رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السابع والعشرون
"الحب يعني الحرب, فلن تجني ثمار الحب إلا بعد خوض حرب ضارية تجعلك جديرًا بالفوز, ولكَ الاختيار إما الصمود إما الانسحاب مبكرًا"
أشارت لنفسها بأصابع مرتعشة ورددت بنبرة ذاهلة:
-انا! انا بستغفلك؟
نظر لها بنظرة قاتمة لم تراها في عينيهِ منذُ فترة طويلة, على الأحرى لم تُوجه لها منذُ بداية علاقتهما:
-ايوه كدابه.. عشان انتِ كنتِ بتقابلي ميرنا مش أمل, وجايه تستغفليني ومصممة تكدبي وتقولي إنك قابلتي أمل.. سألتك عشان اديكِ فرصة أخيرة, بس انتِ مصممة, واللي عرفتيه منها هو اللي خلاكِ داخله تتكلمي ولا كأنك كنتِ واخده موقف مني, وقررتِ متسافريش.. موثقتيش فيا رغم كل اللي قولتهولك, ووثقتِ في كلام ست غريبة وقدرت هي ترجعك عن موقفك.. واضح إن انا بس اللي بحارب في العلاقة دي عشان تنجح.. وانتِ في الناحية التانية بتعملي كل حاجة تزرع الشك وعدم الثقة وتبني حواجز بينا.. عشان كده... هتسافري يا فيروز بمزاجي انا مش بمزاجك انتِ.
طالعته بنظرات عاتبة, تكره موقفه, ترفض غضبه الذي اطلقه عليها, ونظراته القاسية التي يحدقها بها, ارتعش جسدها برعشة خفيفة وصوت ساخر يردد بداخلها "شاهين ليس له عزيز.. وإن حاولتِ الوقوف بوجهه لن يتوانى عن دعسك"
رددتها قبلاً حين أخبرته أنه لا يحبها.. ولن ترددها الآن مرة أخرى, لم تقولها قولاً لكن نظراتها أفشت بها قبل أن تنسحب من أمامه دون كلمة واحدة...
ظل ساكنًا للحظات بعد خروجها ثم دفع فنجان قهوته الموضوع فوق المكتب بغضب وانفاس عالية تعبر عن الوحش الثائر بداخله...
---------------
بالخارج...
ركضت للأعلى دون اهتمام لحالتها الصحية المتعلقة بحملها, ودلفت للغرفة المنعزلة عنه التي اختارتها منذُ الاحداث الأخيرة, القت بنفسها فوق الفراش تبكي بقوة, كل شيء يضغط عليها, وكلما تخيلت انها باتت تعرفه, وقريبة منه, كلما ظنت أن حياتها معه استقرت يجذبها عنوة لنقطة الصفر, لمتى ستحارب؟ و لمتى ستظل تناطح شخصيته المتجبرة!
كل الحق عليها..
نعم, فهي منذُ البداية تعلم من هو "العقرب", تعلم أنه صعب الطباع, متقلب المزاج, شخصية متعجرفة وديكتاتورية, يحيطه الغموض من كل جانب, وطريقه محفوف بالمخاطر, حياته مخيفة وغير آمنة, ومع كل شيء اختارته, وقبلت أن تكن جزء من حياته.. قبلت أن تُلقي بنفسها في جحيمه وبكامل إرادتها, فهل لها أن تتراجع الآن؟
توقفت عن البكاء, وهي تضع كفها فوق بطنها تمسدها بحنو لعلّها تبعث الأمان لطفلها, ثم همست له بإصرار وقد عادت لها روح التحدي:
-هغيره.. لو مش عشاني, فعشانك انتَ... مش هسمح تيجي الدنيا وهو في حياته الضلمة دي, يا يتغير.. يا وعد مني ليك مش هخليه يلمح طيفك.
وقد كانت النقطة الفاصلة... لتبدأ مرحلة جديدة من حياة "فُلة", ألا وهي مرحلة ترويض العقرب...
تحركت تبحث عن حقيبتها التي القتها ارضًا فور دلوفها للغرفة, واخرجت منها هاتفها تبحث عن رقم بعينه حتى توقفت عليهِ تطالعه بشرود قبل أن تحسم قرارها وتطلبه وقد سجلته ب اسم
"ليل الصياد"
عادت بذاكرتها لحديثها مع "ليلى" حين خرجت للقائها مع "أمل"...
كانت تشكي لهم همها من صعوبتها لفِهم "شاهين", والتعامل معه.. رغم أنها أحيانًا قليلة تنجح بالتعامل معه, لكن بالأغلب لا.. وكثيرًا ما يفاجئها بردود افعاله فتقف عاجزة عن الرد والتصرف...
-انا اسفة يا بنات اني مش عارفه افسر اوي, او احكي بالمواقف, عشان اكيد فاهمين ان دي اسرار بيوت و...
قاطعتها "ليلى" بتقدير معقبة:
-طبعًا يا فيروز, مش محتاجه توضحي.. وعلى فكرة عاجبني جدًا إنك مبتحبيش تدخلي حد في مشاكلك مع جوزك.
-انا لولا اللي حصل ماكنتش هعرف حد بحوار جوازه ده, بس طبعًا مصر كلها عرفت.. بس ساعات برضو بحتاج استشير حد, او حد يدلني اعمل إيه واتصرف ازاي.
تحمست "ليلى" تقترح عليها:
-إيه رأيك تكلمي لايف كوتش تفيدك..
قطبت ما بين حاجبيها بعدم فهم, ونظرت ل "أمل" التي طالعتها بنفس النظرة الجاهلة, وسألت "ليلى" بابتسامة بسيطة:
-معلش في السؤال.. يطلع إيه الكوتش اللي انتِ قولتي عليه ده؟
وقبل أن تجيب شهقت "فيروز" تنظر لها بصدمة مرددة بما جعل "ليلى" تسقط في وصلة من الضحك:
-يالهوي.. كوتش! انتِ عايزاني اكلم كوتشي يا ليلى اخس عليكِ, حد قالك عني اتجننت!
لم تهتم "أمل" لضحك "ليلى" المبالغ فيه من وجهة نظرهم وانطلقت تتجادل مع الأخيرة:
-اصبري بس يا فيروز, هي بتقول كوتش مش كوتشي..
حدقتها "فيروز" بضيق تنهرها:
-اسكتي انتِ.. انا بقيت عارفه طريقة كلامهم, هم بيشيلوا اخر كل حرف في الكلمة.. قال يعني كده التحضر..
