رواية جحيم عينيك الفصل الخامس والعشرون
جحيم عينيك
هي تفهمني كما لو أنها انبعثت من عمق روحي.
رأت الجحيم في عيني لكنها اختارت البقاء كما لو كان سمي هو مشروبها المفضل .....
أطلت ميرنا من شرفتها المطلة على الشارع، فداعب النسيم خصلات شعرها وهي ترفع يدها ملوحة الفاليريا بابتسامة تفيض دفنا ومرحا، كانها تودع نسمة عابرة من صباح جميل، قبل أن تناديها بنبرة حالية...
"فاليزيا، لا تتأخري..."
في مثل هذا اليوم، قبل أسبوعين بالضبط، وقعت حادثة الخطف التي زلزلت حياتهما ثم انقلبت بمعجزة إلى نهاية آمنة، وكان القدر قرر أن يرد لهما انفاس الطمانينة بعد رعب طويل.
منذ تلك الليلة، تبدل كل شيء القشع الخوف عن وجهيهما، وغادر الحذر حياتهما يصمت مريح. كما غادرها أبيل، فقد تلاشى ذكره كأنه لم يكن يوما، ولم يكن مهندس مسارهما لعام كامل، فقط
مجرد ظل المحى من الذاكرة.
رغم أسى ميرنا لما آل إليه مصيره، إلا أن لا مبالاة فاليريا بغيابه، بل ونسيانها التام له كما تنسى أي شيء يغيب عن بصرها لمدة، كان كبلسم خفي نقلبها.
تحمد الله في كل لحظة لأنها الخدمت فقط، ولم تتوزط معه في جريمته القذرة.
أغلقت النافذة وعادت إلى مطبخها الذي تقضي فيه معظم وقتها وهي تتفنن في إعداد المربى
الخاص بها.
بعد دقائق معدودة، سمعت جرس الباب فتوجهت نحوه وهي تنزل الدرج بخطوات متسائلة. وما أن فتحته حتى تسمرت للحظة.
كان أمامها رجل طويل القامة، قوي البنية، اليق المظهر بفيض حضوره بهيئة غامضة كانه خرج
لتوه من أحد أفلام هوليوود.
فاح عبير عطره الفاخر في الأجواء فور اقترابه، فتسلل إلى أنفها وأربك أنفاسها، كأن الهواء
نفسه خضع لهيبته.
تمتمت بتلعثم واضح، والعرين لا تعرف أين تستقر...
".... أنت هو الزعيم، أقصد... زوج فاليريا ؟"
رد ببروده المعتاد يلقي نظره الثاقب نحو الداخل دون أن يلتفت إليها تماما ...
" إن لم يكن لديك مانع ...."
وقفت مشدوهة، كان الزمن تحفد للحظة، صحيح أنها رأت صوره من قبل، وسمعت من أونور القليل عنه، لكن رؤيته في الواقع كانت شيئا آخر تماما.
هيبته، قامته، ذلك الثبات الذي يلفه كدرع من الغموض، جعلها تتساءل في سرها وهي تحدق فيه مأخودة بوسامته....
"يا إلهي ... أيوجد حقا رجال بهذه الهيئة في إسطنبول ؟ كم أنت محظوظة يا ابنة أختي !"
استفاقت من ذهولها على وقع صوته الهادئ، فسارعت إلى التنخي بخجل واضح وابتسامة مرتبكة ...
أعذرني ... نسيت أن أدعوك للدخول، تفضل من فضلك"
صعد الزعيم الدرج بخطوات واثقة، قبل أن ينطق بكلمة قادته ميرنا نحو غرفة الجلوس وهي تحاول أن تبدو هادئة رغم تسارع أنفاسها.
"ماذا تحب أن تشرب أيها الزعيم ؟"
سألت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيا، لكنه خرج أقرب إلى الارتباك.
فتح زز بدلته بخفة ، وجلس على الأريكة واضعا سافا على أخرى بحركة تدل على الثقة والسيطرة، ثم أشار لها بالجلوس قبالته، لتأتي نبرته الحاسمة تقطع الصمت المحيط بالمكان...
"لا شكرا... دعينا لا تضع الوقت "
جلست ميرنا أمامه، وكل حواسها مشدودة صوبه، تراقب أدق حركة، وأخف تعبير، قالت بصوت متزن لكنه يحمل حرارة الاهتمام .....
"السيد أونور قد شرح لي كل شيء بدقة، وليس لدي مانع في التعاون معك من أجل ابنة أختي "
هر الزعيم رأسه بنفهم، ثم أكمل بنبرة صارمة ولكن هادئة...
خلال الأسبوعين الماضيين كنت منهمكا جذا، لذا كلفت مساعدي بتأمين كل احتياجاتكها و حمايتكما، وبما أنك مطلعة على الوضع، فهذا سيوفر على كثيرا من الوقت، أنا هنا لأطمئن على زوجتي، وأعرف هل طرأ أي تطور على حالتها؟ هل بدأت بالتذكر؟"
تنهدت ميرنا، مفصحة عن الحقيقة كما هي، بلا تزيين...
" مع الأسف، لازالت لا تتذكر شيئا ... حتى حادثة العبارة محيت من ذاكرتها ... أخبرنا الطبيب المشرف أن تأثير العقار لن يزول بسرعة بمجرد توقفها عن أخذه، وبأن الأوان قد حان لتحتك
بماضيها، سواء الأشخاص أو الأماكن، على ذلك يحفز ذاكرتها "
رد الزعيم بهدوء وتيرة حازمة، وهو يخفي وراء عيديه بريقا من العزم.....
" هذا ما أخبرني به أيضا، ولن أنتظر حتى تستعيد ذاكرتها، أريد أخذها من هنا في أقرب وقت
لذلك سوف تتعاونين معي لتسريع ذلك "
ردت ميرنا بحماس، عينيها كاننا تلمعان بالفضول وهي تبدي استعدادها للتعاون.
"أنا تحت أمرك، سيدي ، لكن ماذا تنوي أن تفعل ؟ هل ستخبرها بالحقيقة بشكل مباشر ؟ "
اعتدل الزعيم في جلسته يصوب نظره لحوها يتكلم بثقة ...
"لا لن أفعل ذلك، بل سأجعلها تتوصل اليها بنفسها. فقط عرفيها على على أساس أنني صديق قديم، قد يساعدها ذلك.... واتركي الباقي لي "
تحمست ميرنا للفكرة، وأيدت ترحيبها بها، وهي تومي برأسها تأييدا.
قام الزعيم من مقعده، يمد لها بطاقة عليها رقمه الخاص، وقال بنبرة آمرة ونظرته أصبحت حادة تحمل تحديرا مميتا....
احرصي على الاتصال بي عند أي جديد، لا مجال للخطأ هذا"
لم يكن ردها إزاء نبرته التي استشعرتها إلا صمنا تاما.
أرادت مرافقته إلى الباب، لكنه أشار لها بأن تبقى تارك إياها في حيرة.
فتمتمت تحت انفاسها وهي تتتبع نزوله ...
كيف كنت تتعاملين مع كل هذا، ابنة أختي ؟"
أثناء نزوله، كانت فاليريا تركن دراجتها أمام الباب عائدة أدراجها من منتصف الطريق بعد أن انتبهت أنها أخطات في طلبية العربي.
تزامن استدارها على عجل نحو الباب مع خروج الزعيم، لتصطدم به فجأة، وكأن القدر أراد لهما
أن يلتقيا دون موعد أو تخطيط مسبق تماما كما حصل أول مرة.
طوال الأسبوعين اللذين غاب فيهما لتصفية حساباته مع الأكاديمية، كان على إطلاع بكل حركاتها وسكتاتها .. متى تنام ومتى تستيقظ عند خروجها من البيت وعودتها، ماذا تأكل، وماذا تشرب.
جعل أونور ولوكاس وحتى باولا يتولون مراقبتها وحمايتها وإمداده بكل المعلومات عنها ساعة لساعة.
لكن هذا اللقاء المباشر لم يحسب له حسانا، لم يتوقعه أبدا، ولم يكن مستعدا له بعد، فكان وقعه كالصاعقة على قلبه الذي أنهكه الشوق.
عيناه النقنا بعينيها، وكان الزمن توقف تاركا لهما فرصة للغوص في أعماق بعضهما البعض.
نظرت إليه بفضول، عيناها استقرتا على ملامحه الرجولية كأنه لغز تحاول حله بلا فائدة.
بينما شعر هو بأن قلبه يعود إلى الحياة، حين خفق داخل صدره بجنون وكأنه روحه كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
أما هي، فقد أخذتها رهبة القرب من رجل مجهول، اختل نبضها وسيطر الارتباك على جسدها.
كأنه أكثر شخص تعرفه في هذا الكون.
عيناه الحادثان كانتا كسهمين اخترق قلبها، فشعرت بساقيها تذوبان كالشمع، تراجعت، مبتلعة ريقها، تحاول الهروب من هذا القرب المميت.
فتمتمت بصوت مضطرب...
"آسفة، لم أنتبه . "
فمد يده الكبيرة بعيون باسمة.....
"لا عليك يا ا.."
