![]() |
رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثالث والعشرون بقلم نورهان ال عشري
قلبي… هو مدينة غارقة في الظلام. تحمل لافتة كبيرة كُتِب عليها التمرد. حيث لا قوانين تحكمها ولا دستور يُحجِم فوضاها. في كل زقاق من أزقتها، يتجاور النقيضُ مع نقيضه، فالخير يطل بوجل من نافذة الشر، والعشقُ يقتات من مائدة الألم، كأنهما توأمان لا ينفصلان، وُلدا من رحِم وجعٍ واحد.
في كثير من الأحيان يُرهقني هذا الحمل الذي تعجز عن حمله الجبال، فـ الأوزار والندوب التي يعج بها قلبي تفوق قدرتي على الصمود لكنني، وبصورة مثيرة للدهشة تعايشت مع هذا النزاع المرير بداخلي، وألِفت أصوات السيوفِ في صدري وكأنها سمفونيةٌ صاخبة.
ولكن حين يأتي الليل.. يتضاعف الصخب أكثر و تنشق الأرضُ تحتَ أنقاضي، فتستيقظ الشياطين من جحيمها المستعر، لتبدأُ في شن غارات ضاريةً على حصوني وتنفث سموم الشك في أوردتي ليجتمع مع الشوق و الألم في مثلث مُرعِب اعترف و بشدة أنني أخشاه.
لكن العجب كل العجب في تلك الملائكة القابعة بالطرف الآخر في مدينتي؛ فهي تمكث في سكينةٍ غريبة، لا يُخيفها زئير الشياطين، ولا أنصال السيوف المولعة بالقتال، ولا يطرفُ لها جفنٌ أمام دخان المعركة.
فالملائكةٌ في مدينتي لا تربكها الرياح، والشياطينُ لا يُخيفها المطر.
ومع كل هذا الجنون أحيانًا أقفُ عاجزاً، لا أدري كيف أروض هذا الكيان الضاري الذي يسكنني، وكأنني أغرقُ في الرمال المتحركة دون إصدار آنة إعتراض واحدة، ف حين حاولت مد يدي طلباً للنجاة، وجدت كل شيء حولي يغذي هذا الضباب، الجميع يدفعونني نحو حافة الجنون، وبدلاً من أن يشعلوا لي شمعةً تضيءُ دربي، يسكبون الزيت على نيران ظلامي. ليصير الضياع قدري، والحيرة هي مسكني الوحيد.
أريد المساعدة، ولكني أعجز عن طلبها، فجميع الأعيُن يلتمع بها الشر أو هكذا أظن لا أدري، فأنا أرى كل شيء مشوش، و أتمنى لو أن أحدهم أمسك بيدي قائلاً هيا معي، ويقودني إلى بقعةٍ من الضوء، تُمزق هذا الظلام الذي يجيش بصدري، و يُعيد لقلبي المُنهك السلام و الهدوء الذي فقدهم تحت وطأة هذه العتمة..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ بتقولي ايه يا ماما ؟ هيام مين اللي متفقة مع عنايات ؟
هكذا تحدثت غنى بأنفاس مقطوعة من الصدمة لتهتف صابرين بغلظة:
ـ متفقين عليكِ اسمعي من امك. الحرابي دول اتفقوا يذلوكي و يكسروا عينك و يبهدلوكي لجل ما المخفية هيام تنتقم مننا و ترد كرامتها..
وضعت يدها فوق رأسها المنهك وهي تحاول استيعاب الحديث ثم هتفت بنبرة خافتة متعبة:
ـ أنتِ جبتي الكلام دا منين؟ أنا مش فاهمة حاجة. ايه اللي جاب هيام لعنايات؟ دول حتى ميعرفوش بعض
صابرين بحنق:
ـ بقولك متفقين عليكِ، و يعرفوا بعض عز المعرفة و انا أتأكدت من دا بنفسي، و عشان أثبتلك المخفية هيام جايبة للمحروس رأفت عروسة من طرفها و مش بس كدا دي خدت اللي ما تتسمى عنايات و راحت عشان تشوفها معاها و تطلب إيديها لابنها ايه قولك بقى في الكلام دا؟
رفعت غنى رأسها إلى الأعلى وهي تحاول أن تزن الكلمات بميزان العقل بعيدًا عن صخب الألم في داخلها. لتتوالى الأحداث في رأسها كالشريط بداية من كل شيء إلى هذه النقطة المفعمة بالسواد، ولكن والدتها لم يُعجبها صمتها لذا هتفت بغضب:
ـ اسمعي يا غنى. هيام دي حية عايزة قطع رقبتها. سيبك من الوش اللي لبسهولكوا دا. دي بتتسهوك عشان تجر رجل أخوها و يصالحكوا. اوعي تنوليها مرادها. واجب عليكِ تنبهي جوزك و توعيه و تحاولوا ياختي تسلتوا فلوسكوا من ايديها هي و جوزها بالطريقة و بعد كدا تسدوا مكسرها بزفت..
توقفت الكلمات في حلق غنى من شدة الصدمة لحديث والدتها التي تركت جميع المصائب التي ألمت بها حتى أنها لم تلتفت إلى صدمتها و جل ما تلهث خلفه هو النقود!
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ فلوس ايه اللي بتدوري عليها؟
صابرين بحدة:
ـ الحق عليا أني بدور على مصلحتكوا؟
غنى بانفعال:
ـ مصلحة أيه اللي بتدوري عليها؟ بصي قدامك وشوفيني . شوفي أنا بتألم ولا لا؟ شوفي مجروحة ولا مكسورة ولا فيا ايه؟
صمتت لثوان قبل أن تتابع بسخرية مريرة:
ـ ولا تشوفيني ازاي؟ إذا كنت اتكسرت قدامك ميت حتة قبل كدا و مشوفتنيش هتيجي تشوفيني دلوقتي ؟!
أربكتها كلمات غنى مما جعلها تقول بتلعثُم:
ـ يا بنتي. أنا خايفة عليكِ هو لو أنتِ مش بنتي حبيبتي و متهمنيش كنت جيتلك جري أول ما عرفت اتفاق الشياطين دا؟
غنى بسخرية جافة:
ـ لا كتر خيرك، وبعدين تعالي هنا. أنتِ بتقولي أن هيام متفقة مع عنايات عليا عشان ترد كرامتها يعني أنتِ عارفة انك هنتيها و بهدلتيها. لكن خلينا في موضوعنا. هيام متفقة مع عنايات على ايه؟ انها تطلع ابنها عاجز! و تخليه يطلع عجزه و فشله في ضربي و بهدلتي!
جف حلق صابرين، فلم تعرف بماذا تُجيبها لتقول بتلعثُم:
ـ لا. ممكن هو فعلا كدا. بس هما اتفقوا مع بعض مثلا أنهم يبهدلوكي مش كنتي بتقولي أن المخفية عنايات بتعاملك أسوأ معاملة ؟ أكيد كانوا متفقين!
غنى بحدة:
ـ عنايات كانت بتعاملني أسوأ معاملة عشان ملقتش حد يقفلي يا ماما. رمتيني تحت رجليها، فاعتبرتني الخدامة اللي من غير تمن ولا ضهر. الغلط مش من عند هيام فوقي يا ماما فوقي. أنتِ و بابا السبب في كل اللي حصلي. رأفت دا كان خاطب قبلي ست مرات و متجوز مرتين مكلفتوش خاطركوا تروحوا تسألوا عنه ولا تعرفوا اتجوز ليه و طلق ليه؟ رمتوني زي الكلبة ليه من غير تمن. أنتِ فشلتي كأم متعلقيش غلط على غيرك..
صفعة مدوية بترت كلماتها التي يصرخ بها الوجع و القهر ليتساقط من بين مآقيها وهي تنظر إلى والدتها التي هتفت بغلظة:
ـ اخرسي قطع لسانك. بقى الحق عليا اني جايه افطمك و انبهك تقوليلي فشلت. كنت اعرف منين أنه معيوب؟ أنا قولت عيلة و أصل وفصل و فلوس تعيشك باقي عمرك مرتاحة. جاية تقوليلي فشلت! أنا لو فشلت فأنا فشلت فعلًا في تربيتك.
ـ غنى ؟
هكذا تحدث ياسر بصوتٍ غاضب ليكُن هو القشة التي هرولت لتتمسك بها، فاندفعت ترتمي بين ذراعيه التي احتوتها بحُب و حنان كانت تحتاج إليهم بشدة لتهتف بقهر:
ـ ياسر..
رجاءها و ندائها آلما قلبه ولكن سرعان ما ضاق صدره و انقبضت معالمه بوحشية حين رأى ذلك الإحمرار فوق وجنتيها ليُدرك بأن صابرين قد صفعتها مما جعله يهتف بشراسة:
ـ أنتِ مديتي إيدك عليها؟
لا تنكر بأن مظهره افزعها ولكنها لم تظهر ذلك بل قالت بتبجح:
ـ أيوا مديت ايدي عليها. بنتي وبربيها..
صاح ياسر بقسوة اربكتها:
ـ بنتك دي ليها راجل مسئولة منه لو غلطت تيجي تقوليله. مش مسموح لأي حد في الدنيا يدوسلها على طرف حتى لو كنتِ أمها، و دا بس اللي مانعني اخد حقها منك حالًا.
شهقت صابرين بصدمة من حديثه، فلم تكُن تتخيل أن تراه يُدافع عن ابنتها بهذه الطريقة ولكنها أرادت استغلال الأمر و تغيير دفة الحديث حين قالت:
ـ طب و على كدا بقى هتقدر تحميها من شر الغندورة أختك!
ياسر بصرامة:
ـ لا أختي ولا أي حد في الدنيا يقدروا يمسوا شعره منها.
صابرين بحدة:
ـ و تفسر بأيه أنها واخدة اللي ما تتسمى عنايات راحة تخطب للمخفي طليقها ؟ حاطة إيدها في إيد اللي أذوا بنتي ليه؟
ياسر بقسوة و نبرة مُتجهمة غليظة:
ـ محدش في الدنيا أذى بنتك غيرك. مترميش بلاكي على الناس يا حماتي، و تاني مرة اياكي تحطي أختي في جملة مُفيدة.