جذبتها "أمل" من ذراعها لتنحني عليها فهمست لها بقلق:
-يكون الكوتشي اللي بتقول عليه ده مقري عليه!
سألتها "فيروز" بعدم فهم:
-يعني إيه مقري عليه؟
ردت "أمل" بتوتر:
-مقري عليه يا فيروز, يعني اللهم احفظنا يكون حاجه من إياهم على شكل كوتشي, ما هو كده صح.. هو كده يعرف يفيدك صحيح..
انتفضت "فيروز" تعتدل في جلستها وهي تطالع "ليلى" بدهشة مرددة باستنكار:
-انتِ منهم يا ليلى! وانا اللي قولت شكلك متعلمة ودماغك واسعة!
توقفت "ليلى" عن الضحك بصدمة, بعدما سمعت ما قالته أمل لفيروز, فهزت رأسها بجنون:
-بس إيه الهبل اللي بتقولوه ده!
اخذت نفس قوي تهدأ من نفسها قبل أن تشرح:
-اللايف كوتش, اللي قصدي عليها, اسمها ليل الصياد وجوزها المقدم ادم الصياد صاحب شركة الصياد للحراسات الخاصة, بنت زينا... وهي شغلتها انها تساعد الناس في انهم يتخطوا الازمات في حياتهم, او يمشوا حياتهم ازاي.. استشاري يعني, حاجة شبه الدكتور النفسي بس اجتماعية بقى.. فهمتوا حاجة؟
سألت "فيروز" بحيرة:
-يعني هتفدني ازاي؟
اجابتها "ليلى" بحماس:
-بصي.. هي بتعمل معاكِ سيشن, او جلسة يعني... يأما على التليفون لو انتِ حابة, او تتقابلوا في مكان خارجي.. انا اعرفها من زمان, من قبل جوازي من معتز أبو إياد.. قابلتها في مرة في المطعم اللي كنت شغالة فيه واتكلمنا كلمتين وبعدين حست إني مش طبيعية فبدأت تسألني وقالتلي انها لايف كوتش, طبعًا بعدها هي رجعت مصر فانا اتواصلت معاها تليفون.. كنت وقتها ضايعة بعد اللي حصل بيني وبين معتز وغيابه عني, وكنت في مود وحش اوي, وبعدها بكام يوم معتز ظهر تاني فبقيت متلغبطة ومش عارفه المفروض اعمل معاه إيه او اتصرف ازاي, فكلمتها وبدأت تنصحني... بس للأسف انا اللي في حاجات مسمعتش كلامها فيها.
سألت "أمل" بفضول واهتمام:
-ازاي؟
أجابت بندم:
-يعني هي كانت شايفة إن جوازي من معتز غلط, وكانت عايزاني اطلق بعد اول شهر جواز بينا, طبعًا كنت بحكيلها طباعه وتصرفاته, قالتلي بالنص "الشخص ده مؤذي وهيدفنك معاه وعمره ما هيتغير, بلاش تربطي نفسك بيه اكتر", لكن انا مقدرتش وقتها اخد القرار ده, فكملت... وفعلاً بعدها بشهور قليلة اوي وصلت معاه لحيطة سد... لما نزلت مصر اتواصلت معاها تاني, ولما حصلت مشكلة بيني وبين مازن, بعد ما اعترفلي بحبه, هي اللي فتحت عيني وعرفتني ان انا كمان في مشاعر جوايا له بس مش مدركاها.
عقبت "فيروز" بقلق:
-ايوه بس كده انتِ سايبه حياتك لشخص هو اللي بيمشيها!
نفت "ليلى" بتوضيح:
-لا طبعًا, يا بنتي هي مش بتقولك اعملي كذا, هي بتوجهك.. وتخليكِ انتِ اللي توجدي الحل, بصي مش هتفهمي إلا لو اتواصلتِ معاها, تاخدي رقمها ووقت ما تحسي إنك محتاجاها تكلميها؟
اومأت لها بشرود, وبالفعل أخذت رقمها وبداخلها لا تنوي ابدًا اللجوء لها, وترفض الفكرة.. لكن لم تتوقع ان تلجأ لها بهذه السرعة.
همست وهي تنتظر ردها:
"طب وحياة أمي لاخليك تقول حقي برقابتي, يا انا يا انتَ يا بن المنشاوي.."
----------------------------
بمنزل مازن...
مسدت بكفها على شعره بحزن, وهي ترى وجهه محتقن بالغضب والألم, لا تعلم ماذا حل بهِ, منذُ اتى من الخارج وهو في حالة غريبة, أثارت القلق في قلبها, لولا انه رحم بها وأخبرها بجملة واحدة عن سبب حالته " مشكلة بيني وبين شاهين", ومن وقتها وهو واجم وشارد, منذُ ساعة جعلته يستلقى فوق فخذها وهي تمسد على رأسه بحنو, وتعبث في خصلاته برفق, صامتة, تنتظر أن يبدأ هو في الحديث, لكن انتظارها جاء عبثًا, فاضطرت للخروج عن صمتها تهمس له:
-اول مرة احس انك زعلان من شاهين بجد؟
تحررت الكلمات من فمه وهو يجيب بنفس شروده على الحائط العلوي:
-عمري ما زعلت منه, انا دايمًا زعلان عليه.
ابتسمت بدموع طفيفة لمعت بمقلتيها:
-بحب اوي حبك له, وبتمنى لو ربنا كرمنا بأخ يكون لإياد زيك مع شاهين.
ابتسم ابتسامة صغيرة مريرة وهو يقول:
-متتمنيش اوي كده, انا مش ملاك يا ليلى, ولا حبي لشاهين منعني من أذيته بالعكس.. أنا أذيته كتير..
هزت رأسها نافية برفض لتصديقه:
-مستحيل.. بحبك له اللي بشوفه في عنيك وتصرفاتك, متأذيهوش يا مازن.
نهض يعتدل جالسًا, واسند رأسه على ظهر الأريكة بضعف يجيب بينما احتلت دموع الندم عيناه:
-لا صدقي.. عشان انا فعلاً أذيته, وللأسف مش عارف ازاي اصلح موقفي معاه, ازاي اخليه يسامحني..
حاولت التخفيف عنه فقالت:
-اطلب منه يسامحك وبينله ندمك وهو اكيد هيسامح, رغم كل طباع شاهين الصعبة لكن انا واثقة انه بيحبك.
