع أولاده لصي
ما هو مش معقول أبدا تبقى مريم عايشة ومبسوطة الله أعلم فين وأنا أتكدر علشانها هي وأولادها "
حفلت إلهام وعادت للوراء خطوتين بسبب صباح خالد فيها بكل غضب.
" الهام. اياك تتكلمي كدة ثاني، انت فاهمة ".
خرج خالد وصفع الباب بقوة. دخل شقة مريم وتوجه لغرفة نومهما بعدما تفقد أولاده في
غرفهم. فتح الباب ونظر للغرفة الفارغة المظلمة. أغلق الباب وجلس على السرير على الجانب
المخصص لمريم. نظر للأسفل لوسادتها الخالية تحت ضوء القمر ملس على الوسادة وفرت
دمعة من عينه، تمتم بصوت خافت ضعيف ومكسور
وحشتيني، وحشتيني أوي يا مريم.
وحشني حدائك، ووحشني حضنك.
أخذ خالد الوسادة وأحتضنها بشدة ودفن وجهه فيها وأنتحب بصوت مكتوم.
نفسي أشوفك وأضمك لصدري زي زمان
نفسي أحس بالراحة والسكون في حضنك زي زمان
نفسي أسمع صوتك وأغرق في بحر عيونك زي زمان
أبعد خالد الوسادة ونظر لها وحادثها كانما يحادث زوجته.
یاااه يا مريم، أنا تعبت أوي من غيرك هموت من القلق عليك.
مش عارف انت فين ولا عاملة أيه.
والأولاد هيتجننوا عليك يا حبيبتي.
محمد متيلني ذنب بعدك عناء بيقول انك مشيتي وسيبتينا علشان أنا أتجوزت إلهام.
طيب مش أنت كنت موافقة ؟
أنا ما عملتش حاجة من غير موافقتك، وكمان أنت الآخر لحظة كنت متقبلة الموضوع عادي، أيه
اللي حصل خلال تمشي وتسيبينا
لو زعلانة مني زي ما هو قال من كنت تقولي لي من كنت تحكي لي وتفتحي في قلبك..
هتفضلي لأمتى كاتمة كل حاجة جواك.
ولا أنت مشيت علشان تعرفي بحبك قد ايه ؟
طيب والله بحبك.
والله مش قادر اعيش من غيرك انا تعبت تعبت قوی یا مریم
مال خالد بجسده وأضجع على جنبه ووضع الوسادة تحت رأسه وقال.
ذاكرة لما كنت أرجع تعبان وتاخدي راسي في حجرك
كان كل التعب بيروح أول لما تملسي على شعري بصوابعك.
كنت بأرتاح على طول وأروح في النوم. طول عمرك بتريحيني عمرك ما تعبتيني يا مريم.
أنا تعبان أوي وعاوز أرتاح نفسي ارتاح.
أغلق خالد عينيه واستسلم للنوم.
دخلت إلهام غرفتها وجلست على سريرها الفارغ وقالت.
مريم مريم مريم.
كل حاجة مريم.
هو أيه ؟ مش هخلص من مريم ده أبدا.
هو موجودة أو مش موجودة برضه مش عارفة أتهنى بجوزي
مش كفاية عايشة في ظلها.
كل حاجة أعملها في ما كانت بتعملها بالظبط.
اليس زي ما كانت بتلبس وأطبخ الأكل اللي كانت بتطبخه وبنفس الطريقة.
عايشة بيني وبين جوزي.
ريحتها خنقتني في كل نفس النفسه في البيت ده.
أسمها بيتردد في البيت أكثر من أي حد تاني.
مفيش كلام بيني وبين جوزي إلا وينجاب سيرتها.
هي مش موجودة في البيت لكن عايشة في قلبه وعقله وتفكيره.
أمتى أخلص منها بقى ؟
يا رب يجي له خبرها علشان ينساها ويعيش معي أنا بقى.
يا رب يصبح على خبر موتها علشان أرتاح منها ومن سيرتها.
أستيقظ خالد لصلاة الفجر كعادته، توضاً وخرج من غرفته وجد محمد ينتظره ليصليا معاً في
المسجد. خرجا الاثنان والتظر محمد والدة في المصعد حتى يوقظ زوجته وابنته ابنه عمر
للصلاة، توجه خالد وولديه للمسجد وصلوا الفجر ودعى خالد ربه أن يصله أي خبر عن مريم
ليطمئن قلبه.
عادوا جميعا من المسجد ودخل خالد وولديه شقة مريم. بعدها ألقى خالد السلام سمع صوت
هاتفه بين في غرفه نومه أسرع وتلقى الإتصال
شحب وجهه وتجمدت الدماء في عروقه فقد كان إتصال من قسم شرطة في المحلة الكبرى
يطلب منه التوجه في الصباح للمستشفى العام للتعرف على جثة مريم.
