رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الرابع والعشرون
"وقوع البلاء خير ألف مرة من انتظاره,
والمواجهة أفضل من الهروب,
أن تتلقى ما سيحدث أهون من أن تقضي الوقت قلِقًا, تنتظر... والانتظار يقتل لو تعلم"
علمت من شقيقتها أن "شاهين" يظهر في مؤتمر صحفي عُقد منذُ قليل على صفحات ومواقع أكبر الجرائد والصحف المشهورة في مصر, والتي يكون لها دومًا السبق الصحفي في الأخبار الموثوقة.
اتسعت عينيها بدهشة وهي تُعيد سماع المؤتمر لثلاث مرات, تتوهم أنها تخطأ السمع, لكنها كانت الحقيقة الصادمة لها, رفعت نظرها لشقيقتها التي تطالعها هي الأخرى في انتظار تفسير منطقي لِمَ سمعته قبلها ومعها, لتجدها هي من تحتاج تفسير حين غمغمت بدهشة:
-طلقني! يعني إيه؟ وازاي من 45 يوم؟ ازاي!!
أردفت الأخيرة بحيرة:
-انا فكرتك اتعمدتِ متقوليش ليا, وكنت مستنياكِ تفسريلي.
نظرت لها بأعين تائهة:
-انا محتاجة اللي يفسرلي.
صمتت لثواني تفكر, وصدمتها لم تنجلي بعد, حتى سمعت صوت شقيقتها المتعصب يقول:
-انا نفسي اعرف اختارتي البني آدم المريب ده بناء على إيه! ألا ما فيه صفة واحدة عِدلة, وشخص غامض ومخيف ولا رجالة العصابات, كان عقلك فين يا ميرنا بجد!
زفرت بعصبية وهي لا تطيق سماع كلمة أخرى:
-يووه, ما خلاص بقى يا هند.. انا مش ناقصة والله.
-يالهوي!
صرخت بها وهي تضرب صدرها بكفها وجحظت عينيها بشكل مُقلق, جعل "ميرنا" تسألها بفزع:
-إيه؟ عقلك وصل لتفسير؟ يكون بيعمل كده عشان اتجنن واروحله ويوقعني في الفخ؟ ولا يكون القسيمة مزورة عشان يخرصهم؟
انتفضت "هند" راكضة للمطبخ تصرخ:
-منك لله انتِ وهو, المسقعة اتحرقت..
نظرت لأثرها بذهول وما لبثت أن رددت بغضب صارخ:
-مسقعة! آه يا عديمة الإحساس...
انتفضت واقفة تدور حول نفسها بتفكير, وتحاول تحليل الموقف, تحاول الوصول لتفسير لكن عقلها عجز, فاسرعت نحو هاتفها وقد علمت مَن سيعطيها تبرير واضح, طلبت رقمه وانتظرت الرد حتى فُتح الخط يقول باستغراب:
-ميرنا؟
هتفت بلهفة:
-معاذ.. اسمعني لو سمحت، ولو شاهين جنبك ابعد عنه ومتعرفوش إني بكلمك.
أجابها في استغراب:
-شاهين مش جنبي, شاهين خلص المؤتمر ومشي, انتِ فين؟ ومختفية ليه؟
-------------------
فيلا العقرب...
وصلا للفيلا لتترجل على الفور متجهة للداخل, في حالة أخرى لكانت هربت لغرفتها واغلقتها عليها في محاولة للهروب منه, لكن صمتهم طوال طريق العودة أعطاها حل جذري للمعضلة, فتوترها وقلقها وتفكيرها الزائد في رد فعله, جعلها تريده أن يُسرع في رد الفعل وينتهي الأمر على أي نحو كان, المهم أن ترتاح من التوتر والخوف الذي ينتابها, فيكفي لعبة القط والفأر.. فلا طاقة لها بها.
لذا لم تصعد لغرفتها بل ولجرأتها دلفت غرفة مكتبه, ليقف لبرهة ينظر لها بدهشة لم يخفيها, وقد تفاجأ حقًا من فعلتها, لكنه تبعها في خطوات هادئة متريثة, حتى دلف للغرفة فوجدها تجلس بانتظاره على الأريكة الوثيرة.
اقترب مغلقًا الباب خلفه يخبر الحارس الواقف على الباب:
-متدخلش أي حد, ولا تخبط.