ضيق عينيه، مطيلاً ياء النداء بصوت رخيم ومثير جعلها تسارع في تقديم نفسها ...
"السة فاليريا."
تم مدت يدها بدورها بعد أن خلعت قفازها الشتوي لتختفي في باطن كفه الدافئة، كأنها تختفي
في نار مشتعلة.
رفع حاجبيه باستغراب ممزوج بسخرية خفية ....
"!! انسة"
ابتسامته كانت خفية، لكن عينيه كانتا تلمعان بمرارة، كأنه يسخر من القدر من الزمن، من الذاكرة التي ضاعت.
كانت زوجته، يحمل في قلبه ذكرى حياتهما معا. ذكرى كل لحظاتهما الخاصة، لكن الآن، هي "آنسة فاليريا"، وهو رجل غريب عنها في هذه اللحظة.
سخرية خفية كانت تلمع في عينيه، تساؤل عن كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
اللعنة ...!!
هز رأسه يتفهم مع ابتسامة أريكتها، فأرادت سحب يدها، غير أنه لم يفرج عنها بل ضغط عليها قائلاً.
صورت برؤيتك أخيرا.. فاليريا"
هذا جعلها تتساءل في سرها بارتياك تشك ان كانت قد تفوهت بشيء خاطئ...
"ما خطب هذا الرجل؟"
شعر باضطرابها من رجفة يدها وعينيها الهاربتين منه... ليتركها حين سمع صوت ميرنا وهي
تنزل الدرج بعد أن لمحتهما من النافذة.
يجب أن تقوم بالدور الذي أوكله لها الزعيم وتعرفها عليه كما خططا، وقفت عند الباب بابتسامة متوترة ....
فاليريا، من الجيد أنك عدت بسرعة .. كان الرجل سيغادر دون أن يراك "
الترد فاليريا ملتفتة بجسدها نحو خالتها كأنها تهرب منه تعقد حاجبيها باستغراب وعيونها تحمل علامات الشك والاستفهام....
"لقد عدت من منتصف الطريق لأني تذكرت شيئا بخصوص الطلبية ."
ابتلعت ريقها قبل أن تكمل بنيرة منخفضة كأنها تستنجد بها ...
"هل تعرفينه ؟"
سألتها في إشارة للزعيم فأجابت ميرنا بتلعتم....
"ن. نعم.. إنه يمان، ألم تتذكريه ؟"
ضيقت فاليريا عينيها مع شيه ابتسامة عابدة كأنها تسخر من سؤالها "ألم تتذكريه" وكان ذاكرتها
على أفضل ما يرام، ما اللعنة الآن ؟؟؟
التفتت إليه فهزت رأسها نافية وهي تنظر بإمعان داخل عينيه، مدعبة أنها تحاول تذكره، بينما هي كانت تلبي رغبة داخلية ملحة في الغوص في ظلام عينيه الأسرتين والاستمتاع بجمالهما ...
" ان، مع الأسف لا أتذكرك.. هل تعرف بعضنا ؟ "
عيناه كانتا مثبتتين عليها، كأنهما يبحثان عن شيء ما في أعماقها، شيء قديم، شيء ضاع.
ابتسامته كانت خفيفة، لكنها كانت تحمل الكثير من المعاني الكثير من الذكريات.
شعرت بغرابة في تصرفاته، لكنها لم تستطع أن تنكر الجاذبية التي كانت تنبعث من عينيه، من
وجوده
ارادت ميرنا أن تتكلم، لكن صوت الزعيم قاطعها بلهجة واثقة، يعرف أنه ان لم يتدخل فسوف تفسد كل شيء بارتباكها الواضح أمام نظرات الشك التي ترمقها بها فاليريا....
"أنا أكون أقرب صديق لك.. جنت البحث عنك بعد أن عرفت بأنك على قيد الحياة.."
دهشة فاليريا كانت واضحة لتوجه نظرها من جديد إلى خالتها كأنها تستجدي التأكيد بعينيها.
فأومأت ميرنا برأسها، مؤكدة صحة كلامه....
وبنيرة مشككة رددت...
"صديق قديم !... لا بد أنك تملك أدلة على ذلك... أعني صورا، معلومات عن عائلتي، أصدقائي عذرا لكنني لا أتذكرك بناتا"
ابتسامته كانت غامضة، وهو يضع يديه في جيب بنطاله .....
لذي كل ما يتعلق بك... وأعرف أكثر مما تعرفين عن نفسك حتى قبل أن تفقدي الذاكرة"
تفقد ساعده مستطردا...
لكن علي الذهاب الآن.. ستتكرر لقاءاتنا في القادم من الأيام وسوف تتبدد شكوكك نحوي" ارتدى نظارته قائلا بكل أريحية...
" إلى الغد، ايتها القطة المتمردة"
هنا تحرك شيء داخلها مجبرا اياها على التساؤل لا إراديا مع حيرة شديدة ....
" القطة المتمردة !!.. ماذا تقصد بذلك ؟ . "
لكنه غادر باتجاه سيارته الفاخرة دون أن يلتفت لسؤالها، ففتح له أحد حراسة الباب الخلفي ليصعد داخلها، وما هي إلا ثوان حتى اختفى من الحي، تاركا عاصفة من الأفكار والمشاعر والتساؤلات تعبت بطمانينتها واستقرارها...
لم تجد غير ميرنا لتنهال عليها بوابل من الأسئلة بعد أن دخلت البيت.. لكن ميرنا لم نشف فضولها، كل ما قالته أنها عرفت هذا الصديق القديم للتو، وأنها ترحب بفكرة اللقاء به والتحدث
معه، لعلها تجد عنده أجوبة شافية لكل تساؤلاتها ...
شكوكها كانت تتصاعد، كأنها نار تشتغل في قلبها، لم تكن قادرة على فهم لماذا تتحدث خالتها بهذه البساطة عن رجل غريب ظهر فجأة ويزعم أنه صديق قديم، خاصة أن خالتها حريصة عليها ولم تكن تتوقع منها هذا التساهل.
نظراتها إلى خالتها كان مليئة بالتساؤل والشك....
"كيف تثقين به هكذا؟ كيف تعرفين أنه ليس خطيرا"
كانت عيناها تبحثان عن إجابات عن شيء يهدئ من روعها بدت لها خالتها هادئة، كأنها تعرف شيئا تجهله ...
فردت ميرنا بثقة ...
"أعرف جيدا ما أفعله، هذا الرجل ليس غريبا عنك، وإن هو كذلك الآن، فهذا لأنك لا تتذكرينه فحسب، ثقي بي، هو سيخبرك بكل شيء ترغبين بمعرفته عن حياتك الماضية. لا نملك خيارا
سوى الوثوق به صغيرتي الفريق يتشبت بقشة"
كلماتها لم تكن كافية لتهدئة مخاوف فاليريا التي تتصاعد في كل لحظة.
كانت تبحث عن الحقيقة، عن شيء يعيد لها ذاكرتها، لكنها لم تكن تعرف أن هذا اللقاء سيغير كل شيء للأبد.
حتى فضولها كان يتزايد كانها تنجذب إلى شيء غير مرئي مشاعرها التي انتابتها حين اصطدمت به لا تزال حاضرة، تفرض نفسها بقوة دون الفسير مقنع.
ملامحه المثيرة بقسوة والغامضة بإغراء لا تبارح ذهنها، كان ذاكرتها بدأت تستعيد فعاليتها في حفظ الوجوه واللحظات.
تتعجب من نفسها ! كيف تنسى كل شيء إلا هذا الرجل ؟ كيف يبقى حاضرا في ذهنها، في غرفة الجلوس بعطره الرجالي المميزة كلما مرت على الغرفة، كان الصندل والبرغموت يثيران فيها مشاعر دافئة، فنهر كيانها هذا.
جو الصباح كان دافئا ومثمنا على غير أيام كانون الثاني، مع ذلك فاليريا لا تزال غارقة في نومها العميق كالموتى
رائحة القهوة والخبز الطازج انتشرت في أنحاء البيت وتسلل إلى غرفتها المظلمة، لكنها لم تكن كافية لإيقاظها بقدر صوت خالتها المرتفع وهي تفتح ستائر النافذة بحماس.....
يكفيك كسلا يا فتاة.. اليوم دافئ ومشمس فلا تقضيه في النوم "
فاليريا غطت عينيها من أشعة الشمس التي باغتتها، تتمتم بتدمر...
" عن أي كسل تتحدثين ؟ لم أتم إلا فجرا.. أغلقي الستائر من فضلك !"
لكن خالتها كان لها رأي آخر لتسحب الغطاء منها قائلة بلؤم.....
ومن أذهب اليوم عن جفون صغيرتي ؟... يمان ؟"
زفرت فاليريا بضيق تقلب عينيها باستخفاف، ثم القضت على طرف الغطاء تعيده إليها وتختبئ تحته مغمغمة بكلمات غير مفهومة.
ضحكت ميرنا وهي تغادر الغرفة قائلة...
"بما أنك ترفضين النهوض: سأضطر للإعتذار منه بدل أن ينتظر حضرتك على الهاتف"
فجأة رفعت فاليريا الغطاء بحركة سريعة ملامحها الناعسة والمندهشة تكاد تختفي تحت شعرها المبعثر...
