رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثامن والعشرون 

"ما أقسى تلك اللحظات التي نُهدد فيها بالفقد, التي نشعر فيها بكل معنى تحمله أحرف كلمة عجز, ترى شخص عزيز عليكَ يُسرق منك قسرًا, يتسرب من بين أصابع يدك كتسرب المياه, يركض بعيدًا وتلاحقه وانتَ لا تعلم هل ستصل له أم ستتوقف مجبرًا في منتصف الطريق ويختفي هو فجأة من أمامك كأنه كان سرابًا, صرخاتك, وتوسلاتك, دموعك, وخوفك, انشطار قلبك, واحتراق روحك بالرفض.. كل هذا لن يجدي نفعًا.. فالقدر سُمي قدر لأنه يحدث على أي حال.. ولا يستطيع شخص أن يمنعه" 
صمتت وهي تتحسس وجهه فجأة بكف مرتعش, فانتفضت بفزع تسأله بينما عيناه مسلطة عليها بثبات:
-انتَ مبتردش عليا ليه!؟ 

سقط قلبها في قدميها, وتسارعت أنفاسها بشكل مرعب, لتغزو الدموع عيناها فورًا, وهي تمرر كفها على وجهه والأخر على جسده بجنون:
-شاهين في إيه رُد عليا....شاهين.. شااااااهيــــــــن!

صرخت بالأخيرة بصوتٍ عالٍ وهي ترى عيناه تنغلقان فجأة بسكون مرعب, نهضت تقفز من فوق الفراش ترتدي مئزرها وتغلقه بإحكام وهي تركض لباب الغرفة بفزع صارخة:
-الحقوووني... ماماااااا...جدي.. الحقوووني.. 

كانت صرخاتها تتعالى بينما لا تنتظر أن يخرجوا فهي تدرك جيدًا خلودهم للنوم منذُ مدة, قطعت درجات السلم راكضة لا تهتم بشيء سوى إنقاذه, اتجهت لباب الفيلا تفتحه بقوة لترى ثلاثة من حراس الفيلا يقبلون عليها ويبدو أنهم استمعوا لصوت صراخها, فصرخت بهم وهي تعود للداخل:
-شاهين تعبان.. كلموا الإسعاف. 

وتركت الباب على مصرعيهِ عائدة أدراجها له, أُضيئت انوار الفيلا بأكملها وقد استيقظ الجميع بفزع, "المنشاوي" و "مديحة" والخدم والحرس الذين دلفوا للفيلا لكنهم توقفوا على السلم الداخلي لا يستطيعون اقتحام خصوصية الطابق العلوي, أما العمة فهي عادت للبحيرة كي تبقى مع أرملة "سيف" تلك الفتاة التي كانت مجرد ضحية من ضحايا عائلة المنشاوي, والتي لم تعرف بعد الحقيقة كاملة, فتغرق في حزنها على الفقيد..

-في إيه؟ 
هدر بها "المنشاوي" وهو يدلف للغرفة مفتوحة الباب, ليبصر "شاهين" نائمًا كالجثة الهامدة فوق الفراش, نظر ل "فيروز" بخوف حقيقي يسألها:
-حصله إيه؟ 

ردت تنتحب بينما تحتضنها "مديحة" بعدما شعرت بانهيار قدميها بجوار الفراش: 
-معرفش.. معرفش... 

صرخت بكلمتها الأخيرة وهي تنظر له بعجز قاتل بينما لا يبدو عليهِ سماع من حوله, وسقطت أرضًا وقد خذلها جسدها ولم يستطع الصمود أكثر خصوصًا مع ارتعاش ساقيها من الخوف. 

خرج "المنشاوي" سريعًا للخارج, ليبصر الحرس على السلم فسألهم:
-مرسي فين؟ 

رد أحدهم:
-مشي يا باشا, هو اخر ميعاد لشغله الساعه 12... 

ورد الآخر:
-احنا كلمنا الإسعاف. 

نظر "المنشاوي" للساعة المعلقة في أحد الحوائط ليجدها تشير للثالثة صباحًا.. فأمرهم سريعًا بينما يتجه لغرفته لتبديل ثياب نومه:
-مش هنستنى اسعاف, جهزوا العربيات فورًا.. 

اسرعوا بالتنفيذ, بينما سمعت "مديحة" حديثه, فاتجهت لخزانة ابنتها في الغرفة الأخرى تحضر لها ثياب مناسبة, والتقطت عباءة لها هي الأخرى, عائدة لغرفة "شاهين", فوجدتها كما تركتها, جالسة أرضًا بجوار الفراش بإهمال تنظر له بأعين لا تتوقف عن ذرف الدموع, اقتربت منها سريعًا تحثها على تغيير ملابسها بعدما أغلقت باب الغرفة:
-غيري هدومك يا فيروز.. هنروح المستشفى يلا.. يلا يا بنتي متخافيش هيبقى كويس.. 

