رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الخامس والعشرون
|سرد حكايتنا بين أوراق روايته|
-"لو هتبلّغ البوليس دلوقتي، مش هيبقى ليها أي لزوم، وهتكون كده بتتبلى عليّا. أنا لا سرقت منك حاجة ولا قربتلك، أنا سيبتك في الأوتيل وسيبتلك رسا..."
توقفت غزل عن الحديث فجأة حين تذكّرت مضمون الرسالة التي تركتها له في الفندق. اتسعت عيناها بدهشة وارتباك؛ إذ لم يخطر ببالها قط أنها ستلتقيه مرة أخرى بعد ذلك الاعتراف الذي خطّته بيدها. وها هو حمزة يقف أمامها منصتًا في هدوء، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة أربكتها أكثر.
-ها... كمّلي...
اقترب منها حمزة خطوة، فتراجعت هي خطوة إلى الخلف، ليقول بنبرة هادئة تحمل الكثير من المعاني:
"سامعك... فكريني كده، كنتي كاتبة إيه في الرسالة؟"
فتحت غزل شفتيها راغبة في الإجابة، غير أن الكلمات أبت أن تخرج، وكأن الخجل قد عقد لسانها وسلبها القدرة على النطق.
وظلّا يتبادلان النظرات في صمتٍ طويل؛ صمتٍ كانت العيون فيه أبلغ من الكلمات. عينان تودّان البوح بالكثير، لكن الشفاه تعصي وتتمرد.
قالت غزل بصوتٍ مبحوح بالكاد خرج من بين شفتيها:
"إنت عايز إيه؟"
فأجابها بإرهاقٍ ظاهر:
"إنتِ اللي عايزة مني إيه؟"
تبدلت ملامحها من نبرته المثقلة بالتعب والاستفهام، وقالت بدهشة:
"أنا؟!"
فصاح بها وقد انفلتت مشاعره أخيرًا:
"عملتي فيّا إيه؟!"
أسرعت تبرر، رافعة خنصرها في قسمٍ عفوي:
"وربي ما عملت! قولتلك أنا مأخدتش منك حاجة، لو اتاخدت منك حاجة يبقى شوف مين نصب عليك تاني بعدي، إنما أنا..."
فوضع يده على فمها ليوقف سيل كلماتها الذي لم يعد يحتمل سماعه، وقال بنبرة امتزج فيها الضيق بالعاطفة:
"بس بقى... كفاية هري. أنا عارف إنك مسرقتيش حاجة. أنا أقصد... عملتي إيه في قلبي."
تجمدت غزل في مكانها، وقد باغتتها كلماته على حين غرة. رفعت عينيها إليه، ثم إلى يده الموضوعة فوق شفتيها. أما حمزة فظل ينظر إليها بصمت، تاركًا لعينيه مهمة الإفصاح عما عجزت الكلمات عن قوله.
شعرت غزل بالحرج، فالتفتت نحو لوجي هربًا من نظراته، فانتبه حمزة إلى ارتباكها وأبعد يده سريعًا، ثم قال موجّهًا حديثه إلى الصغيرة:
"لوجي، روحي عند ماما وبابا."
وفي تلك اللحظة سمع صوت عمته هبة تناديه من بعيد. التفتت غزل نحو مصدر الصوت، بينما رفع حمزة صوته مجيبًا:
"جايلك يا عمتو... خليكي عندك."
وفجأة انتزع الهاتف من يد غزل، فاندفعت نحوه قائلة بحدة:
"بتعمل إيه؟ هات الموبايل!"
فقال وهو يدوّن رقمه على لوحة المفاتيح:
"لازم نتكلم... لازم. مش هينفع تضيعي مني تاني."
ثم اتصل برقمه من هاتفها، فظهر رقمها على شاشة هاتفه. رفع عينيه إليها وهو يتراجع للخلف بخطوات بطيئة، وقال بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:
"هكلمك... وردّي."
وبحركةٍ لا إرادية، أومأت غزل برأسها موافقة، دون أن تدري لماذا فعلت ذلك، ولا كيف رضخت لأمره بهذه السهولة.
استدار حمزة واتجه نحو عمته، لكنه ظل يلتفت بين الحين والآخر ليراها واقفة في مكانها، تتابع خطواته بعينيها. فابتسم لها ابتسامة واسعة، لتبادله هي الأخرى ابتسامة شاردة بدت عليها رغمًا عنها.
أكملت غزل ما جاءت من أجله، ثم أُبلغت بأن النتيجة لن تظهر قبل أسبوع. غادرت المستشفى بعد ذلك، واتجهت بخطواتٍ متثاقلة نحو شقتها، بينما كانت أفكارها كلها تدور حول ذلك اللقاء الذي قلب هدوءها رأسًا على عقب.
───
كانت هبة بالداخل تطمئن على رهف، بينما وقف نوح وحمزة خارج الغرفة، ليهتف حمزة بفرحة غامرة:
"أنا لقيت سمر....اقصد غزل.."
ارتسمت ابتسامة على شفتي نوح وهو يسأله:
"بجد لقيتها فين؟"
ـ "هنا في المستشفى واخدت رقمها."
