رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع والعشرون
أحبك.. بقدر ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ تعجز عن وصفها عدة حروف صماء. أحتاجك.. بقدر حاجة الغريق لأنفاسٍ أخيرة تعيد إليه الروح من جديد. حاجة ليس فيها ترف أو رفاهية، بل هي ضرورة للبقاء على قيد الحياة. أشتاقك.. بقدر لهفة الأرض الظمأى لقطرة مطر تعانقها وتروي عطش سنينها العجاف. أفتقدك.. بقدر ذلك الفراغ المُوحش الذي يتركه الراحلون في قلوب المُدن المهجورة، حيث لا يزال صدى وجودهم يئن في كل زاوية.. و أتمناك بقدر كل هؤلاء، لكني أحترق بكل هذه المشاعر بأمرٍ من كبريائي الذي هو القاضي والجلاد، لذا ستراني أمامك بكامل ثباتي المُزيف بينما مُدني تتداعي من الداخل و تنهار جميع حصوني وأنا أراقبك بصمتٍ يقتلني قبل أن يقتلك، و سأُمارس معك طقوس الغياب باحترافية بينما أنا غارق في تفاصيلك بكل ذرةٍ من كياني. أتعلم؟ أنه شعور يُشبه العجز. أن يكُن قلبي بين راحة يديك، و لساني مُقيد بسلاسل حمقاء تمنعني حتى من قول صباح الخير. لأجعلك تظن بأنني لا أراك بينما عيناي لا ترى من هذا العالم سوى عيناك، فبالنسبة إلي الموت في فخ الكبرياء أهون من أن أمُد يدي طالبًا قربك. هكذا أحببتك و هكذا سأفقدك. أو ربما سأنجح يومًا في الهرب من بين براثنه و تراني أخبرك صباح الخير أنا أُحِبُك..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
فزعت عنايات وهوى قلبها بين ضلوعها حين سمعت صوت صُراخ الفتاة لتندفع إلى الداخل وخلفها نبوية و من معها من النساء لتحاول إيقافهن قائلة بصراخ:
ـ راحة فين منك ليها؟ هي وكالة من غير بواب؟
نبوية بسوقية:
ـ نعم يادلعادي! وكالة ايه و بواب أيه؟ هي اللي بتصوت جوا دي كلبة! دي بتي اوعي كدا من وشي.
قالت جملتها و دفعت عنايات من أمامها وهي تصرخ في النساء خلفها:
ـ ورايا يا نسوان..
اندفعت النساء خلفها لتقوم بفتح باب الغرفة لتُصدم حين رأت ابنتها التي كانت تُمسِك السكين و توجهه ناحية رأفت و هي تصرخ قائلة:
ـ الحقيني ياما.
نبوية بلهفة:
ـ في ايه يابت؟ و ماسكة السكينة لجوزك كدا ليه؟
الفتاة رحمة بعويل:
ـ جوزي ايه؟ دا جوز جزمة. دا شكله مش نافع في حاجة ولما اتكشف على حقيقته ضربني و كان عايز يخنقني..
كانت أثر أصابع رأفت على وجهها و آثار حمراء حول رقبتها لتضرب نبوية على صدرها بشهقة قوية:
ـ يا نهارك مش فايت! بتضرب البت يا خايب يا نايب! دانا هخلي فضيحتك بجلاجل النهاردة، و هخلي اللي مايشتري يتفرج عليك..
دلفت عنايات الى داخل الغرفة لتجد رأفت يرتجف من الذعر الذي حاول إخفائه وهو يوجه اتهامات بشعة إلى الفتاة:
ـ فضيحة مين يا ولية أنتِ لمي بنتك الصايعة.. البت دي مش بنت اصلا، وجايين تلبسوهالي.
لطمت عنايات خدها من حديثه الذي تعلم توابعه لتصرخ نبوية بصوت جهوري:
ـ اخرس قطع لسانك. طب وحياة مقاصيصي دي لهخلي كل حاجة على عينك يا تاجر.. بت يا رباب اجري أندهي عمك عباس، و عمك رمضان خلينا الد…خلة هتبقى بلدي و يانا يا انتوا النهاردة.
تدخلت عنايات على الفور لتحاول تدارك الأمر قائلة:
ـ أيه يا نبوية في ايه؟ أنتِ مش عاملة احترام لحد ليه؟ ما تتهدي شوية البيت دا له كبير. بلدي ايه و زفت ايه؟ في واحدة تعمل كدا في بتها؟
نبوية بحدة:
ـ بتي وانا حرة فيها، واللي ابنك قاله دا هيدفع تمنه يا عنيا. ماهو مش كل الطير اللي يتاكل لحمه..
عنايات في محاولة لتهدئتها:
ـ وهو حد يقدر يقول غير كدا! متاخديش لرأفت على كلام. ما أنتِ عارفة الرجالة لما بتتعصب..
نبوية بصراخ:
ـ أنتِ فكراني عبيطة و هتضحكي عليا بكلمتين رجالة ايه و زفت ايه. دا بيتهم بتي في شرفها، و بعدين هي فين الرجولة دي ؟ البت بتقولك ضربها و معرفش يتنيل على عينه. لا انا الفار بيلعب في عبي، ويمين بالله ما هعدي اللي حصل ولازمن كل حاجة تبقى على المكشوف.
سمعوا صوت حمحمة في الخارج تلاها نداء غليظ من المدعو عباس:
ـ يارب يا ساتر….
نبوية بلهفة:
ـ يا معلم عباس. انجدنا ياخويا. تعالى شوف اللي بيحصل في بتك.
دلف عباس إلى الداخل فوجد ابنته بخدها المحمر و شعرها المُبعثر تقف خلف والدتها و رأفت يقف في آخر الغرفة و على وجهه إمارات الذُعر ليهتف عباس بجهامة:
ـ في ايه يا ولية؟
نبوية بسخط:
ـ البيه ضرب البت و كان بيخنقها و لحد دلوقتي متممش الجوازة و بيقولي بتك مش بت بنوت، يرضيك اللي حصل دا؟
عباس بغضب:
ـ لا طبعا ميرضنيش! انت بتقول ايه يا جدع انت؟ بتي أشرف من الشرف..
عنايات بلهفة:
ـ طبعا يا معلم عباس ولو مكنتش كدا مكنتش جيت خطبتهاله. رأفت بس اتعصب و الكلام خرج منه غصب عنه..
نبوية بحدة:
ـ لا يا عنيا الكلام دا مفهوش غصب كله إلا الشرف، و بصريح العبارة كدا. احنا سامعين كلام مش ولا بد على المحروس ابنك، وعايزين نتأكد أه. ما احنا مش هنرمي بتنا..
عنايات بانفعال:
ـ قطع لسان اللي يقول على ابني أي حرف.
نبوية بلهفة:
ـ حلوو. أهو احنا بقى عايزين نقطع لسنه الناس وعشان كدا لازمن كل حاجة تبقى على المكشوف. كدا ولا ايه يا معلم عباس؟!
