رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السادس والعشرون 

"وكأنك تعاقبني على مسامحتي في حق لا سماح فيهِ، وكأنك تثبت لي أنني أخطأت حين غفرت لكَ جريمتك،
وددت لو ظللت باقي عمري اعاقبك، لكن قلبي لم ينصفني، كبِرَ عليّ أن يمتد العداء عمرًا، وأنت الذي لم يعرف قلبي طريقًا للغضب منهُ يومًا، فلم تكن مجرد أخ بالمسمى فقط، بل كنت بالروح والقلب... والشعور،
ولو لم تكن أخي لاختارتك خليل لروحي المشتتة دومًا، 
لذا عفوت ولم أنسى،
تناسيت؟ .. حتى هذه فشلت فيها،
احاول أن اتغاضى فقط لأستطيع أن اجعلك في المكانة التي كنت فيها دومًا،
لكنك ورغم كل هذا... قسوت مرة أخرى،
وجعلتني أشعر ولأول مرة أنني أحمق كبير "
#ناهد_خالد

دلف للمكتب ليرى أخيه ينتهي من جمع أوراقه المهمة, فاقترب منه يقول:
-ناوي على إيه يا شاهين؟ هتهدي الدنيا ازاي ده الصحافة ملهاش اخبار غير عيلة المنشاوي. 

رفع نظره له يطالعه بصمت, جعله يسأله مستغربًا: 
-بتبصلي كده ليه؟ 

نطق "شاهين" بنبرة انطلقت كالسهام لقلب المستمع, وقد استطاع تمييز الألم واضحًا فيها:
-لسه مصمم تنبش ورا اخوك يا مازن؟ لسه رايدله الشر؟ ياخي كل ما أحاول اصفى واعمل اعتبار للدم اللي بينا ترجعني لنقطة الصفر تاني. 

نظر له في صدمة وقد أوجعه كلامه بحق, وسأله بملامح مقطبه بقلق:
-إيه اللي بتقوله ده؟ ليه بتقول كده؟ 

نصب "شاهين" عوده وهو يسأله بنبرة مستخفة:
-قولي يا حضرة الضابط, تحب اقدملك الأوراق اللي تثبت ادانتي عشان ترجع تفتح قضيتي من اول وجديد؟ يمكن قهرتك من قفل القضية تهدى, وتبطل تجعجع بكلمتين ملهمش لازمه للواء.. وتقوله قد إيه اخوك ده حقير, مجرم, يستحق السجن, عشان يرجع يفتح القضية.. 

نزل حديثه فوق رأسه كالصاعقة, حتى أنه ارتد للخلف من شدة صدمته, ولسانه يردد بذهول:
-انتَ عرفت ازاي؟

ابتسم بسخرية وهو يعقب:
-ده اللي فارق معاك؟ مش أولى تتبررلي موقفك! 

استدار حول المكتب حتى وقف أمامه يناطحه بطوله وقوة جسده التي تفوق الآخر, ورفع رأسه بشموخ صقر يقول:
-اول مرة اندم على حاجه عملتها.. وندمي إني سمحتلك تدخل حياتي تاني, طول الوقت كنت بضغط على نفسي عشان أكون كويس معاك, ابتسم في وشك, واكلمك بهدوء, وانا جوايا قلبي مش صافيلك, ولا عمره هيصفى يا مازن, كل مرة بترحم فيها على أمك.. كل مرة ببص فيها لصورتها, او بتمر في بالي.. قلبي بيشيل منك اكتر... بفتكر إنك حرمتني من واجبي الأخير ناحيتها, من إني ابقى جنبها في آخر أيامها.. من إني اودعها, او حتى ادفنها.. حتى عزاها موقفتش فيه بسببك, وعشان نورهان.. اختنا, عشان تكون مرتاحه وراضية عني, قبلت افتح صفحة جديدة معاك حتى لو الصفحة دي مكتوب على الهامش فيها اني مش صافي ومجبور, بس انتَ معملتش خاطر ليها, لا هي عايشه ولا ميته.. 