هز رأسه نافيًا ونظر لها بعينيهِ الممتلئتين بالدموع التي أدهشتها وجعلتها تعتدل في جلستها بفزع:
-لو انا اللي مكانه, عمري ما كنت هسامحه.. اطلب ازاي منه السماح وانا عارف انه مستحيل.
-للدرجادي؟
رددتها بدهشة غير مصدقة عمق الأذى الذي يتحدث عنه, فأومأ برأسه وهو يعود للنظر أمامه وسرد لها ما حدث منه سابقًا وأكمل وقد تساقطت دموعه على وجهه:
-قوليلي بقى يسامحني ازاي؟ وامه ماتت غضبان عليه بسببي.. بسببي انا ماما اللي كان شاهين نور عينها غضبت عليه وقطعت علاقتها بيه, سنه كاملة مقبلتش تتواصل مع شاهين بأي وسيلة, لدرجة انه لما سافرلها ووصل لحد بيتها رفضت تنزل تقابله.. كانت بتعاقبه, عشان يرجع عن الطريق اللي هو فيه, قالتلي سبني انا اتعامل معاه وانا عارفه هرجع ابني تاني ازاي.. بس ملحقتش, وفجأة تعبت وفي ظرف أيام دخلت المستشفى وماتت.
سألته "ليلى" بدموع تجري على وجنتيها كالمطر, ونبرة حادة خرجت رغمًا عنها من قسوة ما تسمعه من زوجها:
-وليه معرفتوش موتها؟ ليه مخلتوش يشوفها ويودعها قبل ما تدفن؟ ازاي تاخد منه حقه فيها بالقسوة دي يا مازن؟ ازاي يعرف بموتها بعدها بأيام وصدفة؟ انا مش مصدقة انك عملت كده!
انهار في البكاء وهو يتذكر حالة "شاهين" حين أصر أن يتأكد من الخبر, رغم أن رجاله لا يحملون إلا الاخبار المؤكدة, لكن صدمته جعلته يشك في صدقهم هذه المرة.
قبل خمس سنوات...
عيناه كحمم من الجحيم, وجسده متيبس بشكل مُقلق, ورغم محاولة "ممدوح" المستميتة للحديث معه لكنه لا يسمعه تقريبًا, منذُ علم الخبر وقد أخذ أول رحلة لمصر بعد أن كان في لندن لتخليص بعد أعماله, وأول ما وطئت قدماه أرض البلد أسرع يأمر رجاله بالتحرك لمقابر العائلة, وحين وصل وجد "ممدوح" و "مازن" هناك... يقفون أمام قبرها وباقة من الورد تستقر أمامهما...
وما كسر قلبه لفتات.. لائحة تحمل اسم الفقيدة "نادية" والدته.. والتاريخ أسفلها يعود لأربع أيام مضت!
منذُ رأه "ممدوح" وهو يحاول التحدث معه, وحين نطق سأله سؤال مباشر:
-محدش عرفني ليه؟
وقد صُعق "ممدوح" مما سمعه فأسرع ينفي التهمة عنه وهو ينظر ل "مازن":
-انا.. منزلتش ومحضرتش الدفنة, ورقي كان في مشكلة ومازن نزل لوحده انا لسه نازل مصر النهارده.. فكرته قالك.
وبالطبع في حقيقة الأمر "ممدوح" كان يعلم بعدم معرفة "شاهين" وأن "مازن" لم يخبره, ولكنه لم يراجع الأخير في قراره, بالعكس قدر استطاعته حرص ألا يصل الأمر لشاهين إلا بعد الدفن.. والسبب كي يضمن عدم تفتيش "شاهين" وراء موتها وكشف الحقيقة..
لن ينسى ابدًا جملة "شاهين" له حينها, حين اقترب منه ووقف أمامه بشموخه المعهود, وعيناه تحمل براكين الغضب, ليهمس بقسوة استحقها الأخير:
-من النهاردة.. انتَ مش اخويا... انتَ عدوي.
عاد من ذاكرته على شعوره بذراع "ليلى" يحيط جسده وسماعه لصوتها تشاركه البكاء, هدأ بعد وقت ليس بقليل, وأكمل بحشرجة:
-وبعدها بعدت نورهان عنه, اكتر من 3 سنين وانا مانعها تكلمه, وخليتها تقاطعه.. ويوم ما كانت بتكلمه كان من ورايا وسرقة.. رغم إنه حقها وحقه.. بعد موت نورهان عرفت قد إيه انا كنت غبي ومعمي, ازاي بعد اللي عملته في موت ماما صممت اقسى عليه اكتر واعمل مع نورهان نفس اللي عملته مع ماما, ماكنتش ببطل اقولهم قد إيه هو وحش وبقى شيطان.. كنت بصدرلهم اوس* صوره عنه.. وبعد كل ده تقوليلي هيسامحك! إذا كان انا مش قادر اسامح نفسي..
سألته من بين بكائها باستغراب:
-من امتى وانتَ راجعت نفسك وعرفت غلطك؟ انتَ لحد وقت قريب كنت شايف شاهين السبب في كل حاجه..
أجابها وهو يسمح وجهه بقوة:
-النهاردة... النهاردة بس حسيت بحرقة قلبه, وواجهت نفسي من غير هروب.. طول السنين اللي فاتت كنت جبان.. اول مرة احط نفسي مكانه واحس باللي عملته.
-وناوي علي إيه؟
سألته بحزن, لينظر لها بنظرات مصممة يكمن فيها التحدي:
-ناوي ارجع اخويا ليا من تاني.. ناوي ابطل ارمي اللوم عليه, واحاول اكسبه لصفي تاني, هحارب عشانه حتى لو مش طايقني..
مالت على كتفه تمسد بكفها على ظهره بدعم:
-عين العقل يا حبيبي... ربنا معاك..
------------------
بغرفة فيروز...
لم تجيبها "ليل" فبعث لها برسالة عبر تطبيق الواتساب محتواها
"مساء الخير, انا فيروز, كنت طالبه مساعدتك, يا ريت تتواصلي معايا"
وأغلقت الهاتف والقته بجوارها وتمددت فوق الفراش بإرهاق شعرت بهِ, فهي طوال الأيام الماضية لم ترتاح ومع الضغط النفسي أثر الأمر على طاقتها ومجهودها, فهمست لنفسها بقلق:
-لا انا لازم ارتاح شوية ليتأذي.
قالتها وهي تمسد فوق بطنها بخوف غريزي كأم, والتقطت الهاتف الداخلي للفيلا من جوارها طلبت رقم واحد فأتاها الرد من مطبخ الفيلا, فطلبت بعض الطعام لشعورها بدوار بسيط وجوع.