عباس بغلظة:
ـ عداكي العيب يا أم رحمة. اسمعي يا ست عنايات احنا ناس لامؤاخذة منعرفش اللوع و محليتناش إلا شرفنا، و بصريح العبارة الليلة دي مش مريحانا. أنا عم البت وبقولك لازمن الناس كلها تشوف أن بت أخويا شريفة، وإن ابنك صاغ سليم، يا كدا يا هيبقى فيه كلام تاني، و كلام مش هيعجبكوا. قولتي ايه؟
هوى قلبها بين ذراعيها والتفتت تنظر إلى رأفت الذي كان يرتجف و عينيه ترفضان هذا الاقتراح الذي سيكشف عن نقصه المريع و سيِظهر عجزه المُخجل، ولا يعلم لما تذكر غنى في هذه اللحظة تلك الفتاة التي ذبحها في ذلك اليوم و أجهز على جسدها مُشبعًا أياه ضربًا ولم يرحم ضعفها و الآن تبدلت الأماكن و أصبح هو في موقف الضعف و لن يجد من يرحمه حتى والدته لن تستطِع مساعدته، فقد كانت تقف أمام زوج من العيون التي تحمل قسوة مريعة غلبت قسوتها و تجبرها، لتجد نفسها تُذعِن لإقتراحهم ليلتفت عباس قائلاً لنبوية:
ـ أنا هستناكي بره. تخلصي و تطلعي تديني الأمارة..
نبوية بلهفة:
ـ عيني ياخويا…
ـ يالا ياختي خدي بتك اغسليلها وشها كدا و خليها تفوق و تفتح نفس جوزها. دا شيطان والله وعين عين مصلتش على النبي…
هكذا تحدثت عنايات إلى نبوية قبل أن تقترب من رأفت لتقول برفق:
ـ ادخل الحمام خد الحبوب دي و خلي عندك ثقة في نفسك. انت كويس مش فيك حاجة.
رأفت بهمس و العرق يتصبب من جبينه:
ـ أنا. أنا عايز امشي. مش هعرف. اطرديهم. هموتهم كلهم..
همست عنايات بتحذير:
ـ قولتلك متخافش. خد الشريط دا و ادخل الحمام خد منه حباية و أن شاء الله هتبقى زي الفل. اسمع كلام أمك..
أخذ منها الشريط وأخفاه في ملابسه ليدلف إلى الحمام و أنفاسه الهائجة جعلت صدره يعلو و يهبط بعُنف و أنظاره تتفرق ما بين صورته في المرآه وبين الشريط في يده. ليقوم بإخراج حبة ليتناولها و سرعان ما عادت إلى ذاكرته تلك اللحظات العصيبة التي مرت منذ دقائق ليقوم بإفراغ أربع حبات من الشريط و يبتلعهم دفعةٍ واحدة دون أن يعي ماذا يفعل كل ما يريده أن يمر هذا الأمر دون أن يتعرى ضعفه و عجزه أمامهم، فأخذت العبرات تنهمر من عينيه وعقله يعيد إليه تلك الذكرى البعيدة لهذه الفتاة التي أخذ يُفرغ بها عجزه و ضعفه و يُكيل لها الضربات و اللكمات حتى هدأت ثورته، و الآن يكاد يقتله الغيظ ولا يستطِع حتى أخذ أنفاسه، فكيف إذا لم يستطِع فعلها؟ هل سيتوسل لهم إخفاء تلك الفضيحة؟ ماذا سيحدُث؟ لا يعلم يرتعب من فتح هذا الباب. مثلما كانت ترتعب غنى من فتحه ذات يوم حتى لا تسقط فريسة بيه يديه. هو الآن الفريسة وليس الجلاد. الآن هو المرتعب. الآن خابر شعورها جيدًا ولكم كان قاسي هذا الشعور يتقدم خطوة و يتراجع آخرى. يود لو أن يهدم هذه الجدران و يلوذ بالفرار من بين براثنهم مثلما تمنت غنى ذات يوم، ولكن استحالت تحقيق أمنيتها كما يستحيل تحقيق أمنيته، فقد سمع طرق قوي على باب المرحاض و نبوية تقول بتهكم:
ـ ما تيالا ياسيد الرجالة هتنام جوا ولا ايه؟
على تنفسه أكثر و شعر بأن قلبه على وشك التوقف، فقد كان أخذ جرعة مضاعفة من الدواء المنشط الذي أعطته والدته، دون النظر إلى توابع ذلك، ولكنه لم يكن يهتم يريد النجاة ولو كان ثمنها حياته تمامًا كما فعلت غنى يوم أن أحرقت المنزل لتنجو، فقد أحرق روحه الآن و بدأ مفعول الجرعة الزائدة بالظهور ليشعر بدقات قلبه تزداد و بدأ الألم بالزحف إلى صدره، مما جعل رعشة قوية تصيب جسده ليمتد كفه المنتفض و يفتح الباب ليجد عينين تطالعه بسخرية جعلت رجفة جسده تتضاعف و بدأت حبات العرق بالتشكل فوق جبينه ليتقدم إلى منتصف الغرفة، فرأى رحمة تتسطح على السرير و على اليمين تقف عنايات و على اليسار تقف نبوية و جميع الأعيُن تطالعه بترقب بينما هو يشعر بألم قاتل يجتاح صدره و يتجلى بوضوح فوق معالمه حتى تجعدت بقوة مما جعل عنايات تقترب منه قائلة بلهفة:
ـ مالك يا رأفت ؟ في أيه؟
رفع رأسه يطالعها بلوم و هو عاجز حتى عن النطق، ليرفع يده الممسكة بالشريط لترتعب حين وجدته قد أخذ خمس حبات دفعةٍ واحدة لتصرخ بذُعر:
ـ يا نهار أسود! انت خدت كل دول ؟
لطمت خدها بعُنف وهي ترى ملامحه و شحوب لونه و ألمه الكبير لتصرخ بعويل:
ـ أنا قولتلك واحدة. قولتلك واحدة بس يا رأفت…
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يضع يده فوق قلبه وهو يصرخ من شدة الألم ليسقط بين يديها وهي تصرخ بملء فمها:
ـ رأفت…
سقط رأفت أرضًا وهو يتألم و يحاول أخذ أنفاسه و ملامحه توحي بمدى ألمه لتصرخ عنايات بقهر:
ـ الحقونا. حد يطلب الدكتور.
اخذت تصرخ بعُنف وهي تلطم خديها لتحدث حالة من الهرج والمرج حولها، و فجأة صمتت كل الأصوات و كأنها أصبحت في معزل عن العالم حين وجدت جسده يسكن بين يديها دون حِراك وإمارات الفزع بادية على وجهه متمثلة في عينيه التي كانت جاحظة بشكل مرعب لتُدرِك بأنه قد فارق الحياة، و هنا لم تستطِع سوى أن تنوح بصوت اهتزت لها الجدران..
ـ ابننني…..
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين❤️
★★★★★★★★
ـ أنت عتجول ايه يا رحيم ؟ مين دي اللي بت رماح؟
اعتدل رحيم وهو يناظرها قائلًا بلهفة:
ـ اسمعيني يا عمة. نچاة متعرِفش رماح ولا اتربت وياه. نچاة مش شبهه ولا زيه.
صافية بتهكم:
ـ اومال شبه مين إياك؟ نانسي عچرم! بته من لحمه و من دمه يعني وارثه منِه هو العيل بيطلع لمين إياك!
رماح بنفاذ صبر:
ـ يا عمه اسمعيني.. جولتلك معاشتش وياه ولا تِعرفه. دي جصتها واعرة جوي. اسمعيها اللول..
صافية بسخرية:
ـ اشچيني يا جلب عمتك..