اتجه لها يجلس أمامها على الكرسي المقابل, كأنه يريد أن يكون في مواجهتها وجهًا لوجه, وعينًا لعين, نظر لها بملامح ثابتة ونظرات صقرية زادت من توترها, توترها وخوفها الذي بدأ يثير التعب في بطنها, فقالت بعدما طال الصمت:
-هتسكت كتير؟
سألها في هدوء تام:
-عاوزه إيه؟
أظهرت القوة وعدم الاهتمام وهي تقول:
-مش طبيعي تفضل ساكت بعد اللي حصل, وانا عاوزه اعرف ردك دلوقتي حالاً, بلاش لعبة القط والفار دي لأني مش حملها, انا واحده حامل ومش ناقصة فرهدة.
ابتسامة صغيرة نمت على شفتيهِ ولمعت عينيهِ بالحنان وهو يسألها بلطف فاجئها:
-انتِ كويسة؟
كان يشير لصحتها النفسية أكثر من البدنية, فبالطبع قد أثارت الاحداث الأخيرة زوبعة بداخلها رُبما تنعكس بالسلب على الصغير.
رددت بـتأفف:
-فُل... ها بقى؟ إيه ردك على اللي قولته في المؤتمر؟
ارخى جسده يسألها بما أصابها بالتوتر:
-قوليلي, انتِ إيه شعورك بعد اللي عملتيه؟ وليه عملتي كده؟
لم تتوقع أن يسألها هو, فصمتت لثواني حتى قالت بابتسامة متشفية:
-مرتاحة... جدًا.. وليه عملت كده؟ عشان ده اللي كان لازم يحصل, سواء المحكمة حكمت او لأ قبل ولادتي, فانا عاوزه لما ابني ييجي يتكتب في كل الاخبار أنه الابن الأول لشاهين المنشاوي.. مش التاني, وبعدين اعتقد بعد كلامك ومدحك في الهانم اللي كنت متجوزها كان لازم أردلك الضربة ولا إيه؟ ده انتَ حتى معملتش اعتبار لقفص الجوافة اللي قاعد جنبك وانتَ بتعدد محاسن البرنسيسة.
ما بال وجهه رائق بدرجة مستفزة؟ ومقلتاه مازالت تلمعان؟ وتلك الابتسامة الباردة مازالت تزين ثغره! ألا يسمعها؟
وكان رده مثيرًا لمشاعرها واستفزازها في آنٍ حين قال بدهاء ليس بغريب عليهِ:
-مادام مرتاحة خلاص.. اهم حاجة راحتك, وغير كده يولع.. بما فيهم انا, أما بالنسبة لقفص الجوافة.. فخليها قفص مانجا يليق عليكِ أكتر.
انتفضت واقفة تغطي على ملامحها المرتبكة والمتأثرة بنظراته, وكلماته, وصوته, وأردفت بعصبية:
-انتَ بتلعب بيا يا شاهين؟ ولا بتاخدني على قد عقلي؟ عاوز تفهمني إن الموضوع مفرقش معاك؟
نهض يوازيها, وقال بجدية بينما مازالت نبرته حنونة:
-اهدي بس يا روزا, العب بيكِ ليه يا حبيبتي؟ انا بتكلم بجد, خلاص الموضوع مش مستاهل.
طالعته بشك تعيد سؤاله:
-يعني مضايقتش؟
رفع منكبيهِ برفض:
-هضايق ليه يا قلبي؟ لو على موضوع شدوى, كان هيتعرف بعدها بساعة, ولو على موضوع تيم.. فمن أول جلسة محكمة الكل هيعرف برضو زي ما قولتِ.
توترت نبرتها وهي تعقب كأنها تعطيه السبب والمبرر لغضبه منها:
-بس كان لازم اتفق معاك إني هقول كده قبلها.
لمعت عيناه بمكر يقول:
-يعني عارفه اهو اللي كان المفروض يحصل! يعني عملتي كده مخصوص عشان تحرقي دمي! بس لأ, اللي يريحك عمره ما يضايقني.. وانا عارف إنك بشكل ما حسيتِ بانتصار لما أعلنتِ انتِ عن الأخبار دي, وزي ما قولتي حقك يتعرف إن ابنك اول ابن ليا.. فتمام يا حبيبتي مقدرش امنعك او الومك على حاجة فيها راحتك.