نظرت للسقف بشرود, فعاد لقائها ب "ميرنا" يدور برأسها من جديد...
استعدت "ميرنا" للحديث وقالت:
-انا عيلتي كانت عيلة صغيرة اوي وبسيطة, كنا قريبين جدًا لبعض, ماما حرصت اننا نكون عيلة بجد, بينا حب وألفة وارتباط, لأنها اتربت على كده في عيلتها, وصلتنا لدرجة ان يومنا ميعديش ابدًا من غير بعض, كنا خمسة.. ماما وبابا واخويا الكبير عادل, وهند اختي وبعدها انا الصغيرة.. مهما حكيتلك عن يومنا وبيتنا ده كان ازاي مش هوصلك الصورة, بيت مليان طاقة وحياة.. وحب واهتمام, كل حاجه كانت كويسة اوي, لحد..
قبضت على كفيها حين بدأوا في الارتعاش تحت نظرات فيروز المتفحصة لحركاتها لتتبين صدقها من عدمه:
-لحد سنة 2011, حصلت الثورة وحصل الانقلاب, ووقتها عادل اخويا اتبدل, اتلم على جماعة من الارهـــ*ـاب اللي كانوا بيفسدوا الشباب في الوقت ده ويجروهم لطريقهم عشان يحققوا مكاسب ليهم, وقتها محدش كان عارف مين الصح ومين الغلط ومين مع مين ومين ضد مين.. وهو مشي مع التيار, ومعرفش ازاي ورطوه معاهم.. وقتها انا كان عندي 14 سنة, كنت في تالتة اعدادي.. عيلة يعتبر.. بس شوفت سنة من اسوء السنين اللي عدت عليا, تخيلي كل يوم تقريبًا.. غير الخراب اللي في البلد وقطا*ع الطرق والبلطجية والبلاوي اللي انتشرت وقتها, كل يوم حملة بتهجم علي بيتنا عشان يقبضوا على عادل.. وهو كان بيعرف قبل ما ييجوا ويهرب, حياتنا في السنة دي كان عنوانها الرعب.. تخيلي أمن دولة بيقتحم عليكِ بيتك هيكون الوضع إيه؟ كنت ببقى قاعدة باصة لباب الشقة مستنية خبطتهم ودخولهم علينا يفتشوا في الشقة لحد ما يغلبوا ويقلبوا الدنيا ويمشوا.. الخبطة البسيطة كانت بتخليني اتنفض من مكاني... شكلهم كان مرعب بالنسبالي, لدرجة اني كنت بنام احلم بيهم, بابا حاول معاه كتير اوي يبعد عن الطريق ده ورفض, وبعدها اتصدمنا انه بقى يتاجر في العملة وسرقة السولار والأعمال المشبو*هة اللي انتشرت وقتها, بابا لما عرف طرده, ومنعه ييجي البيت تاني.. ولما بطل ييجي الحكومة عرفت فبطلوا هم كمان يدوروا عليه عندنا.. فكرنا ان الأمور استقرت على الأقل هنعرف ننام من غير ما نتفزع على ناس غريبة في بيتنا.. لكن الاسوء كان جاي بعدها..
رفعت كوب الماء تتناول منهُ القليل لتستطيع التكملة, ورفعت نظرها لفيروز بأعين حمراء مليئة بالدموع:
-خلصنا من الحكومة دخلنا في سكة الناس اللي اشتغل معاهم, وفجأة لقيناهم في يوم هجموا علينا وعرفنا ان عادل سرق منهم شحنة مهمة تخص شغلهم هو و3 صحابه, تقدري تقولي خدونا رهاين عندهم لحد ما عادل يرجع الشحنة او تمنها, قعدوا في بيتنا أسبوع كامل, بيعاملونا زي العبيد.. وكأننا في سجن, بالعكس السجن كان هيكون ارحم بكتير اوي.. وقتها...
بدأ صوتها يتهدج بالبكاء وهي تُكمل بما أثار مشاعر الشفقة والحزن في فيروز:
-ماما كانت مريضة قلب.. وكان لها ادوية مينفعش توقفها, لكن في الظروف اللي كنا فيها ماكنتش مركزه في حاجة غير حسرتها على ابنها وخوفها علينا, واحنا كمان من خوفنا مركزنا شمعاها ولا فكرنا في علاجها.. وفجأة, وقعت مننا.. ماتت قدام عنينا, اترجناهم نوديها مستشفى.. بابا باس ايد الراجل اللي كان كبيرهم عشان يطلب الإسعاف ورفض.. وهدده بينا لو ماسكتش...
نظرت لكفيها بدموعها الغزيرة, ورددت بملامح تصرخ وجعًا:
-كانت ماسكة ايدنا وهي بتاخد اخر نفس ليها.. واحنا بنصرخ ومش قادرين نعملها حاجة...
زاد ارتعاش كفيها فنهضت "فيروز" بغريزتها الإنسانية, تجلس مجاورة لها وهي تمسك كفيها بإحكام تبث لها بعض الأمان المفقود, لتطالعها بامتنان, وتكمل السر بانهيار باكية:
-ماكنتش دي النهاية.. بعد ما ماتت بابا فقد اعصابه, مبقاش عارف هو بيعمل ايه, وبدأ يطيح فيهم ويضربهم.. حصلت خناقة كبيرة اوي بينه وبينهم.. وفجأة.. سمعنا صوت طلقة رصاص وصرخت بابا بعدها...
قاطعتها "فيروز" وهي تردد بدموع لا تتوقف, وتشدد على كفيها الممسكة بهما بإحكام:
-خلاص متكمليش.. مش عايزه اعرف حاجة, بس اهدي.
نفت برأسها وهي تحاول التحكم في شهقاتها:
-انا كويسة.. انا المفروض كويسة وعديت كل ده, بس...بس طبيعي اتأثر لما افتكره.
هزت "فيروز" لها بإيمائه آسفة, لتكمل:
-بنت عندها 14 سنة, والتانية عندها 17 سنة, قاعدين قدام جثة ابوهم وامهم, وحواليهم ناس غريبة مجر*مة, ومصير مجهول.. معتقدش محتاجة احكيلك قد إيه الوضع كان مرعب ومميت.. بعد وقت معرفش كان قد إيه, فوقت واكتشفت إن اغمى عليا بعد اللي حصل.. فوقت لاقيت نفسي في المستشفى.. وعرفت من هند ان عادل وصل.. وصل بس متأخر, واداهم فلوسهم وخدنا على المستشفى.. ودفنوا بابا وماما.. عارفه قعدت قد إيه غايبة عن الوعي؟
نظرت لها بجهل تحثها عن الإجابة, فأكملت "ميرنا":
-شهد قالتلي إني فضلت أسبوعين محدش عارف يفوقني, والدكاترة بيحاولوا لكن التعب كان نفسي, وأثر الصدمة, فمقدروش يتدخلوا.. قومت من الحادثة دي, لاقيتني انا وشهد لوحدنا.. من غير عادل.. ولما سألتها عنه, عرفت انها طردته وقالتله انه من وقت اللي حصل لأهلنا بسببه هو مش اخونا..