رفعت بصرها بنظرات تائهة لوالدتها, لتسألها بشفتين مرتجفتين:
-هو...هو م...مات؟ 

شهقت "مديحة" بفزع بينما تنساب دموعها على وجنتيها هي الأخرى خوفًا عليهِ ووجعًا على حالة ابنتها:
-بعد الشر.. إيه اللي بتقوليه ده! قومي يا بنتي غيري ربنا يهديكِ هيكون كويس إن شاء الله. 

أشارت بكفها المرتعش له وهي تردد بخوف ودموع:
-مبيتحركش! مبيتنفسش! مش شايفه نفسه..!

تمعنت "مديحة" النظر له, لتجد صدره شبه مستقر.. فابتلعت ريقها برعب وهي تقترب منه, مرددة بهمس:
-استر يا رب... 

وما إن اقتربت منه وشعرت بنفسه الضعيف, حتى عادت لها سريعًا تقول وهي تجذبها لتقف:
-بيتنفس.. قومي.. او هسيبك هنا مع صفاء واروح انا معاه. 

نهضت متحاملة على ذاتها تنفي برأسها:
-لا.. لا هروح.. 

------------------ 
بعد عشرين دقيقة... 
وصلوا لأحد المستشفيات الكبرى بالقاهرة, والتي أصر "المنشاوي" على نقله إليها, لمعرفته بمديرها معرفة شخصية, كان قد أجرى اتصاله بهِ وهم في الطريق, فاستعد طاقم طبي لاستقبال حالة "شاهين" فور وصوله.. 

ركض الممرضات وطبيبان مع السرير النقال الذي يدفعوه لغرفة الطوارئ, والجميع يركضون من خلفه, عدى "فيروز" التي كانت تسير بحركة طبيعية لشعورها بضعف ساقيها وبعض الألم البسيط الذي بدأ يغزو أسفل بطنها, تدعم حركتها "مديحة" التي لا تنفك عن ترديد الدعاء له بأن يحفظه الرب ويخرج منها سالمًا. 

تهاوت على أحد المقاعد أمام غرفة الطوارئ, تنظر لبابها بشرود ونظرات تائهة, ووالدتها تجلس جوارها تضمها لها برفق محاولة دعمها. 
اتجه "المنشاوي" لأحد الحرس يخبره:
-كلم مرسي ييجي فورًا. 

وطلبه ل "مرسي" تحديدًا لعلمه بأنه أكثر الحرس ثقة من قِبل شاهين نفسه, ثم عاد لمكانه واخرج هاتفه يطلب رقم "مازن"... 
------------ 
بشقة مازن... 
صوت هاتفه أزعجه, فرفع رأسه عن الوسادة بنزق وهو متيقن أنها مكالمة تخص العمل, لكن اتسعت عينيهِ بقلق واعتدل في جلسته سريعًا حين رأى رقم الجد... 

-جدي؟ انتَ كويس؟ 

جائه الرد سريعًا:
-مازن تعالى على مستشفى **** فورًا, اخوك تعبان. 

انتفض من فوق الفراش بشكل أيقظ "ليلى" التي نهضت سريعًا بقلق تضيء نور الغرفة وهي تنظر له بتوتر لمظهره خاصًة حين قال:
-ماله؟ إيه اللي حصله؟ 

-تعب فجأة.. لسه الدكتور مخرجش. 

-جاي. 
قالها وهو يركض لخزانته يخرج ثيابه في سرعة رهيبة والقى بهاتفه جانبًا لتسأله "ليلى" بقلق:
-في إيه يا مازن؟ 

أجابها وهو يخلع ثياب نومه:
-شاهين في المستشفى.. 

شهقت بخضة تسأله:
-حصله إيه؟ 

التقط قميصه يرتديه بسرعة, ورد بعصبية نابعة من قلقه على أخيه:
-مش عارف يا ليلى...

تحركت فورًا تجذب أحد فساتينها:
-انا لازم اجي معاك عشان فيروز, اكيد منهارة, هصحي ليندا عشان إياد. 

لم يجيبها وهو يسرع في ارتداء ملابسه, وعقله يشغله ألف فكره جميعها تودي للهلاك, فشاهين قوي.. كعادته, لن يذهب للمستشفى إلا في حالة طارئة, كتلك المرة التي نُقل فيها يوم وفاة "نورهان" بذبحة صدرية شديدة! 
----------------------
بداخل الغرفة.. 
كان فوق السرير الطبي, بوجه شاحب وشفتين بدأ يميل لونهما للإزرقاق, وحبات العرق متناثرة على وجهه رغم برودة جسده! تنفسه يكاد يكون معدوم, ومع ذلك صدره يعلو بقوة لوهلة ثم ينخفض تمامًا كأنه يحارب مع كل نفس. 
وصوت الطبيب يعلو:
-ابعت لوحدة القلب بسرعة.. وهاتلي جهاز الإنعاش. 

قال جملته الأخيرة يشير لأحد الممرضين, الذي أسرع بجلب الجهاز من أحد الجوانب.. 

تم توصيل جسده ببعض الأجهزة, التي تقيس نبضات القلب فتعالى صوتها يكسر صوت الأطباء, وفجأة علىَ صوت الطبيب الآخر:
-ضغطه واقع.. ومحتاج اكسجين فورًا. 