" من هذا الذي ينتظرني على الهاتف ؟"
ردت الأخرى بمكر ...
" الذي أبقاك مستيقظة طوال الليل . "
وما كادت تسمع ردها حتى قفزت من سريرها وجرت إلى حيث الهاتف في غرفة الجلوس أمام
دهشة خالتها !
وقفت بتوتر أمام الهاتف تأخذ نفسا عميقا قبل أن ترفع السماعة ...
"ألو، صباح الخير"
خرجت نبرتها المتوترة بصعوبة وهي تحاول تنظيم أنفاسها المتسارعة جراء الركض، على عكس
نبرته التي كانت هادئة وعميقة يأخذ وقته الكامل في الرد...
"صباح الخير.. أرجوا ألا أكون قد أيقظتك "
ردت نافية وابتسامة بنهاء قد علت وجهها ...
"لا أذا كنت مستيقظة، لا عليك "
خالتها كانت تراقبها بنظرة اندهاش ووعيد، فتجاهلتها فاليريا مشيحة بوجهها عنها.
لكن ابتسامتها تلاشت كالسراب حين سمعته يقول ببرود.
"جيد، هذا يعني أنني لن أنتظر في الأسفل كثيرا.. لأنني أكره الانتظار.."
نبرة تعالي وعجرفة تتراقص على كلماته بوضوح مستقل فهمت بالرد بنفس الأسلوب، لكنه سبقها
"لا أطيق الانتظار لأستعيد ذكريات الماضي ونحن تتناول الفطور معا.. أنا في السيارة .. لا تتأخري ."
أغلق الخط قبل أن تستطيع الرد عليه، فاقتربت منها الخالة بينما هي تحدق بدهشة في سماعة
الهاتف ثم رمشت...
يعني أنا كنت صديقة هذا المتعالي ؟".
اقتربت میرنا توسوس لها بمكر...
"اذهبي وستعرفين!"
وضعت فاليريا السماعة قائلة بنحب...
"سأذهب لأعرف قصة هذا الصديق الغريب وأين ستوصلني"
عبداها كانتا تلمعان بالفضول والتصميم، وهي تستعد للقاء هذا الرجل الغامض.....
استغلت الجو المشمس، لترتدي تنورة من الجينز مع جاكيت جلد وحذاء رياضي، واعتمدت تسريحة بسيطة.
لكنها كانت تتمع بالثقة.
أمام منزلها فتح لها الحارس باب السيارة، بينما تراقيها ميرنا من الشرفة بفضول والبسمة تشق وجهه.
اقتربت فاليريا وانحنت قليلا لترى يمان جالسا في المقعد الخلفي بفخامة، وهو يتفقد ساعته. قيادرت بابتسامة متصنعة...
"لا داعي لتفقد الساعة كي تذكر لي كم تكره الانتظار سيد يمان."
كان يخفي عينيه الباسمتين خلف نظاراته الشمسية، وهو برى جينات التمرد لديها تطفو على
السطح من جديد.
طالما كان يحب عزة نفسها، عنادها، وتمردها والأهم أنه مفتون بجمالها المميز.
أنها قطعه المتمردة، التي كانت ترفض الانصياع لأحد إلا هو فقط، لأنه يعرف جيدا كيف
يخضعها له.
وهذا جعله يهمس تحت انفاسه...
"تبالي."
وجودها بجانبه دون أن يلمسها ويعانقها ويذيب شفتيها بالقبل، سيكون عذابًا لا يطاق القلبه الذي أنهكه الإشتياق.
كان بإمكانه أن يبوح بالحقيقة ويأخذها إلى إسطنبول، سواء رضيت أم لا، ويفرض الأمر الواقع عليها.
لكنه أراد أن يستعيد حبها أولا، أن يستعيد عرشه في قلبها ويتربع عليه كما كان في السابق، أن
برى ذلك البريق في عينيها العاشقتين له يجنون.
فهو لا يقبل بالقشور، ولا بأنصاف الحلول، ولا يؤمن بمقولة عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.
اما أن يظفر بكل شيء لنفسه، وعلى النحو الذي يرضي غروره، أو لا يلتفت من الأساس.
وقلبها عرشه.
كان قلبه يشتغل بدار جامحة، وعقله يخطط للعودة إلى سابق عهده، حينما كانت هي ملكه
هز رأسه متفهما ثم قال مشيرا بيده...
"هيا اركبي.."
لترد بنفس الابتسامة ...
عفوا، أنا لا أركب مع الغرباء "
رفعت يدها معتذرة ...
" أعذرني، فأنت في حكم الغريب ما دمت لم أتذكرك بعد... فقط الحقني بسيارتك، وأنا سأسبقك
إلى مطعم مطل على شاطئ لا يبعد عن هنا كثيراً . "
اعتدلت في وقفتها واتجهت نحو دراجتها المركونة عند المدخل لتركبها بخفة ملوحة له بأن يلحقها ...
تياء من قال أن الطباع تتغير أو تفقد كالذاكرة !... هكذا حذت الزعيم نفسه ليهز رأسه بلا فائدة.
ترجل عن مقعده الخلفي للسيارة، بعد أن أمر السائق وحراسه بالعودة إلى مقر الإقامة، ليتولى قيادتها بنفسه ويلحق فاليريا التي لم تبتعد عن مرمى بصره إلى أن وصلت إلى مطعم قديم الطراز ومطل على البحر، يعتبر وجهة مفضلة للباحثين عن إطلالة المتوسط من مرتفع صخري
أخاذ زادته طيور النورس المحلقة فوقه رونقا مميزا.
انتظرت حتى ركن سيارته وهي تعاملها فخامتها بإعجاب خاصة حين ترجل منها لتقول بعفوية ....
" أرى أنك صرفت رجالك ؟"
اقترب منها وخلع نظاراته ناظرا داخل عينها ...
"لم أعهدك تحبين تحلق الرجال حولك "
ظلت محافظة على ابتسامتها على الرغم من عدم ارتياحها لأسلوبه الملتوي في الإجابة، لكنها فضلت أن تجعل الأمر أكثر سلاسة ولا تبدي استياءها من البداية، فكما قالت خالتها: الفريق
يتشبت بقشة.
للصراحة، وجودهم حولك يوحي بأني اجلس مع رجل مافيا .. فلا أحد يقابل رجل مافيا بسهولة في أيامنا هذه "
تركته لتدخل إلى المطعم في محاولة الإخفاء اضطرابها وخفقان قلبها عندما اقترب منها وغزا عينيها بنظراته المظلمة .. بينما دعا من أعماق قلبه أن يمنحه الله الصبر....
منظر قوارب الصيد الزرقاء وهي تطفو فوق مياه صافية تعكس زرقة السماء أشبه بلوحة فنية
غاية في الجمال
منظر بديع، والأجمل منه منظر طاولة الفطور التي امتلأت بألذ الأطعمة، مما فتح شهية فاليريا لنبدأ بتناول فطورها تحت أنظار الزعيم الذي اكتفى بقهوة سوداء وسيجار كوبي، وبمنظرها
اللطيف وهي تدهن البانكيك بالنوتيلا.
هذا المنظر يبعث في نفسه راحة كبيرة افتقدها طويلا، لأنها لم تتغير، مازالت قطته المتمردة
التي عشقها حتى النخاع...
وضع سيجاره جانبا، واعتدل في جلسته، قائلا بنبرة رخيمة ...
"البانكيك بالنوتيلا من الأكلات المفضلة لديك... أتذكر جيداً أول فطور حضرته لأجلي "
لاحظت أن يمان يتحدث بنبرة فيها الكثير من الحنين والغموض، وكأنه يريد إحياء ذكريات ضائعة في غياهب النسيان...
استرعى كلامه التباهها، وعيناها اتسعنا بدهشة، بينما شفتاها الفتحنا قليلاً كما لو أنها على وشك أن تقول شيئاً لكنها توقفت. مشدوهة.
هز راسه مؤكداً، وزاوية من فمه ارتفعت في ابتسامة خفيفة، كشفت عن جزء صغير من أسنانه.
عيناه اللتان كانتا باردتين عادة لمعنا بريق دافئ الثانية واحدة قبل أن يعودا إلى طبيعتهما. ليها رأسه مؤكدا كلامه السابق ....
"نعم، لكنني لم أكل منه . "
مسحت فمها بالمنديل ببطء إيماءة غير واعية تكشف عن استغرابها العميق، يدها ارتجفت قليلاً
وهي تضع المنديل على الطاولة، وعينيها لم تفارقا عينيه.
" وماذا كانت ردة فعلي ؟... لا بد أنني غضبت منك ..
رد بصوت منخفض، وعيناه تتألقان بابتسامة "الدوشين " تلك التي جعلت قلبها يخفق بسرعة. وكأنها تستعيد شريط ذكرياتها معه وتتساءل عن تلك اللحظات التي جمعتهما معا.
تصنعتي اللامبالاة، لكن عينيك كانتا حزينتين.. فلم أغادر حتى جعلتهما تضحكان..."
السبب لا تعرفه خفق قلبها مجدداً لنبرة صوته ونظرته الساحرة شعرت بدفء يكتسح وجنتيها، فهريت بعيونها الخضراء نحو الأفق كأنها تحاول استحضار اللحظة لكنها تفشل وهي تصطدم
باللاشيء داخل عقلها ...