زفر رحيم بحدة قبل أن يخبرها ماحدث معه و معها. قص عليها الأمر برمته لم يخفي عنها شيئًا، فقد كان يود أن يُسقِط كل هذه الاحمال من فوق كاهله يريد أن يستمع إلى رأيها، فقد كان يتمنى لو يرشده أحدهم إلى الصواب يشعر بالتعب المُضني الذي يجتاح قبله و عقله معًا، و لذلك اختتم حديثه قائلاً:
ـ انا عارف انك مش ظالمه، و حكيتلك كل اللي في جلبي مش عشان اخليها تصعب عليكِ لاه. عشان محتاچ اسمع كلمة تريحني. محتاچ أعرِف أني صح ولا غلط. محتاچ أشوف الحجيجة في عيون حد بيخاف عليا و بيحبني. اني معنديش حد غيرك يا عمة أجدر أبكي في حضنه من غير خچل..
كان يتحدث و عينيه تذرفان عبرات غزيرة كان احتفظ بهم لسنوات مما جعل قلبها يرق لأجله و تشاطره لحظات ضعفه لتبكي هي الآخرى بينما يديها تمحو عبراته وهي تداعبه قائلة:
ـ أجولك ايه يا أذكى اخواتك أنت. يعني خلصت من بنت الحية و رايح تتچوز بنت التعبان! من ريما لمشكاح يا جلبي لا تحزن..
نجحت كلماتها في انتزاع ضحكته من قلب الوجع ليُقهقه بقوة على حديثها وهو يقول بخشونة:
ـ ضحكتيني يا صافية، واني في عز وچعي. لساتك دمك خفيف كيف ما كنتي..
صافية بحدة مُفتعلة:
ـ صافية وتد بنت وتد. فكرك حاچة تجدر تجصر فيها ولا اي؟ احنا الوتايدة نمشوا الچن على هوانا. بالك أنت عمتك جعدت السنين دي كلاتها مع التعبان ده كيف؟ داني كنت بلففه حوالين نفسه كيف المخبول، ولا عرِف يطول مني صباع حتى.
ضحك رحيم بقوة قبل أن يقول بمزاح:
ـ والله ما أنتِ جليلة أبدًا. المهم جوليلي رأيك اي؟
صافية بتعقل:
ـ رأيي هجوله لما اعاشرها. لو بت رماح أني اللي هاخدها بيدي واطلعها من حياتك. لأن نسل رماح مبيچيش من وراه خير.. لكن لو لجيتها كيف ما بتجول. أني بيدي اللي هخدها في حضني.
كان قلبه يرفض أن يحدث أي شيء يمكن أن يفرقها عنه ولكنها كانت محقة لكنه قال بتحذير:
ـ واني موافج. بس خلي بالك. لحد ما تتوكدي من معدنها اوعاكي تزعليها. او تدوسيلها على طرف. دي مرتي يا عمة، واني جلبي بيجولي أنها مش عفشة زييه.
رفعت يدها لتربت على كتفه وهي تقول بحنو:
ـ متجلجش. أني عارفة هتعامل معاها كيف. بس انت لازمن تعرِف و تحط ده في عجلك. أن رماح مش هيسكت، و بدل عارف بوچودها هيحاول يجرب منِها مش حب فيها ولا عشان بته. لاه. ده عشان مصلحته. متخليش العشج يعمي عنيك. حرِس من عدوك مرة و من حبيبك ألف..
كلماتها أضاءت في عقله أفكار كثيرة لم تكُن غائبة ولكنه كان يرفض التطرق إليها ليستمع إلى صافية وهي تقول:
ـ احميها منيه و من نفسها لو كانت تعز عليك، واني عن نفسي لازمن أعرِفها نوعه كويس. عشان لما تجع الفاس في الراس متچيش تجول محدش عرفني.
رحيم باختصار:
ـ عندك حق….
سمعوا طرق خافت على بابا الغرفة، فالتفت رحيم سامحًا للطارق بالدلوف إلى داخل الغرفة ليجد نجاة تطل برأسها من الباب فابتهج قلبه رغمًا عنه، فقد أعطى الأمر للخادمة بأن تخبرها اللحاق به إلى هنا وها هي أطلت عليهم بجمالها الآخاذ الذي يجعل نجوم الحب تلمع في سماء عينيه، وقد لاحظت ذلك صافية التي ضيقت عينيها وهي تناظر نجاة بتقييم أشعر الأخيرة بالإرتباك مما جعل نبرتها مُرتعشة حين قالت:
ـ مساء الخير . كيفك يا عمة؟
صافية بنبرة هادئة:
ـ بخير يا بتي. تعالي اجعدي.. اتوحشتي چوزك ولا ايه؟
قالت جملتها الأخيرة بمكر وهي ترصد انفعالاتها لترى الخجل يخيم على ملامحها و الارتباك يسيطر على نبرتها وهي تجيبها بلهفة:
ـ لاه. متوحشتوش. اجصد. يعني. الخدامة جالتلي أچي على هنه…
هزت صافية رأسها وهي تتمتم بخفوت:
ـ مش هلالية لاه.. جربي يا هبلة أهنه. في واحدة تكون متچوزة الجمر ده و ميوحشهاش. لاه. دانتي عايزة جرصة ودن تفوجك باين .
امتقع وجه نجاة و استمتع رحيم كثيرًا بما يراه، فقد شعر بأنها نالت رضا صافية ليتدخل في لعبتها قائلاً:
ـ يرضيكِ يا صافية بتجولها أكده في وشي؟
صافية بمكر:
ـ سيبك من حديت اللسان يا ولدي. ده كذاب خلينا في حديت العيون. شوف عينيها بتجولك ايه و اسمعه ؟
اغتاظت نجاة من حديثهم كثيرًا و خاصةً حين سمعت رحيم يقول بتخابُث وعينيه تشتبك مع خاصتها في حديث خاص:
ـ تصدجي عندك حج. أني بعد أكده مش هسمع غير ليهم.
نجاة بسخط:
ـ ليه خُرص اومال! هنجضيها بص في عيون بعضينا ولا اي؟
تفاجئت صافية من حديثها العفوي لتبتسم قائلة:
ـ العنين بتبص عالقلب يا نچاة. لو عايز تعرِف اللي قدامك جلبه فيه ايه! بص في عنيه..
نجاة بجمود:
ـ مش كل الناس. في ناس بتعرِف تكذب وهي عينيها في عنيكي يا عمة.
صافية بهدوء:
ـ يوبجى العيب فينا. العين اللي بتكذب مبتجدرش تواچه ولو واچهت توبجى كاسرة العين اللي جدامها أو عارفة أن العين دي عاميها الحب و مخليها مشيفاش الكذب.
اخترقت كلماتها رأس نجاة التي تقازفت دقات قلبها رعبًا من أن تكن هي المقصودة فضميرها لا ينفك يؤنبها على إخفائها مكالمات والدها عنه، ولكنها لا تخفي لأنها سيئة بل لأنها لا تعلم من المُحِق ومن المُخطيء؟ قلبها يخبرها شيء و عقلها يطالب بدلائل ملموسة حتى يسلم رايته هو الآخر. تتعلق بخيط والدتها، فهي الوحيدة التي ستعرف منها الإجابة، ولا شيء يقودها إليه.