بادره نوح بنبرة مشاكسة:
"وإنت إيه الفرحة دي كلها؟"
سرى التوتر في أوصال حمزة، فقال بارتباك ملحوظ:
"لا عادي يعني."
تعالت ضحكة نوح وهو يعقب:
"عادي آه... هات رقمها عشان عاوزها في موضوع."
أخرج حمزة هاتفه وأملاه الرقم، ثم سأله بفضول لم يستطع كبحه:
"موضوع إيه؟"
أجابه نوح مفسرًا:
"توم كان قالي على فكرة؛ إن ستيفن هيموت ويعرف مين المجهول اللي سبب كل حاجة حصلت، وإحنا عرفنا إنه حسن. توم بقى قالي إننا نوقع ستيفن في حسن ونسيبهم يتصافوا مع بعض ونخرج إحنا برا الحكاية كلها عشان متتلطش إيدينا مع العصابة؛ ستيفن رجل عصابات وحسن ضابط والاتنين يعرفوا يظبطوا امورهم لو وقعوا في ايد الحكومة، إنما إحنا لا.
علّق حمزة بإعجاب:
"يابن الإيه يا توم! جامدة الفكرة دي..."
-"وأنا الصراحة قاعد متوتر إن حسن يبلغ عني في أي وقت، هو مأجل الموضوع لحد دلوقتي عشان إيده فيه، ولو دورت الشرطة هتجيبه، لكن بمثابة ما يزيل كل الدلائل اللي تبعد إيده عن الموضوع، هتبص تلاقيني تاني يوم في السجن؛ أنا في نظرهم جاسوس وهربان دلوقتي، وما هيصدقوا يلاقوني."
-ايوة فعلا عندك حق بس لازم تعمل حسابك لاسوأ احتمال ممكن يحصل ونلاقي حل ليه...بس مقولتليش يعني إيه دخل غزل في الموضوع؟!"
ـ "مهو مين هيوصله خبر مكان حسن وهوية المجهول الحقيقية غيرها؟ مينفعش أنا أكلمه ولا توم يكلمه، وأنا كنت عايز حد تالت يوصله هوية المجهول، عشان كده كنت بدور على غزل."
صمت حمزة لبرهة قبل أن يباغته بسؤال:
"نوح، هو إنت قايل لرهف إنك هتتسجن بعد كل ده؟"
خيم الصمت على نوح مليًّا، ثم قال بنبرة يكسوها الحزن:
"لا... بس هي عارفة... بس مظنش إنها هتتقبل الحوار ده دلوقتي... على الأقل لحد ما حالتها تتحسن."
───
اجتمع أعضاء الفريق جميعهم فوق سطح منزل رحيم، يتسامرون وتتعالى ضحكاتهم. في تلك الأثناء، أخرج فارس مفكرته، ثم خط بقلمه شاطبًا على اسم رحيم وهو يقول بمرح:
"وادي رحيم تاب... ها مين بعده؟!"
هتفت تمارا بنبرة حازمة وقوية:
"أنا."
التفتت إليها الأبصار شاخصة، فتابعت تمارا بهدوء:
"هرجع لأبويا في البلد وأطلب منه السماح، ولو سامحني وخلاني أفضل معاه، هنفضل أنا وسليم هناك."
خطا رحيم نحوها مندفعًا، وعلامات الرفض يرتسم على محياه:
"مستحيل أرجعك هناك، إنتي اتجننتي؟! افرضي مرات باباكي موجودة والواطي ابنها موجود مضمنش هيعملوا فيكي إيه... مستحيل."
ابتسمت دنيا بتهكم وقالت:
"ومالك خايف عليها كده ليه؟ ما تروح معاها يا رحيم أحسن."
أردف رحيم دون تردد وبعفوية مطلقة:
"أيوة فعلاً هعمل كده... رجلي على رجلك يا تمارا لو عايزة ترجعي."
اتسعت عينا تمارا بذهول، وهتفت معترضة بنبرة حادة:
"لا طبعاً، هتيجي معايا بصفتك إيه؟!"
قال رحيم بضجر وضيق:
"وإنتي كنتي هنا معايا بصفتك إيه؟؟"
بررت تمارا موقفها مسرعة: "أيوة بس عيلتك هنا بتقبل إن يكون ليك أصدقاء... إنما أنا في البلد لما يلاقوك معايا ويسألوني مين ده، هيزيد الطينة بلة أكتر، ومينفعش أقولهم ده صديقي أو زميلي اشتغلنا سوا، دول يقتلوني."
انتفض رحيم هاتفًا باندفاع عارم:
"يقتلوكي!!... وعايزة ترجعيلهم... انسي."
ردت تمارا بتحدٍّ مستنكرة:
"وإنت بأي حق بتمنعني ها؟؟!"
تغيرت تعابير وجه رحيم وعقدت الصدمة لسانه فصمت، ليقاطع شاكر حدة الموقف مهدئًا:
"صلوا على النبي يا جماعة، اهدوا."
التفت رحيم إلى تمارا، وخرجت الكلمة من أعماقه مباغتة:
"تعالي نتجوز."
تبدلت ملامح تمارا تمامًا، ونظرت إليه في صدمة بالغة، بينما تملكها إحراج شديد وسط رفاقهما.