فعلق الآخر سريعًا:
-الأفضل ننقله وحدة القلب هناك هنقدر نتصرف اسرع, وكمان محتاج يعمل رسم قلب وأشعه.. 

وتابع وقد أشار للممرضين بحزم:
-فورًا يتنقل هناك. 
------------ 
خرج الطبيبان من غرفة الطوارئ مع اقتراب مدير المستشفى بعد أن تبادل التحية مع "المنشاوي" وسألهم عن الوضع مع خروج "شاهين" بالسرير النقال, ليجيبه أحدهم:
-هننقله وحدة القلب لحد ما نشخص الحالة, محتاج يتحط على جهاز اكسجين فورًا ومونيتور القلب, ونرفع الضغط. 

ليتجه لهما "المنشاوي" سريعًا بعد سماعه لحديثهما يسألهما بخوف:
-شاهين ماله؟ ليه كل ده؟  

نهضت "فيروز" وقد أتتها قوة فجائية تجاوره لتسمع ردهما, فأجابه أحدهما:
-لحد الآن مش هنقدر نشخص الوضع بدقة, هو اهم حاجة محتاجها حاليًا الاكسجين لان الاكسجين قليل جدًا, وهنتابع نبض القلب, لحد ما نعمل رسم قلب وإيكو وشوية تحاليل وبعدها هنقدر نحدد الوضع, لكن هو له تاريخ مرضي مع القلب؟

أجابه سريعًا:
-ذبحة صدرية.. كانت حصلتله من سنة ونص تقريبًا.  

اومأ الطبيب بتفهم, وانصرف الطبيبان خلف "شاهين", وبقى "المنشاوي" مع مدير المستشفى لينظر له بتيه فطمئنه الأخر:
-متقلقش يا منشاوي بيه, انا هتابع الوضع بنفسي, وأول ما نتأكد من التشخيص هبلغك.. عن اذنك تتفضلوا معايا. 

تحرك وتحركوا خلفه حيث أُخذ "شاهين" وما إن وصلا أمام الباب المدون عليهِ "وحدة رعاية القلب" حتى اتجهت "فيروز" للمدير تسأله بوجل:
-هم جايبينه هنا ليه؟ مش دي عناية؟ 

أجابها الرجل بهدوء:
-اهدي يا أستاذه, هم جابوه هنا عشان بس يتابعوا حالته ويقدروا يقوموا باللازم كل الاجهزه اللي بتخص حالات القلب اللي هيحتاجوها موجودة جوه. 

رددت بارتعاش:
-بس هو مش مريض قلب! 

ابتسم لها ابتسامة صغيرة يجيب:
-محدش قال انه مريض قلب, يمكن حصل خلل مفاجئ.. هنكتشفه ونبلغكم عن اذنكم. 

قالها وانسحب ليدلف للغرفة وبقوا هم في الخارج... 

ومرت ساعة كاملة بعدها دون أن يظهر منهم أحد سوى الممرضين الذين يدلفون ويخرجون.. 

_لازم يبقى كويس... لازم يبقى كويس..
رددتها بانهيار وهي تقطع الممر أمام الباب المغلق ذهابًا وإيابًا دون توقف، تفرك كفيها ببعضهما بأعصاب تالفة، تهذي مع نفسها ببعض الجمل التي لا تصل لمسامع أحد..
اقتربت منها "مديحة" بقلق بالغ عليها:
-يا بنتي اهدي شوية كده غلط على اللي في بطنك. 

استدارت لها مرددة بانهيار وشيك ودموعها تزين وجهها باحترافية:
-اهدى! اهدى ازاي وانا مش عارفه جوزي فيه إيه.. من وقت ما خدوه بقالهم ساعة بيه جوه محدش خرج يطمنا، ورايحين جايين لحد ما اعصابنا باظت..

طالعتها بأعصاب مُتلفة هي الأخرى من الحدث العصيب الذي يمروا بهِ، ورددت بضيق وعصبية واضحين:
_وطريقتك دي هتطمنك عليه! ولا هترقدك جنبه!

_شاهين ماله؟
صوت قطع جدالهما، لتلتفت "فيروز" للمتحدث الذي انضم لهم للتو، فانهارت ملامحها بالبكاء تردد وهي تتعلق بذراعه:
_مازن... اخوك بيموت..

نهرتها "مديحة" بشدة:
-اخرسي بقى كفاية تفولي عليه! 

تدخل "المنشاوي" وهو يقترب منهم يقول موجهًا حديثه ل "فيروز" المنهارة بالبكاء:
-لو مش هتقدري تمسكي اعصابك يبقى الاحسن اكلم الحرس يوصلوكِ الفيلا, متنسيش إنك حامل ولو فضلتِ بالشكل ده هكلم مرسي ياخدك من هنا. 

حاوطتها "ليلى" بذراعها وردت بالنيابة عنها:
-معلش حضرتك هي برضو مش هتبقى مرتاحة في الفيلا وهي متعرفش عنه حاجة. 

هدر "مازن" بنفاذ صبر وعصبية:
-جدي إيه اللي حصل, ما حد يطمني! 