امتلأت عينيها فورًا بالدموع, وشعرت برغبة ملحة في البكاء, لكنها تماسكت بالكاد تبتعد عنه تنظر للحديقة من نافذة المكتب, تعطيه ظهرها لتسمح لدموعها بالهبوط, تربع ذراعيها فوق صدرها في محاولة لإحاطة نفسها ببعض الدفء بعد الشعور ببعض البرودة, كان تنتظره أن يثور ويغضب، فتناطح وتخرج غضبها وشحنتها السلبية بهِ، لكنه فاجئها.. ورددت بصوت باكٍ:
-انا مش قادره.. مش عارفه اتعامل عادي, ومش متقبلة اللي عرفته.. وحاسه, حاسه إني كنت لعبة في ايدك, طردتها من حياتك وقت ما حبيت ورجعتها لما حبيت, واتجوزتها برضو لما قررت, وخفيت عنها إنك متجوز برغبتك, وطلقت مراتك ومقولتلهاش عشان دي رغبتك.. طب وانا؟ فين رغبتي في كل ده؟ وليه مادام مطلق شدوى من زمان كده مقولتش؟ ليه سيبت قلبي مولع بنار الغيرة وانا فاكره إنك لسه معاها, وإنك كنت بتسبني وتروحلها! بس انتَ فعلاً روحتلها وقت موضوع ابوك.. انا مش فاهمة حاجة..
اقترب حتى أدارها له, وسحبها للأريكة مرة أخرى, أجلسها فوقها وجلس يأخذها في أحضانه بقوة جعلتها ترفض.. لكنه همس:
-خليكِ في حضني يا حبيبتي, خليني احكيلك كل حاجة وانا مطمن إنك جنبي.
سكنت, ليس لرغبتها في معرفة ما يريد, بل لاحتياجها لأحضانه, فقلبها الخائن يريده رغم كل شيء.
تنهد بقوة قبل أن يبدأ الحديث:
-طلقت ميرنا في تاني يوم ما تمينا جوازنا, الصبح.. اول حاجه عملتها اني خليت مرسي شافلي مأذون وراح صحاه من نومه عشان يفتح مكتبه لينا, وطلقتها من غير حتى ما اقولها, كنت حاسس إن جوازي منها طوق لافف على رقابتي بيخنقني, ده إحساس كان ملازمني من يوم ما بدأت احبك, من اكتر من سنة.. واتكلمت معاها كذا مرة بس هي رفضت ننفصل, بس بعد ما قربت منك وبقيتِ مراتي قدام ربنا, مقدرتش.. انا مش الشخص ده, ولا عمري هكون هو, انا اكتر طبع بكرهه الخيانة، عشان كده مقدرش أكون مع 2 ستات في نفس الوقت واعامل الاتنين احسن معاملة واقرب من دي ومن دي, مستحيل.. معرفش مستحيل عشان ده شعور غريزي جوايا؟ ولا عشان بحبك.. يعني لو كانت شدوى زوجة طبيعية ليا وفي نفس الوقت كنت متجوز ميرنا كان هيبقى ده شعوري؟ ولا كنت هبقى زي أي راجل متجوز اتنين عادي! انتِ تفتكري إيه؟
رددها بحيرة, لتعقب باقتضاب نافر:
-معرفش..
ضحك بخفوت على حدة ردها, وتجاهل يكمل:
-المهم إني لاقيت الطوق ده ملفوف حوالين رقبتي اكتر لدرجة إني مش طايق اقعد لحظة واحده وهي على ذمتي... مهما وصفتلك راحتي بعد ما طلقتها, مش هتستوعبي, وكأني طير خرج من قفص اتحبس فيه لسنين.. ده نفس اليوم اللي انتِ دخلتِ فيه المستشفى لو تفتكري..
رد مقتضب آخر رغم اهتمامها وراحتها لِمَ تسمعه:
-فاكره..
-من وقتها وانا مجمعنيش بيها بيت, حتى في الشغل كانت زي أي موظفة عندي, وبرضو فضلت أحاول معاها والمحلها إني مش مرتاح عشان تطلب هي الطلاق بس رفضت, وفضل الوضع كده لحد اللي حصل.. انا مطلقها شرعي يا فيروز, وبقسيمة طلاق, لكن لسه متوثقتش قانوني, عشان توثيقها قانوني كان هيروحلها إخطار إني طلقتها.. بس خلاص المأذون راح النهاردة يوثقها في المحكمة, وقبل ما اعرف موضوع الخبر اللي انتشر ده كمان.
سألته باستغراب وفضول لم تستطيع تجاهله مشوب بنيران غيرتها:
-ليه خايف على إنها تعرف اوي كده؟ معقول خايف على زعلها للدرجادي؟ وكمان.. ليه كنت مستني إذنها عشان تطلقها؟
تنهد وصمت لثانية واحدة, حتى قال:
-لو سمحتِ متضغطيش عليا في إجابة اسئلتك دي, لأني للأسف مملكش حق الإجابة لأنها تلط ميرنا معايا وانا مش حابب افشي سر آمنتني عليه, واسرار خاصة كانت بيني وبين واحده في يوم كانت مراتي، بس.. يكفيكِ تعرفي إن لو كان الموضوع بالسهولة دي كنت طلقتها من سنة وشهر بالضبط, عارفه من امتى؟
نفت برأسها, ليكمل بابتسامة حب:
-من يوم ما خدتي الرصاصة مكاني, اليوم ده اللي حسيت فيه بحاجة جوايا ليكِ, بس انكرت طبعًا وكابرت..