تم قالت بصوت خافت يكاد يكون غير مسموع .....
" الهذه الدرجة كنا أصدقاء مقربين ؟!"
عادت ببصرها نحوها مدفوعة بفضول مثير...
" وا.... كيف جعلتهما تضحكان ؟"
لم يكن هذا الإعطاء أجوبة سهلة وجاهزة بل هدفه تحفيزها على التذكر بنفسها، اكتفى بإخراج هاتفه ببطى قائلا...
"عليك أن تتذكري بنفسك"
فقالت باستهجان...
"أهكذا تساعدني على التذكرا؟"
فتح هاتفه ليمده لها ...
بل هكذا سأساعدك"
عندما أخذت الهاتف منه لامست أصابعها أصابعه، فشعرت برعشة خفيفة، كان شرارة صغيرة تسئلت إلى جسدها.
رفعت نظرها نحوه فوجدته يراقبها بعمق بعينين ثابتتين لا تخفيان اضطرابه، بينما بقي وجهه جامدا كقناع يخفي ما يدور خلفه.
حولت نظرها سريعا لهاتفه استفاجأ برؤية صور تخصها، في أماكن مختلفة وفي أعمار متفاوتة.
ظلت مشدوهة لتلك الصور لا تصدق أنها ترى نفسها القديمة وكأنها شخص غريب عنها ومع كل تركيزها المنصب على تلك الصور لم يفتها نهوضه الهادئ عن مقعده ليجلس بالمقعد المجاور لها قريباً جداً منها لدرجة أن شعرت بحرارة أنفاسه تلامس عنقها، وبدأ يتحدث بصوت منخفض
وخشن يحمل رنينا من الحنين....
أخبرها أنها فتاة من أصل جورجي، ابنة قاضي محترم وأنها كانت تدرس القانون قبل أن تختفي، حدثها عن فاليريا التي عرفها وعن طباعها، عن حبها الشديد للنحت، وعن قطنها .snow
كانت مشاعرها متضاربة بين السعادة والحماس وبين الخوف وعدم التصديق، وهي تمشي برفقته بمحاداة البحر...
عيناه كانتا تتألقان بذكريات الماضي، وشفتاه كانتا تنطقان الكلمات ببطء. كما لو أنه يعيش اللحظات تلك من جديد.
أخبرتها خالتها أن والديها متوفيان، لكنها لا تدري لماذا شعرت بالحزن حين سمعت بوفاة والدها منه بالضبط، رغم أنه لم يضف تفاصيل أكثر من التي سمعتها من خالتها ...
صدقت كل كلمة قالها حتى لو لم تتذكر شيئاً، لأن عقلها وقلبها يمليان عليها ذلك.. أنه الوحيد الذي يملك أدلة على معرفته بها.
منذ أن استيقظت عاجزة وطريحة الفراش، كانت مضطرة لقبول ما يقوله من حولها عن نفسها وعن حياتها السابقة بدون أي دليل فقط مجرد كلام لا يوجد طريقة للتحري أو البحث عن صحنه
حتى الأنترنيت والهاتف ممنوعان بحجة الحرص على أمانها ..
وبعد أن تحررت من تلك القيود بحثت في الانترنيت لكنها لم تجد شيئا لا صور لها أو لعائلتها حتى حساب الانستغرام الوحيد باسمها لم تكن به صور لصاحبته، فقط مجرد صور المنحوتات من الصلصال ...
ظنت أنه مجرد تشابه أسماء، لكن بعد أن أخبرها بأنها تمارس النحت على الصلصال تأكدت أن الحساب يعود لها، لكن مع الأسف لا يمكنها الولوج إليه لأنها لا تتذكر كلمة المرور... هنا فكرت بأن تسأله عن اسمه العائلي...
"لم تخبرني عن إسمك الكامل بعدا"
فطن إلى أنها تريد التحري عنه في الانترنت فرد مبتسما، وابتسامته كانت خفيفة لكنها كشفت عن أسنانه البيضاء الثانية واحدة قبل أن يعود وجهه إلى طبيعته الجامدة ...
"يمان أوزيتش"
قالها بثقة لأنها لن تجد أي خبر عن زواجهما حتى لا تعرف أنه زوجها.
شردت قليلا وهي تردد إسمه الكامل في عقلها، وعيناها السعنا قليلا كأنها تحاول أن تتذكر شيئا، حتى سمعته يسألها بدوره .....
"هل يعني لك هذا الإسم سيدا؟"
ارتبكت.. نظراته أريكتها أكثر من السؤال نفسه، وأحمرت وجنتاها كطفلة صغيرة. حاولت أن تصرف عينيها عنه، لكنها فشلت كأن شيئا فيها يأبي الفكاك من من نظره.
تمتمت بصوت خافت يحمل ارتباكا صادقا ...
هل من المفترض أن يعني لي شيئا؟"
مد يده نحوها، يحتضن خاصتها في راحة كفه يرفق متعقد. ارتعشت وشعرت بصدمة دافئة تسري في جسدها كتيار كهربائي.
قادها لتجلس بجانبه على المقعد الخشبي المطل على البحر، وكان قربا ثقيلا و خانقا زاده صمته العميق ترقباء
قال بصوت يحمل من الدقاء يقدر ما يحمل من الغموض...
كنت يوما قريبا منك ... أكثر مما تتصورين. كان ينبغي أن تتحرك فيك مشاعر ما، بمجرد أن سمعت اسمي "
بلعت ريقها، تحسست دف و جنتيها، وعيناها كانتا تنتقلان بين عينيه وشفتيه، تنبع كل حركة منه كانها تبحث فيها عن ماضيها المفقود.... أو عن نفسها.
"كلامك يوحي بأنك لست مجرد صديق قديم، ماذا كنت في حياتي..؟"
لم تستطيع الابتعاد حين شعرت بقربه بكبر شيئا فشيئا، حتى أصبحت أنفاسه تلامس بشرتها. ورائحة سيجاره الفاخر الممزوج بعطره الرجولي باغناها كحجر سقط في بحيرة أنونتها الراقدة فأفسد هدوؤها وبعثرها.
إنه مزيج عجيب وساحر، كأنه كلمة السر التي حركت كيانها وأيقظت مشاعرها الخاملة من سباتها الطويل...
عيناه كانتا مثبتتين على عينيها مشدودتان كانهما يبحثان عن إجابة في أعماقها. كنت.. وما زلت.. وسأبقى "
اجوبته المقتضبة والمشحونة بالغموض كانت تفتح شهيتها للمزيد وتجعل السخط يتضاعف في أعماقها بسبب تحفظه الشديد وشعورها بأنه ينتقي من الكلمات ما يجعل شيئا آخر يتحرك داخلها ويوقظه من سباته، شنيا لا تعرف ما هو ولا تخشى أن تعرف.
"لم أفهم ما تريد قوله ".
صوته كان منخفضا وخشناً، لكنه كان يرسل شحنات كهربائية عبر جسدها، وقد صار القرب خطيرا وتجاوز الخطوط الحمرا....
شعوره المميت في ضمها بقوة يقتله الآن ببطء شديد، لكنه لا يستطيع ارباكها أكثر من ذلك وتشتيت ذهنها، ربما سيعود عليه بنتائج عكس ما يصبو إليه، لذلك يجب أن يقمع رغبته المجنونة بها ويسيطر على نفسه أكثر.. لا.. ليس الآن، هكذا قال لنفسه وهو يتراجه تدريجيا...
ليقول بنبرة لا تعكس ليقته المتاججة نحوها ...
لتكتفي بهذا القدر اليوم، فكري فيما قلته ودعي الأمور تسير بروية، الطني المتمردة" ابتلعت ريقها لتهز رأسها بتفهم ثم نهضت من مقعدها، تحاول الملمة نفسها ...
حسناء على العودة قبل أن تقلق خالتي نغيابي المطول"
لوحت بيدها مع ابتسامة متوترة...
"أراك لاحقا"
غادرت دون أن تلتفت إليه، كأنها تهرب من ماضيها الذي يطرق بابها بقوة ليجتاحها وهي ليست مستعدة بعد المواجهة حقيقتها، وخوض حياة تلك التي رأتها في هاتفه وفي بريق عينيه وتيرة صوته ودفئ لمسته.
راقبها بابتسامة رضى عيناه تتألقان ببريق من الانتصار، فقد أصاب غياره قلبها من جديد.
أخرج هاتفه واتصل بغيرنا، وبنبرته الواضحة نيهها لأن تستعد لتنفيذ الخطوة الموالية الاستدرجيها في الكلام، يريد أن تحدثها فاليريا عن الموعد وما دار بينهما خلاله، يريد أن يحفز عقلها على التذكر وأن يبقيه مشغولا بماضيها وبه.
عادت فاليريا إلى البيت لتجد خالتها في المطبخ، تستمع لأغنية غريبة أثناء إعدادها للغداء.....
هذا النوع من الموسيقى لم يكن ذوقها المفضل أبداً.
كانت الأغنية تراثية بلغة مختلفة، مليئة بالشجن والحنين الذي يجعلك تشعر بالحزن العميق.