تحرك في الغرفة يقف أمام أحد التحف الباهظة المرتكزة على طاولة جانبية عالية, مرر كفه عليها بشرود دام لثواني حتى نطق:
-لو قولت جريك ورا إنك تكشفني عشان ترقية جديدة, طب ما في مجرمين ياما تقدر برضو تقبض عليهم وتضمن ترقيتك! ولو قولت لسه قلبك شايل زي زمان, طب هيرتاح لما تشوفني في السجن؟ يأما بقى.. الكره اللي كنت مصدرهولي طول الفترة اللي فاتت كان حقيقي.. ومش زي ما اختك كانت بتقول, إنه من بره بس وانت جواك لسه مازن اخونا اللي نعرفه. 

-خلصت؟ 

قالها بنبرة باردة, جعلت "شاهين" يلتفت له يطالعه باستغراب, ونظرات جامدة تتفحصه, بينما جلس على الكرسي خلفه, استند الآخر على الطاولة الطويلة من خلفه واقفًا في صمت تام, ينتظره أن يُكمل, وبداخله يتمنى أن يقول ما يغفر له, ويهدم الحاجز الذي بُني بينهما من جديد.. 

استرسل "مازن" في الحديث يقول:
-لما رجعنا نتكلم بعد موت نورهان, واللوا طلب مني اسيب القضية لزميلي, سيبتها, وماعترضتش, رغم إني اعترضت كتير قبل كده.. لكن المرادي انا نفسي كنت عاوز اسيبها, ماكنش هينفع افضل ماسكها وانا بدخل بيتك وبقعد معاك, كنت هقصر فيها ويمكن كنت هبطل ادور زي الأول, ماكنتش هبقى مرتاح... لما مدحت قالي إن اللوا قفل القضية, حسيت إن في حاجه غلط, واتأكدت إن اللوا سحب مني القضية  عشان يقفلها, روحت واتكلمت معاه بحاول أوصل لسبب مقنع.. غير حوار إن القضية بقالها سنين مفتوحة ومفيش نتيجة, لان في قواضي اقدم منها ومفتوحة عادي.. واصلاً قواضي تجار السلاح والمخدرات والناس دي بتاخد سنين وسنين, وعمره ما طلب مني اسيب قضية او اقفلها... إصراره مع قضيتك كان غريب ومريب بالنسبالي, كنت عاوز افهم السبب, ولما واجهته وقالي صريح ابعد عن شاهين واعتبره يخصني.. شكي اتأكد, وسكت بعدها.. كل الحكاية اني كنت عاوز افهم انتَ مين بالضبط؟ 

رفع نظره له بعد أن كان يتحدث ونظره مسلط على قدميهِ, طالعه بأعين تحمل غضبًا وعتابًا:
-عاوز افهم اخويا يبقى إيه؟ تاجر سلاح يستحق الحبس, ولا حاجه تانية؟ عاوز افهم انتَ يمين ولا شمال, مش من حقي؟ مستكتر عليا قلبي يهدى ويطمن ناحية اخويا.. مثلي الأعلى, اللي عيني ماكنتش بتشوف غيره! اللي من يوم ما عرفت الخبر الأسود عن شغله وانا ف قلبي جزء مولع... 

انتفض واقفًا وقد ظهر الغضب متحكمًا في حركات جسده, واحمرت مقلتيهِ بألم يحاول دفنه منذُ سنوات, ظهرت عروق رقبته وهو يهدر بانفعال جلي:
-رتبة إيه اللي هعوزها من ورا أذية أخويا! هو انتَ شايفني وس* للدرجادي! هسيب خلق الله  كلهم والمجرمين اللي مغرقين البلد, وهدور على الترقية من وراك انتَ! 

اقترب منه بغضب ساحق, وضرب صدر الأخير بقبضتيهِ بقوة جعلت التحفة المرتكزة خلفه تسقط ارضًا متهشمة, يعلو صوت تهشمها صوت "مازن" الغاضب:
-بتقول إن كرهي ليك من قلبي! اه يا شاهين, انا  بكرهك.. ومن قلبي فعلاً بكرهك, بس كرهي ده انتَ السبب فيه, واه انا بتمنى انك توقع وتتحاسب على كل اللي بتعمله, وقلبي هيرتاح فعلاً لو بقيت جوه السجن... عشان انا قلبي بيتحرق الف مرة في اليوم وانا شايفك عايش حياتك ومكمل في القرف اللي بتعمله ومحدش قادر يوقفك, انا.. اللي بحارب الفساد, يبقى اخويا.. اخويا انا, واحد من الفاسدين, بحارب تجار السلاح...واخويا كبيرهم.. انتَ عارف إني بسببك بقرف من نفسي, بقيت بكره ابص في المرايا عشان مشوفش النفاق اللي انا فيه.. منين ضابط وحالف قسم, ومنين عارف إن اخويا بيفسد في البلد وساكت ومش عارف اوقفه عن اللي بيعمله ولا احبسه واخلص البلد من شره.. 