خرج صوتها شارد وكأن عقلها بمكان آخر:
-ليه مقولتليش؟ ليه سبتني فاكرة إنها مراتك, وليه مقولتش قبل جوازنا؟
أردف معترفًا بصدق:
-مقولتش يوم المركب عشان مادتنيش فرصة يا فيروز, وقطعتِ كلامنا فجأة, وقولتِ هروح الحمام.. وكان لازم اقولك اني متجوزها الأول عشان سيف معاه قسيمة الجواز مش الطلاق, يعني يوم ما يلعب هيلعب بيها, ولما جيت اقولك الصبح قبل المؤتمر قاطعتيني وقولتي مش مهتمة اعرف.. وليه مقولتش قبل جوازنا, عشان ماكنتش عارف هطلقها امتى.. ازاي هاجي اقولك انا متجوز, ما طبيعي هتطلبي اطلقها, طب هرد ساعتها بإيه؟ انا ماكنتش واخد قرار معاها لسه عشان اجي واعترفلك, كنت مستني ارسي معاها على بر, ولما بعدت عنها تمامًا, اعتبرت نفسي انفصلت عنها فعلاً لأن ده كان الواقع... يمكن كنت اناني, ومش عاوز اخسرك وقتها بعد 8 شهور بحارب نفسي اللي لاقيتها في الآخر عايزاكي... ماكنتش عاوز حاجه تعطل فرحنا اللي قررته بين يوم وليلة.. يمكن كانت أنانية مني...
اسند رأسه فوق رأسها وأكمل:
-ولما طلقتها تالت يوم الفرح, ماحبتش اقولك عشان خلاص الموضوع انتهى, قولت بلاش اعمل حاجز بينا وخلافات واوجعك.. كنت فاكر إني هنهي معاها في السر زي ما كان جوازنا في السر.
ورغم صعوبة السؤال عليها وقسوته, لكنها سألته باختناق:
-وافرض كانت حملت يا شاهين؟
رد بثقة:
-ماكنش هيحصل يا حبيبتي, ميرنا كان اهم حاجه عندها انا, وكانت متأكده إنها لو خالفت اتفاقنا هتخسرني للأبد, عشان كده من يوم ما روحنا لدكتورة وركبت لها جهاز منع الحمل في اول جوازنا، وهي مافكرتش تشيله.
-لو سيف ماكنش خد قسيمة الجواز ماكنتش هتقولي؟
رد بصدق غير مباليًا بأي نتائج:
-لا ماكنتش هقول.. وكنت هفضل أحاول اقنع ميرنا بالطلاق لحد ما نطلق في هدوء, من غير ما احطك في موقف سخيف أو اسببلك أي وجع.
هوت دموعها وهي تقر بضيق:
-انتَ أناني فعلاً.. سواء كان اللي بتعمله لصالحي أو لأ, فانتَ أناني... مش من حقك تقرر بالنيابة عني, كان لازم تخيرني.. وتشاركني.
ابتسم ابتسامة ألم وقال:
-كل اللي بحبهم بمنع عنهم الألم واخده أنا لوحدي.. ومعنديش أي مشكلة, بالعكس ببقى مرتاح, أي حاجة كان بيعملها معايا مازن زمان كتمتها في قلبي وعمري ما قولت لنورهان عليها, رغم إني كنت متأكد لو عرفت باللي بيعمله هتسيبه وتيجي تعيش معايا, وانا كنت عاوز ده.. بس كنت عارف إنها هتتوجع من أفعاله, وهتتشتت اكتر بينا.. فسكت... وخبيت...
شرد عيناه وهو يكمل:
-مقولتش لجدي إن مازن خبى عني خبر وفاة أمي ومحضرتش لا دفنتها ولا عزاها ولا لحقت اشوفها واودعها, ولما سألني قولتله إني وقتها كان عندي شغل مهم في مصر مقدرتش اسافر.. سمعت منه كلام زي السم, وسكت.. واتقبلت, عشان بس ميكرهش مازن لو عرف باللي عمله...
تهكم صوته وهو يكمل:
-عرفت سر خطير عن أبو مازن, وعملت كل حاجة ومتحمل تأنيب الضمير كل ما ابص في وشه, عشان موجعوش بحقيقة مُرة مش هيقدر يتحملها..