رد "المنشاوي" بحزن واضح:
-منعرفش لسه يا مازن, هم خدوه بيعملوا تحاليل واشعة ولسه مخرجوش. 

نظر لفيروز بأعين مشتعلة يحدثها بحدة:
-اومال إيه بيموت دي؟ 

رفعت نظرها له ببكاء حار:
-ماكنش بيرد عليا.. جسمه كان تلج وفي نفس الوقت كان عرقان.. نفسه... نفسه ماكنتش حاسه بيه. 

ضمتها "ليلى" لها أكثر وهي تقول بشفقة:
-طب اهدي.. اهدي يا فيروز هيكون بخير إن شاء الله. 

فُتح الباب وخرج المدير من الداخل, ليسرعوا بالتحرك إليهِ, فبادر "المنشاوي" السؤال:
-حالته إيه؟ 

أجابه بعملية موضحًا بالتفصيل:
-حالته كان مشكوك فيها إنها جلطة في القلب, واتعاملنا معاه على الوضع ده لحد ما نوصل للتشخيص الأكيد, الادوية والمحاليل اللي خدها فادته وحسنت الوضع شوية, لكن اشعة الايكو وتحليل الانزيمات, وضح انها مش جلطة, ولا ذبحة.. ولا مشكلة شريانية, اللي ظهر فيهم بيقول إنها حالة متلازمة القلب المكسور. 

سأله "مازن" بنظرات تائهة:
-يعني إيه؟ 

-الحالة دي اتسمت متلازمة القلب المكسور.. لأن اللي بيحصل فيه بيشبه ده.. وكأن تصدع حصل في القلب فجأة أو صدمة اتعرضلها القلب, فيقل الاكسجين.. يتوقف ضخ الدم للحظات, يحصل فقدان وعي فجأة وبرودة في الجسم مع دخول في شبه غيبوبة مؤقتة, نفس قليل جدًا, هبوط في الدورة الدموية.. الحقيقة إنها بتكون حالة موت حقيقي.. 

رُسمت الصدمة على وجوه البعض, وزادت دموع البعض الآخر, والحقيقة المعلنة إنهم كانوا على بُعد خطوات من فقدانه! 

أكمل الطبيب:
- هو في البداية بيكون شبه ذبحة صدرية او جلطة, لكن بتأكده التحاليل والأشعة, عمومًا احنا حاليًا مسيطرين على الوضع واتنقل غرفة عناية هيفضل فيها 24 ساعة تحت الملاحظة عشان نطمن على النفس والنبض وباقي المؤشرات الحيوية. 

رفع سبابته بتوقع أكيد:
-لكن الواضح انه متعرض لضغط نفسي شديد, السبب الوحيد لمتلازمة القلب المكسور هو الضغط النفسي والحزن, التوتر.. الاجهاد الشديد ولفترة طويلة, فهنحتاج بعد ما نطمن عليه في العناية يفضل معانا يوم خارج العناية في غرفة عادية, وبعد ما يخرج هيمشي على أدوية بسيطة لفترة مع متابعة مع دكتور قلب, واهم حاجة.. يبعد عن الضغط النفسي على قد ما يقدر ويرتاح.. 

-شكرًا يا دكتور تعبتك معايا.. 
قالها "المنشاوي" ليرد الطبيب بهدوء:
 -ابدًا ده واجبي طبعًا... وإن شاء نطمن عليه أكتر في الساعات الجاية. 

-هو انا ينفع اشوفه؟ 
رددها "مازن" بلهفة وقد حضر لذهنه أخر مشهد جمعه بهِ, يريد أن يعتذر له ويكون جواره في مشهد آخر خالي من النزِاع حتى وإن لن يسمعه. 

-وانا كمان.. 
قالتها "فيروز" من بين بكائها ليجيبهم الطبيب:
-عشان مصلحته هو مش هينفع دلوقتي, مش قبل 6 ساعات على الأقل لحد ما الحالة تستقر. 

اقترب منه "مازن" خطوتان وقال بصوت منخفض يشوبه الندم:
-لو هو هيسمعني فدخولي له هيفرق.. انا اخوه وحصل بين خلاف كبير امبارح وحابب اعتذر منه واعرفه اني جنبه وان مهما يحصل بينا هيفضل اخويا وهفضل احبه. 

تجمعت الدموع في عينيهِ بكلماته الأخيرة, وشعور المرارة التي يشعر بها الآن لا يضاهيه شيء, فبشكل او بآخر هو سبب رئيسي في حالة أخيه, بدليل أنها حدثت بعد شجارهم بساعات قليلة.. شعور الذنب يقتله, وذعر الفقدان يقسم قلبه نصفين. 

-انا معنديش مانع تشوفه, لكن على الأقل سيب للدكاترة كام ساعة يطمنوا ان الحالة مستقرة.. 

اومأ برأسه حين تابع الطبيب:
-على الصبح كده الساعة 8 او 9 تقدروا تشوفوه لو الحالة استقرت. 