تهاوت دموعه التي حبسها في مقلتيهِ طوال حديثه بقهر, وركل الكرسي المجاور لقدمه ليسقط أرضًا, وعاد يلكمه في صدره بغضب حارق:
-بس كل ده اللي ضميري بيقولي عليه.. كل ده اللي المفروض يحصل, والحرب اللي دايرة جوايا.. بين الكلام اللي قولته ده, وبين قلبي اللي بتقول إنه بيكرهك, قلبي اللي مع اخر كل جملة يقولي ده اخوك يا مازن, ده شاهين.. حبيبك, اخوك إيه! ده صاحبك وابوك وابنك.. ده اللي كان كل حاجه ليك, وفي اللحظة دي بكرهك يا شاهين.. بكرهك عشان انتَ صعبتها عليا اوي, عشان الحرب اللي دايرة جوايا بسببك, عشان بسببك مش عارف ارجع معاك زي الأول, مش عارف اضحك واهزر معاك, ترجع اقرب حد ليا, نخرج زي زمان, احضنك كل ما احس إني لوحدي وإن الدنيا جايه عليا.. اجري عليك اول ما يحصلي مشكلة, كل الحواجز اللي اتبنت بينا بسببك.. بتلومني انا؟ بتلومني عشان رد فعلي.. طب ما تلوم فعلك الأول, يا... يا كبير... 

كان وجهه صامدًا كعادته, لكن عيناه بها شيء, بها ألم, ووجع, تشتت وحزن, حنين يشوبه العجز, هز رأسه بلامبالاة مزيفة وقال:
-يعني كالعادة انا السبب؟ 

رد "مازن" بقوة و إصرار, وهو يومأ برأسه بوجع تترجمه دموعه:
-المرادي بالذات انتَ فعلاً السبب.. ليه يا شاهين؟ ليه مفضلتش نضيف زي الأول.. ليه مشيت في طريق يفرقنا ولسه مصمم تكمل فيه.. 

مسح دموعه بقوة وهو يحدقه باتهام صريح:
-الطريق اللي كان هيموت مراتك مرتين... مستني إيه تاني؟ مستني الأذى يطول ابنك اللي جاي؟ بقالك اللي تخاف عليه يا شاهين.. لسه برضو مصمم تعند! 

نظر له ولم ينطق, مما جعل "مازن" يضغط على نفسه بصعوبة, وهو يقول بنبرة ونظرة مترجية:
-قولي يا شاهين.. قولي انتَ تبع مين بالضبط, ريح قلبي وانا اوعدك مش هتدخل في الموضوع بأي شكل.. بس ريحني يا اخويا! 

طالعه "شاهين" بصمت لفترة, ونطق بما لم يُرضي فضول "مازن" ابدًا بل أشعل النيران بقلبه أكثر:
-انا كمان قلبي محروق.. لو تعرف ترجعلي امك اعمل معاها كل اللي حرمتني منه, ابقى تعالى وانا اريح قلبك.. لكن غير كده, فاحنا متعادلين حرقة قصاد حرقة يا بن امي. 

ارتد "مازن" خطوات قليلة للوراء بيأس وألم, وهز رأسه بعجز عن الوصول لحل معه, التف خارجًا من الغرفة, لكنه توقف على بابها يقول بابتسامة متهكمة:
-مراتك كانت هتمشي ولولايا ماكنتش قعدت وكملت معاك, انا بقولك بس عشان تعرف إنك هتخسر كل اللي حواليك طول مانتَ ماشي في طريقك وطول مانتَ مكمل في طريقتك وغموضك ده. 

التوى جانب فم "شاهين" بثقة مرددًا بلامبالاة:
-كنت سيبها تمشي.. كده كده كانت هترجع. 