كانت صافية تقيم ملامح نجاة و انفعالاتها جيدًا لتقرر قطع دائرة أفكارها وهي تقول:
ـ بجولكوا أيه اني زهجت من الجاعدة أهنه. عايزة اشم هوى يالا بينا ننزلوا نشوفوا الناس اللي بره دي هتعمل ايه؟
كانت عيني رحيم لاتزال مُثبته على نجاة و داخله يتضرع إلى الله أن يخطيء ظنه و ألا تكُن يد هذا الرجل طالتها، ولكنه لم يفصح عن شيء بل قال بنبرة خشنة:
ـ جومي بينا ننزل يا عمة أساسي مفاچأة زينة جوي مستنياكي تحت..
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي". ❤️
★★★★★★★★★
كان الجميع في غرفة الجلوس حين بدأ خالد بالحديث موجهًا حديثه إلى أشجان قائلًا بنبرة خشنة:
ـ أشجان عايزك تدي أمر للخدم يجهزوا الفيلا اللي بتطل على الاسطبل.
تنبه الجميع لحديثه، و خاصةً نبيلة التي كانت تشعر بأن هناك خطبًا ما حين أخبرتها الخادمة بأن خالد يريد أن يتناول الجميع العشاء سويًا في القصر لتتحفز جميع حواسها حين سمعت حديثه و إجابة أشجان التي قالت بهدوء:
ـ حاضر.
نبيلة باستفهام:
ـ ليه عايزهم يجهزوها يا خالد؟ دي مقفوله من زمان أوي…
خالد بنبرة خشنة:
ـ مقفولة من وقت ما صاحبها مات…
نبيلة باستفهام:
ـ و مين صاحبها ؟
خالد بجفاء:
ـ جدك محمود. نسيتي ولا ايه؟
بدأت الأفكار بالزحف إلى عقلها لتقول بنبرة ساخطة:
ـ جدي محمود ولا جدي منير؟!
صافية بجمود:
ـ اللتنين واحد يا نبيلة. كنك نسيتي زمان ولا ايه؟
نبيلة بجفاء:
ـ لا منستش، و دا اللي مخليني مستغربة و مستغربة اكتر وانا شيفاكي.
ضيق خالد عينيه قبل أن يقول بصرامة اجفلتها:
ـ و هتستغربي أكتر لما تعرفي أن ورث عمي محمود كله هيروح لياسر و أخواته.
هبت نبيلة من مكانها وهي تقول باستنكار:
ـ أيه؟
خالد بقسوة:
ـ اللي سمعتيه. عم ربيع الله يرحمه اتظلم، و اتنفى و خسر أرضه و ماله، و اتهموه في جريمةمعملهاش و احنا عرفنا مين اللي عمل كدا و صافية قدامك اهي. يبقى الحق يرجع لصحابه.
نبيلة بانفعال:
ـ أنت كدا بتاخد الحق من صحابه. أنا معرفش ايه اللي حصل مع صافية و ميهمنيش اعرف. بس اللي اعرفه ان دا حقنا، و الأملاك في البلد وهنا وحتى الأرض دي وكل اللي حواليها من فلوس جدي منير. اللي سابها لبابا الله يرحمه و عمي رجب ابو رحيم و عمي خلف ابو مطاوع و حنان الله يرحمها، و جدي منير قسم كل حاجة قبل ما يموت وكل واحد في دول خد حقه. منين بقى طلعتلي بعمي محمود و ياسر و أخواته!
كان الهواء ساخنًا حولهم و الجميع متحفز من رد فعل خالد الذي كانت ملامحه لا تنذر بالخير أبدًا و عينيه تشملان نبيلة بنظرات حادة وهو يُجيبها بنبرة صارمة تفي بأن صبره على وشك النفاذ:
ـ من غير كلام كتير أنتِ سمعتي اللي أنا قولته واللي هيحصل. رأيك تقدري تحتفظي بيه لنفسك.
نبيلة بانفعال:
ـ بس أنا شايفة أن دا….
قاطعها خالد بنبرة حادة وعينين تطلقان تحذيرًا لا يُمكن تجاهله:
ـ وفري اللي شيفاه لنفسك. أنا مطرحتش الموضوع للنقاش عشان تقولي رأيك. أنا قولت الحق هيرجع لصحابه. عجبك أو لا ميهمنيش.
شعرت بالغضب يفترسها لتهتف بانفعال:
ـ بس دا ظلم. أنهم ييجوا ياخدوا حقنا على الجاهز؟ كدا ولا لا يا رحيم..
تبادل كُلًا من خالد و رحيم النظرات ليقول الأخير بجفاء:
ـ لاااه. الظلم يا بت عمي أننا ناكل حق الغلابة. عمي ربيع اتظلم و اتشرد هو و عياله، و اتفرج عن أهله وناسه، نوبجى ظالمين لو مرچعناش الحج لعياله بعد ما ظهرت براءة أبوهم..
نبيلة بغضب:
ـ طيب ما تعرفونا بقى أثبتوا براءته ازاي؟ و الست صافية اللي ظهرتلنا بعد سنين واحنا مفكرينها ميتة دي طلعت منين هي كمان؟
هتف خالد بنبرة افزعتها:
ـ ميخصكيش، و اعرفي حدودك كويس.
نبيلة بانفعال:
ـ أنا اكبر منك لو كنت مش واخد بالك يا خالد، و مع ذلك بكبرك و بسمع كلامك عشان انت كبير العيلة لكن انا من حقي أفهم، انت بتتكلم في نص التركة! مش شوية فكة، و كمان كمال مش موجود ياترى هو موافق على الكلام دا؟
خالد بجفاء:
ـ حلو انك عارفة انك الكبيرة. ياريت تتعاملي على انك كبيرة فعلًا، و بالنسبة لكمال فبلاش أنتِ بالذات تتكلمي عنه.
تدخلت ميرهان في الحديث قائلة:
ـ ما علينا من أبية كمال. طب وأنا! مانا كمان مش موافقة الناس دي تاخد ورثي..
ابتسم خالد بسخرية قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ ورثك أنتِ وهي ابوكوا الله يرحمه مقسمة من قبل ما يموت وانتوا عارفين دا.
نبيلة بذعر:
ـ بس دا ميرضيش ربنا، وانت قولت مش هظلمكوا و هديكوا حقكوا بما يرضي الله.
خالد بنبرة خشنة لاتخلو من المكر:
ـ حصل. بس المباديء مبتتجزأش يا نبيلة، وزي ما رفضت أن أبوكي يظلمكوا مش هظلم ولاد عمك، وكل واحد فيهم هياخد حقه، ولا ايه رأيك يا عمدة؟
تحمحم رحيم قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ عداك العيب يا كبير، و يسلم لسانك..
تدخلت صافية قائلة بصوتٍ رنان:
ـ اجعدي يا نبيلة و ابلعي ريقك، و بطلي تكيلي بمكيالين، واحمدي ربنا ان اخوكي زينة الرچال مجبلش يظلمك أنتِ و أختك..
نبيلة بانفعال:
ـ طبعًا ماهو الموضوع على كيفك. ما أكيد أنتِ كمان هينوبك من الحب جانب..
خالد بتهكم:
ـ لا دي هتاخد الحب كله متقلقيش..
نبيلة بانفعال:
ـ بكرة تندم يا خالد، و خليك فاكر أن كل واحد بيحاسب على أفعاله. الدنيا مبتفوتش حاجة..