كانت الصدمة من نصيب غنى التي لم ترى على وجهه أي إمارات للإندهاش من حديث والدتها، فهل كان يعلم؟
ـ دي طريقة تكلمني بيها يا جوز بنتي! و كل دا عشان تداري طبعًا على عمايل أختك…
صاح ياسر مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة يا أم غنى، واعرفي ان اللي مسكتني عن عمايلك دي مراتي وبس، وانا بردو مراعي انك في بيتي. لكن أنا ليا كلام تاني مع حمايا..
لم يُمهلها اي فرصة للرد، فقد جاءت كلماته حازمة مما جعلها تلتفت إلى غنى التي كانت تقف مشدوهة بين يديه لتصيح صابرين بتقريع:
ـ سامعة يا ست غنى؟ أمك بتتهزق في بيتك من جوزك وأنتِ واقفة في حضنه! بس معلش أنا اللي غلطانه اني خايفة على مصلحتك لكن توبة ادخلك بيت تاني.
أنهت جملتها و غادرت دون أن تحاول غنى إيقافها، فقد كان عقلها يعمل في جميع الاتجاهات هل حديث والدتها صحيح؟ وهل يعلم هو به؟ كيف لم يتأثر ؟ أم أنه بارع في إخفاء انفعالاته حتى لا يظهر شقيقته بصورة أسوأ؟
ـ تعالي يا حبيبتي اقعدي..
هكذا تحدث وهو يجذبها لتجلس فوق الأريكة وعينيها تتعمقان في عينيه اللتان كانتا تحاول الهرب منها ليقول بجمود:
ـ هجبلك حاجة تشربيها..
لم تدع له الفرصة للهرب إنما أمسكت بيه لتمنعه من الحركة وهي تقول بلهفة:
ـ أنت كنت عارف اللي ماما قالته عن هيام؟
تحمحم ياسر قبل أن يجلس فوق الأريكة بجانبها ليقوم بمحاوطة خصرها ليرفعها حتى تصبح بين ذراعيه وهو ينظر إلى داخل عينيها اللتان كانتَ تلمعان بشكل خاطف للأنفاس ليبدأ حديثه قائلاً بنبرة مُحشرجة:
ـ بتحبيني قد أيه؟
توسعت حدقتيها من غرابة استفهامه وفي هذا التوقيت، ولكنها فضلت الإجابة دون جدال:
ـ بحبك أكتر من اي حاجة في الدنيا.
أعجبه أنها أجابت إجابة مُباشرة دون استفهامات ليقول بنبرة عاشقة:
ـ طب واثقة فيا ولا لا؟
غنى بخفوت:
ـ مش واثقة في حد غيرك في الدنيا دي…
رفع كفها إلى شفتيه ليُلثم باطنة برقه ثم تحدث بنبرة رجولية خشنة:
ـ عايزك تعرفي أني مش هسمح لأي حاجة أو لأي حد أنه يزعلك مهما كانت مكانته بالنسبالي أو بالنسبالك. أنتِ عندي رقم واحد في حياتي.
انفرجت شفتيها عن ابتسامة جميلة ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ أنا عاشقك يا غنى، و عشقك دا جنة ربنا اللي بعتهالي على الأرض، وعشان أكون شخص يستحق الجنة دي و يستحق يتنعم في خيرها، فأنا لازم أحارب و أجاهد كل الشياطين اللي حوالينا.
كانت كلماته عذبة رائعة تحمل سلامًا و طُمأنينة و وعدًا بالأمان كان أكثر ما تحتاجه مما جعلها تهمس بخفوت:
ـ ياسر…
مد يده يُزيح خصلة هاربة خلف أذنها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة تعج بالمشاعر الضارية:
ـ عيون ياسر. لازم تعرفي أن الكلمة اللي بتتقال تجرحك بتجرحني قبلك، و أي حاجة حصلت وجعتك حتى لو كانت قبل ما نكون لبعض فهي وجعتني أنا كمان. و اللي جه عليكِ و أذاكي دا خصمي قدام ربنا ليوم الدين، و هاخد حقك منه قدام عنيكِ عشان تعرفي انك خدتي القرار الصح يوم ما أختارتي انك تثقي فيا دونً عن العالم كله…
لم تكُن تريد أكثر من ذلك لتهدأ و لتكُف عن التفكير فيما يحدُث، فهي تثق به و تثق بأنها آمنة بجواره لذا ابتسمت بعذوبة قبل أن تقول بهمسٍ مغوي:
ـ أنا كدا كدا عارفة اني خدت القرار الصح لما اختارت أثق فيك دونً عن العالم كله، وعشان كدا هغمض عنيا و أسيبك تمشي بيا الطريق لحد النهاية، و عارفة أني هكون في أمان، واني مش هعرف للفرحة طعم غير في حضنك..
ارتج قلبه لحديثها الرائع، وقد اشتعلت حمية العشق بصدره، فمنذ ذلك اليوم حين تذوق جنة قربها، وهو يخشى الاقتراب مرة آخرى حتى لا تفزع و لكنه اليوم يشتهي إرتشاف نبيذ العشق بجانبها و يتمنى أن يتذوق سُكر الهوى من جديد معها، مما جعله يهمس بجانب أذنيها بخفوت:
ـ طب غمضي عيونك الحلوين دول؟
رجفة قوية ضربت سائر جسدها، ولكن عقلها كان مُستكينًا على غير العادة بل أنه أخذ يعرض لقطات من سعادة خابرتها معه، ولأول مرة يكُن وسيلة دعم لقلبها، فأطاعته و أغلقت عينيها ليقترب منها بروية وهو ينثُر بتلات العشق فوق وجهها و يديه تمسد خصلاتها بحنو كان يلعب دور المخدر لجميع مخاوفها، فالأمر معه لم يكُن مُقتصرًا على لقاء جسدي يتوجه العشق بل كان بث طاقة كبيرة من الحنان فوق ندوب روحها، و زرع قدر كافي من الأمان في قلبها المكلوم، و ري شعور الأنثى الذي بداخلها حتى ينمو و يُزهر من جديد، فالمرأة لا تحتاج لأكثر من ذلك حتى تصبح ذلك الكائن الذي يعرِف كيف يصنع السعادة و يغمر الجميع بها، وهذا ما كان يفعله معها. يبثها كل شيء تحتاجه لتستطِع أن تُعطيه بعد ذلك، و يأخذ منها القدر الذي تسمح له به، دون أن يرغمها على العكس كان يغدق عليها بالمقابل من حنانه و احتوائه حتى سكنت روحًا و جسدًا و قلبًا بين يديه هانئة، سعيدة، مطمئنة، كيف لا؟ وقد أحياها من نفس النقطة التي قُتلت بها ذات يوم..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال. ❤️
★★★★★★★★★★
ـ أنا عارفة انك زعلان مني، وانا كمان زعلانه منك و من نفسي وعشان كدا طلبت نتكلم سوى النهاردة.
هكذا تحدثت شروق وهي تنظر إلى راجي الذي كان التجهُم بادٍ على ملامحه و كذلك نبرته حين قال بتقريع مُبطن:
ـ عمومًا أنتِ أتأخرتي في الخطوة دي، بس كويس انك أخدتيها.
تعرف كم هو غاضب و متألم و ذلك يُحزنها لذا تغاضت عن جفاءه حين قالت بصدق:
ـ عايزة أقولك على حاجة و اتمنى تصدقها.
راجي بجمود:
ـ اعتبريني صدقتك. أنا عارف انك مبتكذبيش.
دمعت عينيها وهي تقول بتأثُر:
ـ أنا فرحت جدًا لما عرفت انك ابن عمي. يعني في الأول اتصدمت بس بعد كدا حسيت أن ربنا بيحبني. تخيل الشخص الوحيد القريب ليا يكون من دمي. أنا عارفة أن كلامي ممكن يزعلك بس أقسم بالله أنا فعلًا كان بييجي عليا وقت أقول ياريت لو راجي دا كان أخويا. يمكن الكلمة تضايقك بس أنا كنت شيفاك سند و ضهر و صاحب أحكيله عن كل حاجة مضيقاني من غير ما اتردد، و دا عمره ما حصل مع حد.
كانت كلماتها كالسُم المُختبيء في جوف العسل ولكنها كانت صادقة يعلم ذلك، و يعلم أيضًا أنها لطالما كانت واضحة في علاقتهم، فلم تعطه يومًا اي وعود ولو كانت غير منطوقة. فحين كان يحاول عبور المسافة بينهم كانت تحيط نفسها داخل قوقعة التجاهل و تلتزم غض البصر عن مشاعره و على الرغم من أن ذلك يؤلمه بشدة، ولكنه رجُلًا ذو كبرياء عظيم لم يُخلق من يمسه بعد لذا تحمحم بخشونة قبل أن قول بجفاء غير مقصود:
ـ ربنا حققلك أمنيتك، و طلعنا ولاد عم.
شروق من بين عبرات غزيرة:
ـ أقولك على حاجة. انت عندي اكبر من اني اورطك في قصة سخيفة زي قصتي. أنا ممكن أقولك موافقة ارتبط بيك، و نتخطب ونتجوز بس انت تستحق واحدة تديك حب الدنيا كله مش مجرد احترام و مودة. تستحق تتحب أوي. أنا هكون أنانية لو ظلمتك في مجرد مشاعر احترام و تقدير.
دموعها أحزنته كثيرًا فهذه الفتاة صادقة الى حدٍ يقتله لا تترك له شيئًا يلومها عليه، فهي شفافة، حانية و رائعة، بسيطة للحد الذي يجعل المرء يشعر بالانبهار من فرط رقتها و برائتها و نقائها، فلم تترك له مجالًا إلا لاحترامها حتى ولو كان يتألم لكنه سيتدارك الأمر لأجلها و لأجله فهي محقة هو يستحق من تعشقه بجنون لا مجرد مشاعر احترام و مودة:
ـ طيب ايه أنتِ قلبتي على عيلة في ابتدائي كدا ليه ؟ ما تنشفي شوية و امسحي دموعك دي.