ضغط "مازن" على أسنانه بغيظ وهو يخرج صافعًا الباب خلفه بغضب يشتعل بكل خلاياه. 
"لا تلومني على رد فعلي.. 
بل لوم فعلك الذي أوصلنا لهذه النقطة الميتة.. 
حاسب نفسك قبل أن تحاسبني, 
فأنتَ الذي شتت العلاقة, ومزق الأواصر, وبنيت بيننا سدًا منيعًا سنعاني كي نجتازه, تظن أنك فقط من تحاول للتجاوز, لتمثيل النسيان, إذًا ماذا عني؟ أنسيت حقًا وتجاوزت فعلتك! انتَ لستُ أحمق, بل مخطئ... فأنا على الجهة الأخرى أحارب لخلق فرصة جديدة بيننا.. أجاهد لترميم حطام قلبي" 

-------------------- 
-يعني إيه؟ يعني بنتي ضاعت؟ 
قالها "مختار" بصدمة وهو يستمع لكلام المحامي الموكل بقضية "شدوى" ليقول المحامي بقلة حيلة:
-للأسف يا مختار بيه, اعتراف شدوى هانم عقد القضية, ماكنش لازم تعترف بقتله.. 

هدر بغضب:
-وإيه الوضع دلوقتي؟ 

رد المحامي بتوتر:
-هو كل اللي نقدر نعمله نخفف الحكم, هي اعترفت إنه قتل غير عمد, وده ظهر في الفيديو, لكن هي كانت بتهدد, ووجهت سلاح للمجني عليه, فهتاخد من 7 ل 10 سنين سجن.. انا بقى بقول هنحاول نخفف الحكم, نوصله ل 5 سنين حتى. 

نهض يمسكه من تلابيب قميصه هادرًا بغضب رافض:
-5 سنين إيه؟ بنتي مش هتقعد شهر واحد في السجن.. سامع؟ 

رد المحامي بارتباك جلي:
-يا باشا ده اللي اقدر اعمله, لو كده حضرتك تشوف محامي غيري.. لكن اقسملك إن المحاميين كلهم مش هيعرفوا يعملوا حاجه.. خصوصًا بالفيديو اللي موجود مع النيابة.. 

تركه "مختار" دافعًا إياه للخلف بقوة اسقطته أرضًا, ودار حول نفسه كالثور الهائج يقول بانفعال:
-فيديو!... شاهين... شاهين.... اه يابن الك**... 

قالها وهو يدفع المزهرية التي أمامه لتسقط ارضًا بقوة, ونفسه يعلو دون انقطاع.. كأنه يركض في سباق لا ينتهي.. 

------------------------ 

ابتلعت الغصة المريرة التي انتابت حلقها من افعاله معها, ووضعت كوب العصير فوق الطاولة بكف مرتعش, تطالعه بابتسامة مهزوزة, منذُ خرج معها وهو شارد, لا يتحدث وردوده مقتصره, وكأنه مرغم على الخروج معها! 

-معاذ. 

نظر لها بانتباه وابتسم تلك الابتسامة التي لا تصل لعينيهِ مجيبًا:
-نعم يا ريهام؟ 

سألته بهدوء:
-انتَ ليه كلمتني عشان نخرج؟ 

تنحنح بهدوء مجيبًا: 
-عشان عرفت من اختك إنك لسه مجبتيش فستان للخطوبة, وخلاص يعني دي بكره.. فقولت ننزل تختاري فستان يعجبك, ومعرفش لولا انها اتأجلت بسبب تعب والدك كنتِ هتحضري بإيه, كان لازم تقوليلي. 

ردت بفتور وهي لا تشعر بأي سعادة بداخلها:
-عادي, مش لازم اجيب حاجه جديدة, طب وليه قاعدين من وقتها مبنعملش حاجه! 

نظر لساعته وقال:
-مستنيينها المفروض كانت تقابلنا هنا الساعة 10, مش عارف اتأخرت ليه. 

فور انتهاء جملته ظهرت أمامه لينهض مرددًا:
-أهي شرفت.. 

نهضت "ريهام" بوجوم تنظر لشقيقتها, وهي تقترب منهما تقول باعتذار مبتسم:
-اسفة للتأخير, بس روحت مع منتصر من بدري نخلص شوية أوراق عشان السفر. 

سألتها "ريهام" بحزن:
-هتحجزوا على امتى؟ 

اجابت وهي تحتضنها بحب شاعرة بأنها ليست على ما يرام:
-لسه قدامنا أسبوع كمان.. مالك؟ 

همست بأخر كلمة لها, لترميها "ريهام" بنظرة عتاب لم تفهمها ولم تتحدث حين قال "معاذ":
 -يلا طيب, عشان شاهين هيولع فيا لو اتأخرت عن الاجتماع. 