ضيق خالد عينيه و اسودت معالمه حين قال بنبرة قاتمة:
ـ كويس انك عارفة أن الدنيا مبتفوتش حاجة حتى لو عدا عليها ألف سنة..
لا تعلم لما أقشعر جسدها من كلماته ونبرته و نظراته لتشعر بأن الغرفة لم يعُد بها سواهم، فقط هي أسيرة لنظراته المُريبة و ملامحه الجامدة لينقذها قدوم الخادمة التي جاءت لتخبرهم بأن العشاء جاهز ولكنها لم تجد في نفسها طاقة للبقاء أكثر مما جعلها تقول بارتباك:
ـ أنا ماليش نفس عن اذنكوا….
غادرت من المكان وهي تشعر بأن كل شيء حولها ينهار تريد الصراخ من فرط الغضب ولكن لن تفعل حتى لا تدع احد يشمت بها بل قررت أن تحاول ايقاف هذا الجنون على طريقتها
في الداخل انتهى العشاء بهدوء ليتوجه خالد الى غرفة المكتب فلحقت به ليتفاجيء بها تغلق باب الغرفة خلفها وهي تقول باستفهام:
ـ هتفضل هنا النهاردة بردو يا خالد؟
لم يلتفت إليها إنما قال وهو يخلع جاكت بذلته:
ـ ورايا شغل كتير .
أشجان بغضب:
ـ بطل تتهرب مني يا خالد. هو الشغل دا مبيخلصش ؟
خالد باختصار:
ـ لا.
اقتربت تقف أمامه وهي تنظر إليه قائلة بعتب:
ـ هنفضل كدا لحد امتى؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ معرفش السؤال دا تسأليه لنفسك…
أشجان بتعب:
ـ أيوا وبعدين ؟ عقابك دا هينتهي امتى؟
نفذ سهم الغضب، فقد كانت شرارته مُشتعلة من البداية بسبب ما حدث منذ قليل ليهتف بقسوة:
ـ مفكرتيش في السؤال دا ليه قبل ما تعملي اللي عملتيه ؟!
افزعتها نبرته و أحزنتها كثيرًا مما جعلها تقول بشفاة مرتجفة:
ـ انا فعلا مفكرتش. بس يمكن عشان عمري ما تخيلت انك ممكن تقسى عليا مهما حصل..
تناثرت عبراتها بغزارة فكانت كالصخور تسقط فوق قلبه الذي كان يتألم لأجلها و لأجله ولكنه لا يستطِع غفران ما حدث، و أيضًا لا يستطِع تركها تغادر وهي في هذه الحالة فما أن أوشكت على فتح بابا الغرفة حتى وجدته يغلق مرة أخرى لتلتفت و تجد نفسها محاصرة بينه وبين باب الغرفة، فأخفضت رأسها تبكي بقوة ليكن صدره هو الجدار الذي احتوى ضعفها و ألمها على الرغم من كل الألم الذي يشعر به ولكنه لم يستطِع تركها تعاني أبدًا ليقوم برفع رأسها لتتعلق عينيها الباكية بعينيه العاشقة فمد أنامله ليمحو عبراتها بحنو وهو يقول بنبرة خشنة مُثيرة:
ـ مش معنى انك عارفة أن دموعك بتقتلني تستغلي دا ضدي..
أشجان بخفوت:
ـ أنا مقصدتش اعمل كدا..
خالد بصوتٍ أجش:
ـ ولا أنا قاصد اوجعك. بس أنا زعلان منك و أوي.
همست بلهفة:
ـ خالد…..
وضع إصبعه فوق شفتيها وهو يقاطعها قائلًا:
ـ هششش. مش عايز اسمع اعتذارات. عايزك تعرفي اني مش قاصد اجرحك أو ابعد عنك. بس الموضوع مزعلني و لسه مش قادر اتخطاه. وبعدي عنك دا واجعني اكتر منك.
لم تعد قادرة على الاحتمال لذا هتفت بتعب:
ـ وانا معملتش دا من فراغ. بس صدقني أنا بخاف من كل اللي حوالينا واللي عمال يحصل. كل حاجة حوالينا تخوف عيلتك تخوف و فلوسها و نفوذها يخوف و نبيلة اكتر حد يخوف..
خرجت الكلمات من بين شفتيها دون القدرة على إيقافها ليرتفع أكد حاجبيه تعبيرًا عن الاندهاش من ذكرها نبيلة ليقول باستفهام:
ـ نبيلة!
حاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت:
ـ أنت شوفت لما جت سيرة الفلوس بقت عاملة ازاي! أنا خوفت. أيوا خوفت. كنت عايزة اقدر اتعامل و اتأقلم على كل حاجة قبل ما يكون في طفل بيننا. يمكن انت متتفهمش خوفي عشان عمرك ما جربت الخوف قبل كدا. بس أنا غصب عني بخاف…
جذبها خالد الى داخل ذراعيه وهو يهدأها و عقله يعمل في جميع الاتجاهات و التي تمحورت جميها في كلمة واحدة" نبيلة' أوشكت على الابتعاد لتتحدث ولكنه شدد من احتضانها وهو يهمس بخشونةقائلاً:
ـ خليكِ في حضني شوية..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال. ❤️
★★★★★★★★★★
ـ ياسر أنت جايبني هنا ليه؟ هو أنت هتتجمع مع عيلتك تاني؟
هكذا تحدثت غنى بملل إلى ياسر الذي كان يصف السيارة أمام الباب الداخلي للقصر وهو يقول باختصار:
ـ اتكي عالصبر شوية و أنتِ هتعرفي كل حاجة في وقتها…
زفرت بملل وهي تترجل معه ولكن لدهشتها، فقد جذبتها يداه إلى طريق آخر كان عبارة عن ممر حجري تزينه الأشجار يشق طريقه بين الحديقة الشاسعة ليأتيها صوت صهيل الأحصنة مما جعل حواسها تتأهب و الحماس بداخلها يزيد إلى أن ظهرت أمامهم فيلا كبيرة مظهرها من الخارج يوحي بالفخامة و الترف و الباب الداخلي لها كان عبارة عن بوابة كبيرة عبرتها بجانبه وهي غارقة في الانبهار بهذا الجمال و الترف المُحيط بها و الذي تضاعف حين دلفت إلى الداخل لتتوسع عينيها من الإعجاب وهي تنظر إلى فخامة المكان من الداخل و روعة التصميم لتدور حول نفسها وهي تتأمل المكان، وفجأة خرجت شهقة خافتة من جوفها حين شعرت به يحيط خصرها من الخلف وهو يستند بذقنه فوق كتفها ليهمس بجانب أذنها بنبرة عاشقة:
ـ الأميرة أخيرًا نورت مملكتها..
كلماته دغدغت حواسها و ألهبت فضولها مما جعلها تهمس بخفوت:
ـ أميرة ايه و مملكة ايه أنا مش فاهمة حاجة ؟
أدارها إليه بحركة مُباغتة لتصبح في مواجهته تتنفس أنفاسه و يرتوي من عبيرها ليهمس وهو على مقربة كبيرة منها:
ـ النهاردة اتحقق حلمي من وانا عندي ١٧ سنة. النهاردة رجعت لأهلي و عيلتي و رجعلي حقي وحق أبويا يا غنى.