قال جملته الأخيرة وهو يناولها محرمة ورقية تناولتها منه بأيدٍ مُرتعشة و شبح ابتسامة لاح عند زاوية فمها لتشكره بخفوت و هي تحاول كفكفة عبراتها ليبدأ هو بالحديث بنبرة هادئة على عكس ألمه العظيم:
ـ أنا مقتنع بكلامك، و بحييكي على صراحتك و وضوحك، و طبعًا أنا عمري ما هقبل اعيش مع نص قلب. يعني المودة و الاحترام دول موجودين لكن العشق اللي أنا استحقه مش موجود، فخلاص هنتجاوز الموضوع دا، أنا مش مُراهق و هقدر اتخطى في أقرب وقت. فخلينا نتكلم في المهم…
تسللت بعض الراحة إلى صدرها جراء حديثه و أن كانت ترى الألم يلوح بزوايا عينيه ولكنها تعلم بأن يتألم الآن خيرًا من غدًا، فهو لا يستحق منها سوى أن تكون صريحة معه، و عند ذكر آخر جملة في حديثه تنبهت جميع حواسها لتقول بهدوء:
ـ اتكلم أنا سمعاك..
راجي بنبرة جامدة:
ـ طبعًا أنتِ و جميلة لازم ترجعوا تشوفوا أهلكوا و تتعرفوا عليهم دا مبدأيًا، عمك عامر اتكلم معايا و أنا قولتله يديكوا وقتكوا و ميضغطش عليكوا وهو وافق و مستني مني أقوله انكوا جاهزين.
شروق بنبرة هادئة:
ـ طيب انا بس عايزة اتكلم معاك في نقطة مهمة شاغلة بالي.
ـ نقطة ايه؟
شروق باستفهام:
ـ تفتكر ليه بابا الله يرحمه ليه قبل ما يموت مقالناش عليكوا؟ يعني لما جه يكلمني قبل ما يموت كلمني على أهل ماما الله يرحمها مجبش سيرتكوا. حتى في لحظاته الأخيرة متكلمش عنكوا. اكيد دا له سبب..
كانت مُحقة و لذلك قرر أن يتحدث بصراحة قائلًا:
ـ مكذبش عليكِ أنا بردو استغربت ولما سألت عمي مجاوبش عليا بصراحة لكن فهمت منه أن عمي الله يرحمه كان شايف أن جدي خذله و كان خايف عليكوا لما ترجعوا تدفعوا تمن اللي حصل زمان. أو رجليكوا تتجر في حدوتة ملكوش علاقة بيها، فقال يبعدكوا عن كل حاجة. دا التفسير المنطقي الوحيد اللي وصلتله..
كانت تجلس بهدوء و خصلاتها تتمايل بخفة كلما حركت رأسها أو تحدثت و لا تدري بأنها تلتف حول عنقه الذي يكاد ينفجر من شدة الغضب و الغيرة في آنٍ واحد ولولا وجود يزيد لكان هدم المكان رأسًا على عقب و انتزعها من أمام هذا الرجل ثم انتزع روحه من مكانها ليرتاح من وجوده
ـ بطل تنحر في نفسك كدا هيطقلك عرق واحنا أساساً مش ناقصين مصايب.
هكذا تحدث يزيد بملل قابله عمر بالغضب الشديد الذي اهتاج في نبرته حين قال:
ـ أنا هتشل. قاعد هنا بتفرج عليها من بعيد وهي قاعدة قدام الحيوان دا. أنا فعلًا هيطقلي عرق.
يزيد بمهادنة:
ـ اسمعني. حاول تاخد نفس عميق كدا و تجاوزًا يعني حاول تستخدم عقلك أنا عارف انك لاغية من زمان بس احنا دلوقتي في مرحلة حرِجة في علاقتكوا..
رمقه عمر شذرًا ليُتابع يزيد موضحًا:
ـ افهمني بس و بطل تزغرلي من غير حاجة شكلك يخوف مش ناقص تشوية في منظرك يعني. دلوقتي البت شروق دي هادية و راكزة و عاقلة و الشخصيات اللي زي دي عايزة راجل تقيل. طبعًا دا بره عنك خالص. بس على الأقل حاول تمثل انك كدا.
عمر بسخط:
ـ هتستظرف هلخبط معالم وشك.. اتلم أنا على آخري.
يزيد بتملق:
ـ يا غالي أنا غرضي مصلحتك. يعني مثلًا لو شروق طرقعتلك هل أنا متضرر؟ إطلاقًا. هل أنا قاعد مبسوط وأنا شايفك هتطق من جنابك كدا؟
لمح عمر المكر في عينيه ليزجره بحدة فهتف يزيد باندفاع:
ـ إطلاقًا. أنا بس عايزك تهدى و تجيبها بالطريقة. شروق بغض النظر هي بتحبك ولا لا و بس هي بت ناس و متربية استحالة تفكر تغيظك براجي ولا حتى هتظلمه معاها. يبقى انت كدا ضامن من ناحية الأخلاق. نيجي بقى من ناحية القلب أنت عارف انها مجروحة منك حاول بقى تثبتلها انك بتحبها و بتقدرها و مديها مساحتها بس في نفس الوقت أنت عينك عليها زي الرادار. فهمت يا غالي؟
يعي كم أن حديثه صحيح ولكن الغيرة تنهشه بأنيابها التي لا ترحم يريد أن يصرخ تنفيسًا عن هذا الغضب الهائل بداخله ولكنه عاجز حتى عن ذلك
ـ بحاول اسمع كلامك و عارف أنه صح. بس غصب عني. مش قادر استوعب أنها قاعدة معاه وانا قاعد هنا..
يزيد بنفاذ صبر:
ـ معلش اتحمل اعتبره تكفير ذنوب وانت ذنوبك كتير أساسًا.
عمر بتحذير:
ـ متخليهاش تيجي فيك..
يزيد بلهفة:
ـ لا تيجي فيا أيه؟ بقى أنا عايز امنعك تضربه عشان متجرش معاك في الرجلين تقوم تضربني أنت! هي معرفة غبرة أنا عارف..
عمر بتقريع:
ـ أه يا واطي. يعني بتهديني عشان خايف تتروق!
يزيد بحدة:
ـ الواطي دا اللي جري عليك لما لقاك بتتخانق، و مفكرش لحظة، وبعدين الواد دا إيده طارشة و صعيدي و بصراحة بقى انا مش ناوي اضحي بوسامتي عشان خاطر غراميات حضرتك..
عمر بغيظ مكتوم:
ـ ماشي يا يزيد الكلب. اللي مسكتني عنك أن كلامك صح. أنا مينفعش أني ابينلها اني هتشل من الغيرة كدا. لازم تعرف اني تقيل و عاقل يمكن تتنيل تحن..
تمتم يزيد حانقًا:
ـ الهي يارب ما تحن غير لما توريك النجوم في عز الضهر يا عمر يا ابن نبيلة بحق قفايا اللي ولع من الشمس بسببك دا..
ـ اهم قايمين. يالا بينا…
هكذا هتف عمر حالما رآها تستعد المغادرة ليوقفه يزيد الذي هتف مُعنفًا:
ـ يا ابني اركز. الراجل چنتل استحالة هيسيبها تروح لوحدها أكيد هيروح يوصلها…
عمر بهياج:
ـ نعم! هي كمان هتركب معاه العربية؟ لا بقى دانا هروح أساويه بالأسفلت. أنا مش قادر اتحمل اكتر من كدا..
حاول يزيد تحجيم غضبه وهو يكتف يديه صائحًا بنفاذ صبر:
ـ أبوس مخك المصدي دا تعدي اليوم من غير خناق. البت هتطير منك، وربنا هتكره تشوف خلقتك اللي مبقاش فيها حتة سليمة…
تنبه عمر إلى ملامحه التي لازالت عليها آثار المعركة السابقة لتهدأ ثورته قليلًا وهو يقول باستفهام:
ـ تفتكر الحاجات دي هتفرق معاها؟
ارتاح يزيد قليلًا لهدوئه و أخذ نفسًا قويًا قبل أن يقول بتأكيد:
ـ طبعًا هتفرق. انت حاليًا محتاج تستخدم كل أسلحتك و أولهم وسامتك اللي مش موجودة.
عمر بتحذير:
ـ ياد بطل طولة لسان هعتبرك الزفت دا والعب في وشك البخت.
يزيد بلهفة:
ـ مش قصدي. أقصد يعني لازم تكون في أبهى صورة شيك، وسيم، هادي، لبق. جنتل مان. مش ذا هيتمان احنا مش في مصارعة. عايزها لما تشوفك قلبها يتشرح كدا و تخطف قلبها بوسامتك مش توقفه بغباوتك…
كز عمر على أسنانه وهو يطلق أهه غضب كبيرة قبل أن يُدير السيارة وهو يتعقب سيارة راجي و هو يسُبه بكل أنواع السُباب إلى أن وصل إلى مكان المخبز لتترجل شروق من السيارة وهي تُشير إلى راجي ثم انطلقت إلى الداخل ليصف عمر السيارة و يتوجه خلفها، فإذا به يصطدم بأحد العاملات في المخبز تقف أمام دلوفه إلى داخل المكان ليقول عمر بعُجالة:
ـ معلش عايز ادخل ..
الفتاة بصرامة:
ـ احنا وقت البريك..
عمر بحنق:
ـ أيوا مانا مش زبون عادي، وبعدين أنا عايز شروق قوليلها عمر بره..
الفتاة بجمود:
ـ مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا…
عمر بصدمة:
ـ نعم! مين دا اللي شطب ما الناس قاعدة بتطفح اهي.
الفتاة بنفس لهجتها:
ـ أه ماهي مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا مش هنبيعلك حاجة.
على صوت عمر من فرط الغليان:
ـ طب أنا بقى عايز أفطر زي الناس دي و مش همشي غير لما افطر…
الفتاة السخيفة بنفس نبرتها:
ـ مفيش فطار لحضرتك هنا. مش عاملين حسابك في المنيو..
قالت جملتها و أغلقت الباب في وجهه ليرمقها بحنق من الزجاج ولكنها لم تلتفت له بل أعطته ظهرها و انصرفت إلى عملها ليتراجع إلى الخلف وهو يتوعد ليزيد، فلو كان تركه من البداية لذهب و تحدث معها، ولكن الأخير كان يجلس براحة في السيارة وهو يصفف خصلات شعره يتجهز حتى يذهب إلى جميلته ليتفاجيء بعمر الذي فتح الباب وهو يجلس بجانبه و الوحشية ترتسم على ملامحه ليهتف يزيد مذعورًا:
ـ حصل ايه؟ نهارك مش فايت بلعتها ؟
لم يكد يُنهي جملته حتى قام عمر بضربه بمقدمة رأسه في جبهته وهو يقول بتشفي:
ـ عشان تبقى تحافظ على وسامتك حلو….