استطرد رحيم موضحًا بجدية وإصرار:
"مش هوديكي هناك لوحدك... ومش عايزاني أجي معاكي لأن ماليش مسمى، إذًا نتجوز وبكده هكون جوزك، ولو حد فكر يقربلك إن كان أبو سليم أو أبوكي، يعرفوا إن معاكي راجل ومش هيسمحلهم يلمسوا منك شعرة."
صفقت دنيا ضاحكة وقالت بـتأييد:
"أتفق جداً..."
لم تحتمل تمارا الموقف، فتركتهم وولّت دبرها وهي تمتم بذهول:
"أنت اتجننت رسمي."
هرعت تمارا تهبط الدرج، فلحق بها رحيم ممسكًا بذراعها ليوقفها:
"تمارا... تمارا استني."
أجبرها على التوقف، وتلاقت أعينهما في نظرة طويلة، حملت في طياتها عتابًا وأحاديث لم تُنطق، ليهتف رحيم بقلة حيلة:
"إنتي إيه مشكلتك؟"
أطالت تمارا النظر في عينيه، وسرعان ما ترقرقت الدموع في عينيها، ولم تقو على كبحها، فانسابت ساخنة على وجنتيها، وقالت بنبرة متهدجة:
"رحيم بالله عليك... بالله عليك أنا بموت من الشعور ده... بالله عليك ما تحسسني بيه."
مد رحيم يده برفق يمسح عبراتها، ثم حاوط وجهها بكفيه، شاخصًا ببصره في عينيها وسألها بحنو:
"شعور إيه؟"
هتفت تمارا بوجع أكبر وصوت مخنوق بالبكاء:
"إني صعبانة عليك... أنا مبحبش أصعب على حد... أنت دلوقتي بتساعدني عشان أنا صعبت عليك لما حكيتلك قصتي..."
قاطعها رحيم بلهفة قاطعة:
"تمارا مش فكرة صعبانة عليا... أنا عايز أحميكي منهم... بس بصفتي إيه؟... أنا مش هستحمل إن حد فيهم يقربلك ويحاول يإذيكي وأقعد ساكت يا تمارا... تمارا، أنا اللي يإذيكي كإنه بيإذيني... أنا حاسس بمشاعر تجاهك يا تمارا."
تسارعت دقات قلب تمارا بعنف، فاقترب رحيم منها قليلاً وتابع بصوت خفيض:
"تمارا، أنا عايز أبقى معاكي."
تراجعت تمارا بخجل، ورفعت كفها تمسح دموعها مرتبكة، ثم سألته بنبرة متشككة:
"طب وغزل؟"
تنهد رحيم بضيق طفيف وقال عاتبًا:
"يادي غزل... غزل أنا كنت فاكر إني بحبها... بصي يا تمارا، أنا قعدت سنين مش عارف أقول لغزل كلمة واحدة وأعترف لها بمشاعري، قعدت سنين مخبي مشاعري وخايف تطلع... لكن إنتي أنا حاسس بحاجة تجاهك... وبمجرد ما غالبني إحساس طريف جداً ابتديت أقربلك، وبقيت عايز أعرفك، وكنت عايز أعرفك على عيلتي، وكلمت ماما عنك وكلمتها عن سليم، وكلمت دنيا عنك، والفريق كله عارف إني حبيتك عدا إنتي... عدا إنتي يا تمارا مش عايزة تصدقي ده... بس الحقيقة هي إني بحبك... من أول يوم شوفتك فيه وأنا حاسس بمشاعر غريبة، من ساعت ما شوفتك في الملجأ وأنا حاسس إني عايز أقربلك وأعرفك، حتى بعد ما خدعتيني مشاعري زادت أكتر وأكتر، وشعوري الداخلي اللي كان مخليني عاوز أجيبك تاني مكانش بدافع إنك ترجعيلي الفلوس، وإنما كان بدافع إني أرجع أشوفك تاني... تمارا أنا مؤخراً فهمت ده وفهمت مشاعري وحقيقتها كويس... أنا دلوقتي شاب بالغ وناضج وعارف أنا عايز إيه كويس... زمان لما حبيت غزل مكانش حب، ده كان حب أخوي بحت بس أنا مكنتش فاهم؛ غزل بنت ظهرت في حياتي فجأة قضيت عمري كله معاها وبندخل مهمات سوا، فطبيعي شاب مراهق صغير لسه ميفهمش حاجة في الحب قولت إني حبيتها، وهو ولا كنت حبيتها ولا حاجة، والدليل إنها بتشوفني زي باباها اللي حماها وبتشوفني أخوها اللي بتتكلم معاه وبتفضفضله... أنا دلوقتي حر إني أختار أنا عايز إيه، وأنا متأكد إني عايزك يا تمارا... عايز وجودك في حياتي... تمارا، الراجل لما بيكون عاوز واحدة ست فعلاً بياخدها ولو انقلبت موازين الأرض كلها، وعرفت إني فعلاً بحبك لما لقيتني عاوز أعرف كل الناس إني بحبك وعايزك تعرفي إني بحبك وعايز فلان جارنا يعرف، وعاوز اتجوزك دلوقتي، وبفكر هنعيش فين، وبفكر هشتغل إيه بعد ما توبت عشان بيتنا نفتحه بالحلال، وبفكر هخليكي تكملي تعليمك ازاي، وبفكر ازاي اخليلك حياتك أحسن من اللي عيشتيها وأعوضك عن كل اللي شوفتيه... أنا بالي دلوقتي وتخطيطي لمستقبلي علطول مربوط بيكي ودايما شايفك معايا في المستقبل."