ابتعد برأسه ينظر لها وأمال رأسه عليها حتى اختلطت انفاسهما مع رفع رأسها له:
-كنت متحمل شعوري بالخداع ليكِ, وكنت كل مابص في عينك اسأل نفسي يا ترى لو عرفتي بجوازي منها هتعملي إيه, اتحملت قلقي.. وضغط على نفسي في مشاعر كتير وحشة كنت بحسها, عشان موجعكيش.. عشان تكوني مرتاحة ومتعرفيش اللي هينكد عليكِ ويعمل صراع بين قلبك وعقلك, زي اللي حاصل دلوقتي..
اغمض عينيهِ لثواني ثم قال بضحكة رأتها ساخرة متألمة:
-ومواقف كتير مشابهة.. عارفة لدرجة إيه؟ لدرجة إني ساكت عن موضوع ابويا ومش عاوز حد يعرف بيه, عشان ميتأذيش.. عشان متبقاش حياته في خطر او يتعرض لمسائلة قانونية.. وعشان خايف على جدي لو عرف إنه عاش 30 سنه حزين على ابنه اللي عايش ومحروم منه..
هز رأسه بسخرية وعلت ضحكته يقول:
-وحاجات كتير... كتير اوي, مخلياني مش مستغرب الذبحة الصدرية اللي جاتلي...دي أقل واجب والله.
ضمته بقوة وكأنها تمتص كل ألم فيه، وكأنها تربط على جراحه بضمتها، كانت دموعها تتساقط في صمت, قلبها موجوع من كلماته التي تحمل ألف ألم, ونظرته التي يسكنها قهر عظيم, ما يعيشه لا يمكن وصفه.. ودومًا حرص على أن يخفيه, لكن النهاية أن هذا الرجل يحمل الكثير.. ويحاول بكل قوته حماية من يحبهم بحق, ولكن يجب أن يُعاقب ليأمن الوقوع في الخطأ مرة أخرى..
سحبت نفسها بصعوبة من حضنه, ولو عليها لوضعت رأسه على صدرها وقبلت كل أنش بهِ تعتذر عن ما تعرفه وما لا تعرفه, تعتذر عن أي قسوة ألمت بهِ, وأي ألم سكنه يومًا..
لكن إن فعلت سيضيع ما قررته, ولن تستطيع التراجع..
نهضت واقفة تحت نظراته المهتمة والمنتظرة لِمَ ستفعله, وقفت تعطيه ظهرها تخفي وجهها عنه وقالت:
-انا فهمتك, بس اللي بتعمله غلط, انتَ مش ابونا يا شاهين.. وحتى لو, دورك مش تحرمنا من حقنا في اننا نعرف اللي لازم نعرفه, دورك تعرفنا وتقف جنبنا نعدي اللي عرفناه, انا مش قادره اتجاوز دلوقتي اللي حصل... محتاجة وقت.
نهض يقف خلفها بتنهيدة حزينة وقال مرغمًا:
-خدي وقتك, مش هضغط عليكِ.
التفت له بعد أن تحكمت في مشاعرها, وقالت بجدية:
-انا هنقل اوضتي القديمة.
قطب ما بين حاجبيهِ برفض:
-ليه يا فيروز؟ مش للدرجادي؟ خدي وقتك بس مش لازم تبعدي! وبعدين هتقولي إيه لامك؟
-عادي هقولها إن الحمل مضايقني, بتقلب كتير وانا نايمة... انتَ بتصحى بدري وانا بنزعج من أقل حركة وببقى تعبانة.. أي حاجة, انا كده هبقى مرتاحة اكتر.
وصدقت, فهي لن تستطيع الصمود ولا الراحة طالما ستظل جواره, وستضعف, وتتنازل, وتسامح, وتعود!
وافق على مضض رغم وجعه من موقفها:
-ماشي, اللي تحبيه.
رفعت رأسها بكبرياء وأكملت بأمر:
-وياريت يومين كده وتشوفلي مكان اروح اغير فيه جو.. يعني لو دهب ممكن, سمعت عنها كتير بس عمري ما روحتها, وكنت شوفت لها صور على النت.
-فيروز!
رددها بتحذير رافض, وقد تجهمت ملامحه بشكل كبير, فأردفت تستميله:
-لو سمحت يا شاهين, انا عاوزه انسى... عاوزه ارجع ناسية أي حاجة, ونرجع زي ما كنا.
-وهتقعدي قد إيه إن شاء الله؟
ردت بابتسامة باردة:
-لما نفسيتي تهدى... وانسى.
اقترب منها يمسك كفيها برفق, وأردف بضجر:
-بلاش بُعد يا فيروز, بلاش يكون ده حلك للمشاكل.