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي". ❤️
★★★★★★★★★
ـ ايه دا يا نونو الفستان دا هياكل منك حتة. ايه الجمدان دا يا بنت الأية؟
هكذا تحدثت سهيلة بوقاحة مُفرطة جعلت رنا تشعر بالحرج الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عيب يا سهيلة الطريقة دي. الناس تقول عنك أي؟
سهيلة بملل:
ـ يا بنتي فكك. ناس مين! خلينا فيك أنت يا وتكة..
أنهت جملتها و قامت بصفعها فوق جنبها الأيسر وهي تطلق ضحكة صاخبة إلى حدٍ كبير لتتراجع رنا مذهولة من طريقتها وهي تنهرها قائلة:
ـ سهيلة. أنا مابحبش الهزار بالإيد. بليز متعمليش كدا تاني..
تصنعت سهيلة الحزن الذي سكبته في كلماتها المسمومة وهي تخفض رأسها قائلة:
ـ أنا أسفة يا رنا. والله مكنتش أقصد. أنا بتعامل معاكي بطبيعتي. حقك عليا أنا ماشية..
ألقت الملابس من بيد يدها وهي تهرول إلى الخارج لتشعر رنا بالحزن الشديد لأجلها فوضعت الملابس من يدها وهرولت خلفها وهي تصرخ منادية عليها:
ـ سهيلة. استني يا سهيلة. خلاص حقك عليا مكنتش أقصد..
توقفت سهيلة وهي تخفي المكر جيدًا خلف قناع الحزن الذي عززته بعبرات ساخنة تدفقت من بين مآقيها لتقترب منها رنا قائلة بعفوية:
ـ سوري بجد يا سهيلة أنا مكنتش أقصد..
سهيلة بانفعال مدروس:
ـ لا تقصدي يارنا قولي انك مش بتحبيني ولا بتعتبريني صاحبتك بجد. كل مرة تكسفيني و تحرجيني قدام الناس، و ترجعي تتأسفي. خلاص انا مش هفرض نفسي عليكِ تاني..
رنا باندفاع و براءة:
ـ والله أبدًا أنتِ صاحبتي الوحيدة. بس أنا والله مش متعودة على الهزار دا، و غصب عني بتضايق منه.
سهيلة بحزن زائف:
ـ خلاص يا رنا. أنا مش هقرب منك تاني، و هحط حدود في التعامل بيننا، بدل أنتِ مش شيفاني أختك و بتضايقي من هزاري خلاص مش ههزر تاني معاكُ..
رنا بلهفة:
ـ لا طبعًا بتقولي ايه؟ أنتِ اختي وصاحبتي الوحيدة..
سهيلة بتخابُث:
ـ على فكرة بقى أنا كمان بعتبرك صاحبتي الوحيدة، والدليل اني سبت البنات وجيت عشان نخرج سوى و مردتش أقولهم ييجوا معانا.
رنا بانتباه:
ـ أه صحيح. هما ليه مجوش معانا؟ مش كنا متفقين نخرج كلنا؟
سهيلة بمكر يغلفه الجدية:
ـ بصراحة يا رنا أنا خوفت متتقبليش عمايلهم و تضايقي و تمشي.
رنا باستفهام؟
ـ ليه؟ هما بيعملوا ايه؟
سهيلة بتخابُث:
ـ بيعملوا حاجات مش هتحبيها. يعني مثلا بيشربوا سجاير، وأنتِ أكيد مش هتحبي دا..
شهقت رنا بذهول تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ سجاير! ازاي دا ؟ في بنات بتشرب سجاير و كمان في السن دا؟
سهيلة بتهكم:
ـ أه ياختي في، وبيشربوا اكتر من السجاير كمان. أنتِ بس اللي طيبة وبريئة وانا عشان بخاف عليكِ مردتش اقولهم يخرجوا معانا لأني واثقة انك هتضايقي لما تشوفي الحاجات دي.
رنا بامتنان:
ـ بجد يا سهيلة أنتِ مفيش منك. أنا فعلًا اتصدمت لما قولتيلي و كمان بابي لو عرف أن هما بيعملوا كدا عمره ما هيسيبني أخرج معاكوا تاني…
سهيلة بلهفة:
ـ أنا عارفة، وعشان كدا قررت نخرج سوى. يارنا أنا بحبك جدًا و بخاف عليكِ، وبتعامل معاكي على. طبيعتي، وانا عفوية شوية. و كمان بتعشم فيكِ أنتِ أقرب صاحبة ليا دلوقتي. ياريت تقدري دا..
رنا بحُب:
ـ وانا كمان بحبك جدًا يا سهيلة، و بعتبرك صاحبتي و أختي..
سهيلة بحقارة:
ـ خلاص بقى الدموع هتنزل من عنيا. يالا حضن بقى و نتصالح..
عانقتها رنا بعفوية و مشاعر صادقة قابلتها بأخرى شهوانية قذرة ترفضها جميع الأديان السماوية، يهتز لها عرش الرحمن، ولكن تلك القلوب الذي أصابها الصدأ و تمكن منها الشيطان لا يُرهِبها دين ولا يردعها نار…
اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبّت رجاك في قلبي، واقطعه ممن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك". ❤️
★★★★★★★★★
ـ كيف الجمر النهاردة؟ أن شالله تكوني نمتي زين؟
هكذا تحدث رحيم موجهًا حديثه إلى صافية التي تلئلئت السعادة كالنجوم في سماء عينيها حالما رأته لتُجيبه بحُب:
ـ أني زينة عشان شيفاك يا حبة الجلب…
اقترب رحيم يجلس بجانبها و يقبل كفها الناعم وهو يقول بنبرة يشوبها الحنين:
ـ يااااه يا صافية. كفك ريحته بتفكرني بالحبايب كلاتهم. ريحة كلها حنية و دفا الواحد محروم منيهم اديله سنين…
صافية بحُب تجلى في كفوفها المُمسكة بيده و نبرتها حين حادثته قائلة:
ـ مالك يا جلب صافية؟ عنيكِ مليها الحزن والهم، فضفضلي يا ولدي..
كان يرحب بالانهيار كثيرًا في هذه اللحظة، فقلبه العليل يحمل ندوب و تصدعات يعجز كتفه عن حملها لذا مدد رأسه على قدميها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ الحزن دا قدري يا عمة. أتعودت عليه. بس القهرة اللي في جلبي لساتها بتوچع…
صافية بلهفة:
ـ بعد الشر عنك يا نضري. قولي فيك ايه؟ احكي واني سمعاك..
تساقطت العبرة تلو الآخرى من عينيه وهو يهتف بنشيج:
ـ اطعنت في ضهري، وفي رچولتي و في شرفي. عشجت الغانية وسلمتها رقبتي، و آخرة المتمة شوفتها بعيني في حضن عشيقها…
ضربت صافية على صدرها وهي تهتف بصدمة:
ـ يا مُري… تجصد مين يا رحيم؟
رحيم بقسوة:
ـ حنان بت عمي. اتچوزتها و شيلتها في جلبي و فوج راسي. عِملتها ست الكل وفي الآخر طلعت بتخوني ويا الكلب اخو رماح..
ارتسم الإشمئزاز فوق ملامحها و في نبرتها حين قالت:
ـ نسل نچس طول عمره، و بنت المركوب ديه بدل ما تشيلك چوا نن عينيها تعمل العفاشة دي! صدج طالعة حية لأمها.
رحيم بنبرة جريحة:
ـ أمر من أمها يا عمة. دي كانت بتكذب عليا وعينيها في عيني، و بتجولي أني معخلفش، ومفهماني أنها متحمله عچزي واني شايلها على كفوف الراحة. بت عمي و بجول أصيلة، لكن طلعت كلبة ولا تسوى…
صافية بذهول:
ـ وه. يعني مفهماك انك معتخلفش، و عن تكذب عليك!
رحيم بألم:
ـ بتكذب عليا و عنيها في عيني.. يا خسارة جتلها أخوها هي و عشيجها. أني من الصدمة مجدرتش اتحرك. مصدجتش. حسيت نفسي بحلم. لا دا كان كابوس، فوجت منيه واني باخد عزاها، و من وجتها والنار شاعلة في جلبي…
صافية بحنو:
ـ سلامتك من النار يا نور عين عمتك. النار دي زمانها مولعة في چتتها الخاينة الرخيصة دي. بس انت يا ولدي ربنا كرمك ببنية زينة. باين عليك بتحبها، وهي كمان عيونها بتلمع لما بتطالعك. أني شوفتها..
أطلق زفرة حارة من جوفة قبل أن يعتدل وهو يناظرها بقلق حاول قمعه قدر الإمكان وهو يقول:
ـ نچاة دي النجاة اللي ربنا بعتهالي عشان تخلصني من كل اللي أنا فيه. بس…
ـ بس ايه؟
شعرت بأن القادم سيء ولا تعلم لما انتفضت دقات قلبها قبل أن يطلق رحيم سراح قنبلته قائلًا:
ـ نچاة توبقى بت رماح الهلالي يا عمة….
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
انقضى النهار وهو غارق في العمل إلى أن أتى الليل وهو لا يزال في المكتب، لتتصلب عضلات رقبته و يشعر بتشنج كبير في أكتافه جراء جلسته لمدة طويلة ليقوم بفك أزرار قميصه خالعًا عنه رابطة عنقه ثم قام بثني أكمام قميصه ليتمطى بتعب، فأتاه طرق خافت على باب غرفة المكتب، فأمر الطارق بالدخول ولدهشته وجدها تُشرِق عليه بإطلالتها الرائعة على الرغم من أن الوقت ليلًا ولكن حضورها كان كالشمس نثر الدفء في المكان عامة و قلبه بصفة خاصة
ـ أشجان! جيتي ازاي ؟ في حاجة حصلت؟
طمأنته قائلة:
ـ متقلقش. مفيش حاجة. أنا بس قلقت عليك لما اتأخرت، و حاولت اكلمك مبتردش، فسألت في الشركة سلمى قالتلي انك لسه بتشتغل قولت اعملك مفاجأة و أجي أطمن عليك…
كان يود أن يخبرها بأنها ليست بمفاجأة فحسب، بل هي مكافأة منحته إياها، فرؤيته لها بعد هذا اليوم الشاق لهو شيئًا عظيم، لكنه لم يُفصِح عن ما يجول بخاطره بل اكتفى بالحديث قائلًا:
ـ تعبتي نفسك. أنا خلاص قربت اخلص نص ساعة و كنت هروح..