وانصرف من أمامهم ليستند "مازن" على الحائط مجاور لباب الغرفة, ينظر للباب وجبهته مسنودة على الحائط يردد بهمس متألم:
-شاهين! 

جذبتها "ليلى" و "مديحة" للمقاعد مرة أخرى, وقالت "ليلى" بحزن:
-فيروز لازم ترتاحي.. الدكتور قال مش هنعرف حاجه ولا نعرف نشوفه غير الصبح, لازم تنامي ولو ساعتين عشان صحتك. 

نفت برأسها وهي تقطع أي سُبل للحديث مرددة بصوت مبحوح من بكائها وصراخها:
-مش هعرف انام. 

اقترب "مازن" منها بعد بعض الوقت يسألها بقلق وصوت حزين:
-انتِ كويسة؟ لو حاسه بأي تعب يا ريت تقولي نشوف دكتور, بلاش تتعبي انتِ كمان. 

رفعت نظرها له تسأله بأعين مليئة بالدموع وتسكنها نظراتها المشتتة:
-هيبقى كويس؟ 

وكأنها تستمد القوة منهُ, وكأنها لا يعنيها حديث الطبيب مهما قال, فقط ستثق بحديثه هو! هكذا شعر من نظراتها, فاستدعى قوته وهو يبتسم لها مجيبًا:
-عمري ما شوفته غير قوي.. وقادر يفضل واقف على رجله مهما وقع, صدقيني بكل اللي مر بيه وشافه يخلي عندي ثقة اقولك انه هيقوم منها المرادي كمان, وإن مفيش حاجة تقدر توقعه. 

اومأت برأسها بأعين لمعت بالأمل, ومالت تسندها على كتف "ليلى" بإرهاق, لتستقبلها الأخرى بصدر رحِب. 

ابتعد "مازن" خطوات قليلة ليقف أمام المنشاوي الذي قال بصوت يملأه الحزن والوجع:
-كنا دايمًا بنشوفه صالب طوله مهما حصله, لدرجة إننا فكرناه قوي بصحيح وراجل مفيش حاجه في الدنيا تقدر عليه, لكن اهو... طلع كل ده قشرة وجواه متفتت. 

ربط "مازن" على كتفه بعدما تنهد بوجع من حديثه وقال:
-جدي لو سمحت ارتاح, انا مش هعرف ابص في وش شاهين لو فاق ولقى حد فيكم وقع! 

هز "المنشاوي" رأسه بلا معنى, ليتنهد "مازن" بتعب وكل شيء حوله يضغطه. 
--------------- 
التاسعة صباحًا... 
فيلا مختار المنشاوي... 
ثار بعد أن سمع من الحارس الشخصي له خبر فشله في العثور على الصغير ليهدر بغضب:
-يعني إيه معرفتش توصله؟ بقالك أيام بتدور عليه ومش عارف توصله, ليه خباه في بطن الحوت؟ 

رد الرجل بتبرير:
-يا باشا انا بدور في كل مكان ممكن يخبيه فيه, ومش لاقيه.. وانتَ عارف لو العقرب مش عاوزنا نلاقيه مش هنلاقيه. 

فتح ذراعيهِ بسخرية مرددًا بحدة:
-يا فرحتي بيك.. يعني بتقولي إني مشغل معايا كلاب مينفعوش في حاجه غير انهم يجروا ورا العضمه اللي يرميها ليهم شاهين وبمزاجه.

ابتلع الرجل الإهانة في صمت فصرخ بهِ "مختار":
-اخفى من وشي.. وتصفي حسابك وتمشي, انا مبشغلش حمير معايا. 

انسحب الرجل تاركًا إياه في أقصى حالات اشتعاله, والتي هدأت فور أن دلف رجل آخر يخبره:
-باشا عرفت خبر لازم تعرفه. 

نظر له "مختار" باستفسار ليقول الأخير:
-شاهين المنشاوي في المستشفى من امبارح, وفي العناية المركزة بيقولوا حالته مش مستقرة. 

ابتهجت معالمه بشكل غريب وكأنه ربح جائزة كبرى للتو, وأردف متسائلاً بلهفة وهو يقترب منه:
-محاولة اغتيال؟ 

-لا, بيقولوا مشاكل في القلب.

اسرع يلتقط أشيائه من فوق المكتب وهو يردد بابتهاج غير طبيعي:
-يبقى لازم اروح ازور ابن اخويا حبيبي.. واطمن إني هحضر جنازته قريب.

---------------------- 
في المستشفى.. 
وصل "معتز" و "غسان" لهناك بعد أن عرفوا الخبر, ليقفوا كتفًا لكتف بجوار "مازن" والجميع مترقب استقرار حالة العقرب وإفاقته. 

ربت "غسان" على كتف "مازن" يقول:
-متقلقش هيبقى كويس. 

نظر له برجاء:
-يا رب يا غسان.

حاول "غسان" إخراجه من حالة الحزن التي فيها رغم قلقه هو الآخر وقال بمرح طفيف:
-يا جدع هو في تور بيحصله حاجه! مازن يا حبيبي شاهين اخوك ده مش عقرب لا ده تور قد الدنيا مهمته في الحياة ينطح لكن عمره ما يتنطح. 