رددت "فيروز" بدهشة:
-ايوه بس ازاي؟ ده قرار صعب جدًا, لان مبقاش ليكوا حد غيره, وانتوا هتعيشوا لوحدكم؟
اومأت برأسها تقول بشبح ابتسامة:
-شهد طول عمرها قوية, كانت طالعة لبابا, ومستعدة تواجه أي حاجة.. لدرجة إني كانت مذهولة ازاي قادرة تقف على رجليها بعد الحادثة؟ وعرفت انها كمان حضرت الدفنة, ووقفت في وش عادل وطردته ومخافتش منه رغم انه اكبر منها ب6 سنين, ولا خافت من مصيرنا بعد كده.. وفعلاً.. روحنا عيشنا مع جدتي أم ماما, وبعينا بيتنا... وبفلوسه شهد قدرت تشارك خالي في تجارة كان لسه بادئها من سنة وكان محتاج تمويل.. فدخلت معاه بنص راس المال, وبقينا عايشين في بيت تيتا وارباح المشروع بنصرف بيها على نفسنا والأمور اتحسنت اكتر بكتير بعد 2013 ولما البلد بدأت تستقر.. لكن انا ماكنتش كويسة خالص...
أخذت نفس أخر تشحن بهِ طاقتها وأكملت:
-بعد الحادثة, وبعد غياب عادل.. وبعد بيع بيتنا, والحياة الغريبة اللي بقينا فيها بطولنا.. بقيت شخصية ضعيفة اوي, واقل حاجة تأثر فيا وتتعبني.. وقعدت سنة كاملة في اكتئاب لدرجة ان شهد اجلتلي سنة في الدراسة, وحياتي كانت واقفة خالص.. اقل صوت يرعبني, وطول الوقت كوابيس, مبعرفش اتعامل مع الناس.. مبحبش الكلام ولا الدوشة ولا أي حاجة.. شهد الوحيدة اللي كنت سامحلها تقرب مني, حياتي كلها بقت عليها هي وبس, خالي اقترح عليها تعرضني على دكتور نفسي, وفعلاً روحت وتابعت معاه كام شهر لحد ما ارجع اكمل دراستي واتعامل مع الناس من تاني.. لكن برضو ماكنتش كويسة خالص.. شهد حاولت تخليني اعتمد على نفسي, في أخر سنة ليا في الجامعة كان في اعلان في شركة العقرب انهم عاوزين سكرتارية.. فقدمتلي كانت لسه الشركة متأسسة بقالها سنة فماكنوش طالبين خبرات عالية.. وقبلت.. ووقتها شوفت شاهين..
شردت بعينيها تتذكر تلك الفترة بحياتها:
-كان بالنسبالي بطل فيلم.. شخصية عمري ما قابلتها في الحياة, لكن بشوفها في الأفلام والمسلسلات.. الهيبة والقوة, والوسامة والجدي...
-خلاص يا حبيبتي.
نطقت بها "فيروز" في ضيق, لتنتبه لها "ميرنا" فحمحمت بتوتر تتخطى هذه النقطة:
-فغصب عني اعجبت بيه يعني.. وبدأت اتشدله, رغم ان وقتها كان متجوز شدوى ومخلف منها, كان تيم لسه سنه تقريبًا, ورغم ان شخصيته كانت صعبة وكنت بترعب منه, لكن معرفش ازاي في نفس الوقت ومع الفترة حسيت بمشاعر قوية له.. عدى سنة على شغلي معاه وكنت اتخرجت, ووقتها اتفاجأت بشهد اللي كانت مخطوبة من شهور قليلة انها هتسافر بعد الجواز مع جوزها.. هو لما خطبها كان الاتفاق انه هيأجر لها شقة في البيت اللي جنب بيت تيتا, او بيت تيتا كان شقتين وفي واحده فيهم فاضية.. لكن بعد كتب الكتاب جاله فرصة سفر, وصمم يسافر بشهد.. الفترة دي كنت فيها زي التور الهايج.. رافض خالص سفر شهد ومش قادره استوعب حياتي من غيرها, لدرجة اني طلبت منها تطلق..
اتسعت أعين فيروز بصدمة فأومأت "ميرنا" برأسها تؤكد:
-ده فعلاً حصل... لكن للأسف شهد رفضت وقالتلي انها مش هتاخد لقب مطلقة عشان رافضة تسافر مع جوزها, وقعدت تقولي اني لازم اعتمد على نفسي وكلام من ده.. وسافرت, ورجعت اكتأبت تاني.. بس المرادي كان اكتئاب غشيم شوية... لدرجة اني انتحر*ت...
-يالهوي!
رددتها "فيروز" بصدمة غير مصدقة لِمَ تسمعه, فهزت "ميرنا" رأسها بألم من الذكريات المريرة التي تجتاحها الآن:
-كنت يائسة لدرجة صعبة.. وبقيت مبفتكرش حاجة غير بيتنا, وبابا وماما وعادل وهند.. وحياتنا وقتها, وبقيت اصرخ زي المجنونة معرفش لمين.. بس بقيت اصرخ "انا عاوزه ارجع لبيتنا... انا عاوز حياتنا ترجع تاني" وتيتا حاولت معايا كتير اوي, لكن علاقتي بيها كانت مهمشة لان زي ما قولتلك هند كانت اقرب حد ليا, فماكنش عندها فرصة تخرجني من اكتئابي, عيشت أيام في عالم تاني, بتخيل حياتنا القديمة, وبتكلم مع نفسي.. لكن الحقيقة اني كنت شايفه بابا وماما وكلهم, كنت بتعامل وكأني رجعت بالزمن لحياتي القديمة.. وقعدت على الحال ده أسبوع, لحد ما تيتا فاض بيها في يوم.. فضربتني قلم وقعد تصرخ فيا اني بكلم نفسي مش بكلم اهلي.. وان محدش منهم بقى موجود.. ويومها دخلت الحمام قفلت على نفسي وقعدت اصرخ واخبط في الحاجات جوه لحد ما كسرت المراية وخدت ازازه ضربتها في صدري.. ولو سألتيني دلوقتي هقولك انا مش فاكرة اللحظة دي عملتها ازاي او جاتلي الجرأة منين.. بس ماكنتش حاسة بنفسي فعلاً...