تشابكت عينيها مع خاصته في نظرة دافئة جعلت نبرتها مُتحشرجة حين أجابته:
ـ تعبك راحة…
كان وجودها معه تحت سقف واحد، وفي سكون هذه الوحدة، اختباراً قسرياً لثباته. هو الذي روض نفسه على هجر الملذات منذ صدامهم حتى غدا في محراب خصامها زاهداً لا يلتفت لزينة الحياة. والآن، تعود هي بكامل سطوتها وجمالها، لتقف كالإثم الشهي في طريق توبته، مغويةً إياه كالثمرة المحرمة التي يستحيل مقاومتها، وخاصةً حين تابعت بنبرة ناعمة يتوجها الخجل:
ـ كمل شغلك وانا هستنى جنبك لو مكنش يضايقك..
دافئها و رقتها و عذوبة صوتها كان فخًا مُحكمًا نصبه القدر لصبره الذي بدأ يضعف امامها شيئًا، فشيئًا خاصةً وهو يراها تتحرك بخفة كالفراشة و تفك عنها حجابها لتضعه حول كتفها وهي تقول بخفوت:
ـ الجو حر هنا شوية.
قطع نظراته التي من فرط الشوق تكاد تلتهمها ثم تحمحم بخشونة قبل أن يقول:
ـ خدي راحتك…
التفت ليجلس حول مكتبه يحاول أن يُنهي تلك الأوراق التي أمامه هاربًا من سطوة حضورها ولكنها لم تكُن تساعده، فلم تكن بحاجة لحديثٍ أو حركة تصدر عنها لتنتصر إذ كانت رائحة عطرها فحسب تُفتت صموده، و تغزوه بصمت مزلزلة ذاك الجبل الجليدي القابع في أعماقه. هو الذي لم يختبر الهزيمة أمام أي إغواءٍ قط، وظل دومًا سيد ثباته، وجد نفسه الآن ينهار أمام سكونها، في مفارقةٍ عجيبة جعلت من صمتها قوة قادرة على هدم كل حصونه دون مجهودٍ يُذكر ليحاول استجداء ثباته بكل ما لديه من إرادة دافنًا رأسه في الورق، بينما هي كانت في وادٍ آخر تحاول تهدئة ضربات قلبها المُتلاحقة حين استمعت إلى حديث سوزان عصر اليوم:
ـ اتلحلي شوية يا أشجان. خالد عامل كل اللي عليه، و في عز زعله منك واقف في ضهرك، وبعدين اللعب بقى على المكشوف دلوقتي، و اللي اسمها نبيلة دي بعد ماهددتيها انك معنديش حاجة تخسريها ممكن تحاول تهدي الدنيا شوية استغلي بقى دا و صالحيه لحد ما نشوف هتعملي ايه معاهم، و كمان زينة دي أنا قلبي مش مطمنلها خالص.
اختارت أن تستمع إلى حديثها فهناك أنين صامت بداخلها يتوسل إليها أن تراضيه فالحياة ليس لها معنى في غيابه وجميع لياليها أصبحت باردة حين غاب دفء حضوره، لذا قررت التخلي عن تحفظها و القدوم الى هنا لتحاول مراضاته و تتمنى من الله أن تأتي خطوتها بثمارها.
مرت دقائق مشحونة بالتوتر من كلا الجانبين، فقد كانت كُلّا منهما يختلس النظر إلى الآخر بين الفينة و الآخرى وكأن كل نظرة كان تزيد من سخونة الجو، و ترسل تيارًا من المشاعر العاتية في الهواء المُحيط بهم، وفجأة شعرت بعقلها يقف عن العمل من فرط الصدمة حين رأت زينة تترجل من سيارة أجرة في الأسفل.
توسعت حدقتيها ذهولًا تحول إلى نيران مُستعرة، فما الذي يأتي بها الآن في هذا الوقت إلى الشركة؟ بالطبع تعلم بأنه هنا، و لهذا أرادت استغلال الفرصة! كزت على أسنانها. بغضب و استعرت نيران الغيرة بصدرها واستيقظت النمرة بداخلها حين شعرت بالخطر على رجلها و حبيبها الوحيد، لتقوم بالالتفات و التقدم بخطوات بطيئة مدروسة تاركة خلفها صدى كعب حذائها الرفيع والذي صار يعزف على أوتار ثباته وهو يراها تتقدم منه و في عينيها يلتمع الزمُرد مصحوبًا بألسنة اللهب التي جعلت بريقة يتضاعف لتظل أنظاره عالقة بها إلى أن وجدها تستند على المكتب خلفه واضعة يدها بجانبها وهي تقول بدلال:
ـ خلصت؟
جف حلقه من فرط المشاعر التي عصفت به، و لكنه أجابها بخشونة:
ـ قربت..
أشجان بنبرة خافتة ناعمة:
ـ أساعدك فى حاجة؟
اختصر حديثه حين قال:
ـ مش مستاهلة الموضوع بسيط.
تفاجئ حين وجدها تلتف لتقف خلف مقعده و تمد أناملها الرفيعة الناعمة لتُمسد أكتافه التي كانت تئن من فرط التعب والآن تنعم بملامستها ليُغمض عينيه تأثراً بلمساتها، و نبرتها الناعمة حين قالت:
ـ خلاص هساعدك بطريقتي..
استمعت إلى خطوات قادمة من الخارج لتخلع عنها الخجل جانبًا و تقوم بسحب نفس قوي إلى أعماق صدرها قبل أن تُدير مقعده ليكون مُقابلًا لها و تستند بكلتا يديها فوق ذراعي المقعد لتقول بهمسٍ قاتل:
ـ اتعبني يا خالد…
تفاجئ حد الذهول من فعلتها، ولكن سرعان ما انصبت جميع مشاعره في بوتقة الشوق الذي جعل أنفاسه تعلو و تتناحر بصدره لتخرج لهجته خشنة مُتهدجة حين قال:
ـ عايزة ايه يا أشجان؟
صححت قوله وهي تقترب منه حد التحام أنفاسهم:
ـ تؤ تؤ. قولي يا شجني..
ابتسم بعبث على حديثها ليقوم بمد يده ليجذبها حتى ترتطم بصدره و تستقر بين ذراعيه ليقول بنبرة رجولية أذابت أوصالها:
ـ لما تقولي عايزة أية؟
توقفت الخطوات على مقربة منهما لتعرف أن هذه فرصتها الوحيدة لرد الشر عن حياتها و لردع الشق الذي حدث بينهم لتهمس أمام عينيه قائلة بنبرة مُغوية:
ـ أنا مش هقول اللي أنا عايزاه! أنا هاخده..
أنهت حديثها و اندفعت ترتشف من عذب هواه، فقد أضناها الشوق و أرهقها الهجر، و لم تعُد تحتمل الشعور أنها مُهددة بفقدانه، و أيضًا لترى تلك الدخيلة أنها حبيبته و زوجته الوحيدة و قد كان لها ما أرادت، فقد تسمرت زينة في مكانها وهي تطالع هذا المشهد الرومانسي الذي جعل الدماء تتدفق في أوردتها، فانسلت بهدوء إلى الخلف حتى لا يلمحها ذلك الثنائي الغارق في لُجة العشق و ما أن حطت أقدامها في المصعد حتى رن هاتفها لتجيبه بملل، فوصلها صوت نبيلة الصارخ:
ـ ها وصلتي قبلها؟
زينة بملل:
ـ وصلت لقيتهم مشيوا، ويالا عشان مش فضيالك.
أغلقت الهاتف لتقوم بجذب آخر من حقيبتها و تقوم بإجراء مكالمة هاتفية وحين جاءها الرد هتفت بدلال:
ـ حسيت اني وحشتك، فقولت اكلمك نتقابل…
في الداخل لم يعرف كّلًا منهما كم مر من الوقت وهما غارقين في نوبة عشقٍ جرفت كليهما إلى جنة لطالما كانوا بها سوياً، لتأتي هي و تفسد كل شيء ولكنها تحاول جاهدة إصلاحه و تتمنى لو يساعدها قليلًا.
علت انفاس كُلًا منهما وكأنهم عائدين للتو من معركةٍ طاحنة و الحقيقة أنها كانت بمثابة معركة داخلية بين شوقٍ لايهدأ و غضبٍ مازال مُستعِر فالعقل لازال يتساءل ولم يجد ما يقنعه بالرغم من عشقه الضاري و حمايته المطلقة لها إلا أنه لايزال يريد من الأسباب ما يُرضيه ولا يقبل بترضية دون دوافع قد تشفع لكبريائه الجريح.
ألقت برأسها فوق صدره الخافق بعُنف وهي تحاول تنظيم أنفاسها الهادرة بينما هو كان صامتًا يحاول السيطرة على جموح مشاعره حتى لا يجد نفسه مُستسلمًا لقربها في نهاية المطاف..
ـ خالد…
هكذا تحدثت هامسة فقد طال صمته وقد أرهقها التفكير في رد فعله ولكنه أجابها بخشونة:
ـ نعم…
كانت يديه تُحيطانها بعناية و صدره يحتوي جسدها بحُب وقلبه يعانق قلبها بشوقٍ كبير تشعر هي به ولكن عينيه كانت بعيدة يسكن العتب و الألم زواياها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ لسه زعلان مني؟
خالد بنبرة جامدة:
ـ طول ما أنتِ مجاوبتيش عن سؤالي ليه عملتي كدا يبقى لسه زعلان منك.
أشجان بخفوت:
ـ يعني ندمي لوحده مش كفاية؟
خالد بجمود:
ـ ندمك خطوة كويسة. بس مش هيشفع عندي في غلط زي دا..
ـ طيب ولو قولتلك أنها كانت حركة غبية مني!
هكذا تحدثت بنبرة متعبة قابلها هو بآخرى جامدة حين قال:
ـ خلاص يبقى تسيبي الزمن هو كفيل يداويها..
أشجان بانفعال طفولي:
ـ بس انت وحشتني، و مبقتش قادرة اقعد في بيت الأشباح بتاعكوا دا وانت زعلان مني و مخاصمني…
خالد بصدمة:
ـ احنا بيتنا بيت أشباح؟!
تداركت خطأها لتقول بلهفة:
ـ هاه. لا مقصدش بس اقصد انك يعني وحشتني..