أخذت نفسها وقالت بجدية صادقة:
-محتاجه ابعد والله, محتاجه اروح في مكان وانفرد بنفسي, اللي عدى في حياتي طول السنة اللي فاتت ماكنش سهل ابدًا, حاسه إني في دوامة, وعقلي هيشت.. سبني اسافر لو عاوزني ارجعلك زي ماكنت, لكن طول مانا هنا, هتلاقي بينا الف حاجز لسه، هاخد ماما بس معايا وانفرد بنفسي اعيد حساباتي.
نظر لها بصمت عاجز, لا يريد البُعد, يخشى أن تقسو بهِ, وتطيل, فتعتاد, ولا تعود!
لكنه مضطر, وهو يعلم يقينًا أن هذا هو عقابها له.. وحذر ماذا؟ لقد أجادت اختيار العقاب المناسب للعقرب!
----------------
بعد أن اخبرها بذهاب شاهين فور انتهاء المؤتمر حتى انطلقت تقول على الفور دون ان تجيب اسئلته:
-انا عاوزه اعرف شاهين طلقني امتى؟ انتَ كنت عارف انه طلقني؟
أجابها في صدق:
-لا، انا اتفاجأت من المؤتمر زيك، معنديش معلومة تفيدك يا ميرنا، انا فكرتك عارفه.
ردت بنبرة ضيق:
-لا معرفش، ازاي من ٤٥ يوم! اومال لما كنت بشوفه في الشغل وكلمني مره عشان ننفصل ورفضت ده كان إيه لو هو اصلاً طلقني!
انا مش فاهمة حاجه، دماغي بتلف من وقت ما سمعت المؤتمر ومش عارفه اوصل لتفسير.
عقب بهدوء مُصرًا على رأيه:
-ميرنا التفسير الوحيد عند شاهين، كلميه هو بدل ما تكلميني انا وافهمي منه.
عبرت عن خوفها من مواجهته وقالت بصوت مرتجف متألم:
- خايفة اكلمه.. مش ضامنه بعد كل اللي حصل ده بسبب قسيمة الجواز اللي ادتها للمخفي سيف ممكن يتصرف معايا ازاي.
أتاها صوته الهادئ يقول:
-معتقدش يعمل حاجه، الدليل على كده كلامه الكويس عنك في المؤتمر.
سخرت بمرارة:
-وكأنك متعرفش شاهين! هو ده حد يتوقع أفعاله!
- يبقى المواجهة هي السبيل الوحيد، عشان تلاقي اجابة لاسئلتك.
ثارت نبرتها وهي تخبره:
- اللي مجنني كمان ان مراته قالت انها كانت عارفه بجوازنا، وانه كان واعدها يطلقني في أقرب وقت... يعني إيه؟ يعني كان بيخدعني؟ فهمني ان مراته متعرفش جوازنا، وانه مش هيطلقني مادام انا مش عاوزه ده.. كنت عايشه في وهم!؟
علق بنفاذ صبر:
-انا معرفش اجابات لأسئلتك.. بس اللي اقدر أأكده ليكِ حاجه واحده..."
سألته بلهفة:
-إيه هي؟
أصابها رده في مقتل حين قال بثقة:
-إن مادام طلع وقال في المؤتمر إنه طلقك يبقى ده صحيح, شاهين عمره ما بيقول حاجة محصلتش او مش مؤكدة, لكن طلقك ازاي وليه, ده رده هو بقى.
-تمام يا معاذ شكرًا..
انهت قولها تغلق المكالمة, ودموعها تتهاوى في صمت, لم يدم طويلاً, حين انفجرت في البكاء حتى أن "هند" شقيقتها خرجت على صوتها من المطبخ, وركضت إليها تحاول تهدئتها وهي لا تنفك عن قول:
-طلقني.. سابني يا هند.. كنت فاكره عمره ما هيعملها طول مانا رافضة.. لكن عملها.. خلاص.. كل حاجة خلصت.
وظلت على وضعها فترة لا بأس بها, ورغم كل محاولات "هند" لتهدئتها لكنها لم تنجح, لعلّها لا تبكي طلاقه لها, لكنها تبكي ضعفها, وقلة حيلتها أمامه, تبكي قلبها الموصوم بحبه, وروحها المتعلقة بهِ, تبكي على نفسها التائهة, البائسة, التي لا تجد معها حلاً.. كانت تعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة, وحاولت الاستعداد له بكل الطرق, لكن قلبها يؤلمها بقوة.. لا تجد طاقة كافية للتغلب على الموقف ومواجهته.
-----------------------
فيلا العقرب...