كانت تمارا تنظر إليه كالمذهولة، مأخوذة بحديثه، لا تصدق ما تطرق إلى مسامعها، ولم تعد الدنيا تتسع لبهجتها الطاغية؛ أكل هذا الكلام العذب يُقال لها هي؟! لم تستوعب أن رحيم يحمل لها كل هذا الحب الصادق حقًا... فانفجرت باكية.
بكت بنشيج حار، فتملك القلق من رحيم، وتبدلت ملامحه إلى اللهفة والخوف الشديد، وغمغم قلقًا:
"بتعيطي ليه؟... تمارا اهدي... طب أنا قلت حاجة زعلتك؟؟... ت... "
ولم يكد يتم كلمته، حتى ارتمت في أحضانه بقوة، مستسلمة لدفئه، ودفنت رأسها في صدره قائلة بصوت متهدج:
"كنت فاكرة طول عمري إن كتير عليا إن حد يحبني..."
اغرورقت عينا رحيم بالدموع، واعتصر قلبه حزنًا وحنوًا على حالها؛ كم هي مسكينة ونقية، لم تود شيئًا من هذه الحياة سوى العيش بسلام... وأمانٍ ظلت تبحث عنه طويلًا ولم تجده.
حاوطها بذراعيه بقوة ضامًّا إياها إلى دفء صدره أكثر وأكثر، كأنما يغزل من جسده حصنًا يحميها، ويريد أن يخبئها بداخل قلبه من ظلم العالم بأسره، متعهدًا في أعمق نقطة بروحِهِ ألا يمسّها سوءٌ بعد الآن وهي في حماه.
________________________________
كانت غزلُ مستلقيةً على أريكتِها، ترمقُ شاشةَ التلفازِ بعينينِ يغشاهُما الفتور، حتى بدّد سكونَ غرفتها رنينُ هاتفِها؛ فوثبت تُجيبُ بلهفةٍ قائلة:
"الو مين؟؟"
جاءَها صوتُه من الطرفِ الآخر:
"انا حمزة... هبعتلك لوكيشن على الواتس تعالي عليه.... غزل انا مش هأذيكي ولو كنت عايز كنت عملت كده من بدري... انا بس محتاج اننا نتكلم.... عاوز اعرفك."
سادَ صمتٌ مريبٌ لبرهة، قبل أن تنطقَ بنبرةٍ متوجسة:
"عاوز تعرفني ليه؟... هو انا مالي ومال واحد رجل اعمال كبير زيك انا واحدة نصابة ومحتالة وبتنتحل شخصيات ناس وضحكت على ميت واحد قبل كده وضحكت عليك هتكون عاوز مني ايه غير انك تلم كل الناس اللي انا نصبت عليهم في نفس المكان وتعملولي رباطية وتحاصروني وتنتقموا من اللي عملته فيكوا؟؟"
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى تعالتْ ضحكاتُ حمزة، مردفاً بسخرية:
"ده لو بنصور فيلم كنت عملت كده ايه شغل افلام الابيض واسود ده يا غزل.... تعالي يا غزل وبطلي عبط... المكان هبعتهولك.... غزل لو مجيتيش مش هيحصل طيب."
تحدّته قائلة:
-هتعمل ايه يعني؟؟
ارتسمتْ على شفتيه ابتسامةٌ هادئة وهو يقول:
"اما تيجي هبقى اقولك."
انقطعَ الخطُّ فجأة، فاندفعتْ غزلُ في ضحكٍ هيستيري، ثم نهضتْ تتمايلُ في رقصاتٍ عشوائيةٍ مجنونة. لم يخطرْ ببالِها يوماً أن الأقدارَ ستجمعُها بحمزة ثانيةً، أو أن قلبَها الذي تعلّق بمستحيلٍ مضى، سينبضُ بالأملِ مجدداً... وها هو ذا يطلبُ وِصالَها، لتلوحَ في الأفقِ بارقةُ أملٍ، ولو كانت ضئيلة، بأن يفوزَ قلبُها بمن دقَّ له أولَ مرة.
وقفتْ غزلُ تتأمّلُ وجْهَها في المرآة، وهي تخطُّ لمساتٍ رقيقةً من مساحيقِ التجميل؛ فقد تملّكها شغفٌ عارمٌ بأن تبدوَ الليلةَ فاتنةً في عينيه... أرادتْ بحقٍّ أن يسحرَ لبَّه جمالُها حين يراها. رفعتْ شعرَها في البداية على هيئةِ كعكةٍ علوية، لكنها سرعان ما غيّرتْ رأيَها، فأرسلتْ خُصلاتِها الفاحمةَ منسدلةً على ظهرِها، واكتفتْ بمشبكٍ أنيقٍ على شكلِ فراشة، يجمعُ شعرَها ويسكبُ بعضَ خُصلاتِ غُرّتِها على عينيها، ثم مضتْ لخروجِها.