طالعه "مازن" بغضب, بينما فهم "معاذ" ما يحاول فعله فعقب:
-تمام.. سجل بقى يا مازن عشان كل ده هيوصل للتور.. قصدي لشاهين لما يفوق. 

أردف "مازن" بغيظ:
-عنيا... طب والله ليعرف.. عشان يشد لجامك شوية يا غُس. 

ضغط "غسان" على شفتيهِ بقوة غيظًا فابتسم "مازن" الذي يعرف مدى كرهه لهذا الاسم. 

خرج الطبيب من الغرفة لينتبه له الجميع بقلق واهتمام, فابتسم يطمئنهم:
-الحالة استقرت الحمد لله, وهيبدأ في الإفاقة. 

-الحمد لله. 
رددها الجميع بما فيهم "فيروز" الجالسة على المقعد بتعب تشعر بهِ يجتاح رأسها وساقيها, وكأن أحداث ليلة أمس والخوف والذعر اللذان أصاباها تركا أثر سلبي على جسدها. 

عاد الطبيب يقول وهو ينظر ل "مازن":
-دلوقتي تقدر تدخله, بس خمس دقايق مش اكتر. 

وقد كان ألح عليهِ الأخير لأكثر من مرة منذُ الصباح ليدلف لأخيه, نظر "مازن" خلفه ل "فيروز" يعرض عليها:
-تدخلي انتِ الأول؟ 

أشارت له بلا وقالت بتعب:
-عادي ادخل انتَ وانا بعدك. 

-------------- 
بالداخل.. 
توقفت قدماه بتيبس على باب الغرفة, غير قادرًا على أخذ خطوات إضافية, وهو يبصر أخيه كالجثة الخالية من الروح, فوق فراش أبيض بارد, وأسلاك كثيرة متصلة بهِ, ووجه غير واضح من قناع الأكسجين الموضوع فوقه, وأصوات الأجهزة كأن أصواتها تدق في قلبه وليس أذنه, اخذ نفس عميق قبل أن يكمل طريقه إليهِ بصعوبة وألم.. حتى وصل إليهِ, وقف جوار فراشه يطالعه بأعين دامعة تحررت دمعاتها تسقط على وجنتيهِ بعجز, وللحظة ندم أنه دخل ورآه في وضع كهذا, مستسلم! ضعيف.. وشاهين لم يكن هكذا ابدًا.. 

مد كفه يمسك كف أخيه الموضوع جواره والذي يحمل جهاز صغير لقياس النبض في إصبعه, وكفه الآخر موصول بالمحلول المغذي, انتفض جسده لوهلة وهو يتخيل أنه أوشك على خسارته! والحرب بينهما مستمرة! أي حرب هذه؟ وأي نزِاع كان سيشفع له إن رحل أخيه وبينهما خلاف؟ فليذهب كل شيء للجحيم... ولا تبقى سوى علاقتهما الطيبة. 

اجلى حنجرته يقول بصوته:
-كنت عاوز تسبني؟ معقول كنت عاوز توجعني بالطريقة دي؟ ده انا مبقاش ليا غيرك يا شاهين... هتسبني لوحدي؟ ده انا مهما خاصمتك واتخانقت معاك ضهري مسنود عشان حسك في الدنيا, عارف إني وقت ما هقول أي هلاقيك في كتفي.. مهما حصل.. مهما اتغابيت وعاندت ووقفت قدامك وناطحتك, هفضل اخوك الصغير اللي بتحميه من نفسه حتى, ازاي عاوز تهرب مني فجأة كده؟ لأ وبعد زعلنا! بعد خناقنا امبارح؟ عاوز تعيشني اللي انا عيشتهولك في امك وتخليني اخسرك من غير ما تسامحني ونكون كويسين مع بعض! 

امتزجت نبرته بالبكاء, وباتت شهقاتها معلنة بين كلماته وهو يردد بينما انحنى على ركبتيهِ جوار الفراش:
-مش محتاج تعمل ده.. انا عارف إني أذيتك وعارف إني وجعتك وعمري ما هعرف اكفر عن ذنبي معاك,, بس انا كنت دايمًا بغلط وانتَ بتسامحني, والمرادي بالذات مش لاقي طريقة اخليك تسامحني بيها, المرادي اكتر مرة محتاج فيها حنانك عليا, وحبك ليا اللي بيخليك تقولي ... 

ابتسم من بين بكائه وهو يتذكر جملة "شاهين" التي لطالما قالها بعد كل مصيبة يرتكبها "مازن" قديمًا ويطلب منه السماح بعدها, فأعادها وهو يكمل:
-" مسامحك يا عملي الأسود على الدنيا, في إيدي إيه غير إني اسامحك", دي اكتر مرة انا مستنيها فيها وانتَ بخلان عليا بيها يا شاهين.. 

صمت يهز رأسه بيأس من نفسه وأكمل:
-انا بجح.. صح انا بجح اني اطلب منك تسامحني, وبجح إني الومك إنك مش قادر تسامح.. بس.. 