كانت هناك طبقة كريستالية من العبرات تغطي عينيه و نبرته كانت متأثرة كثيرًا مما جعلها تقول بعدم فهم:
ـ أنا مش فاهمة حاجة يا ياسر فهمني؟
قام بإمساك يدها و أدارها كالعروس وهو يقول باكيًا:
ـ دا قصر جدي محمود الوتيدي. جدي أنا يا غنى. دا قصرنا أنا و أبويا و اخواتي و دا مالنا اللي اتحرمنا منه سنين.
برقت عيني غنى من حديثه لتقول بعدم فهم:
ـ بتقول ايه؟
ياسر بنبرة متحشرجة:
ـ زمان أبويا اتغدر بيه من واحد كلب واتهموه أنه اغتصب صافية و قتلها، و جدي منير حرمه من كل حاجة وطردنا من البلد. كان هيقتله لولا هيام اختي اللي اترمت تحت رجليه تترجاه يسيبه عشان مكنش عندنا غيره بعد وفاة أمي الله يرحمها، اليوم دا مش ناسية طول حياتي ولا ناسي القهرة اللي حسيت بيها و الكسرة اللي اتكسرتها.
رفع رأسه إلى السقف العالي وهو يقول بنبرة جريحة:
ـ مكناش بنيجي هنا كتير كانت حياتنا كلها في البلد بس أنا فاكر حاجات كتير أوي هنا، زي مانا فاكر قد أيه كنت بعش تراب كل مكان عليه اسم الوتايدة. انا كنت متعلق بأهلي أوي يا غنى، ببلدي، بترابها، بأصولها، و اتكسرت لما اتحرمت من كل دا. لكن النهاردة رجع الحق لأصحابه.
تأثرت من حديثه و من هول ما حدث معهم لتتساقط عبراتها تأثرًا بوجعه ليقترب منها يحتضن أكتافها بيديه و يستند بجبهته فوق خاصتها وهو يقول من بين عبراته:
ـ اختارت أعيش لحظة انتصاري معاكِ. اخترت لما ارجع لأصلي و لأهلي بعد السنين دي كلها اكون معاكي..
عانقته غنى بقوة، فقام بحملها والدوران بها في البهو الواسع و كأنه يعلن انتصاره و لأول مرة على هذه الحياة، فهاهو عاد إلى أهله و استرد ما كان يملك و فوقهم هي،وقد كان هذا أعظم انتصار ظفر به طوال حياته..
مرت نصف ساعة وهو يتجول بها في المكان الذي أبهرها في جماله و فخامته ليقفا أخيرًا في شرفة كبيرة تطل على حظيرة الخيول ليمد ياسر يده يداعب خصلات شعرها قبل أن يقرر الحديث قائلًا:
ـ المكان عجبك؟
غنى بانبهار:
ـ عجبني بس! دا يجنن يا ياسر..
ياسر بحماس:
ـ ولسه لما اخدك البلد، وتشوفي الدوار بتاعنا اللي هناك، و الأرض كمان. كل حاجة هناك حلوة لدرجة أنك هتحسي انك مش قادرة تفارقيها.
غنى بسعادة:
ـ متحمسة أوي اروح هناك.
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ أن شاء الله في أقرب وقت. المهم دلوقتي اننا هننقل هنا في أقرب وقت.. دا من للحظة دي بيتك. البيت اللي هنعيش فيه و نربي فيه ولادنا…
غنى بذهول:
ـ بتقول ايه يا ياسر؟ أحنا بجد هنعيش هنا؟
ياسر بمرح:
ـ تخيلي!
ـ بطل رخامة بقى. بجد هنعيش هنا؟
قهقه ياسر قائلًا:
ـ يا بت قولتلك أيوا..
لم يكد يُكمل حديثه حتى رن هاتفه، فرفع عينيه ينظر إليها قبل أن يقرر الإجابة، فأتاه صوت هيام التي قالت:
ـ كل حاجة تمت زي ما اتفقنا يا ريس.. الخطة مشيت مظبوط بس….
ياسر باستفهام:
ـ بس أيه؟
هيام موضحه:
ـ لما زنقوه اضطر ياخد حبوب منشطة و من غبائه خد جرعة زايدة قلبه متحملهاش و وقع مات…
لا ينكر أنه تفاجيء بل و صُدِم على الرغم أنه يستحق هذه النهاية هو و والدته التي كانت تتجبر على الضِعاف ولكن الأمر كان صادمٍ.
اتاه صوت هيام على الطرف الآخر حين قالت:
ـ الله يرحمه. بس دا اللي هي زرعته و دلوقتي بتحصد عمايلها. ياترى يا ياسر رضيت عني؟ ولا لسه قلبك مش صافي؟
اتخذ قراره قائلًا:
ـ استنينا على الغدا بكرة يا أم حمادة.
اللهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك❤️
★★★★★★★★
كانت تقف في انتظار سيارة أجرة لتتفاجيء بسيارة دفع رباعي تقف أمامها تسد عليها الطريق و عمر يترجل منها يناظرها بسخط تجلى في نبرته حين قال:
ـ أنا عايز اعرف أيه نهاية لعبة القط و الفار اللي بتلعبيها معايا دي؟
شروق بهدوء:
ـ لعبة ايه معلش!
عمر بانفعال:
ـ بتتهربي مني ليه يا شروق؟
لازالت على هدوئها حين أجابته:
ـ أنا عمري ما اتهربت منك ابدا يا عمر…
ـ و امبارح؟
ـ امبارح زيه زي اول امبارح زيه زي النهارده. أنا مش عايزة اتكلم معاك و وضحتلك دا اكتر من مرة.
هكذا تحدثت بنبرة هادئة تتنافى مع جنون غضبه حين قال:
ـ ليه مش عايزة تديني فرصة ليه؟
شروق بتعقل:
ـ عشان معنديش حاجة أقولها يا عمر. احنا انتهينا قولتها مرة واتنين وعشرة هقول ايه تاني؟
داخله يستنكر حديثها بشدة لذا قال بجفاء:
ـ بس أنا مش موافق.
شروق باختصار:
ـ دي مشكلتك حلها بعيد عني..
التفتت تنوي المغادرة ليجذبها من يدها وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ شروق أنا بحبك..
نزعت ذراعها من بين يديه وهو تقول بقوة:
ـ وانا مش محتاجة الحب. أنا عمري ما اتحرمت من الحب على فكرة أنا ابويا وامي الله يرحمهم غرقوني حب، و اختي بتحبني و صحابي بيحبوني و سوزي بتحبني و معوضاني عن كل الحب اللي في الدنيا. أنا مش ناقصني حب، و مشكلتي معاك مش الحب..
عمر بانفعال:
ـ اومال ايه مشكلتك؟
ـ الأمان… اكتر حاجة مفتقداها في حياتي هي الأمان، و دا مش عندك عشان كدا بقولك انتهينا..
عمر بحدة:
ـ مين قالك كدا؟
شروق بنبرة مُشجبة:
ـ محدش قالي انا جربت بنفسي يا عمر، وانا معاك عمري ما كنت متطمنة. انت مكنتش مطمني أبدًا.
كان العشق يتساقط من عينيه ليقول بنبرة عاشقة:
ـ طيب انا دلوقتي بطمنك.
شروق بجمود:
ـو ايه اللي يخليني أجازف! أنا كدا مرتاحة. احساس اني مش عشمانه فيك دا مريحني. أو على الأقل ارحم مليون مرة من اني اعيش في رعب وانا جنبك انك ممكن تسيبني.