وحين بلغتِ الوجهةَ التي دعاها إليها، أبصرتْه من بعيدٍ واقفا يتكئُ على سيارتِه بوقار، فترجّلتْ من سيارةِ الأجرة، وتوجّهتْ نحوَه بخُطى وئيدةٍ هادئة.
وما إن انتبهَ لوجودِها، حتى تجمّدتْ عيناهُ عليها، مأخوذاً بفتنتِها؛ كم كانتْ آسرة! وكم يذوبُ عشقاً في شعرِها المتطايرِ مع النسماتِ وابتسامتِها الرقيقة تلك! اقتربتْ منه، وعيناهُ غارقتانِ في ملامحِها، ثم قال بارتباكٍ بدا عليه:
"كنت محضر كلام اقوله....بس اختفى مش عارف ليه."
انطلقتْ ضحكةُ غزلٍ خجولة، وفي تلك اللحظةِ انهمرَ المطرُ بغزارةٍ فاحتواها حمزةُ بسرعةٍ تحت ذراعيه، ومضيا يُهرولانِ معاً نحو سيارتِه، حيث فتحَ لها البابَ لتلوذَ بداخلِها من صبيبِ المطر. التفَّ حمزةُ يركبُ من البابِ الآخر مجاوراً إياها، وما إن استقرَّا داخلَ السيارة، حتى انخرطا معاً في نوبةِ ضحكٍ صاخبة.
───
رجع نوح من الخارج وجلس بجانب رهف قائلا: "بالعافية لما رضيت تقعد عند مامتك."
قهقهت هبة قائلة: "دماغها عنيدة."
فنظرت اليها رهف قائلة: "مهي جايباه من عندها ما طالعة لابوها."
ضحك نوح معلقا: "لا يا شيخة ابوها برضو!"
وفي زاوية اخرى اقتحمتْ قواتُ الشرطةِ ردهاتِ المستشفى متوجهينَ صوبَ غرفةِ رهف، وما إن ولجوا الداخلَ حتى تساءلوا بنبرةٍ حازمةٍ عن نوح، فنهضَ الأخيرُ من مجلسهِ بثباتٍ قائلاً:
"انا نوح."
نظرَ الشرطيُّ إليهم، ثم أصدرَ أمره الصارم:
"اقبضوا عليه..."
انتفضتْ رهفُ من فراشِها في توّها، وتشبثتْ بيدِ نوح بكلِّ ما أوتيتْ من قوةٍ وهي تصرخُ بذعر:
"يقبضوا عليه ليه..... يقبضوا عليه ليه.... لا.... نوح.... وسعوا."
أحكمَ نوح قبضتهُ على يدِها محاولاً بثَّ السكينةِ في روعِها وقال مطبطباً:
"رهف اهدي.... ده اللي كان المفروض يحصل من بدري."
بدأَ الجنود يسحبونهُ عنوةً نحو الخارج، بينما كانت رهفُ تتشبثُ بهِ باستماتةٍ تجرُّه في الاتجاهِ المعاكس، والدموعُ تنهمرُ من عينيها وهي تولولُ باكية:
"لا سيبوه... نوح متسيبنيش... نوح.... سيبوه ونبي...."
ظلّتْ عينا نوح شاخصتينِ نحوها، والدموعُ تترقرقُ في مآقيه، في حين كانت رهفُ تشهقُ من فرطِ نحيبِها الطاغي. حاولتْ هبة جاهدةً أن تبعدَها عنه لتخليصِها، غيرَ أنَّ رهف انخرطتْ في بكاءٍ مرير؛ هنا لم يتمالكْ نوح نفسَه، فهطلتْ دموعُه رغماً عنه وهو يرى حبيبةَ قلبهِ في هذه الحالةِ المزرية. كان يشعرُ بمشاعرهِ تتمزقُ إرباً مع كلِّ صرخةِ ألمٍ تطلقُها؛ لم يكنْ حزنهُ الليلةَ نابعاً من قيدِ السجن بقدرِ ما كان نابعاً من لوعةِ الفراقِ ، وعجزهِ أمامَ عبراتِها التي تُسفحُ بمرارة.
أودعوهُ داخلَ عربةِ الشرطةِ بينما صدى صراخِها باسمهِ لا يزالُ يشقُّ عِنانَ السماء.. أفلتتْ رهفُ فجأةً من بين يديْ هبة، وانطلقتْ كالمجنونةِ تعدو خلفَ سيارةِ الشرطةِ المسرعة، تقتفي أثرَها وهي تصرخُ بهستيرية، حتى خانتْها قواها فخرّتْ صريعةً على الأرض. احتكّتْ ركبتاها بصلابةِ الأسفلتِ لتنزفا دماً، وتبعثرتْ خُصلاتُ شعرِها في فوضى عارمةٍ لتهبطَ وتغطي وجهَها الباكي. ظلتْ ملقاةً على الثرى، تبكي بحرقةٍ وتتحسرُ على ما آلَ إليه شريطُ حياتِها؛ لمَ كلُّ هذا الوجعِ يترصدُ بها وحدهُا؟ إنَّ مرارةَ كلِّ العذابِ الذي ذاقتْه سابقاً كان يُهونُه جوارُ نوحٍ ورجوعُه إليها... وها هو نوح الآن قد رحل، وتركَها للضياع.