فاقت من نومة قصيرة لجأت لها كحل مؤقت كي توقف تفكيرها وألمها, نظرت للهاتف الذي على صوت رنينه وهو ما أرغمها على الاستفاقة, جذبته بكسل وإرهاق تمكن منها, لتجد اسم ليلى يزين شاشته..
-السلام عليكم, ازيك يا ليلى؟
أجابتها على الجهة الأخرى:
-عليكم السلام ورحمة الله وبركاته, الحمد لله, انا صحيتك من النوم؟
اعتدلت جالسة تفرك عينيها مرددة:
-يعني كنت بحاول انام.. بشغل نفسي بأي حاجه غير إني افكر.
ردت "ليلى" بحذر:
-على فكره أنا قولت اكيد انتِ مش كويسة بعد اللي حصل, وكنت عاوزه اكلمك من الصبح والله, بس.. بصراحة قلقت أكون بطفل عليكِ او بتدخل في خصوصياتك لو اتكلمت معاكِ في حاجة زي دي.
سخرت وهي تعقب:
-مبقتش خصوصيات! مصر كلها عرفت الحمد لله.
استمعت تنهيدة الأخرى التي قالت بعدها:
-طيب ممكن لو حابه تتكلمي او تفضفي مع حد, متتردديش تكلميني؟ انا والله مش قاصدة تدخل زايد, بس انا عارفه وحاسه بشعورك دلوقتي, فقولت يمكن تحبي تتكلمي مع حد.
-مازن اللي قالك تكلميني؟
سألتها "فيروز" مباشرةً, بشكل أربك الأخيرة, وصمتت لثواني حتى قالت بصدق:
-مش هنكر إن مازن قالي اجيلك كمان, بس انا قولتله إني مش عارفه إن كان زيارتي ليكِ مرحب بيها ولا لأ, فهكلمها فون الأول, لكن يعلم ربنا انه قبل ما يكلمني كنتِ في بالي وعاوزه اكلمك اطمن عليكِ, مش احنا اتفقنا نكون أصحاب؟ أي نعم انتِ مكلمتنيش ولا مرة من يومها, بس اهو بحاول.
عقبت "فيروز" بنزق:
-وانتِ متصلتيش ليه؟ ولا لازم انا اتصل؟
حمحمت قبل أن تجيب بحرج طفيف:
-فيروز لازم تفهمي إن وضعي حساس شوية, يعني انا محتاجه احس إنك متقبلاني, ومتقبلة يكون لينا علاقة ببعض, فبستنى فعلك عشان يديني إشارة اتصرف بحرية.
وضعت الوسادة خلف ظهرها واستندت عليها تلمس بطنها بتعب وقالت:
-بلاش الأفكار اللي في دماغك دي, مفيش حاجة من جوايا ليكِ, ولو عوزانا صحاب اتعاملي بحريتك, متحطيش حواجز وهمية بينا.
استطاعت لمس نبرتها الفرِحة وهي تقول:
-اتفقنا, على فكرة انا ماليش أصحاب ولا قرايب, وما صدقت الاقي واحدة ارتاحلها واحس اننا ممكن نتصاحب.
-إن شاء الله, ربنا يوهب القبول.
أمنت على دعائها وبعدها وقد رُفع عنها بعض الحرج والخوف من التدخل الزائد:
-قوليلي مالك؟
أتى بعقل "فيروز" فكرة فورًا فرددتها:
-هو ينفع نخرج بره؟
-ايوه طبعًا ينفع, قوليلي حابه تروحي فين؟
شردت قليلاً أمامها حتى قالت:
-نفسي في مكان يكون فيه هوا... عاوزه مكان مفتوح احس فيه بحرية.
أتاها الرد المتحمس:
-طلبك عندي, هوديكِ مكان على النيل تحفة, في....
وعلى ذِكر النيل تذكرت تلك الليلة التي قضتها برفقته مرتين, مرة كانت سعيدة وانتهت كذلك, ومرة كانت بداية تعاستها, فقاطعتها رافضة:
-مش عاوزه حاجه على النيل... كفاية يكون مكان مفتوح وهادي.
ردت "ليلى" بهدوء رغم استغرابها من لجهتها الحادة:
-خلاص تمام, في كافية اوبن اير حلو اوي هاخدك فيه.
-تمام ابعتيلي عنوانك في رسالة, وانا هجيب السواق واجيلك.
أغلقت معها تنظر أمامها لبعض الوقت بهم, ولكنها سرعان ما هزت رأسها تحاول إبعاد الأفكار السيئة عنها, ونهضت كي تتجهز للخروج برفقة ليلى, ولكن توقفت حين ارتفعت دقات فوق باب الغرفة وما إن سمحت بالدخول, حتى دخلت "صفاء" تقول:
-فيروز هانم, مستكة تحت جاية تشوفك.