صدمه حديثها مما جعله يقول باستنكار:
ـ للدرجادي ؟
شروق بألم:
ـ و أكتر. مفيش داعي اعيدلك تفاصيل الفترة اللي عشناها مع بعض و بغض النظر عن النهاية فأنا فعلا كنت حاسة كاني عايشة على كف عفريت. أنا عايزة أقف على أرض ثابتة حتى لو كانت قاسية بس سنداني احسن بكتير من اني اعيش مبسوطة فوق في السحاب بس مرعوبة اني اقع تتكسر رقبتي..
وضع يده فوق رأسه الذي يكاد ينفجر من شدة التفكير ليقول بتعب:
ـ شروق كفاية تعاقبيني على غلط والله ما كان مقصود. أنا مكنتش فاهم مشاعري ناحيتك..
شروق بجمود:
ـ الموضوع مش انت لوحدك. زي ما انت فهمت مشاعرك ناحيتي و فهمت انت عايز ايه أنا كمان فهمت أنا عايزة ايه و اللي أنا عايزاه مش عندك.
ضاق ذرعًا من عنادها ليهتف بانفعال:
ـ شروق أنتِ بتعملي كدا عشان تعاقبيني صح؟
شروق بهدوء أستفز غضبه أكثر:
ـ مش صح.. أنا مش بعاقبك..الدنيا هي اللي بتعاقبك. أنا كنت بين ايديك. مراتك. انت اللي ضيعتني.. مش ذنبي انك عرفت قيمتي أنا كمان عرفت قيمة نفسي…
عمر بألم:
ـ بس أنتِ كدا غير منصفة…
ادارات رأسها الاتجاه الآخر وهي تقول بجمود:
ـ انت كمان كنت غير منصف معايا وانا ملومتش عليك..
عمر بأسف:
ـ ياريتك لومتيني.
مد يده يدير وجهها إليه ليُتابع بنبرة جريحة:
ـ شروق أنا شايف في عنيكي حبك ليا..
شروق بعتب قاسي:
ـ طب و مش شايف أنا اتعذبت قد أيه بسبب الحب دا؟ اتعذبت قد أيه عشان اتخطى و أكمل حياتي. عشان لو وقعت هموت وفي طفلة صغيرة متعلقة في رقبتي. أنا قدوتها و سندها، وسبب قوتها في الدنيا دي.. للأسف يا عمر أنا مش هقدر أجازف تاني معاك..
عمر بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنتِ ليه حطاني في صورة الراجل الندل؟ غلطت زي ما كل الناس بتغلط. قوليلي يا شروق أنتِ مشوفتيش مني أي حاجة حلوة تشفعلي عندك؟!
تألمت لحديثه و لرجائه و لألم قلبها الذي يعشقه حتى النخاع ولكنها ظلت على موقفها حين قالت بجمود:
ـ انت عارف انت مشكلتك ايه؟ انك أناني يا عمر. مبتشوفش غير نفسك وبس.
ـ مش صح..
ـ لا صح. قولي يا عمر أنت سألت عن شاهي بعد اللي انت عملته فيها؟
استنكر حديثها ليقول بجفاء:
ـ لا و مش هسأل..
شروق بسخرية:
ـ شوفت. بالرغم من انك ظلمتها من غير أي وجه حق. و دخلتها حياتك وانت بتحب غيرها بس عشان تثبت لنفسك اني مش فارقة معاك و فجأة و بمنتهى القسوة خرجتها منها من غير حتى ما تبص وراك.
صاح عمر مُستنكرًا:
ـ الموضوع مش كدا. هي تستحق..
قاطعته شروق بغضب:
ـ تستحق ابه؟ مين في الدنيا تستحق أن خطيبها يسيبها يوم خطوبتها و ياخد واحدة تانية معاه و يهرب. ترضاها على أختك يا عمر؟ رد عليا ترضاها ؟
أجابها عمر على مضض:
ـ لا.
شروق بنبرة لأئمة:
ـ شوفت. رمتها من حياتك فورًا و مبصتش وراك عشان كدا أنا بخاف منك و معنديش اي ثقة فيك، و مش هقدر اعيش عمري معاك وانا خايفة. حتى لو مش هحب غيرك. يكفيني اعيش متطمنة ولوحدي أحسن ما اعيش وانا بحب بس خايفة. عن اذنك..
أنهت جملتها و استقلت أول سيارة أجرة قابلتها لتترك خلفها قلب يئن وجعًا و ندمًا احنى جسده ليستند على السيارة لا يعرف ما الذي عليه فعله حتى يتمكن من تصحيح خطأه الجسيم…
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه.
★★★★★★★★
كانت تشعر بالشوق الشديد لفنجان من القهوة الصباحية التي حُرِمت منها بسبب مرضها، فقررت تناول إفطارها و الذي كان عبارة عن بعضًا من البسكويت الذي ابتاعته و وضعته في حقيبتها، فهي قد عزمت على أن لا تتناول أي شيء في هذا البيت، لذا ابتاعت بعض المعلبات معها، فلحسن حظها كانت هناك ثلاجة صغيرة في الغرفة و ذلك مكنها من جلب بعض الأشياء التي قد تحتاجها أن جاعت ليلًا، و في النهار هي تتولى أمرها في العمل.
قطمت آخر قطعة في البسكويت و نظرت إلى الساعة لتجدها الثامنة. حتمًا سيكون غادر إلى الشركة على عكسها فهي تملك وقتٍ كافياً قبل الذهاب الى العمل، فقامت بالتوجه إلى الأسفل، لتجد المكان هاديء، فخطت لأول مرة إلى المطبخ الكبير و قد قررت بأن تقوم بكسر القواعد و عمل كوب من قهوة الاسبريسو التي تعشقها غافلة عن عيون كانت تناظرها بعشقٍ يُكتبُ بماء الذهب في دواوين المحبين، ورغم غصات الألم وسحائب الحزن التي غشته، إلا أنها لم تنل من بريق حُبها ولا بمقدار ذرة. فكل ما مر به ترك بداخله دماراً مروعًا نال من كل شيء فيه و امتص الحياة بصدره ولكن الشيء الوحيد الذي لم يتأثر ولم ينتقص قدره هو عشقه الكبير لها، فهاهي دقات قلبه ترقص طربًا هذا الصباح لرؤيتها..
غزت رائحة القهوة الذكية أنفها لتشعر بالسعادة و هي تتوق لتذوقها وحين رفعت الكوب إلى شفتيها لتنال مرادها تفاجئت بيد غليظة انتزعت الكوب من بين يديها لتبرق عينيها من الصدمة التي تحولت لغضب عارم وهي ذلك الضخم يرتشف من كوب قهوتها باستمتاع مما جعلها تصرخ بجنون:
ـ أنت ازاي تاخد المج من ايدي؟ دي قهوتي على فكرة…
لم يُبالي بغضبها إنما واصل إرتشاف القهوة باستمتاع و كأنه قاصدًا إثارة غضبها أكثر ثم هتف قائلاً:
ـ القهوة في الجون..
عضت على شفتيها بحقد من ذلك المغرور الغبي ذو الرأس الكبير الذي يحاول استثارة غضبها ولكنها لن تكون هي لو لم ترد الصاع صاعين:
ـ عجبتك القهوة!
كمال باستمتاع:
ـ جامدة..
آسيا بابتسامة عريضة:
ـ بالسم الهاري أن شاء الله..