احتضن كفه بكفيهِ معًا وكأنه سيهرب منه وأكمل ببكاء:
-بس عاجز يا اخويا.. معنديش حاجه اقدر اعملهالك عشان تسامحني, ومش قادر أعيش بذنب زعلك مني فوق كتافي.. انا اسف لو كنت اتغابيت معاك امبارح في الكلام, بس انا بين نارين.. نارين بيحرقوا فيا يا شاهين, وانتَ مش راضي تريحني.. يا رتني ما كنت ضابط... يا ريتك ما ساعدتني ادخل الشرطة ياخي.. 

مسح دموعه بكفه بقوة وأردف بعدها بصوت متزن قليلاً رغم ارتعاشه:
-قوم يا شاهين واقف على رجليك من تاني.. مش متعود اشوفك كده, ونومتك دي كاسرة ضهري.. كام ساعة بس غيبت فيهم عن الدنيا حسيت انها كلها فوق كتافي, حسيت إني غرقان في شبر مايه.. قوم عشاني وعشان مراتك وابنك وجدك.. قوم عشان كل اللي ميقدروش يكملوا من غيرك. 

سند رأسه بجوار كفه بتعب حقيقي, يشعر أن طاقته نفذت, وكأن احدهم أفرغ بطاريته فجأة دون سابق إنذار... 

-بقيت بغل ومتجوز ولسه بتغرق من غيري! 
صوته الهامس جعله يرفع رأسه فجأة بابتسامة غير مصدقة, اتسعت عيناه دهشة حين رأه ينظر له, فنهض يقترب منه بلهفة:
-شاهين! انتَ فوقت؟ انتَ كويس؟ اجيب دكتور.. استنى ااا... 

-اهمد يالا. 

رددها بنزق يقاطع توتر الآخر وربكته, ليتوقف "مازن" فجأة وكأنه تمثال شمع, فأكمل "شاهين" ساخرًا:
-وبعدين بتنهنه زي العيال الصغيرة! انا حاسس إن فاتني كتير في تربيتك. 

تحرك يقترب منه بابتسامة واسعة وقال بأعين باكية:
-قوم وانا مستعد تربيني من جديد وجاهز. 

ذم شفتيهِ بسأم مرددًا وهو ينظر له باشمئزاز مصطنع:
-بس انا مش جاهز... 

-انتَ كويس بجد؟
سأله "مازن" بقلق, ليومئ له بتأكيد, ومن ثم سأله:
-فيروز.. 

-بره, هي وأمها وجدك وليلى وغسان ومعاذ, كلهم مستنيين يطمنوا عليك. 

أغمض عينيهِ لوهلة بإرهاق وردد:
-خليها تريح يا مازن.. هي ساعات بتنسى إنها حامل. 

-متقلقش والله واقفلها عسكري بره, وجدك كمان حاطط عينه عليها كل ما تتنفس يقولها براحة يا هروحك. 

ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يسمع حديثه, ليقول بعدها "مازن" بتردد في الخروج:
-انا هخرج عشان هتدخل تشوفك, وهروح ابلغ الدكتور انك فوقت. 

-الدكتور عارف إني فوقت, انا اللي قولتله ميقولش ليكم, وبلاش تخلي فيروز تدخل. 

عقد ما بين حاجبيهِ باستغراب:
-ليه؟ 

أجابه بعد تنهيدة عميقة:
-انتَ متحملتش تشوفني كده هي هتتحمل! بعدين مش حابب تحس بخوف وهي شيفاني متلقح كده المفروض إني أمانها مينفعش تشوفني غير زي ما اتعودت, صالب طولي وكويس. 

اومأ "مازن" بتفهم وقال بقلة حيلة لعدم رغبته في الخروج:
-تمام.. هخرج انا عشان الدكتور قالي خمس دقايق واطلع, محتاج حاجه؟ 

رد بعجرفته المعهودة:
-خد الباب في ايدك. 

طالعه باستنكار وهو يضرب كف بآخر بينما يتجه للباب:
-هو انا داخل عليك حمام بيتكوا! حاجة تجنن والله. 

-ولااه...

استدار له بغيظ من مناداته له, وطالعه بصمت حتى انفرجت ملامحه, ولمعت عيناه بفرحة طاغية وهو يسمعه يردد:
- مسامحك يا عملي الأسود على الدنيا, في إيدي إيه غير إني اسامحك. 

انفجر في ضحك مختلط بالبكاء, جعل أعين "شاهين" تدمع تلقائيًا, وركض له عائدًا يميل عليهِ بحرص يعانقه بقوة وبكائه لا يتوقف. 

طال العناق لدقيقة, حتى ابتعد "مازن" وهو ينظر لأخيه بدموع فرِحة مرددًا:
-شكرًا.. شكرًا يا شاهين انتَ شيلت حِمل جبل من فوق كتافي, اوعدك إني مش هزعلك تاني ولا هوجعك تاني ابدًا. 

ابتسم "شاهين" بسخرية وهو يرفع كفه يمسح دمعته الساقطة على جانب وجهه كي لا يراها الآخر:
-والله كداب.. انتَ متعرفش تعيش من غير ما تزعلني. 