ابتهج وجهها قليلاً وهي تعلم بقدومها, وقالت:
-قوليلها ربع ساعة ونازلة.
اومأت "صفاء" وخرجت, لتنطلق تختار ثيابها وقد عزمت النية أن تأخذ "مستكة" معها لمقابلة "ليلى".
------------------
بعد ساعتين...
عاد للفيلا بعد أن أخبره الحرس بحضور "المنشاوي" وبرفقته العمة, صف سيارته وصعد درجات السلم بخفة متوجهًا لداخل الفيلا وسترة بدلته ترتكز على ذراعه, وصل للردهة الواسعة فوجد "المنشاوي" جالسًا بها, اقترب منه حين لاحظ انحناء رأسه المستند على عكازه الفخم المتخذ رأسه شكل ثعبان, كان أنيقًا كعادته, ببدلة سوداء أنيقة, ورابطة عنق بنية, تحيط رقبته وكأنها وشاح, مظهره الخارجي بدى طبيعي كما عهده, قوي, واثق, رجل اعمال بحق, لكن انحناء رأسه جديد!
-جدي...
رفع رأسه فور سماع صوته, نظر له بأعين دامعة مهمومة, اقترب منه يلتقط كفه يجلس مجاورًا له وقال:
-مالك؟ حاني راسك ليه؟ اوعى اشوفك كده مرة تانية, مش المنشاوي بيه اللي يحني راسه ولو هموم الدنيا كلها بقت فوقها.
نظر له يشكيه همه وقال بصوت مختنق:
-شوفت اللي مختار عمله يا شاهين؟ بقى يكدب عليا السنين دي كلها ويدخل عيلتنا عيل مش من دمنا؟ وأخرتها بنته الو*** تغلط معاه وتلبس ابنه ليك! وبعد كل ده سيرة عيلة المنشاوي بقت على كل لسان, والصفحات عمالة تكتب على قتلها لسيف, وعلى نسب تيم.. ليه مراتك قالت اللي قالته في المؤتمر؟ احنا ناقصين فضايح!
أجابه في هدوء وهو يربط على كفه بحنو:
-اللي مراتي قالته كان هيتعرف يا جدي, لو مش النهاردة يبقى بكره.. وبالنسبة للي حصل, فهي مسألة وقت, كل حاجة تخلص وانا هعرف ازاي ارجع اسم العيلة من تاني, وامحي أي قذارة ارتبطت بعمي ونسله.
شرد "المنشاوي" بنظره بعيدًا, حتى هوت دمعة بائسة, تبعتها أخرى, وهو يقول بما جعل جسد "شاهين" يتيبس في مكانه:
-اكتر فترة احس فيها إني محتاج لابوك اوي.. محتاج عمران يكون جنبي, هو الوحيد اللي كان هيقويني ويسندني في الظرف ده, زي ما طول عمره بيعمل, يا ريته هو اللي فضل... يا ريته...
-حرام يا بابا, مينفعش تقول كده.
قالتها ابنته ببكاء حار, ليغمض "شاهين" عينيهِ بقوة وهو يسمعه يكمل:
-هو الوحيد اللي كان بيقف في وش مختار, الوحيد اللي كان حاكم لجامه, كنت أقوله خد بالك من تصرفات اخوك يا عمران, انا مش مطمنله, مختار طايش وممكن يجيب سمعة العيلة الأرض, يقولي اوعى تقلق وانا موجود, انا زي ضل مختار, ووقت ما هيفكر يغلط ويغلطنا هيلاقيني في وشه.
فرق بين جفنيهِ بصبر لم يكن يعلم أنه يملكه, وحاول اصطناع الهدوء مرددًا بعتاب خفي:
-يعني انا مليش لازمة يا جدي؟
نظر له فورًا يكوب وجهة بلهفة:
-اوعى تقول كده, ده انتَ البركة كلها, ده انا بشوفه فيك يا عمران..
اغمض عينيهِ يهز رأسه ضاحكًا بألم:
-قصدي يا شاهين.. انتَ نسخة من ابوك, ويمكن ده اللي مصبرني على فراقه.
كتم أنفاسه بضيق, لا يريد أن يذكره أحد بأنه يشبهه, حتى وإن كان هو بنفسه يرى هذا.
كاد يتحدث مرة أخرى حين قطعه دخول "مرسي" يقول بما جعل أعين "شاهين" تثبت عليهِ بصدمة:
-باشا, نصر بيه بره على البوابة وطالب يقابل حضرتك, ندخله؟
نصر... عمران... والده... و...وجده!