-هو الساعة كام؟ 

أجابها:
-لسه قدامه ساعتين, يدوب نلحق. 

خرجت "ريهام" عن صمتها تقول بغصة مريرة:
-مفيش داعي تعطل نفسك, اصلاً انا كان عندي فستان جديد هلبسه في الخطوبة, مقولتش إني محتاجه اشتري حاجة. 

ابتسم بتكلف:
-لا ازاي, لازم تشتري فستان مخصوص طبعًا, يلا انا عارف اتيلية كويس اوي قريب من هنا. 

تحركت خلفه برفقة شقيقتها وهي تفكر, من أين له أن يعرف محل لفساتين النساء! بالتأكيد عرفه برفقة حبيبته الراحلة...!

--------------- 

مخزن الجبل... 

دلف بخطوات ثابتة بعثت الرعب في قلب الجالس فوق كرسي حديدي, دون أي قيود, وكأن غرور العقرب يمنعه من أن يقيد فريسته.. يترك لها فرصة بائسه للهرب او المقاومة... 

-مالك يا منعم؟ بترتعش ليه! هو الجو برد للدرجادي؟ 

جملته ساخرة متهكمة, فعن أي برد يتحدث وهو على مشارف شهر أغسطس! 

رد "منعم" برعب:
-باشا.. انا والله م.... 

رفع سبابته مهددًا بتحذير مصطنع:
-تؤ تؤ, بلاش حلفان.. يا جدع انا مصدقك من غير ما تحلف! 

ارتعشت نبرة "منعم" يقول في محاولة هو يعلم أنها بائسة للنجاة من سُكّ العقرب:
-انا اسف يا باشا.. مقصدتش اعصي أمرك انا بس... 

قاطعه يجيب بالنيابة عنه:
-بس فكرت إني مش هعرف.. 

تحرك يطوف حوله وهو يكمل بنبرة دبت الرعب في قلب الآخر:
-من يوم ما بقى السوق تحت ايدي.. وانا اللي أقول السلاح يطلع امتى ولمين, وبرضو من يومها وانا حاطط قانون يسري على الكل.. قانون الخيانة, عارفه يا منعم؟ 

انفجر الرجل فجأة يبكي بهلع وهو يترجاه:
-ابوس ايدك يا باشا بلاش... والله اول وأخر مرة.. والله.. 

انتفض برعب حين ضرب "شاهين" بكفه فوق كتفه يقول بابتسامة جحيميه غير مبشرة بالخير:
-مش قولتلك متحلفش! كتر الحلفان بيبين كدبك على فكرة.. وبعدين من غير ما تحلف, هتكون أخر مرة فعلاً.. مش بمزاجك يا منعم.. مرسي.. 

هدر باسم "مرسي" الذي اقترب فورًا يلبي النداء, فقال له "شاهين" وهو يطالع "منعم" بابتسامة ماكرة:
-مشي الرجالة... مش عاوز ارعبهم وهم بيشوفوا لدغة العقرب, لسه قلبهم رهيف برضو.. 

أشار "مرسي" للرِجال للخروج من المخزن, تحت صرخات "منعم" الطالبة بالرحمة والغفران.. لكن أي رحمة؟ وهل يتراجع العقرب عن لدغته؟ 

والدقائق التالية شهدت ابشع طرق موت شخص ما, وكأن صاحبها يخرج فيهِ كل غضبه وطاقته السلبية, وكأنه فنان يتفنن في رسم لوحته بكل هدوء وبال رائق.. 

خرج بعد نصف ساعة كاملة, ليطالع قميصه الأبيض الملطخ بالدماء بنزق, وقال ل "مرسي" بملامح مسترخية, وكأنه بالفعل أخرج كل طاقته السلبية:
-ابعت حد يشتريلي هدوم... وخليهم يدخلوا ينضفوا المخزن.

اومأ الأخير سريعًا وهو يتبع سيده المتوجه للسيارة الواقفة أسفل الجبل.. 