خالتها عادة ما تستمع للأغاني الجورجية الصاخبة، وليس لهذه الألحان الحزينة التي تبعث في النفس شعوراً بالغربة والحنين.
علقت فاليريا الجاكيت الخاص بها محاولة تجنب خالتها لنتجه إلى غرفتها، لكن صوت الأغنية كان عالياً كفاية لتسمعها من غرفتها.
غيرت ملابسها وهي منتبهة إلى أن خالتها تعيد تشغيل الأغنية كلما انتهت، حتى عليها فضولها النتجه إلى المطبخ ...
"ما هذه الأغنية خالتي ؟.."
سألت وهي تدخل المطبخ عيناها مثبتتان على ميرنا التي كانت تتفقد شرائح الدجاج في الفرن بتركيز.
فأجابت دون أن تلتفت لها، صوتها طبيعي تماها ...
"متى عدت ... لم أنتبه لك عزيزتي !"
قالت فاليريا وهي تفتح الثلاجة لأخذ زجاجة المياه...
"كيف ستنتبهين وصوت الأغنية ملا البيت...؟"
ضحكت ميرنا وهي تقلب شرائح الدجاج، لكن فاليريا شعرت بأن ضحكتها كانت مختلفة ....
"ألهذه الدرجة !... إنها أغنية تراكية من بلغاريا، وجدتها وأنا أبحث عن أغاني مختلفة فأعجبتني رغم أنني لم أفهم كل الكلام لكنها تبكي الحجر حقاً."
أخذت فاليريا هاتف خالتها لتقرأ عنوان الأغنية "Malka Moma"، اللحن والكلمات بدت مألوفة لها، كأنها سمعتها في حلم أو في حياة سابقة.
باغتتها ميرنا بسؤال فضولي وهي تلتفت نحوها ....
"كيف كان اللقاء؟ وماذا أخبرك عن ماضيك؟"
تنهدت بعمق، ثم جلست إلى الطاولة في منتصف المطبخ متكنة بذراعيها عليها، كانها تحاول ان
تستند إلى شيء ثابت في وسط ارتباكها.
قالت بصوت خافت يحمل شيئًا من الدهشة ...
"أخير لي عن طفولتي.. عن والدي.. عن دراستي وهوايتي المفضلة ."
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيها، ثم أضافت بصوت يتهذج بالعاطفة ...
قال إنني أحب التحت على الصلصال، وإن لي حسانا خاصا بمنحوتاتي.. أراني صورا كثيرة.."
توقف صوتها لحظة، قبل أن تتابع بابتسامة مندهشة كأنها تكتشف ذاتها من جديد.....
"حتى أنني أملك قطة اسمها Snow... تركتها حاملاً، والآن صغارها قد كبروا.....
اقتربت ميرنا و جلست بجانبها، لتمسك ذقتها برفق وترفع رأسها نحوها...
" المفروض أن يجعلك هذا سعيدة، لا حزينة يا حبيبتي "
اجابت فاليريا وهي تشيح بوجهها نحو النافذة تنبع بخيالها خط الأفق البعيد..
"صحيح .... لكن اكتشاف حياة أخرى غير التي أعيشها أمر مربك .... ومخيف..
ذلك الرجل يظهر أقل بكثير مما يخفي.. أشعر أنه يخفي حقيقة حزينة، أو بشعة.. شيئا له علاقة باختفائي..
والأغرب من ذلك أن قلبي يهمس لي بأنه ليس مجرد صديق.... ربما ما بيننا يتجاوز حدود الصداقة"
ابتسمت ميرنا بخفة، ومدت يدها لتداعب خصلات شعرها برفق...
"أنا أظن ذلك طريقته في الكلام عنك مميزة، لو كنت مكانك لوددت أن يكون أكثر من مجرد صديق"
ارتبكت فاليريا فجأة، وقالت بنبرة حادة تخفى اضطرابها....
"أنا لا أبني أمالي على الظنون.. ثم إن حالتي لا تسمح لي بالتفكير في مثل هذه الأمور... أليس الأجدر بي أن أجد نفسي أولا؟"
ثم نهضت مغادرة المطبخ بخطوات سريعة
نادتها خالتها وهي تبتسم ....
فاليريا ! هاتفي من فضلك !"
عادت متوترة لتعيد لها الهاتف الذي نسيت أنه في يدها، وقالت وهي تزفر بضيق....
لا عتب على من هو مثلي، تفضلي "
تم السحبت إلى غرفتها، فيما بقيت ميرنا تنظر إليها وهي مبتسمة ...
أمضت ليلة أخرى تتقلب على فراشها كمن تطارده أطياف لا تهدأ، يتاكسها النوم ويغادرها النعاس كلما أغمضت عينيها.
كانت الأفكار تزاحم بعضها في رأسها، والصور تتداخل كأنها مقاطع من شريط مفقود تحاول الذاكرة استعادته عبئاً.
مدت يدها نحو الهاتف، وأصابعها ترتجف وهي تحدق مطولاً في خانة كلمة المرور الخاصة بحسابها، والتي بدت كجدار منسي بين حاضرها وماضيها.
حاولت ادخال كلمات متفرقة علها تفتح لها الباب المغلق على هويتها، لكن دون جدوى.
تنهدت بملل، لتجد نفسها دون وعي تتصفح صفحته على أحد المواقع الخاصة برجال الأعمال.
ما إن ظهرت صورته على الشاشة، حتى تاهت نظراتها بين ملامحه التي تشبه الأسرار تلك النظرة الواثقة، والابتسامة الغامضة التي تأسر وتربك في ان واحد.
استحضرت تفاصيل لقائهما، نبرة صوته رائحة عطره، واهتر في داخلها وتر خافت، كان ذاكرتها تحاول أن تهمس بشيء ثم تخوله الجرأة.
كل ما أرادته في تلك اللحظة هو أن تستعيد نفسها، أن تنتشلها ذاكرتها من هذا الجحيم، جحيم البحث المضني عن ابرة وسط الضباب الكثيف.
لم تحتمل الفضول أكثر ضغطت زر الاتصال، وقلبها يخفق بعنف كمن يقبل على اعتراف
لكن ما إن سمعت صوته حتى انعقد لسانها، وكأن الكلمات تراجعت خجلاً إلى أعماقها.
جاء صوته من الجهة الأخرى هادئاً عميقاً، يحمل شيئاً من التسلية ونبرة يعرف كيف يستخدمها.....
"يبدو أنك لم تنامي جيداً ... لليلة الثانية على التوالي، أليس كذلك ؟ أنت تجهدين نفسك كثيراً." ابتلعت ريقها وقالت بخجل...
"ما أدراك أنها الليلة الثانية ؟ "
أجاب بثقة هادئة، تكاد ترى ابتسامته من خلف كلماته ....
من ملامحك المرهقة هذا الصباح .... ربما مغامرة صغيرة في منتصف الليل ستجعلك تغفين أينما كنت من التعب"
سكت لحظة، صوته أصبح أكثر انخفاضاً وأكثر دفنا ..
"كنت دوماً شجاعة تملكين روح المغامرة والتحدي... ترى هل ما زلت كذلك؟ أم أصبحت جبانة ؟"
قالت باندفاع وتحد خافت...
"لا أدرى ... لكنني بالتأكيد لست جيانة "
ساد صمت قصير بينهما، ثم جاء صوته الأخير قبل أن يقطع الاتصال، وعبارته تسقط في أذنها كتبوة غامضة ...
"إذن... انتظريني "
رافتها الفكرة فابتسمت ترحيباً بها، لكنها لم تتوقع وصوله حقاً، ارتجفت قليلاً وارتفعت على أطراف أصابعها لتظل عليه من النافذة...
" انه هذا.."
نزلت بهدوء، حريصة على ألا توقظ خالتها، فتحت الباب لتفاجأ به يدخل البيت كأنه من أهله.
يتحرك باريحية وثقة.
أغلقته خلفها ولحقت به الشهره بلهجة حادة، لكنها أشبه بالهمس حتى لا توقظ خالتها، مما أثار
این روح المغامرة لديك ؟"
فجأة لاح ضوء أسفل باب الغرفة المجاورة، استيقظت خالتها على صوتهما، فسحبت فاليريا يد
يمان لتدخله غرفتها وتغلقها، بينما كان مستمتعا بتوترها وخوفها.
آخر ما كانت تريده هو أن تراها خالتها مع رجل في منتصف الليل داخل منزلها ...
وضعت سبابتها على شفتيها....
شووووت.. لا تصدر صوتاً."
رد هو بلا مبالاة، مستغلاً موقفها ....
"إذا وافقت على الخروج معي الآن.. سوف التزم الصمت "
قطبت حاجبيها وقالت...
طبعا لن أخرج معك في مثل هذا الوقت... كيف يعقل أن أخرج معك وأجازف بكشف نفسي أمام خالتي ما الفائدة من إخفائك في غرفتي إذا؟!"
رد بیرود.
احتمالية كشف أمرنا هنا أكبر بكثير.. صدقيني أنا لست من النوع الذي يخجل من تصرفاته
عكسك تمام"
وضعت يدها على قمه الإسكاته، إذ سمعت خطوات خالتها تقترب لتتوقف أمام الباب، امسكت مقبض الباب تريد فتحه لكنه كان موصدا من الداخل، فنادت...