───
أمسكتْ غزلُ بالدفترِ القابعِ أمامَها، وقد تملّكها فضولٌ عارمٌ لنبشِ أسرارِه؛ فتحتْه وأخذتْ تقلبُ صفحاتِهِ الأولى، لتتسمّرَ عيناها عندَ السطرِ المكتوبِ في طليعتِه:
رواية موعدنا في زمن آخر
حمزة وسمر done ✓
داهمتْها الحيرة، وراحتْ تطالعُ الصفحاتِ التاليةَ بشغفٍ، فإذا ببدايةِ الروايةِ ليستْ سوى التفاصيلِ ذاتِها لقصتِهما؛ اللحظةِ التي اصطدمَ بها حمزةُ بسيارتِهِ ونقلَها على إثرِها إلى المستشفى! كانتْ تقرأُ وهي لا تكادُ تصدقُ أنَّ حكايتَها قد
خُلِّدَتْ بين دفتيْ هذا الدفتر.
وفي تلك الأثناءِ، عادَ حمزة يحملُ شطيرتين، فناولَها إحداهما واحتفظَ بالأخرى لنفسِه، بيدَ أنَّ ملامحَ وجهِهِ تغيّرتْ تماماً حين رآها تمسكُ بدفترِ ملاحظاتِه السريّ. بادرتْه غزلُ بالابتدارِ فورَ اقترابِه متسائلةً:
"حمزة... ده ايه ده؟! "
سادَ صمتٌ قصيرٌ قبل أن يجيبَها بنبرةٍ هادئة:
"انتي اول واحدة تعرفي الموضوع ده."
تتابعتْ كلماتُها بذهول:
-انا قريت اول صفحات دي نفس بداية.. نفس بداية مقابلتنا لما انت خبطتني وروحت المستشفى ووقتها قولت انك خالد جوزي اللي مات كله... كله مكتوب هنا!!.. انا مش فاهمة حاجة! وبعدين اول صفحة مكتوب فيها حمزة وسمر done معناها ايه؟؟؟
ارتسمتْ على شفتيه ابتسامةٌ غامضة وهو يقول:
"قصتنا انت وانتِ في الرواية بتاعتي خلصت."
اتسعتْ عيناها دهشةً وقالتْ مقاطعة:
"الرواية بتاعتك!"
تنهّدَ حمزةُ زافراً بصوتٍ مسموعٍ، ثم أردفَ موضحاً:
"انا كاتب يا غزل...بس غير معروف يعني هويتي خافيها لان مش غرضي من الكتابة الشهرة قد ما غرضي ان الناس تقرأ وتستمتع...انا مش بكتب عشان اتشاف انا عايز كلماتي هي اللي تتشاف وكل واحد بيقرأها يتبسط ويحس بسعادة ويخرج من الواقع ويدخل في عالمي انا بخرجه من العالم اللي هو فيه وبدخله عالم تاني ينسى فيه الواقع... انا ليا روايات كتيرة ومعروفة جدا بس اسمي مش حمزة الخولي فيها... اسمي هو (مستر H) واتعرفت بالاسم ده ومش ناوي اكشف هويتي ابدا ولا حتى الناس القريبة مني تعرف... انتي بس اللي عارفة"
أشرقَ وجهُها بابتسامةٍ حماسية وقالت:
"واو بجد... متشوقة اوي اقرالك بس احكيلي بقى ايه قصة الرواية دي؟؟"
تابعَ حمزةُ حديثَه قائلاً:
"دي الرواية اللي بحضر فيها من سنتين ابطالها موجودين من سنتين بس ضيفت بطلين جداد من ساعت ما شوفتك..."
علتْ وجهَها علاماتُ الاستغراب وهي تحاولُ استيعابَ الأمر:
"انا وانت!"
أومأَ برأسِهِ مؤكِّداً:
"اها... كتبت كل تفصيلة حصلت في علاقتنا ونهيتها كمان... بس مكنتش اعرف اني هقابلك تاني..."
ابتهجتْ غزلُ وعلّقتْ بفضولٍ طفوليّ:
"عندي فضول اعرف نهيت قصتنا ازاي اتجوزنا بقى وجبنا عيال وكده."
تلطّختْ نبرتُه بضحكةٍ ساخرة وهو يعقّب:
"اقري كده اسم الرواية."
أعادتْ غزلُ النظرَ إلى الدفتر وتلتِ العنوانَ بتمعّن:
"موعدنا في زمن اخر."
سألَها بنبرةٍ غلّفَها الهدوء:
"ده ملفتش نظرك لحاجة؟"
غرقتْ غزلُ في تفكيرٍ عميقٍ لدقيقةٍ كاملة، ثم هزّتْ رأسَها نفياً، فاستطردَ حمزةُ قائلاً:
"كل ابطال الرواية دي مش لبعض... موعدهم مش هنا... يمكن موعدهم في زمن تاني... بس هما مش لبعض في الزمن ده."