دلف الرِجال للمخزن ليرتدوا للخلف بصدمة من المشهد أمامهم, واهتزت أجسادهم
 للحظة من قسوة ما يروه, ونظروا لبعضهم برعب يتراقص في مقلتيهم.. وكأن العقرب قصد أن يروا المشهد.. فخير من أن تضرب الخروف الذي شرد عن القطيع, أن تضرب آخر أمامه.. فتضمن أن الرعب الذي تسلل له, لن يجعله يفكر في الشرود مجددًا.. 
-------------------- 
في أحد المقاهي الراقية المتفق المقابلة بها.. 
دلفت تبحث عنها وقد تعمدت التأخير لعشرين دقيقة كاملة, كي تجعل الأخيرة تنتظر, أخبرتها بأنها سترتدي سروال أسود وكنزة زهرية, طافت بعينيها في المكان حتى وقعت نظراتها عليها, توجهت لها لتقف "ميرنا" سريعًا بثبات ظاهري, ومدت كفها ترحب بها:
-مبسوطة إنك قبلتِ تيجي. 

صافحتها بكِبر لم يكن بها يومًا, ولم ترد ترحيبها بوقاحة وهي تجلس فوق الكرسي واضعة ساق فوق أخرى, معلنة بدء حرب لن تسايرها فيها "ميرنا", طافت بنظراتها عليها وقلبها يشتعل, كلما تتذكر أنها كانت تشاركها زوجها, هي وهو في مكان مغلق, ينام لجوارها, ويتودد لها بالحديث وبالطبع الأخيرة كانت تفعل, والكثير من الأشياء التي يفعلها معها! 
زفرت فجأة بطريقة أثارت استغراب "ميرنا" فنظرت لها بملامح مقطبه:
-في حاجة؟ 

سخرت وهي تجيب بأعين مشتعلة بنيران الغضب:
-ابدًا.. ده احنا حتى سعيدة جدًا إني شوفتك, هو انا أطول اقعد مع طليقة جوزي, على الأقل اشوف زوقه وأقيم.. 

ابتسمت "ميرنا" بهدوء وهي تقدر شعورها فقالت:
-بلاش نجرح في بعض يا مدام فيروز, انا مجتش هنا عشان اضايقك ولا تضايقيني, انا جيت هنا عشان اوضحلك شوية أمور. 

-ويا ترى الأمور دي توضحيها ليه؟ عشان توقعي بيني وبين جوزي؟ 

لا تنفك عن تذكيرها بمكانتها ومكانة الأخرى لديهِ, فحافظت "ميرنا" على هدوئها تجيب:
-مدام فيروز.. انتِ قولتيها, جوزك, يعني شاهين دلوقتي ملكك انتِ وبس مفيش داعي لعصبيتك دي. 

احتدت ملامحها اكثر وهي تضرب الطاولة بغضب لم تتمكن من كبحه:
-شاهين من وقت ما دخلت حياته وهو ملكي انا وبس.. بعدين بلاش تقولي اسمه تاني لو مش عاوزاني اتعصب. 

هزت "ميرنا" رأسها بعدم تصديق تردد:
-مكنتش اعرف إنك غيورة للدرجادي! بس عمومًا هضطر اذكر اسمه بس عشان احكيلك اللي جايه احكيه. 

قطبت ما بين حاجبيها بغضب:
-انتِ عاوزه إيه؟ 

تنهدت "ميرنا" وقد احتل الحزن وجهها وابتسمت بمرارة ألم دفين:
-شاهين عمره ما حبني, ولا كان شايفني زوجة عادية حتى.. شاهين محبش في حياته كلها غيرك, حتى شدوى مراته الأولى محبهاش.. انا مش جاية اقولك جوزك بيحبك ازاي.. بس انا عارفه إن اكيد حصل بينكم مشاكل بسبب الاخبار اللي اتعرفت مؤخرًا.. أي ست مكانك هتعمل مشكلة... 

تلاعبت بكوب العصير أمامها وهي تنظر له بشرود واكملت:
-طول سنين جوازي من شاهين كنت بحلم لو يبقى ليا مكان صغير اوي اوي جواه, او على الأقل احس نفسي مميزة عنده, احس إني شخص مهم في حياته زيه زي أخوه وجده, زي حتى معاذ صاحبه.. 

ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة محملة بالأوجاع:
-بس مطولتش أي حاجه.. عارفه أول ما قال انه هيتجوزك, سألته قولتله قلبك بقى ملكها يا شاهين؟ رد وقالي انا قلبي مش ملك حد.. صدقت كلامه, بس مصدقتش عينه.. عينه كانت بتداري, وكلامه كان بيحاول يقنع بيه نفسه قبل ما يقنعني, بس بعد أيام قليلة اوي.. مقدرش ينكر اكتر, وبقى يقولي انا مش مرتاح وعاوز ننفصل, كان بيقولي مش هقدر أكون متجوز اتنين في نفس الوقت.. بس انا عارفه انه كان عاوز يقولي مش هقدر أكون متجوز غير فيروز, بس مش عاوز يكسرني بالكلام.. 