" فاليريا، لماذا أغلقت الباب عليك؟ هل أنت بخير؟"
كانت فاليريا قد ضاعت وذابت بسبب قربه جحيم عينيه حرارة أنفاسه على يدها، وملمس شفاهه ولحيته الشائكة دغدغ أعمق نقطة داخلها وأحرق آخر ذرة اتزان في عقلها.
أصابها الهذيان من أريج الصندل والبرغموت، لكنها سحبت نفسها من قده المدمرة وأجابت دون أن يتوقفا عن مطارحة أعينهما...
"أنا بخير.. أنا اتحدث عبر الهاتف وأحتاج بعض الخصوصية إذا سمحت، خالتي .."
شعرت باتساع شفتيه تحت يدها، فابعدتها عنه يضيق، لتكتشف تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه وهو يهمس بخفوت ماكر...
"خصوصية "...
لم تدر كيف ولماذا، لكن ابتسامته الساحرة سحبت منها رغما عنها ردة فعل مشابهة، فابتسمت هي الأخرى بدل أن تستاء من سخريته.
شيء غامض في تلك اللحظة جعلها تتفاعل مع ضحكته التي بدأت مكتومة تم الفلتت تدريجياً
حتى خرجت عن السيطرة.
حينها فقدت صبرها، فالتقطت وصادتها بسرعة وضربته بها احتجاجاً على تهكمه، لكن الموقف سرعان ما تحول إلى مشهد أقرب إلى المزاح الحميم، اشتباك لطيف لم يدم طويلاً حتى حسمه ميزان القوة الصالحه...
وجدت نفسها تحته، عاجزة عن التملص من قبضته، تشعر بضغط جسده التقيل فوقها، والأنفاس بينهما تتقاطع على مسافة أقرب مما ينبغي.
نظر إليها بعينين اشتعلت فيهما الرغبة حتى صارت رماداً. لم يسبق له أن ركض خلف امرأة في حياته، ولم يسبق لقلبه أن رق لأننى أو نزل من برجه غروره الغاني لأجل الحب.
هي الاستثناء الوحيد مصيبته وبلاده سعادته وفرحته الداء والدواء معا.
ما عاشه قبلها كان حقبة من العصر الجليدي المظلم، وما بعدها أصبح دافئاً يحبها ومثيراً بوجودها، ببساطة، هي بداية التاريخ العمره، فقد ولد من جديد على يدها.
رؤية الحيرة والخوف في عينيها تفقده صوابه، بعد أن كان كل شيء في حياتها صار لا شيء... لقد ضاق درعا في انتظار ذاكرتها اللعينة أن تعود إلى رأسها.
لقد وصل لأقصى قدرة له على التحمل فاظي الشوق لم يترك ذرة فيه إلا والهبها.. شياطينه على وتك تحطيم أغلال الصبر والمروءة لتعريد كما تشتهي على جسدها الغض.....
كانت مصدومة ومحرجة من وضعها هذا على السرير مع رجل لم تقابله إلا مرتين يستلقي فوقها.
اتسعت عيناها حين شعرت برجولته النافرة أسفلها، وشعرت بخوفها يختلط بشيء آخر لا اتستطيع التسميته.
وضع يده على فمها يتحسس باطن كفه شفتيها بعيون جائعة، هامشا بالقرب من أذنها ...
شووووت... لا تصدري صوتا.. لن يكون لطيفا أن تكتشف خالتك أن ابنة أختها أدخلت رجلاً إلى سريرها."
صوته كان متونزا، كما لو كان يكبح وحشا داخله، لكنه لم يتراجع. أراح يده عن فمها يبطم. فتلعثمت بصوت مرتعش...
اد حقا ... ولن يكون لطيفا أن يعرف الناس أنك استغليت فتاة فاقدة للذاكرة مثلي ... لذا انهض عني "
زاد ضغطه عليها، وظلت عينيه مظلمتين، كأنهما نافذتان على كل خبايا قلبه، قائلاً بصوت منخفض، خشن لكنه مسيطر...
"لا يمكن لذاكرة لعينة أن تبعدني عنك وتحول بيني وبينك. أعرف ما ينتابك حين أنظر إلى داخل عينيك وحين المسك. كل ذرة فيك تعرفني، باستثناء ذاكرتك اللعينة، وقد ضقت ذرعا بانتظار أن تستعيدي الماضي وأن تفتحي ذراعيك لي، وتقولين انك اشتقت إلي كما اشتقت إليك، يكفي، لقد استنفذتي كل صبري .... لذا سوف أجعلك تتذكرين من أكون يا قطتي الصغيرة "
بدا كرجل فقد عقله تماما حين نهض عنها وخله سترته ليسحبها إلى حضنه بمجرد أن جلس على حافة السرير جاعلا ساقيها تحيطان جانبي خصره رغما عنها.
حاولت النهوض عنه لكنه كان أقوى منها ولا فائدة من ضربه صدره الصلب أو دفعه.. إنه كصخرة صلية بعقل مغيب انفاس حارة ومشاعر هائجة....
أعاد يديها خلف ظهرها ليحيسهما داخل قبضته بينما يده الأخرى على فكها متينا إياها وقائلا بحدة..
توقفي عن المقاومة وأنظري داخل عيني.. دعي مشاعرك تخبرك من أنا.. وما أكنه للد."
عادت مشاعرها الغربية عنها تغزو قلبها وعقلها صوت يصرخ داخلها بأنه صادق، ليتلاشى الخوف والاستياء تماماً وبدأت تدرك أن ما يجمعهما شيء أكبر من علاقة سطحية.
تحكمه يجسدها والسيطرة التي يمارسها على كيانها جعلا عقلها يكاد ينفجر، لا تصدق انه يملك هذا التأثير الغريب عليها، احتكاك أسفلها بفخذيه القويين، كيف قيد حركتها بقسوة محببة، دف. أنامله على دقتها. عطره الذي أحاط بها وايقاع أنفاسه الثقيلة والمسكرة، بحة صوته التي توغلت إلى احشائها مثيرة شعورا افتقدته كأنثى.
كلها جعلت الجو حولهما منخن بالخوف والرغبة في أن واحد، بحق الجحيم ماذا يحدث معك. فاليريا، لماذا لا تصرخين فحسب ؟!
لكنها لا تتعرف عليه.. لا تتذكر.. وليتها تفعل.. لأول مرة تتمنى لو تتذكره في هذه اللحظة... شعورها بقلة الحيلة أمام نظرات الاحباط من عينيه جعلتها تلعن حياتها العابثة...
فجأة اتسعت عيناها حين سألها عن الوشم وهل سألت يوما عن ماهيته.. اجابت بلا تردد.... "طالما سألت، ولم أجد إجابة شافية... كيف حصلت عليه ؟ وما علاقته بالندبة التي بجواره؟.. "
كان يريدها أن تتذكر أجمل اللحظات بينهما لا أبشعها، تمنى ألا تتذكر سوى الجانب الذي عشقته فيه الحالب المشرق فيه وليس المظلم منه، وألا تتذكر أبداء الأكاديمية.. أوستن وابيل، ميتة
والدها البشعة وأنه كان سببا غير مباشر في مأساتها يوما ما.
لكنه حتى في ظروف كهذه لا يكذب ولا يجعل الحقائق مادامت تريد إجابة شافية، فليجيبها ليحرق عقلها بالحقيقة ...
"أنا صاحب الوشم وصاحب الندبة .. أقصد أنا من أطلق عليك النار ووشمت تاريخ الإصابة عليه
حتى لا تنسبها أبدا."
اتسعت عيناها من الصدمة لتقول بعدم تصديق...
"أنت مجنون أو تمزح معي !؟"
فتح ازرار قميصه كاشفا عن جرح صغير في رقبته وعليه وشم بتاريخ مختلف...
" أنت من بدأ أولا والبادي أظلم... هذا وهم يؤرخ لفعلتك المجنونة ... آترين ؟ تست الوحيد. المجنون هذا .. أنت أكثر جنونا ولو أتيحت لك الفرصة يمكن أن تشكلي تهديدا حقيقيا للبشرية قطتي الشرسة"
ازدادت حيرتها أكثر، و تاهت نظراتها بين ملامحه وكأنها تبحث في وجهه عن خيط للنجاة، قبل أن تبوح بما اعتمل في داخلها بصوت مبحوح يقطر ارتباكا.... "أنت حبيب أم عدو؟ "
تأملها بعمل حاري جعل أنفاسها تضطرب، ثم قال بنبرة ثقيلة تجمع بين القسوة والعشق...
"أنا أكثر من مجرد حبيب عاشق وعدو حاقد... أنا كل شيء جميل وقبيح في حياتك.. قد أجعلك أميرتي الحرة، وفي اللحظة الموالية أجعلك عبدتي المطيعة "
تجمدت في مكانها من وقع كلماته، وفي غمرة دهشتها لمحت جزءا من وشم يطل من فتحة قصصه
امتدت يدها نحوه ببطء لتزيح القماش، وتراه بوضوح لكله أمسك يدها قبل أن تكشفه، وقال بحزم خافت يحمل ظلا من الخيبة...