مد يده يُمسك خصلة هاربة من خصلاتها و يلفها حول إصبعه وهو يهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ وحشتك قد أيه ؟
أشجان بخفوت:
ـ وحشتني قد الدنيا كلها….
لم يكد يُجيبها حتى رن هاتفه ليلتقطه ناظرًا إلى رقم المتصل قبل أن يقرر الإجابة في نهاية الأمر:
ـ أيوا.. تمام أنا جاي أهو…
اغلق الهاتف وهو ينظر إليها قائلاً على مضض:
ـ مضطرين نروح دلوقتي في ضيوف مستنينا في البيت..
أشجان بفضول وهي تهب من مكانها:
ـ ضيوف مين؟
جذبها بغتة مُختطفًا من ثغرها قبلة سطحية قبل أن يقول بتقريع:
ـ الفضول قتل القطة..
رأت في عينيه شوقٍ لم يهدأ بعض لتهتف بدلال:
ـ لما أنت مخاصمني ليه بوستني ؟
خالد بنبرة متسلطة:
ـ وهو انتِ فاكرة أن حضرتك بس اللي مسموحلك تبوسيني وقت ما تحبي! يالا قدامي عشان نروح…
لا إراديًا ابتسمت على كلماته، فبالرغم من غضبه و حزنه لما فعلته ولكنه لازال يعشقها و ما فعلته اليوم حتمًا سيقلل الفجوة بينهم..
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ." ❤️
★★★★★★★
كانت تجلس في غرفتها تحاول النوم ولكن بكاء الصغير لا يساعدها إطلاقًا، واليوم كان صوته اعلى و هناك حركة في الخارج غير مريحة جعلتها تهب جالسة فوق مخدعها وهو تطلق أنفاسًا غاضبة و سرعان ما استرعى انتباهها حديث الفتاة المتقطع لتقرر ارتداء روب منامتها و الخروج لمعرفة اي لعنة تحدُث في الخارج و سرعان ما هالها مظهر الفتاة المُرتعب وهي تحاول الاتصال بشخصٍ ما ولكن يبدو أنه لا يُجيب لذا توجهت آسيا إليها لتقول بجفاء:
ـ أنتِ. في ايه؟
التفتت الفتاة إليها وحاولت شرح ما تريده بإنجليزية ضعيفة بعض الشيء:
ـ الصغير مريض كثيرًا. أنه يشتعل من الحمى ولا يستجيب لأي دواء كما أنني لا اجد السيد كمال أحاول الاتصال به كثيرًا ولكن هاتفه مغلق ولا اعرف ما الذي علي فعله؟
كان موقفاً كارثيًا بالفعل، فحين التفتت تنظر إلى الصغير الذي كان مخدعه مقابلًا لباب الغرفة تفاجئت حين رأت وجهه المُحمر بشدة و كأنه قطعة من النيران، فشعرت بالحنق و الكره تجاه هذا الرجل العديم المسئولية الذي يترك طفله في هذه الحالة، فيبدو أنه لم يعُد منذ أن فعل فعلته النكراء ليدفعها بعُنف حتى سقطت ملقاه على الأريكة و ولى هاربًا فمن الواضح أن الهروب هو أكثر ما يُجيب.
رغمًا عنها شعرت بالأسى لصوت الصغير الذي أن لم تقتله الحمى، فحتمًا سيقتله كثرة البكاء لذا تحركت على مضض وهي تنظر إلى هذه الغبية الفاتنة وهي تحاول الاتصال تاركة الطفل ينفطر من فرط البكاء لتهتف آسيا بشراسة:
ـ الله يلعنك انت و مجايبك يا كمال..
مدت يدها لتلامس جبهة الطفل لتجده يحترق وهنا تغلبت عليها إنسانيتها و قامت بحمله بين يديها لتقوم بنزع ملابسه بعُجاله قبل أن تحمله و تتوجه إلى المرحاض وسط أنظار الفتاة الغريبة الأطوار و قامت بوضعه في الحوض الكبير و فتحت صنبور المياة بعد أن قامت بجعل درجة حرارتها ملائمة لتقوم بتحميم الطفل و هي تحاول وضع المياة فوق شريانه النابض في رقبته بينما الآخر في فخذه كانت المياة تغطيه كليًا لتمر عدة دقائق حتى بدأ الطفل بالهدوء تدريجيًا و كأن نيرانه بدأت جذوتها بالخمود تدريجيًا حتى أنه بدأ بتحريك ركبته تعبيرًا عن شعوره بالسعادة لفعلتها مما جعل آسيا تهتف من بين أسنانها:
ـ بتضحك! تصدق انك بجح زي أبوك!
كان طفلًا جميلًا حتمًا كانت لتُحبه لو لم يكُن رمزاً لخيانتها، وعند هذه النقطة تصلبت يدها الممسكة بالطفل و كادت أن تُفلته ولكن عينيه الزرقاء الجميلة كانت تنظر إلى داخل عينيها و من ثم اهدتها شفتيه أجمل ابتسامة رأتها في حياتها، لتنتقل إلى شفتيها عدوى ابتسامته، فابتسمت هي الآخرى و اغرورقت عينيها بالعبرات لتهمس قائلة:
ـ أنتِ مش وحشة يا آسيا. مش زي ما هما شايفينك. دا طفل مالوش ذنب و مالوش حد زيك. أقرب ماليه سابه زي ما أقرب ما ليكِ سابك، متتخليش عنه.
كان حديثها ماهو إلا خروج من بقعة مظلمة اجتاحت قلبها دهرًا، و في هذه اللحظة أضاءت، فلطالما سمعت من الجميع كونها شخصًا أناني لا يرى سوى نفسه ولكن ها هي تحمل طفلًا صغيرًا كان وجوده بمثابة انهيار عالمها فوق رأسها، ولكنها لا تشعر نحوه بالكره أو الحقد. على العكس أشفقت على ضعفه وها هي تحاول مساعدته.
ليست سيئة، ولم تكُن بمثل هذه البشاعة التي حاولوا إلصاقها بها.
ابتسمت وهي تنظر إلى الصغير و تلامس جبهته بشفاهها حتى تقيس درجة حرارته، فوجدتها هدأت كثيرًا لتقوم بجذب أحد المحارم الكبيرة و لف جسده بها ثم خرجت إلى الغرفة، فلم تجد الفتاة لتقترب من الدواء الموجود على الطاولة، فقد كانت تعرف أنه خافض للحرارة، فكثيرًا ما كانت تسهر على راحة أطفال شقيقتها حين يمرض أحدهم، فقامت بالتوجه إلى الخارج لتصرخ على الفتاة التي هرولت إليها فقالت آسيا باستفهام:
ـ ما الجرعة المناسبة للصغير! و متى أخذ من هذا الدواء آخر مرة؟
الفتاة بتلعثُم:
ـ منذ أكثر من ثلاث ساعات، و حسنًا الجرعة هي (..).
قامت آسيا بأعطاءه الجرعة التي أخبرتها بها ثم حملت الطفل بحنو و أخذت تقرأ بعض آيات القرآن التي تحفظها، و بداخلها شيء يؤنبها بأنها أهملت حق ربها كثيرًا حتى أنها كانت تتخبط في بعض الآيات التي كانت في السابق تحفظها عن ظهر قلب، وهي آيات الرقية الشرعية..
هدأ الطفل بين يديها، لترفع رأسها وهي تقول باستفهام:
ـ متى موعد وجبته؟
الفتاة بأسف:
ـ لم يتناولاس شيءمنذ أكثر من ثلاث ساعات..
حدجتها آسيا بغضب لتلحق الفتاة نفسها قائلة:
ـ أنه معتاد على تناول الحليب في الليل من السيد كمال، فهو من يسهر به و يطعمه.
تمتمت آسيا حانقة:
ـ قصدك السيد غبي مش السيد كمال..
ـ عفوًا. ماذا تقولين؟
آسيا بلهجة آمرة:
ـ هيا حضري وجبته سينام المسكين وهو جائع لأنك كالبلهاء لا تُجيدين سوى العويل أكثر من الطفل نفسه.
اطاعتها الفتاة بلهفة لتحضر وجبة الحليب الخاصة بالطفل، وتتوجه إلى الأعلى فيما كانت آسيا تطالعه بشيء من الاندهاش من نفسها و من هدوئه بين يديها وقد شعرت بنشوة غريبة كونها شخصًا جيد بالقدر الذي يجعل طفلًا بريئًا في هذا العمر يتمسك بملابسها دون خوف أو شعور بالغربة، فهي المرة الأولى التي تحمله، وهاهو هاديء بين يديها و بدأت حرارته بالعودة تدريجيًا إلى طبيعتها مما جعلها تهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ المفروض اني اكرهك. بس دا محصلش. لاني مش وحشة. أنا النهاردة اكتشفت أن كلهم كانوا بيكذبوا عليا، و بيتهموني بالباطل. أنا عارفة أن عمري ما هسامح أبوك على اللي عمله فيا، و لا قلبي هيصفاله. بس أنا بردو مش بكرهك. انت نقطة فاصلة في حياتي، و زي ما اتسببتلي في ألم ووجع لا يحتمل. النهاردة أنا اكتشفت نفسي على ايدك.
كانت عينيها تذرفان العبرات بغزارة، فقد كانت ضحية لفساد نفوس لوثت قلبها و دنست براءة أحلامها، و قضت عمرًا تتخبط في دروبًا تجهلها. يعج قلبها بالتناقضات ينقسم إلى جحيم يستعر به الشياطين، و آخر تسكن به الملائكة، ولكنها الآن أدركت بأن شيطاينها لم يمحو الجانب الجيد بها، فهي لا تحمل ضغينة لطفلٍا صغير حتى ولو كان ابن غريمتها، و أن ما تكنه من حقدٍ كبير لأولئك الذين آذوها هو ما يستحقونه.
كانت على شفير الإنهيار، فقامت بوضع الطفل في مخدعه وهي تحاول كفكفة عبراتها قبل أن تأمر الفتاة التي تناظرها بفضول:
ـ هيا لتطعميه، و إياكي و أن تتركي حرارته ترتفع مرة آخرى، و إلا فسأحرص على أن تخسري عملك نتيجة إهمالك..
ـ لا سيدتي لن اتركه أقسم. هيا لترتاحي وانا اشكرك كثيرًا.