ألحّتْ عليه قائلة بلهفة:
-طب ونبي قولي نهيت علاقتنا انا وانت بايه.
عقّبَ ضاحكاً:
-ما قولتلك يابنتي... علاقتنا في الرواية مكانش ليها نصيب وموعدنا مكانش في الرواية..."
استفسرتْ والشغفُ يملأُ عينيها:
"اومال امتى؟؟"
رمقَها بنظرةٍ مفعمةٍ بالوجدِ والهوى، مردفاً:
"اهي دي بقى اللي مكنتش عامل حسابها... ان الرواية تقلب بجد وان يبقى لينا ميعاد في زمن تاني بس مش في الروايات... علحقيقة... واشوفك تاني... "
تسمّرتْ نظراتُ غزلَ نحوَه، وتسارعتْ دقاتُ قلبِها في صدرِها كطبولٍ مدوّية، فيما اقتربَ حمزةُ منها وهو يهمسُ بحبٍّ جارفٍ واشتياقٍ يسكنُ نبراتِ صوتِه، راغباً في التقرّبِ منها أكثر فأكثر:
"غزل انا مش فاهم اي حاجة من اللي بتحصل.... بس اللي متأكد منه اني مبسوط وانتي معايا."
خيّمَ عليهما الصمتُ لثوانٍ معدودة تلاقتْ فيها الأنفاس، قبل أن تتراجعَ غزلُ إلى الخلفِ متراجعةً لتستعيدَ أنفاسَها الطبيعية، وحاولتْ بذكاءٍ تغييرَ مجرى الحديثِ قائلة:
"طب كده اول بطلين انا وانت مين تاني بطلين؟؟"
أجابها:
-دول اصلا اصحاب الرواية لكن لسه حكايتهم مخلصتش.
أسندتْ كفيْها تحتَ ذقنِها بحماسٍ متقد وهتفتْ:
"مش عايز تحكيلي قصتهم؟ "
تعالتْ ضحكاتُ حمزة ليردّ:
"لا دي خليها لما تقري الرواية بقى اومال هحمسك ازاي انك تقريها؟"
شاركتْه غزلُ الضحك وقالت:
"انا اصلا هقراها عشانا احنا الاتنين واشوف عامل ايه فيا جوا الرواية..."
قهقهَ حمزةُ ملءَ فِيه وأجابَها مطمئناً:
"كل خير والله."
سألتْه بفضول:
"انت جايب كل مواقفنا حاططها؟"
أجابَها بيقين:
-كلها بحزافيرها...
استطردتْ قائلة بحيرة:
-مش فاهمة ليه... يعني ايه اللي يخليك تكتب تجربة عيشتها! وتكون قصة حقيقة وانت صاحب القصة اصلا!
أمسك حمزةُ يدَها، فسرَتْ قشعريرةٌ مباغتة في جسدِها إثرَ لمستِه، بينما أردفَ يقول بنبرةٍ دافئة:
"يمكن عشان مش عايز انساها.... كل موقف بينا حفرته في كتابي عشان افضل فاكرة طول عمري... انا مش عايز انساكي ابدا يا غزل.... مش عايز انسى مواقفنا.... لدرجة ان كل مواقفنا كنت بكتبها اول بأول خوفا من اني انساها بعد كده.... انا مش عارف انتي عملتي فيا ايه.... بس كل اللي عارفه اني ولاول مرة احب اني اسرد شخصية في كتابي تفضل موجودة بين اوراق كتابي... لاول مرة احس بشعور تعلق بشخص لدرجة اني مش عاوز انساه ولا انسى تفاصيل مواقفي معاه... غزل اسم الرواية موعدنا في زمن اخر عشان انا وانتي انتهت قصتنا في كتابي باننا متقابلناش... لكن اللي ورا الكواليس واللي القدر صنعه ومكنتش حاسبله هو ان الزمن ده ييجي واني اقابلك بعد المدة دي واشوفك صدفة واقابلك مرة تانية."
رفعَ حمزةُ كفَّها نحو ثغرِه ليطبعَ عليها قُبلةً حانية؛ فأغمضتْ غزلُ عينيها على الفور، وتسارعتْ أنفاسُها المتلاحقة. لقد جعلتْ كلماتُه العذبةُ قلبَها يرقصُ طرباً وفرحاً، وسرى حنينُها الأخّاذ ليلامسَ سويداءَ قلبِها، فيما أشعلتْ لمسةُ شفتيه على يدِها حرارةً جعلتْ حبّاتِ العرقِ تتصببُ من جبهتِها ارتباكاً؛ فسحبتْ يدَها بتوترٍ ملحوظ، ثم أمسكتْ بالشطيرةِ وتناولتْ قضماتٍ منها قائلة بشكل طفولي:
"انا جعانة."
انطلقتْ ضحكةٌ خافتة من حمزة تنديداً بخجلِها الواضح، متأملاً وجهَها الذي تلوّن بحمرةٍ وردية لطيفة، ثم هتفَ وهو يشارِكُها تناولَ الطعام:
"بما اني شوفتك... فانا محتاج اعرف حاجة لازم اضيفها في روايتي."