الا.. سيكون محيطا لي أن تريه ولا تتذكري تفاصيل الطقوس التي ترافقه."
دق قلبها بعنف كأن شيلا داخليا يستيقظ من سباته، وارتفعت حرارة جسدها وهي تلعن في سرها قدرته الغريبة على التلاعب بمشاعرها. يبلغ بها عنان السماء تارة، ويقذفها إلى حافة الانهيار تارة أخرى من الصعب مجاراته، ومن المستحيل الحفاظ على رباطة جأش أمامه.
وفي خضم اضطرابها وجدت نفسها تسأله بملامح يكسوها الغموض...
هل حصل بيننا لقاء حميمي ؟"
زفر مبتسما بسخرية خافتة، وقال ببرود مثير.
"ألم تنظري الى بكل ثقة وأنت تعرفين عن نفسك بأنك أنسة ؟ لماذا لم يخطر في بالك ولو احتمال ضئيل أنك قد أمسكت قضيبا في حياتك من قبل؟"
تدفقت الدماء إلى وجنتيها واجتاحها غضب دفعها للرد عليه بصفعة مدوية، مجرد صفعة، لكنها كفيلة بأن ترد اعتبارها، بينما تلقاها دون أن يرف له جفن، مستمرا في تحديها بنظراته الشيطانية
وابتسامة مريضة ترتسم على شفتيه.
كان رجلاً على حافة الجنون، يرى نفسه وكأنه يحاول ايقاظ روح ميتة، يتحدث إلى جمجمة
محيطة منذ سنة، بلا حياة بلا شعور.
ربما صفعة من كفه الغليظة، قادرة على كسر فكها، سترنيها من جديد وتعيد لها وعيها، لكنها لم لكن لتطفي غليله أكثر من جعلها تتلظى بنيران الشهوة، لتدرك تماما من يسيطر على خيوط اللعبة، ومن هو الزعيم.
أعاد يديها خلف ظهرها من جديد ليقبض على رقبتها مقربا إياها من وجهه فاطبق على شفتيها الطريتين ببطء، اخذا كل وقته وهو يمتصهما وينتقل بينهما بترو، يروي بتبعهما عروقه اليابسة منذ شهور عديدة.
لم تملك سوى أنين خافت ومنقطع، لا يعكس الزلزال الذي يضرب قلبها وروحها من الداخل.
قبضته القوية، سيطرته الفجة، وضعفها المستسلم بين يديه، وخيانة جسدها، شكلت صدمة أفاقت ذاكرتها من سباتها الطويل يستعرض أمامها شريطا باهنا المشاهد من الماضي اكثرها وضوحا كان حرب الوسائد وضحكات تعلو كوميض مفاجئ يعيدها للحظة كانت ناعمة ومشاغبة في أن واحد.
فجأة توقف ليتركها تنزل عنه، لقد كبح نفسه بأعجوبة ثم النقط سترته وأخرج منها سيجارته ثم تراجع إلى النافذة بعد أن أشعلها ليسحب نفساً طويلاً وعميقاً، كان يحق بحاجة إليه.
فضل أن يحرق سيجارته على أن يحرقها هي، ليتكئ على حافة النافذة في صمت ثقيل، بينما انكمشت على نفسها فوق السرير تراقب كل شهيق وزفير بعينين زائفتين من الصدمة.
التقت إليها قائلاً بعد مدة...
"سأعود إلى إسطنبول غداً صباحاً لحضور حفل توديع العزوبية الذي أقيم من شرف لوكاس...
بعدها سأعود لأخذك من هذا "
سحب نفساً آخر وأضاف بسخرية...
"الوغد سيتزوج من مارسيلا أخيراً .. لنرى ماذا سيحني من الزواج.. ربما سيجني ما جناه زعيمه !"
زفر وهو يهز راسه بلا جدوى...
"تبالي .. أتكلم معك كانك واعية لما أقوله."
أخذ سترته وغادر، تاركاً إياها في الوضعية ذاتها، وما إن أغلق الباب خلفه حتى امسكت مزهرية من على منضدة السرير، فألفتها نحو الباب لتنكسر مسببة ضجيجاً في البيت.
اندفعت على اثره ميرنا من غرفتها، غير أن رؤيتها للزعيم أمامها جعلتها تشهق من المفاجأة. أشار لها أن تعود إلى غرفتها وتتركها وحدها قليلا، فتراجعت في صمت شاعرة بالإحراج من تطفلها على الزوجين.
لم تستطع النوم إلا بعد أن اطمأنت عليها، حين دخلت غرفتها بهدوء لتجدها نائمة بوضعية متقوقعة في آخر السرير أغلقت النافذة حتى لا تبرد، ثم خرجت بهدوء.
لا أحد من مكان القصر يدرك أن فاليريا ما زالت على قيد الحياة، باستثناء أراس، الذي كان باترقب لحظة دخولها من باب القصر مع الزعيم، ويتأكد من سلامة عقل ابن أخيه الذي اقترب من الجنون بسبب ما حدث.
هي الوحيدة القادرة على إعادة ضبط عقاريه وكبح غضبه المميت الذي كان سيهدم كل شيء حوله زفر بعمق، وهو يكاد لا يصدق أن معضلة الفلاشة اللعينة قد خلت أخيرا، وبأقل الخسائر الممكنة.
والأهم من ذلك، أنها خلت بطريقة أرضت الزعيم وهذات من ثورته التي كانت ستلتهم الأخضر واليابس، وتهدد يطمس اسم الى أوزيتش وراء الشمس.
حين اكتشف الزعيم تواطؤ أوستن مع أبيل وطبيب العائلة السابق في هذه المؤامرة، صار
واضحاً أن المواجهة مع الأكاديمية أمر لا مهرب منه.
كان من المستحيل تنيه عن ما نوى فعله، لكن تدخل ريغار في الوقت المناسب ورغبته بتبرئة. الأكاديمية من خطف زوجة الزعيم، دفعه ليبادر بإقناع الزعيم بالجلوس على طاولة المفاوضات قبل أن يضع يده على الزناد ويشعل شرارة حرب لا قبل لهم بها.
كان حقا يحسد أونور ولوكاس على المهمة الاستجمامية في مالطا.. الحقيران كلما اتصل بهما كانا يفيضانه.. فقط نيا...
عقد الاجتماع بسرية مطلقة في القرية النموذجية التابعة للزعيم... موافقة ريگار بإيعاز من الأكاديمية على الحضور إلى عرين الأسد لم يكن سيقا من نوعه، فقد حضر الجنازة قبل ذلك...
لكن هذه المرة حضر مع نائب رئيس الأكاديمية شخصيا، إلى قرية مدججة بالسلاح والفخاخ مطوقة بالكامل...
الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود... هذا كان أكبر دليل على براءة الأكاديمية من المؤامرة. ليس لأن أصحابها طيبون ولديهم أخلاق، بل لأن من مبادئهم إحترام العهود مع الأعداء قبل
هناك ضوابط يجب أن تحترم وخطوط حمراء يجب ألا تتجاوز حتى يمكن لكيان ما، مهما كان قويا أن يستمر حتى الوحوش الضارية تصنع قواعد لنفسها وتلتزم بها حتى لا تجد نفسها مكان فرائسها يوما ما.
وحين يخترق أحد أفرادها هذه القوانين يجب أن يعاقب بالموت حتى تظل قوانين الجماعة فوق سلطة الأفراد.. ولو لم تكن على دراية تامة بشخصية الزعيم الصياد ما تنازلت وأرسلت
ممثلين لها لتوضيح سوء الفهم.....
كان هو من استقبلهم ريثما يصل الزعيم الذي قرر تركهم ينتظرون كالكلاب، ليضغط على أعصابهم أكثر ربما يخرجون عن حدود اللياقة واللباقة معه، كي تكون ذريعة لدق أعناقهم، لم يكتفوا بأن دمروا طفولته وجعلوه وحشا بلا قلب بل يريدون تدمير حاضره ايضا...
بعد طول انتظار دخل عليهم بتعال وبملامح باردة محاطا يكتبين من أشرس الكلاب ليجلس بهدوء تام ويجلس كلياه المخيفان عند قدميه ...
كانت هذه إشارة سيئة للرجلين الجاليسن في الطرف الآخر من الطاولة... لا يبدو أن الزعيم سيقتنع بما سيقولانه بتاتا، مما جعلاه يلعنان أوستن في سرهما.. الوعد خطف زوجة أسوء
وحش في تاريخ الاكاديمية وتبخر في الهواء.
أكبر مخاوف الاكاديمية هو خروج الفلاشة للإعلام العالمي... ستكون فضيحة من العيار التقيل ستكلفهم الكثير لمحوها وجعل الرأي العام ينساها.
وهذا ليس في صالحهم، كما أن هناك من هو أعلا منهم مرتبة لن يعجبه أن تحرق إحدى أوراقه... والشركاء المتعاملون مع الاكاديمية قد يسحبون ثقتهم أيضاً...