-وجدتك اللي لحقتك؟
سألتها "فيروز" بحزن, لتبتسم "ميرنا" بمرار:
-يا ريت.. اللي لحقني فارس احلامي وقتها... شاهين, وكان اول واحد شوفته لما فتحت عيني في المستشفى.. عرفت بعدها ان وتيتا بتحاول تخرجني من الحمام وبتخبط عليا افتح تلفوني رن وكان شاهين عاوز يتأكد مني على ميعاد اجتماع, فردت وصرخت فيه بتطلب منه المساعدة بعد ما سمعت صوت تكسير في الحمام..
عقبت "فيروز" بتفهم:
-وده طبعًا زود من مشاعرك ناحيته, بأنه هو اللي انقذك..
-ده فعلاً اللي حصل.. واللي زاد اكتر لما خالي صفى التجارة وسافر كندا بعد ما ابنه استقر هناك وبعتله, وتيتا ماتت بعدها بشهرين, خالي لما نزل عرض عليا اسافر معاه بس رفضت, وهند كمان فضلت تترجاني اسافر معها بس انا كنت واخده منها موقف جامد من بعد جوازها ورفضت خالص اسافر معاها, وقولتلها اني قادرة اهتم بنفسي مش محتاجه حد.. وقتها اتكلمت مع جوزها عشان تنزل مصر, فقالها ان عقد شغله فيه 3 سنين لسه ومش هيقدر ينزل قبلهم, ومش قابل مراته تكون بعيد عنه, لما شاهين بعدها عرف ظروفي.. لقيته اجرلي شقة قريبة من الشركة, وجابلي بنت تكون معايا في الشقة وتشوف احتياجاتي, وعشان حالتي النفسية مش مستقرة فحطها معايا عشان لو حصل أي حاجه تبلغه ويلحقني.. حسيت نفسي وكأني فجأة بقيت ملكة.. قاعدة في مكان ماكنتش احلم بيه, ومبعملش أي حاجه وعندي واحدة بتعمل كل شغل البيت... وطبعًا كان شاهين من وقت للتاني بيسأل عليا.. انا بعدين فهمت انه كان بيعمل كده رجولة وشهامة منه مش اكتر, لكن وقتها عقلي صورلي اني اهمه وانه بدأ يحس بمشاعر ناحيتي..
نظرت ل "فيروز" التي تسمعها بإنصات واكملت بتعب:
-عدى وقت وحبيته واتعلقت بيه اوي, ولما عرض عليا الجواز طيرت من الفرحة, تعرفي لدرجة ايه, لدرجة انه لو كان قالي هتجوزك يوم واحد بس كنت قبلت, عشان كده قبلت بكل شروطه.. واتجوزنا, وكنت برضى بأقل القليل منه.. لحد ما في مرة حصلت بينا مشكلة كبيرة بسبب اني كنت عاوزه نغير شرط الحمل.. وقولتله إني نفسي اخلف منه.. وطبعًا هو من البداية كان رافض, وقتها انا لأول مرة عاندت, واتحديته...عشان اتفاجأ تاني يوم انه باعتلي رسالة بيقولي "جهزي نفسك عشان هنروح للمأذون النهاردة واطلقك", الدنيا اسودت في وشي.. وبقيت فعلاً مجنونة, حاولت اوصله بأي طريقة معرفتش.. قفل موبايله وماكنتش اقدر اروحله البيت ابدًا, وعرفت انه مش في الشركة.. كنت عارفه ان شاهين لما بيقرر مستحيل يرجع عن قراره, فاتأكدت اني خسرته, ووقتها قررت اخسر نفسي قبل ما اخسره.. لما بعتلي الرسالة كنت وقتها لسه خارجة من عند دكتور النسا بعد ما شيلت وسيلة منع الحمل, وقررت اتمرد رغم انه رافض.. كنت قررت احطه قدام الأمر الواقع, سوقت عربيتي وانا مش شايفة قدامي بعد الرسالة دي.. وهدفي كان واحد, اني هخلص من كل قرف الدنيا وعذابها ليا اللي مبيخلصش.. واني مش هقدر اتحمل بعده عني وكسرة جديدة ليا, فعملت حادثة بالعربية, الدكاترة قالوا عنها انها كانت معجزة اني نجيت منها..
عقبت "فيروز" الذاهلة مما تسمعه:
-انتِ كل ما حاجة تحصل تخلصي من نفسك!؟
اومأت برأسها بتأكيد:
-وكنت مستعدة اعملها تالت وعاشر, لولا ان شاهين اتراجع عن طلاقنا وقتها بعد اللي حصل, اول سؤال سألهولي لما فوقت الحادثة كانت غصب عنك؟ هو كان شاكك طبعًا بعد محاولتي للانتحا*ر قبل كده وقت سفر شهد, وانا مكدبتش عليه وقولتله "لأ انا كنت قاصدة, ولو لسه مُصر على طلاقنا, مش هتردد اكررها تاني", ووقتها رمى في وشي اصعب جملة ممكن الست تسمعها في حياتها..
سألتها "فيروز" بفضول كبير:
-إيه؟
تهاوت دموعها وهي تقول:
-قالي "يعني كنت عاوزه تموتي نفسك عشان منطلقش! طلاقنا اللي بسبب الخلفة.. طب افرحي بقى, انتِ حرمتي الخلفة على نفسك بإيدك طول عمرك.. كان عندك نزيف شديد في الرحم بعد الحادثة والدكاترة اضطروا يشيلوه"
وضعت "فيروز" كفها على فمها بصدمة واعين متسعة ممتلئة بالدموع من قسوة ما تسمعه, وبدأت في البكاء الصامت وهي تسمع "ميرنا" تُكمل بـتأثر:
-وقتها عرفت إن ده عقاب ربنا ليا, بعدها شاهين صمم اني اتابع مع دكتور نفسي.. فتابعت مع دكتور "إبراهيم عبد الهادي", كان من افضل الدكاترة النفسيين وقتها, وهو اللي فهم شاهين حالتي.. قاله إني بقى عندي مرض اسمه "الثانتوفوبيا", او فوبيا الفقد, وهو ان الشخص بيكون عنده عقدة من انه يخسر حد من اللي بيحبهم, وبيكون عنده هوس بكل شخص في حياته انه ميبعدش عنه لأي سبب كان, بتكون بدرجة قريبة للجنون.. وقاله إن الفوبيا دي حصلتلي بعد فقدان بابا وماما واخويا في نفس الوقت.. وطبعًا زادت بسفر هند, عشان كده وقتها رفضت الحياة من غيرها.. ونفس اللي حصل لما شاهين قالي انه هيطلقني.. وبدأت معاه رحلة علاج صعبة, بيحاول يعودني اني ابقى شخص طبيعي مبقاش مهووسة بالناس اللي موجودة في حياتي..