رفعت نظرها لها وأكملت:
-على فكرة من اول ماتجوزنا وكان اتفاقنا يوم ما حد يحب ينفصل, ينفصل من غير شرط ومن غير رفض من التاني, بس انا كنت أنانية.. ورفضت الانفصال رغم رغبته ورغم انه ماكنش مرتاح.. 

عقبت "فيروز" بدلاً عنها:
-عشان كده اضطر يعملها من وراكِ. 

تفاجأت "ميرنا" لمعرفتها بأنها ليست على عِلم بخبر طلاقها فسألتها بوجع خفي:
-طلقني امتى؟ 

أجابتها "فيروز" بهدوء:
- بعد ما رجع من عندك لما قضى 3 أيام عندك. 

هزت "ميرنا" رأسها ضاحكة:
-يعني عارفة كل حاجة.. مستنية مين يعرفك شاهين بيحبك قد ايه يا فيروز؟ اعذريني.. بس هتبقي غبية اوي لو ثقتك اتهزت فيه او عملتِ بينكوا حاجز بسبب اللي حصل.... ممكن تقوليلي ازاي طلقني, وليه معرفنيش؟ 

اجابتها "فيروز" بما سرده عليها "شاهين" قبلاً, وأنهت حديثها تقول بنزق:
-اما ليه مقالكيش.. قالي ان ده سر يخصك وميقدرش يفشيه ليا. 

التمعت نظراتها بالامتنان لموقفه, وابتسمت تقول:
-تحبي اقولك انا السر؟  
 
ادعت عدم الاهتمام وقالت:
-براحتك... 

نظرت لها "ميرنا" لثواني بتفحص قبل أن تضحك بذهول:
-هو انتِ من الأول مغرورة؟ ولا دي صفة اكتسبتيها من عيشتك مع شاهين؟ 

قطبت "فيروز" ما بين حاجبيها بدهشة وتفكير, هي لم تكن تعرف للغرور طريقًا! هل استدعاه الموقف أم أنها بدأت تتعلم منه بالفعل! 

ردت بعدم معرفة وقالت بشرود:
-مش عارفة! 

ابتسمت "ميرنا" على شرودها وقررت الإفصاح عن سرها الخطير تقول:
-شاهين محبش يعرفني بالطلاق عشان خاف عليا يا فيروز. 

صاحت "فيروز" باستنكار سوقي مستدعية شخصيتها القديمة "فُلة":
-نعم ياختي؟ خاف عليكِ من إيه يا عنيا؟ 

----------------- 
عادت للفيلا بعد ساعتين قضتهم بالخارج في جلستها مع "ميرنا", عادت بنفس جديدة, صافية, بعدما أفضت بكل شحناتها السلبية.. 

دلفت للفيلا لتبصر سيارته بالخارج, فسألت عنه لتخبرها "صفاء" أنه بالمكتب.. 

دلفت بعدما فتح لها "ليث" الحارس باب المكتب, ودلفت لتجده يعمل على ملف بين يده, لم يرفع رأسه وكأنه يعلم بأنها هي... 

-محتاج أي مساعدة؟ 

قالتها بمرح لم تستحضره من أيام طويلة, لكنه لم يعلق, فاقتربت منهُ تسأله باستغراب:
-شاهين؟ انتَ سامعني؟ 

رفع رأسه لها لتتوتر حين أبصرت عيناه غريبة, بها شيء غامض أثار قلقها, فابتسمت بقلق, ليسألها:
-قولتيلي انتِ رايحة فين؟ 

ابتلعت ريقها تجيب:
-رايحة اقابل أمل.. 

ابتسم ببرود يسألها:
-وأمل كويسة؟ 

هزت رأسها بصمت ولم تقو على الحديث, ليهز رأسه بلا معنى وعاد للعمل مرة أخرى, فقالت وهي تظن أن حديثها سيحسن مزاجه:
-أنا خلاص مش ناوية اسافر..

لم يرفع رأسه وهو يعقب: 
-التذكرة اتحجزت خلاص.. 