"أرجوا أن ما جنتها لتقولانه يستحق وقتي الثمين"
هكذا كسر الزعيم الصمت المشحون بنبرة متعالية ومستفزة وهو يداعب أحد وحوشه ذات الفك الحاد كالمنشار.. ويدخن سيجاره بالتشاء.
رد ریگار وهو يشير إلى الرجل الجالس بجانبه...
"أنا والسيد ديمتري ازكي.. جننا بحسن نية لتوضيح سوء الفهم الذي حصل.. وأنت تعلم جيدا مكانتنا ومركزنا داخل الاكاديمية، لهذا اعتبر أن من يكلمك هو رئيس الاكاديميه.. وهذا شرف لا يحصل عليه أي كان"
نفت الزعيم دخانه مع نظرة باستصغار...
من قال بأني أرغب في رؤية وجوهكم الفكرة أو حتى وجه رئيسكم... أنا لم أسعى خلفكم حتى تفوتوا على بهذا اللقاء."
يتذكر أراس أنه تدخل لتهدئة النفوس قائلا ...
" أيها الزعيم، أضبط اعصابك ودعهم يقولون ما لديهم أولا."
هنا ضرب الطاولة حتى اهتز ما كان عليها، فبدأت الكلاب تزمجر وتكشف عن أنيابها الحادة...
" من نقض العهد وتأمر بخسة وندالة على ؟.. ومن أوصله جبنه إلى الاستقواء على امرأة .. والتي تكون زوجتي.. عرضى وشرقي ها اه؟؟.. وتطالب منى ضبط النفس والتعامل مع حمالة أمثالهم
على أنهم رجال .. اللعنة عليكم جميعا ..
صوته كان يزلزل القاعة ويدب الرعب في نفس الرجلين، بينما كادت اعصاب اراس تنهار من تعلت الزعيم، رغم أنه أوصاه ألف مرة بالحذر في التعامل مع ممثلي الاكاديمية وترك غروره
وكبريانه جانبا... لكن لا حياة لمن تنادي ....
هدأت ثورة الزعيم أخيرا، فعاد إلى مقعده بخطوات ثقيلة، مشيرا لهما أن يواصلا الحديث، فيما كان الكليان لا يزالان يزمجران على وشك الانقضاض.
تكلم نائب الرئيس بنيرة متوترة وقد التصق ظهره بالمقعد...
لقد أجرينا تحقيقاتنا الخاصة في الأمر، والتقرير أمامك يوضح كل تحركات أوستن خلال
" الفترة التي كلف فيها بملف الثلاثة، بعد إلحاح منه شخصيا، وافقنا حينها لأننا كنا نعلم أنه أكثر من يعرفك، وأنكما كنتما رفيقين في الأكاديمية، منحناه الثقة على أساس أنه سيتصرف ضمن حدود الهدنة، وأنه سيسوي المسألة بسلام....
لكننا اكتشفنا لاحقا أن وراء الحاجه رغبة دفينة في الانتقام منك، وإثبات أنه الأفضل بين دفعتكم
أشار التقرير قبل أن يكمل كلامه أملا أن يقتنع الزعيم....
"إذا ألقيت نظرة على تقرير ستجد أنه قام بانشطة غامضة وعقد لقاءات سرية، مستغلا قدرته على التخفي والتمويه كل الدلائل تشير إلى أنه خطط لخطف زوجتك من وراء ظهرنا "
ابتلع ريقه الجاف ثم واصل...
رجالنا رصدوه في الضاحية الغربية مع مطلع السنة الجديدة، واتضح لاحقا أن المنزل الذي دخله كان منزل الطبيب التابع لكم.... يبدو أنه كان هناك ليزيل آثار جريمته.... ويقطع آخر خيط يمكن أن يقوده إليه وذلك بقتل الطبيب"
هر الزعيم رأسه بتؤدة وكأن الأمر لا يثير دهشته.....
" إذن، أفهم من كلامك أن أوستن انشقت الأرض وبلعته، وأنكم بكل إمكاناتكم ونفوذ كم لم تعثروا عليه... صحيح ؟"
رمق النائب ريغار بنظرة استغراب مختلطة بتوتر، فتابع الزعيم بتهكم بارد...
" يعني أنتما أضعنم وقتي لأجل هذا؟"
ثم أشار إلى التقرير بين يديه وأضاف بخشونة...
"ما الذي جنيته أنا من هذا الهراء؟"
لمن أراس تحت انفاسه، ورد بحزم.....
"لقد جنيت الكثير يا يمان.. أصبح عدوك محددا ومعروفا، ولن تضطر لفتح جبهة مع الأكاديمية "
أو ما النائب مؤكدًا كلامه، لكن الزعيم لم يبد رضا، نهض من مقعده بغضب مكتوم، وراح يحذف التقرير في وجههما قائلاً بحدة يلفها تهديد....
" ابتلعا تقرير كما هذا ... فلن يغير شيئا، ولكي أكون كريما، سأعرض عليكم عرضا واضحا الفلاشة مقابل رأس أوستن، اعثروا عليه وأتوني براسه.... سأمنحكم مهلة شهر "
رفع سبابته في وجههما مهددا إياهم بلهجة فجة .....
شهر فقط. وبعدها، دقيقة واحدة ... سأنشر محتوى الفلاشة بنفسي، لن أنتظر ردة فعلكم. أنا
من سيبدأ يسفك الدماء، حتى أموت أو أنتقم "
هر ريغار رأسه مهادنا، غیر متردد..
ستفعل ما يلزم يمان الأكاديمية ليست ملاذا للمتآمرين، من يخونها يدفع الثمن، سنكتف المساعي للعثور عليه"
كانت لعبة محفوفة بالمخاطر، ولكنها ذكية، راهن الزعيم على خطته ليتحقق من براءة الأكاديمية، إن نفذت الأكاديمية ما طلبه وقدمت له رأس أفضل عناصرها، ستكون قد برأت نفسها عمليا، إذ لا تسامح فيها مع من يتأمر وراء ظهرها.
بهذه الخطوة يجنب نفسه وعائلته سيل الدماء الذي كان متهما بإشعاله، ويوفر الوقت والجهد غير المضمونين في مطاردة رجل ماهر في الاختباء، يتلوى كالحية بين رمال الصحراء منتظرا اللحظة المناسبة لبلدغ فريسته من حيث لا تحتسب
كان الأسبوعان الماضيان بمثابة جحيم هادي ينهك الأعصاب. لم جاء الصباح الذي أنهى رقصة الانتظار الأكاديمية نفذت مطلب الزعيم والهدوء الذي تبعه كان أقسى من أي صحب.
فتحوا الصندوق المملوء بالثلج بصمت موحش صوت الغطاء الملتصق كانه يقطع لحظة نقل في الصدر الحنى أراس ببطء، وكأنه يلامس شيئا من عالم آخر، وأمسك برأس أوستن من خصلة شعره، رفعه ببطء ليراه الزعيم.
القاعة حفتت أنفاسها، كل شيء صار يئن تحت وطأة الصمت فقط صوت الرياح العاتية في الخارج.
نظر الزعيم إلى الرأس مطولا عيناه جامدتان ملامحه لا تكشف عن أي مشاعر.
ألقى بأوامره بصوت جامد لا يقبل التأويل...
"خذوا عينة من الشعر وتحققوا منه "
تردد في الهواء سؤال بلا صوت عن الهدف من ذلك، لكن الزعيم لم ينتظر شكا أو ترددا. التفت إلى رجال الأكاديمية الواقفين كظلال مكتومة، ووجه اوامره لرجاله ببرود صارم....
"عجلوا، لا تريد أن تؤخر الفلاشة عن أصحابها أكثر من ذلك.
ايقظ أراس من شروده إتصال هاتفي أعاده من ذكره الأسبوعين الأخيرين، فتح الخط بتكاسل حتى جاءه صوت لوكاس مرحا كعادته..
"أيها العجوز لا تتأخر عن حفل توديع العزوبية بالنادي الليلي.. الزعيم سيكون هذا بعد ساعتين. ليا... أنا متحمس تكسر زجاجات الشامبانيا... أريد أن أتمل حتى أراك عروسا عالما بفستان
أبيض "
رد أراس يمكن...
"يبدو أنك سنعبت هذه الليلة مع الحسناوات، سوف يكون مسليا أن أشي بك عند زوجتك إن تحرشت بإحداهن أيها المنحرف"
رد لوكاس يتأقف...
" تيا لا تنفك تذكرني في كل مرة بأني سأفقد حريتي "
ساد بينهما صمت وجيز اغتنمه أراس ليسأل عن موضوع فاليريا...
"ألم يخبرك يمان إن كان سيعود رفقة زوجته ؟"
رد لوکاس ...
" لا .. لم يقل شيئاً، لكن مزاجه متقلب هذه الأيام، يبدو أن الأمور لا تسير كما يشتهي مع زوجته "
فتساءل أراس باستغراب...
" لا أدري لماذا لا يعيدها إلى القصر حيث تسترجع ذاكرتها بسهولة بين أهلها"
تنهد لوكاس قائلا..
علي اللعنة إن كنت أفهم كيف يفكر ابن أخيك"
اقفل أراس الخط مع ابتسامة ماكرة على محياه، بعد أن وعده بحضور الحفل ومعه هدية لطيفة له.