ربطت على كف "فيروز" الموضوع فوق الطاولة تخبرها بابتسامة:
-عشان كده شاهين مقدرش يطلقني غصب عني, لانه كان عارف إني وقتها هلجأ لنفس الطريقة اللي لجأت ليها زمان.. عرض عليا كذا مرة اننا نفصل لكن مقدرش ياخد القرار وانا رافضة, وعرفت من دكتور إبراهيم انه كلمه في الموضوع ده الشهور اللي فاتت كذا مرة والدكتور نصحه ميضغطش عليا فيه, وقاله ينتظر فترة كمان لحد ما هو يقوله امتى الوقت المناسب للانفصال, وده طبعًا لما الدكتور يتأكد إني اتعالجت واقدر اتقبل انفصالي عن شاهين...
رددت "فيروز" بشرود:
-عشان كده طلقك من غير ما تعرفي, خاف تعملي في نفسك حاجة..
اكدت "ميرنا" تقول:
-بالضبط.. عارفه انا عرفت ازاي اني اتعالجت واقدر اتقبل انفصالي عن شاهين حتى لو هعاني بس على الأقل مش هأذي نفسي ولا هكتئب؟
-ازاي؟
ابتسمت "ميرنا" تجيب:
-لما هربت بعد ما سيف خد مني ورقة الجواز وخوفت شاهين يأذيني, الدكتور قالي إن الخطوة دي كانت مهمة جدًا, وأكدت له نجاحه معايا.. انتِ عارفه لو قبل فترة قليلة اوي من دلوقتي كنت مستحيل هتحرك خطوة بعيد عن شاهين حتى لو عارفه انه جاي يقتـ*لني مش بس يأ*ذيني.. لكن اني قدرت اهرب وافضل أيام بعيد عنه من غير ما اجري عليه دي كانت نقطة فاصلة في حياتي, مش هنكر اني موجوعة, وقلبي مقسوم نصين من الفراق ده, وخبر الطلاق نزل صدمة عليا وللان مش مستوعباها ولا قادرة اتخطى وجعها.. بس دكتور إبراهيم هو اللي نصحني اجي واقعد معاكِ النهاردة, قالي لو قدرتِ تقعدي معاها وتحكيلها كل حاجة وتمحي أي سوء فهم بينها وبين شاهين, يبقى انتِ كده عديتِ 70% من رحلة العلاج..
ضحكت من بين بكائها وهي تكمل:
-وقدرت.. ماكنتش مصدقة إني اقدر اعملها, وكنت رافضة خالص اكلمك, بس هو اجبرني اعمل ده.. كنت متخيلة إني اول ما اشوفك همشي ومش هقدر اقعد معاكِ وانا عارفه إنك قدرتي تخديه مني.. لكن قدرت وغلبت نفسي من إني اسوء شكله قدامك او اقولك حاجات محصلتش عشان ابوظ علاقتك بيه...
كانت فرحتها كفرحة الطفل صباح العيد, أو كفرحة الأم بعودة ولدها بعد سفره لسنوات, فرحة تُرى واضحة في العيون, رغم بكائها, بكت معها "فيروز" وقد ثارت مشاعرها ومسكت كفيها بقوة تهمس لها:
-قدرتِ يا ميرنا.. ومتقوليش إنك ضعيفة ابدًا.. انتِ قوية, قوية جدًا, محدش يعدي بكل اللي عديتِ بيه ويقدر يكمل.. انا لو مكانك كنت ضيعت, متخيلش احساسي لو امي بعد الشر حصلها حاجة.. فازاي بعد كل اللي حصلك بتقولي إنك ضعيفة! ولحظات ضعفك اللي كانت هتنهي حياتك ربنا عالم إنها كانت خارجة عن إرادتك.. أنا أسفة...
انهت جملتها ومالت عليها تحتضنها بقوة شعرت بأنها تحتاج لعناق بعد كل مشاعرها السيئة التي تكالبت عليها وهي تسترجع ذكرياتها المريرة, وأكملت وهي تشدد من احتضانها بشفقة بالغة على هذه الفتاة:
-سامحيني لو كنت عاملتك بطريقة مستفزة, انتِ مش وحشة ابدًا, انتِ من انضف الناس اللي الواحد ممكن يقابلهم..
شعرت ميرنا بالسكينة في أحضانها, وتركت لنفسها بعد الثواني تلتمس فيهم بعض الأمان والاحتواء المفقودين, ثم ابتعدت عنها تمسح دموعها مبتسمة بمرح طفيف:
-كويس إنك بتحضنيني بعد ما خلصت وتكون دي نهاية اللقاء, فكرتك هتخبطيني بالكاس في وشي...
ضحكت "فيروز" وهي تمسح دموعها هي الأخرى, وقالت بصدق:
-متستحقيش ابدًا اني اعمل فيكِ كده..
عادت من ذاكرتها تمسح دموعها التي تساقطت على وجنتيها أثر تذكر مأساة الفتاة وهمست:
-ربنا معاها ويقويها على اللي هي فيه...
ارتفع رنين هاتفها لتنتفض تلتقطه فوجدت اسم "ليل" يزين الشاشة, فردت سريعًا بابتسامة حماسية:
-السلام عليكم...
---------------
في غرفة "شاهين"...
بدل ثيابه لثياب مناسبة للنوم.. وقف أمام زجاج شرفته يتحدث عبر الهاتف مع شخص ما, ليردف بعد ثواني من الصمت:
-ولازم انا اللي اسافر؟
أتاه الرد عبر الجهة الأخرى:
-معنديش حد غيرك أثق فيه يا شاهين في شحنة مهمة زي دي.. لازم تقنع الرؤساء هناك انهم يوفروا لينا الشحنة دي كاملة.. وده طبعًا مش سهلة, الكمية كبيرة جدًا وهيقلقوا, وانتَ محل ثقة عندهم, وعندي.. عارف إنك هتلاقي طريقة تقنعهم بيها..