لم تنتظر آسيا لسماع باقي حديثها بل اندفعت إلى غرفتها وهي تشهق باكية لترتمي بعُنف على مخدعها و جميع العبارات المؤلمة التي تعرضت لها طوال حياتها تنهال على سمعها وكأنها طلقات تتراشق في صدرها، فقد عانت الأمرين فقط لكونها ابنة الخادمة التي لا يجب عليها أن تحلم أو تتمنى حياة سعيدة، تعلم أنها اخطأت ولكنها لم تؤذي أحد عمدًا حتى تلك الكلمات التي خرجت من بين شفاهها ذلك اليوم أمام هذه الحقيرة ميرهان لم تكُن تقصدها.
نعم ضعُفت أمام أنانيتها ولكنها تداركت الأمر و ندمت عليه. بالرغم من كل هذا الدمار الذي ألم بحياتها و كل تلك الصفعات التي تلقتها لكنها اليوم أدركت بأنها شخصًا لم يكُن سيئًا بطبعه، فهناك مشاعر نبيلة تفرض نفسها بقوة على واقعها و جرحها و حتى كرامتها، فاليوم حملت طفلة من اخرى متجاهلة أنين كبريائها الذي لم يردعها عن مساعدته، و في هذه اللحظة خرجت منها تنهيدة قوية شعرت براحة كبيرة بعدها لتكُن آخر شيء تتذكره قبل أن تغُط في نومٍ عميق ايقظها منه في السابعة صباحًا طرقٌ قوي على باب الغرفة جعلها تفتح عينيها بتكاسُل قبل أن تعتدل لتحاول أن تستيقظ كليًا حتى ترى من الطارق و لكنه لم يُمهلها الوقت لذلك فقد تفاجئت بهذا الضخم يقف أمامها بطلته المهيبة و مظهره المُشعث و عينيه الحمراء التي تبدو و كأن النوم لم يزر جفونها ليلة أمس، و لكن مظهره المُشعث لم يردعها عن الصراخ في وجهه بانفعال:
ـ أنت مين سمحلك تفتح الباب قبل ما اديك الأذن لدا؟
ضيق كمال عينيه و هتف ساخطًا:
ـ نعم ياختي..
لم تُمهله الوقت لإكمال جملته إنما قامت بإغلاق الباب في وجهه و اوصدته من الداخل وهي تهتف موبخة:
ـ تاني مرة متتكررش، و ياريت تستنى تحت عشان في كلمتين مهمين لازم تسمعهم مني..
لم يأتيها رد، و لوهلة شعرت بالذُعر من أن يقوم بتحطيم الباب فوق رأسها ولكن لا يهمها فهي وضعت خطًاف فاصلًا بينه وبين خصوصيتها وهذا هو المهم الآن مهما كانت توابعه، لذا و بعد مرور دقائق تأكدت من أنه غادر توجهت الى المرحاض لتأخذ حمام منعش و أنهت روتينها ثم اخرجت ملابس أنثوية جميلة عبارة عن تنورة تصل إلى ركبتها باللون الكريمي و فوقها جاكت من نفس اللون أسفله بلوزة داخلية من اللون الأخضر الداكن الذي تماشى مع لون عينيها هذا الصباح ثم قامت بوضع زينة خفيفة ولكنها تفي بالغرض كثيرًا عززت من جمالها إلى الحد الذي جعله مُشِع مما جعلها تشعر بالثقة لمواجهة ضارية ستخوضها أمامه الآن، و قد كان الحظ في صالحها فهو في اكثر حالاته ضعفًا يحتضن الطفل بحُب و شفتيه تتلوان عبارات الاسف الصادق من بين شفتيه، و رغمًا عنها شعرت بالغيرة تبدأ بغرس أنيابها في صدرها، فلو أحبت الطفل وساعدته ولكنه يبقى طفله من إمرأة آخرى، و في نهاية المطاف قمعت جميع انفعالاتها و حجبت شعورها جيدًا خلف قناع السخرية حين قالت:
ـ بعد كدا لما تقرر تخلف تبقى تسأل نفسك الأول جاهز تكون مسئول عن طفل ولا لا؟
تجاهل سخريتها و قام بوضع قبلة دافئة فوق جبهة الصغير الذي يبدو و كأنه سعيد كثيرًا بوجوده بجانبه، وقد لاقت ابتسامته صدى بداخل قلب آسيا فبالرغم من كل شيء كان طفلًا جميلًا.
ـ لسانك عالصبح..
هدرت الدماء في عروقها وهي تستمع إلى جملته الحادة و نظرته القاتمة لتهتف بسخرية:
ـ لساني عالصبح! طب للمرة التانية و الأخيرة بقولهالك خلي بالك من ابنك عشان أنا مش هربي ولاد حد… ايه دا؟
هكذا شهقت بعّنف وهي ترتد إلى الخلف حين استدار كُليًا فظهر صدره الصلب من ذلك القميص الذي كان مفتوح الأزرار لتشاهد تلك الندبة المريعة التي تشوه جزعه الأيمن، ليقشعر بدنها من مظهرها و خاصةً حين سمعته يهمس بمرارة:
ـ دا حاجة بسيطة من التمن اللي دفعته عشان حبيتك..
تساقطت جميع الأقنعة و تعرت مشاعرها بقوة أمام عينيه لتهتف بأنفاس مقطوعة و عينيه تنذران بهبوب العواصف:
ـ كمال أنت . انت بتقول ايه؟
عدل من وضع قميصه وهو يقول بجفاء:
ـ شكرا عشان اهتميتي بسيف و اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.
كان تركيزها منصبًا على هذه الندبة البشعة و التي من الواضح أنها تشغل مساحة كبيرة من صدره لتمتد يدها رغمًا عنها و تحاول أن تلمسها ولكن كفة القاسي قبض بقوة على كفها قبل أن يصل إلى مبتغاها لتسمعه يقول بتحذير:
ـ اياكِ تعملي كدا.
كلماته و جفاءه اعادوها إلى حالتها الأولى لتحاول جـذب يدها من كفه الخشن وهي تهتف صارخة:
ـ متأمرنيش، و لا أنت بس اللي من حقك تقرب مني غصب عني عادي، و تجوزني غصب عني عادي، و تجبرني اجي اعيش جنبك هنا عادي! انت بس اللي ليك الحق تعمل كل حاجة عادي بس آسيا حرام عليها حتى السؤال.
كانت تتحدث وهو يتقدم إلى غرفته غير مُبالي بحديثها أو هكذا ظنت فحين توقف بمنتصف الغرفة استدار قائلاً بنبرة مُتعبة
ـ معنديش إجابة.
استنكرت حديثه و صاحت غاضبة:
ـ يعني ايه معندكش إجابة؟ بقولك ايه اللي عمل فيك دا؟
نظر إلى أعمق بؤرة في عينيها وهو يقول بنبرة جافة يتساقط منها الألم:
ـ قولتلك دا تمن حبي ليكِ…
كانت الكلمات تقرضها بأنيابها، فكيف هذا هو ثمن عشقه لها لذا لم تتراجع وهتفت مستنكرة:
ـ أيوا يعني ايه؟ مفهمتش..
كمال بجفاء ساخر:
ـ ولا عمرك هتفهمي. عارفة ليه؟ عشان مبتشوفيش غير نفسك بس…
أخطأ هذه المرة أن ظن بأن هذه الكلمات ستؤلمها بعد اليوم لذا هتفت بثقة و أعيُن يلتمع بهم التحدي:
ـ أنا مش أنانية كدا على فكرة…
كمال بسخرية:
ـ قوليلي حاجة واحدة شوفتها منك تثبتلي عكس كدا..
لم يخبو التحدي من صوتها ولكنها أضافت اللامُبالاه إليها حين قالت:
ـ مش ناوية أثبتلك حاجة ولا فارقلي انت شايفني ازاي؟
اقتربت منه وهي تشير بيدها قائلة بقوة:
ـ وعلى فكرة رؤوف مش أول مرة ييجي عندي و اطرده، والمرة دي كان هيبقى مصيره زي المرات اللي فاتت بس كنت مستنية اني يسمع مني اللي يخليه ميرجعش تاني.
توحشت ملامحه وهتف بشراسة:
ـ اسكتي.
عاندته قائلة بقوة:
ـ مش هسكت، و أنت كمان لازم تسمعني. مش فارقلي ايه اللي عمل فيك كدا عشان لو اللي حصلك دا تمن حبي، فأنا دفعت تمن حبي ليك أضعاف و كفرت عن غلطي في حقك بدل المرة ألف. ازاي بقى دي بردو مش مهم تعرفها. اللي مهم تعرفه اني هنا وضعي مؤقت.
أدار رأسه عنها، فحين تأتي عند نقطة دفع الأثمان تتدافع الذكرى إلى عقله و تبدأ الرؤى الموحشة بالعودة من جديد تدعمها شيطاين اختارت من قلبه مدينة تسكنها لتظل تذكره بما حدث بسببها، فتعالت الأصوات في رأسه و عاد بالزمن لاشهر مضت ليجد انثى فاتنة تتشبس برقبته وهي تهمس بتوسل و عينيها تذرفان العبرات بغزارة:
ـ ألا نستحق ليلة تمحو كل ما علِق بقلوبنا من عذاب كمال!
كان يحاول الإبقاء على وعيه قدر الإمكان ليهمس برفض قاطع:
ـ لورا رجاءً لاتفعلي ذلك..
لورا بإصرار:
ـ تحتاجني كمال كما احتاجك. تحتاج أن تدفن اوجاعك بصدر إمرأة مثلي. أنا اعرف كيف امحوها.
أخذ نفسه بصعوبة وهو يقول بتلعثُم جراء ذلك الدوار الذي يكتنفه:
ـ قلبي لا يعرف إمراة سواها. رجاءً ابتعدي..
لورا بحقد و ألم:
ـ أنها خائنة. لا تستحق هذا الوفاء صدقني..
كمال بتعب وقد بدأت الرؤية تتشوش أمامه:
ـ يكفي لا تفعلي ذلك.
لورا بهمسٍ يائس:
ـ إن لم افعل سنموت سويًا ونحن حاملين كل هذا الألم بداخلنا. سنموت ونحن نتألم. سنموت و نحن نتألم..