كان يعلم أنها تكاد تحترق من فرط الغضب وهو لم يكن ليقترب منها ولكن حين رأها تمسك بكوب القهوة تذكر ذلك اليوم في المكتب حين رفضت شروق أن تشرب القهوة و على الرغم من جهله بالأمر ولكنه أراد منعها من ذلك و كأن هناك غريزة بداخله تحسه على حمايتها من خطرٍ يجهل تفاصيله.
ـ حلو انك قررتي تنزلي المطبخ و تنتشري في البيت.
هكذا تحدث حين رآها توشك على مغادرة المطبخ لترتسم السخرية على ملامحها وهي تقول:
ـ اه. دانا كمان نويت اغير في الديكور. بص أنا بقترح نشيل الدفاية دي خالص و نحطلك صورة بعرض الحيطة. صورة كبيرة أوي كدا. عشان طول مانا واقفة في المطبخ ابص على صورتك و افتكر أن الدنيا دي دار شقاء، و أن الإنسان نازلها كعقاب من ربنا، و ادعي بقى أن ربنا يرفع عني غضبه.
أنهت جملتها و توجهت إلى الأعلى غافلة عن تلك الضحكة التي ارتسمت على ملامحه من حديثها و غضبها الذي جعلها تبدو كحبة الفراولة الطازجة وهو الجائع منذ زمن ويبدو أنه سيقضي الباقي من هكذا..
ـ عايزك قبل ما تخرجي.
هكذا اكتفى بالحديث وهو يتوجه إلى غرفته لتقرر عدم الالتفات له لترتدي ملابسها وهي تسُبه بينها وبين نفسها و من ثم أنهت زينتها و توجهت إلى الأسفل قاصدة المغادرة دون أن تخبره و ليذهب هو و ما يريده إلى الجحيم…
يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقضِ حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب ❤️
★★★★★★★★★
ـ ازيك يا دكتور يزيد عامل ايه؟
هكذا تحدثت جميلة وهي تقف أمام يزيد الذي كان يقف في المشفى يتابع أحد الحالات ليتفاجيء بها تقف أمامه، فرفع أحد حاجبيه باستنكار قبل أن يجيب بجمود:
ـ أهلًا يا أنسة جميلة..
جميلة بمرح:
ـ آنسة جميلة! دا انت شكلك زعلان مني؟!
يزيد بحدة:
ـ زعلان! دانا هطق منك..
جميلة بنبرة خافتة:
ـ طب ينفع نتكلم شوية مع بعض؟
يزيد بتكبر:
ـ دلوقتي جاية عايزة تتكلمي معايا؟ فاكرة لما قولتي للمخفي السواق دا باين عليه معتوه! و مردتيش تقفي تكلميني؟!
تجعدت ملامحها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ تمام عن أزنك..
يزيد بلهفة:
ـ لا عن أذنك مين؟ دانا هقبض عليكِ هنا! استني يا بت..
جميلة بصدمة:
ـ بت!
يزيد بسخط:
ـ ماهو الأدب مبينفعش مع البنات.
جميلة بتهكم:
ـ وانت بقى عارف كل اللي بينفع مع البنات ؟!
يزيد بسخرية:
ـ وحياتك الأدب مبينفعش لا مع بنات ولا الولاد. تعالي نقعد هنا..
جلست معه في مقهى المشفى لتبدأ في الحديث قائلة:
ـ بص انت اكيد بتسأل أنا ليه جيت اتكلمت معاك، وانا هكون صريحة معاك وهقولك.
يزيد بإعجاب:
ـ كلي آذان صاغية يا قمر..
جميلة بتخابُث:
ـ أنا بصراحة عايزة اعرف انت عايز مني ايه؟
يزيد بصراحة:
ـ مش معجب بيكِ جدًا.
تفاجئت من صراحته و همست بخفوت:
ـ و بعدين..
يزيد بسخرية:
ـ ايه و بعدين؟ بقولك معجب بيكِ…
جميلة بحدة طفيفة:
ـ و بعد الإعجاب دا؟
تعمق في النظر إلى داخل عينيها قبل أن يقول بجدية:
ـ بصي يا جميلة أنا عارف انك مقلقه مني. يمكن عشان تجاربكوا أنتِ و أختك كلها مع الوتايدة تمن تقرف ستين كلب. بس هرجع و أقولك العبد لله غير. عمرك ما هتندمي انك قربتي مني!
ـ و مين قالك اني هقرب ؟
يزيد بتخابُث:
ـ يا باشا أنت قربت واللي كان كان..
جميلة بصدمة:
ـ نعم!
يزيد بملل:
ـ جميلة فتحي مخك معايا. أنا و أنتِ آخر فردين سنجل من العيلة خلاص العملية محسومة.
جميلة بسخط:
ـ عملية ايه اللي محسومة أن شاء الله ؟
ـ يا بنتي احنا في عِداد المرتبطين أصلاً. لا يصح إلا الصحيح..
هكذا تحدث يزيد بثقة استفزتها، فهو لم يخبرها عن مشاعره ولا عن ما ينتويه تجاهها مما جعلها تهتف بتهكم:
ـ هو أنت بتتكلم كدا على أساس ايه؟ يعني بتتكلم و واثق اننا مفروض تكون سوى؟ دا من باب أيه معلش!
يزيد بتلقائية أدهشتها:
ـ من باب أن جحا أولى بلحم طوره مثلًا!
هبت من مكانها وهي تقول بحدة:
ـ اسمعني يا دكتور على ما تفرج أنت. أنا أساساً غلطت أني جيت اقعد اتكلم معاك، و عمري ما فكرت فيك أصلًا. انت بس صعبت عليا عمال تلف حواليا قولت يا بت دا قريبك شوفيه عايز يقول ايه لكن أنت لا في دماغي ولا هتبقى في يوم في دماغي و أصلًا كفاية اسم عيلتكوا الغبرة دي عشان يخليني عمري ما افكر فيك. عن اذنك..
أنهت جملتها و غادرت دون أن تُعطيه فرصة للحديث لترتسم على ملامحه ابتسامة هادئة تمتليء بالكثير و الكثير….
يا كريم، اللهم يا ذا الرحمة الواسعة، يا مطلعاً على السرائر والضمائر، أسألك فيضة من فيضان فضلك، وقبضة من نور سلطانك، وأُنساً وفرجاً من بحر كرمك ❤️
★★★★★★★★★
كانت تقف أمام المرآة تُعدل من حجابها، وهي تنوي الخروج لزيارة سوزان لتجد هاتفها يرن برقمٍ غريب فأجابت على الفور ليأتيها أبغض صوت في هذا العالم:
ـ تصدقي وحشني صوتك وأنتِ لسه صاحية من النوم!
هوى قلبها بين قدميها من فرط الصدمة لتهتف هامسة:
ـ أمين!
أمين بوقاحة:
ـ حتى أمين دي وحشتني منك أوي…
أشجان بغضب:
ـ أنت ازاي تتجرأ و تتصل عليا؟
أمين بتخابُث:
ـ عايز اشوف ولادي، وامهم كمان لو أمكن.. هو أنتِ فكرتي أني رمتهم ولا ايه؟ عمومًا انا قدام المدرسة و داخل اشوفهم حبيت بس اعرفك لو عايزة تيجي تشوفيني و نتلم كعيلة من تاني. ماهو أنا مش ناوي أسيب ولادي لراجل تاني يربيهم…