ضيق عيناه بغموض يسأل:
-بس يهمني اعرف, ليه المرادي الشحنة كبيرة اوي كده؟
اتاه الرد الذي صدمه لثواني:
-عشان احنا داخلين على حر*ب يا شاهين.
سأل بحذر وقلبه ينبئه بصدمة جديدة في طريقها إليه:
-احنا مين؟
وقد صدق حدسه حين أتاه الرد:
-احنا هيطلب منا كميات كبيرة الفترة الجاية, هنصدرها لناس بره..
-بس احنا مبنصدرش! احنا بنستورد هنرجع نصدر ليه ولمين؟
سمع رده الخبيث:
-هو انتَ مخدتش بالك بالحرو*ب الدايرة في البلاد اللي حوالينا؟ مش واخد بالك من الحر*وب الأهلية اللي جوه البلاد...لبنان.. سوريا.. العراق.. لبيا.. الصومال.. ودول كتير تانية, احنا بقى مهمتنا نصدر للدول دي, في السوق السودا..
علق "شاهين" بعدم فهم الوضع:
-نزود الفتنة يعني.. ونشعلل الحرو*ب دي اكتر, بدل ما يكون طرف واحد معاه سلا*ح يبقوا الطرفين ف...
ضحكة خافتة خرجت من الأخير قبل أن ينهي المكالمة يقول:
-فتطول الحر*ب اكتر واكتر, وفي النهاية احنا المستفدين.. بكره الساعة 9 بليل بتوقيت تركيا تكون هناك يا شاهين, ومستني البشارة منك.
اغلق "شاهين" المكالمة ووقف ينظر لزجاج الغرفة بصمت لثواني انهاه بتحركه لنور الغرفة يغلقه في هدوء واتجه لفراشه يتمدد فوقه محاولاً النوم...
بعد ساعة تقريبًا..
شعر بباب غرفته يُفتح في هدوء, فتسللت يده لسلاحه الموضوع اسفل وسادته تحت رأسه دون ان يفتح عينيهِ, شعر بهمس خطوات استمرت طويلاً حتى وصلت لفراشه لطول مساحة غرفته, وبعدها سحب يده بهدوء تاركًا السلاح محله, بعدما أدرك هوية المتلصص, فقد اشتم رائحتها, أعاد وضع يده محلها السابق بهدوء, والتزم السكون التام, حتى شعر بها تتمدد جواره, بعدما تخلت عن مئزرها, الذي سمع حفيفه, واستلقت في هدوء تام مقتربة منه لتستقر رأسها فوق ذراعه المفرود فوق الوسادة الطويلة, وتضم باقي جسدها لجسده, بينما استقر ذراعها فوق صدره..
لم يتحدث, لكنها تعلم يقينًا أنه يشعر بها, فحتى وإن كان في عمق نومه, فشعوره بكل حركة حوله توقظه, همست بصوت منخفض وهي تقرب رأسها قليلاً من جانب رأسه:
-أنا أسفة...
استجاب لها, ففتح عينيهِ ومال برأسه يطالعها في الظلام الذي لا يتخلله سوى ضي خفيف يأتي من زجاج النافذة, همس يسألها:
-على؟
ذمت شفتيها تجيب:
-ماكنش ينفع اكدب عليك, بس انا كنت عارفه لو قولتلك اني خارجه اقابلها هترفض, ولما رجعت خوفت اقولك اني قابلتها تقول إني كدبت عليك قبل ما اخرج وقولتلك رايحة لأمل وتحصل بينا مشكلة.. صدقني كنت في حيرة, بس كنت محتاجه اقابلها يا شاهين..
رفعت كفها تضعه على خده وهي تكمل برفق:
-يا حبيبي انا واثقة فيك, ولا يمكن اثق في واحده غريبة عنك, بس.. كنت محتاجه ارضي فضولي, بدل ما عقلي كان هيشت من الغموض اللي في قصتك معاها, كنت عاوزه افهم ليه حريص متعرفهاش بطلاقك منها, وليه كنت مستنيها توافق على الطلاق... لكن حتى لو ماكانتش ميرنا كلمتني وقابلتها وفهمت... برضو كنت هسامحك, بس كنت محتاجه وقت.. وبصراحة كنت عاوزه اخد موقف عشان متخبيش عني حاجه تاني.. لأني والله يا شاهين لو اتكررت تاني غصب عني مش هقدر اسامح.. لما عرفت الحقيقة منها, حسيت بحيرتك والنارين اللي كنت بينهم.. ناحية انا, وناحية هي اللي محمل نفسك مسؤولية حياتها لو حصلها حاجه, بس ده ميمنعش إنك كان لازم تعرفني بجوازك منها..
صمتت قليلاً وتعمقت في نظرها له تعاتبه:
-شاهين انتَ ليه في كل موقف بينا بتخوفني منك؟ ليه طول الوقت بتحسسني إني واقفه على حافة جبل وفي أي غلطه مني ممكن تزقني من فوقه.. مش اول مرة تهددني إنك تقلب عليا, وكل مرة تقولي انتِ بتتمادي وانا هرجع اعرفك مين شاهين المنشاوي.. رغم إن اول يوم لينا مع بعض قولتلك انا هعاملك إنك شاهين جوزي, مش العقرب اللي الكل بيخاف منه.. انا عارفه إن في حاجات عملتها اتجاوزت فيها شوية, بس فيها لما اتدلع في زعلي على جوزي! فيها إيه لما يحاول مرة واتنين وعشرة يصالحني! ليه بتقول إني شايفة ده ضعف! انا عمري ما شوفتك ضعيف قدامي! اه حسيت انك متقدرش تأذيني.. بس ده عشم في حبك ليا, وثقة إني مش ههون عليك.. مش إحساس مني إنك ضعيف..
صمتت وهي تتحسس وجهه فجأة بكف مرتعش, فانتفضت بفزع تسأله بينما عيناه مسلطة عليها بثبات:
-حبيبي انتَ مبتردش عليا ليه!؟
سقط قلبها في قدميها, وتسارعت أنفاسها بشكل مرعب, لتغزو الدموع عيناها فورًا, وهي تمرر كفها على وجهه والأخر على جسده بجنون:
-شاهين في إيه رُد عليا مالك....شاهين.. شااااااهيــــــــن!
صرخت بالأخيرة بصوتٍ عالٍ وهي ترى عيناه تنغلقان فجأة بسكون مرعب...