عاد إلى أرض الواقع وجملتها الأخيرة تتردد في أذنه ورائحة الحريق تملأ رأتيه ليقوم بالالتفات إلى الجهة الاخرى هاربًا من هذه الذكريات التي تكاد تقتله ليجدها تقوم بإمساكه من ذراعه لتجذبه حتى يعيد انظاره إليها هاتفه بملء فمها:
ـ بصلي وأنا بكلمك. أنا لا عمري خنتك ولا هعمل دا عارف ليه؟ عشان أنا شايفة نفسي اغلى و أكبر من كدا بكتير، فلو معين حد يتجسس عليا و يبعتلك أخباري وفر أجرته. لاني مش هعمل حاجة تقلل مني.
كان على شفير الإنهيار لذا تمسك بخيط النظرات الدائرة بينهم، وكأنه يستجدي الرحمة في صمتٍ ليهمس بخفوت:
ـ خلصتي؟
اهتزت نظراتها جراء ذلك الصراع الغريب في عينيه و هذا التعب البادٍ على وجهه لترتجف نبرتها حين قالت:
ـ لسه. أنا ماليش حد غير نفسي. انت وانا دلوقتي شايفين بعض كويس ووجودي معاك هو المحطة اللي قبل الأخيرة. المحطة اللي أنا صابرة فيها بالرغم من كل الشوك اللي في قلبي عشان أقدر أقف على رجلي و اقف في وشك وفي وش أهلي وفي وش المجتمع العقيم اللي أنا عايشة فيه دا واقولكوا أنا مش محتجاكوا في حياتي.
كان صامتًا هادئًا على غير المتوقع منه في هذه اللحظة ولكن هناك شيء يؤلمها بقوة كلنا تعمقت بعينيه، و بالرغم من ذلك فقد ارادت أن تكن واضحة معه، وهذا هو النهج الذي ستسير عليه حياتها بداية من هذه اللحظة لتقول بنبرة تتضمن كل معاني الألم و الإصرار:
ـ و حط في بالك اني معنديش رفاهية الهروب زيك. طول عمري الدنيا بتحطني في وش المدفع و تربط ايدي و رجلي وانا مطلوب مني أواجه بس، فأنا واقفة قدامك أهو وبقولك في يوم من الأيام هتلاقيني جاية أقولك خلاص رحلتك انتهت من حياتي. حبيت بس انبهك عشان متجيش تقول اني استغليتك تاني.
لم تكُن تساعده، ولم يكُن يريد أن يؤذيها يكفي ما حدث البارحة، ويكفي ما يُعانية من صراع داخلي سيقتله و خارجي سيُذهب عقله لذا هتف بنبرة جافة:
ـ خلصتي؟
ـ خلصت.
ألقت جملتها في وجهه و التفتت تنوي المغادرة لتوقفها كلمته الحادة حين قال:
ـ استني.
توقفت في مكانها ليهتف بنبرة جافة:
ـ في حراسة عليكِ في كل مكان حتى وأنتِ في أوضتك قولت اعرفك عشان تضيفيها لقايمة الحاجات اللي مضطرة تتحمليها لحد ما تمشي من هنا.
لم تحتمل ما سمعته لتستدير قائلة باستنكار:
ـ ايه العبث دا؟ حراسة عليا ليه أن شاء الله ؟
كمال باختصار:
ـ من غير ليه..
صاحت بهياج:
ـ مفيش حاجة اسمها كدا كل حاجة ليها سبب معين عليا حراسة ليه؟
ضاق ذرعًا من هذا الجدال العقيم و بدأ حبل الصبر بالإنفلات من بين يديه مما جعله يهتف بسخرية قاسية:
ـ عشان يحرسوا جمال خطوتك دا سؤال!
اغتاظت منه لتهتف باندفاع:
ـ دمك سم..
زمجر كمال مُحذرًا:
ـ لسانك لو طول هقطعهولك قولت.
افزعتها كلماته ولكنها لازال تقاوم لتقول بغضب:
ـ وانا قولتلك متقدرش. جاوبني قولي معين عليا حراسة ليه؟
اختصر حديثه قائلاً بنفاذ صبر:
ـ عشان العيلة كلها في خطر .
تشدقت ساخرة:
ـ يا فرحة قلبي والله دا احلى خبر سمعته. أيه دا يعني أشجان في خطر هي والاولاد ؟
قالت جملتها الأخيرة بفزع بعد أن تذكرت شقيقتها و طفليها ليُجيبها بجمود:
ـ خالد مأمن كل حاجة كويس بس بردو لازم نكون حذرين..
تحمحمت قبل أن تقول بصلابة:
ـ أنا أقدر ادافع عن نفسي كويس خلي الحراسة دي تقعد جنبك، و ياريت تحرمني من شرف زيارة تانية لشغلي مش عايزة بلاوي ولا فضايح اكتر من كدا.
استدار يخلع بنطاله بلامُبالاة وهو يقول بجفاء:
ـ خدي الباب في إيدك…
غادرت و هي تسُبه بكل أنواع السُباب ذلك الوقح المتغطرس لتتفاجيء من تلك المربية البلهاء تقول بابتسامة عريضة:
ـسيدة آسيا لقد أحضرت طعام الإفطار.
هذا ما كان ينقصها. مربية حمقاء تخبرها بعد كل هذه المشاحنات أن الطعام جاهز! هتفت آسيا بنبرة ساخرة عالية حتى يسمعها جيدًا:
ـ حبيبتي لست فرداً من هذا البيت حتى اجلس على المائدة و أتناول طعام الإفطار براحة. تستطيعين انتظار ذلك الدب ذو الرأس الكبير الفارغ كليًا من العقل ليأتي و يتناول الإفطار برفقتك.
ما أن أنهت جملتها حتى اندفعت إلى الخارج تلعن هذا البيت و ساكنيه….
استغفرك ربي و اتوب إليك ♥️
★★★★★★★★★
ـ يالا ياختي انتِ وهي طرقونا. وصلتوا العروسة بيت عدلها.. يالا بقى من غير مطرود..
هكذا هتفت عنايات بسماجة إلى النساء المتشحات السواد وهي تدخل فريسة أخرى إلى عرين ذلك الوحش العاجز لتفاجئها تلك المرأة المستديرة الحجم حين شهقت بعُنف:
ـ كلام ايه دا يا ست عنايات؟ نمشي دا ايه ياختي؟ لااااا احنا منمشيش غير لما نطمن على بنتنا. اومال ايه؟ دي عوايدنا..
بهتت ملامح عنايات من حديث المرأة و ذهب اللون من وجهها ولكنها حاولت الثبات قائلة:
ـ جرى اي يا نبوية؟ أنتِ بتقولي ايه؟ مش واثقة في بتك ولا ايه؟ يالا يا ولية بلاش عبط..
نبوية برفض قاطع:
ـ عبط! عبط دا ايه يا ست عنايات ؟! أنتِ هتصغرينا وسط الخلق ولا ايه؟ الرجالة اللي تحت دي بايته هنا قدام البيت لحد ما تطلعولنا المعلوم، و الحارة كلها تشهد أن بت نبوية صاغ سليم…
تناحرت الأنفاس بصدرها و شعرت بأنها على وشك السقوط من فرط الذعر، فهاهو مخططها يكاد ينفضح و لا تعلم كيف السبيل الى إنقاذ سمعة ولدها الذي لابد و أنه يرتعب في الداخل من سماعه لهذه الكلمات، فحاولت أن تتحلى بالصبر لتقترب من المرأة وهي تقول في أذنها:
ـ يا بت بطلي هبل. بتك لسه صغيرة، وعايزة محايله عشان متتعبش ولا يجرالها حاجة.
نبوية بصياح:
ـ لا ياختي. بتي فاهمة كل حاجة كويس. ليه هو أنا هبلة أجوزها على عماها. همتك بس دخليها لعريسها ومتقلقيش عليها خلي الرجالة ترفع راسها في وسط الناس..
لم تجد أمامها مفر من إدخال العروس إلى الداخل لتجد ولدها يقف كالمذعور خلف الباب يختلس النظرات إليها وقد كان يرتعب مما سمعه لتهتف عنايات بسماجة:
ـ ادخلي ياختي أوضتك امك دي أصل عقلها فارغ..
دلفت العروس إلى الداخل لتقترب من الغرفة الآخرى وتغلق الباب خلفها لتحاول طمأنه ولدها قائلة:
ـ أهدى يا قلب أمك. انت اشرب الإزازة اللي الشيخ ادهالك دي اللي فيها الشفا، و أن شاء الله كل حاجة هتبقى عال، و هنصرف الغجر اللي تحت دول، و ندرًا عليا لهخليها بعد كدا تبقى ممسحة لجزمتك بت نبوية الكلب..
طاوعها وهو يرتجف ليقترب من الغرفة، و يدلف إلى الداخل ليجد الفتاة بانتظاره كانت جميلة وصغيرة و ابتسامتها رائعة و مغوية ذات جسد فاتن لكنه لا يُحرِك به ساكنًا، بل على العكس شعر بالخوف منها و خاصةً حين سمعها تقول بدلال:
ـ قرب يارأفت أنت مكسوف ولا ايه؟
أراد التحدث فخانته الكلمات ليتنحنح وهو يحاول إخراج صوته:
ـ لا. مكسوف من ايه؟ أنتِ عبيطة؟ أنتِ اللي مكسوفة يالا عشان تنامي..
تفاجيء حين اقتربت منه الفتاة وهي تقول بجرأة:
ـ لا مش مكسوفة. انت جوزي و حبيبي و مفيش بيننا كسوف الليلادي…
كان يرتعب من انكشاف أمره، فهذه الفتاة ليست غنى تلك العصفورة الصغيرة التي كانت ترتجف ذات يوم خائفة منه، وقد استغل ضعفها و خوفها ليبثها أسوأ ما فيه و يخرج بها عجزه ولم يرحم برائتها لتنقلب الأدوار و يكون هو المذعور الآن من هذه الفتاة و أهلها القابعين في الخارج
ـ ايه يا رأفت؟ قرب مني خايف ولا اي؟
رأفت بارتباك:
ـ خايف من ايه يا بت يا قليلة الأدب أنتِ! ما تتلمي..
تجاهلت الفتاة حديثه و اقتربت تمسكه من ياقة قميصه وهي تقول بدلال:
ـ تعالى يا حبيبي…
كانت عنايات تقف في الخارج و الرعب يكتنفها بل و يكاد يقيد أنفاسها مما قد يحدُث في الداخل خاصةً وهي ترى نظرات النساء الحادة لتشعر بأن القادم سيء و سرعان ما تجمدت أوصالها حين سمعت صراخ الفتاة من الداخل و استنجادها بأهلها ووووو