قطبت ما بين حاجبيها بدهشة لرده:
-يعني إيه؟

رد وهو على نفس الوضع يُقلب صفحة الملف:
"يعني سافري.. واتعودي لما تاخدي قرار تبقي قده، الحياة مش بتمشي بلعب العيال"

رددت باستنكار مندهش بهِ لمحة غضب:
"لعب عيال! انا فكرتك هتفرح اني مش هسافر!"

جاءها رده البارد:
"متكبريش الموضوع، انتِ مسافرة اسبوع مش مهاجرة، وانا شايف إنك محتاجه السفر ده عشان تهدي"

ادمعت عيناها من طريقته القاسية في الحديث, ولم تصمت وهي تسأله بضيق جلي:
-في إيه يا شاهين؟ انتَ بتكلمني كده ليه؟ ولا كأنك انتَ المقموص مش انا!

القى بقلمه فوق المكتب بغضب واضح, ونهض يوازي وقفتها ويفصل بينهما المكتب, بينما يردد بنبرة قاسية:
-طبعًا.. انتِ المقموصة, انا بقى لازم اقعد ادادي واحايل لحد ما حضرتك ترضي عني... يا كده يا تقرري تبعدي وتسافري بعيد عن وشي عشان تعاقبيني, ولا كأني عيل صغير متعلق في جلبية امه وأول ما هتبعد هيلف حوالين نفسه مش كده؟ 

طالعته بدهشة من حديثه وسألته بما يهمها في حديثه:
-يعني إيه؟ يعني غيابي مش هيفرق معاك؟ 

هز رأسه بملامح جامدة وردد دون أن يهتم بإجابة سؤالها:
-بتتمادي يا فيروز.. وانا حذرتك كتير اوي, قولتلك متستغليش حبي ليكِ واني بعديلك حاجات بأنك تتمادي وتكسري قوانيني, لكن واضح إنك مش مقدرة كلامي, وفاكرة إني بقيت ضعيف قدامك, ضعيف حتى عن إني اعاقبك او اقسى عليكِ لما تغلطي.. بس صدقيني انتِ غلطانه. 

صرخت بهِ وقد تُلفت اعصابها من حديثه وطريقته:
-في إيه؟ حصل إيه لكل ده؟؟ مش انتَ كنت موافق على سفري وحجزت التذكرة, ليه قلبت عليا كده؟ 

نقر فوق المكتب بسبابته وهو يعد أخطائها, بملامح غاضبة جعلتها تبتلع باقي حديثها في جوفها:
-من يوم اللي حصل وانتِ بتتدلعي, بتخرجي من غير إذن, وبتتعاملي بطريقة في العادي ماكنتش هسمحلك تعامليني بيها, بتاخدي قرارات من ورايا, وبتتصرفي من غير ما ترجعيلي وبتحطيني قدام الامر الواقع.. وانا ساكت, وبعدي, قررتِ تسافري ورغم رفضي بس قولت اسيبك تعملي اللي عيزاه للأخر.. لكن انتِ مش بس بتعملي كل ده, انتِ كمان كدابه يا فيروز... كدابه وبتستغفليني. 

أشارت لنفسها بأصابع مرتعشة ورددت بنبرة ذاهلة:
-انا! انا بستغفلك؟ 

نظر لها بنظرة قاتمة لم تراها في عينيهِ منذُ فترة طويلة, على الأحرى لم تُوجه لها منذُ بداية علاقتهما:
-ايوه كدابه.. عشان انتِ كنتِ بتقابلي ميرنا مش أمل, وجايه تستغفليني ومصممة تكدبي وتقولي إنك قابلتي أمل.. سألتك عشان اديكِ فرصة أخيرة, بس انتِ مصممة, واللي عرفتيه منها هو اللي خلاكِ داخله تتكلمي ولا كأنك كنتِ واخده موقف مني, وقررتِ متسافريش.. موثقتيش فيا رغم كل اللي قولتهولك, ووثقتِ في كلام ست غريبة وقدرت هي ترجعك عن موقفك.. واضح إن انا بس اللي بحارب في العلاقة دي عشان تنجح.. وانتِ في الناحية التانية بتعملي كل حاجة تزرع الشك وعدم الثقة وتبني حواجز بينا.. عشان كده... هتسافري يا فيروز بمزاجي انا مش بمزاجك انتِ. 

تعليقات