أنصتتْ إليه غزلُ باهتمام، فتابعَ قائلاً:
"انتي ملكيش ماضي في روايتي لاني معرفش الماضي بتاعك... احكيلي عنك وازاي وصلتي لكده لاني كنت ناوي االفها انا واخمنها وخلاص لكن حابب القصة كلها تكون حقيقية فعلا."
أخذتْ غزل نَفَساً عميقاً، ثم رمقتْه بنظرةٍ متحدية وقالت:
"مستعد."
ابتسمَ حمزةُ مشجّعاً:
"جدا... احكيلي من الاول خالص... ده هيفرق كتير في الرواية."
ضحكتْ غزلُ بمكرٍ أنثويّ وقالت:
"يا راجل رواية برضو..."
فردَّ حمزةُ ضاحكاً ليجاريَ دُعابتَها:
"اها كله لاجل الرواية مش حاجة تانية لسمح الله."
تلاقتْ ضحكاتُهما، وقبل أن يخبوَ صدى الضحك، بدأتْ غزلُ تسردُ له فصولَ حكايتِها من نقطةِ البداية الأولى.
______________________
اقتحمتْ رهفُ مكتبَهُ دونَ استئذان، فهرولَ الشرطيُّ خلفَها محاولاً تداركَ الموقفِ وهو يقولُ بقلةِ حيلة:
"والله يا حسن باشا منعناها بس دخلت و..."
رفعَ حسنُ كفَّهُ مقاطعاً، وأشارَ إليه آمراً:
"سيبها واخرج برا ومتخليش حد يدخل علينا."
أذعنَ الشرطيُّ لأوامرهِ وانسحبَ مغلقاً الباب، وفورَ خروجهِ صاحتْ رهفُ بنبرةٍ مدويةٍ هجرتْها السكينة:
"خرّج نوح يا حسن."
رمقَها حسنُ بهدوءٍ مريبٍ يسبقُ العاصفة وقال:
"ومين قالك اني انا اللي سجنته؟! "
انفجرتْ رهفُ صراخاً وهي تدكُّ الأرضَ بقدميها وتبكي بهستيريةٍ جارفة:
"خرّجه يا حسن.... خرّج نوح من السجن..... خرّجه."
انخرطتْ في نوبةِ جنونٍ وهي تضربُ نفسها بقلةِ حيلة وتتوسلُ بنحيب:
"خرّج نوح يا حسن ارجوك...انا مش هقدر أعيش منغيره."
انهارتْ قواها فخرّتْ جالسةً على الأرضِ تبكي بحرقة؛ حينها رفعَ حسنُ عيناهُ إلى الأعلى مستجمعاً ثباته، ليمتصَّ عبراتٍ تجمّعتْ في مآقيه وأبتْ أن تسقط. نهضَ من مكتبهِ ببطءٍ وتوجّهَ نحوها، ثم جثا على ركبتيه ليغدوَ في مستواها، وقال بنبرةٍ يكسوها الذهولُ والمرارة:
"للدرجادي بتحبيه!"
رفعَ ذقنَها بأناملهِ مجبراً إياها على النظرِ إليه، فتلاقتْ عيناهما ليرى في بريقِ دموعِها حبّاً جارفاً... حبّاً لطالما تمنّاهُ لنفسهِ وسعى خلفَهُ سديناً. تساءلَ بوجعٍ يعتصرُ قلبَه:
"ليه عمرك ما حبيتيني زيه؟... هو احسن مني في ايه يا رهف."
تضاعفَ نحيبُ رهفَ وشهقتْ من فرطِ البكاء قائلة:
"عمري في حياتي ما هحب غيره... حسن لو بتحبني بجد ارجوك خرجه.... حسن انا اسفة... انا اسفة لو انا كنت سبب كبير في انك ضيعت حياتك على امل اني ابقى ليك... انا اسفة على كل ده... بس ارجوك خرج نوح دلوقتي ونتفاهم بعد كده... انا عايزة نوح يخرج من القضية دي باي طريقة بالله عليك.... لو بتحبني بجد.. خرّجه."
ارتسمتْ على شفتيْ حسن ابتسامةٌ باهتة تحملُ خلفَها حبّاً أعمى وقال:
"انا بحبك اوي يا رهف.... وهخرجه عشانك."
ومع كلماته، انبلجتْ أساريرُ رهف وفاضتْ ملامحُها بفرحةٍ مباغتة وهتفتْ بلهفة:
"بجد!"
أمدّهُ فرحُها بابتسامةٍ أخرى، لكنّها كانتْ تمهدُ لصدمةٍ قادمة، إذ استطردَ قائلاً:
"اه بجد.... بس عندي شرط واحد عشان يخرج."
تبخّرتْ ابتسامتُها في توّها، واحتلَّ الخوفُ تقاسيمَ وجهِها وهي تسألُ بتوجّس:
"ايه هو؟"
نهضَ حسنُ بوقار، ومشى بضعَ خطواتٍ وئيدةٍ نحو النافذةِ متأملاً الأفق، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ غلّفَهُ هدوءٌ قاتل:
"اننا نتجوز."
......