حك "مازن" مؤخرة رأسه بحرج مرددًا:
-معلش بقى دايمًا مصايب الصغير مبتخلصش. 

-طب يلا, اخلع. 
رددها مشيرًا برأسه للباب, ليبتسم له "مازن" باتساع وهو يتجه للخروج. 

-------------- 
خرج بملامح مرتخية فرِحة, ووجه مغاير تمامًا لِمَ دخل بهِ, وفور أن سأله الجد رد بابتسامة واسعة:
-كويس يا جدي والله, الدكاترة مطمنني اوي. 

ولم يرغب في ذِكر إفاقته كي لا تصمم "فيروز" على رؤيته, نظر لها يقول بأسف متقن:
-معلش يا فيروز مش هينفع تدخلي, الدكتور بيقول إنه بيبدأ يفوق ومينفعش حد يدخله تاني. 

رفعت كفها ب لاهتمام, ورددت ببكاء خافت:
-مش مهم.. المهم إنه كويس. 

وفي ظهر "مازن" كان يدلف شخص للعناية مرتديًا زي طبيب... 

------------------ 
شعر بأحد يدلف للغرفة مرة أخرى, ففتح عينيهِ بترقب, لترتخي ملامحه وهو يُبصر رجل يقف أمام فراشه ووجهه مغطى بكمامة طبية, ودون إزالتها عرفه على الفور, ليهمهم:
-سيادة اللواء! 

ابتسم الآخر يزيل قناعه الطبي, وأردف:
-حمدا لله على سلامتك يا شاهين. 

رد بهدوء:
-الله يسلم حضرتك, أنا اسف ماكنتش عامل لده حساب. 

انهى حديثه وهو يشير لحالته, فعقب اللواء بسأم:
-محدش بيتنبأ بتعبه, حتى لو كان في وقت غير مناسب.

طالعه "شاهين" بجدية يقول:
-انا كده كده هسافر.. مش هينفع حد يسافر غيري. 

-انسى.. مش هتسافر بحالتك دي, انتَ محتاج يومين على الأقل راحة. 

-سيادتك... 

قاطعه بصرامة:
-شاهين! احنا مش بنضحي بيك! انتَ تعبان ومحتاج راحة, ووقوعك مش هيفدنا ابدًا بالعكس هيضرنا, وانا هحاول مخليش حد غيرك يسافر. 

سأله بملامح مقطبه باستغراب:
-ازاي يعني؟ ده الاجتماع النهاردة بليل! 

ابتسم الآخر بخبث:
-ده شغلنا احنا بقى! قوم انتَ بس بالسلامة يا عقرب.. الساحة ناقصاك, انا جيتلك عشان عارف دماغك الحجر, جيت اقولك إني موصي عليك متطلعش من هنا قبل يومين. 

وغمز له بآخر جملته قبل أن يعيد قناعه ويتجه للخارج. 

طالعه "شاهين" حتى اختفى من أمامه فزفر أنفاسه وهو ينظر لسقف الغرفة بشرود عائدًا لزيارة لم يتوقعها أتته قبل نصف ساعة تقريبًا.. 

كان لم يستفق بالكامل, لكنه يشعر بكل شيء حوله دون قدرة كاملة على فتح عينيهِ, حين شعر بأحد يقف مجاورًا له ولمسه حانية لكفه بينما صوته المألوف يقول:
-لو كان وجودك هنا بفعل فاعل كنت كلت قلبه حي.. لكن انتَ هنا ومش قادر احط اللوم على حد واشفي غليلي فيه.. 

تنهد "عمران" وهو يمرر كفه الآخر على شعر ولده وانطلق صوته الحزين يقول:
-عملت كل حاجة عشان احميك, بس للأسف معملتش حساب اللحظة اللي هتقع فيها وانا عاجز عن حمايتك.. كنت مفكر إنك يوم ما هتقع هيكون حد حاول يأذيك, ماكنتش اعرف إنها هتكون من جواك.. 

مال على رأسه يقبلها بحنو وقد تعمق في قبلته فلأول مرة يكون قريبًا بهذه الدرجة لولده, لأول مرة يُسمح له بالاقتراب هكذا, والتعبير عن مكنوناته فعلاً وقولاً بحرية: 
-يا ريتك تعرف غلاوتك عندي وتفهم إن عمران المنشاوي محبش حد في دنيته قد ما حبك, وإني كنت بتكوي طول السنين دي بنار الفراق, واتكويت بنار اقوى منها لما رجعت مصر وشوفتك قدام عيني وانا مش قادر اخدك في حضني واقولك إني ابوك.. خوفت منك.. 

قالها وابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة وأكمل بغصة تحتل حلقه:
-لما رجعت وشوفتك قدامي, فهمت إن كل اللي سمعته عنك وانا بره كان حقيقي, شخص صعب, وقوي, جبروت زي ما كان بيوصلني.. وخوفت.. قولت لنفسي ابنك مش حد ضعيف ولا شخص عاطفي هتكسبه بكلمتين بعد ما تقوله الحقيقة, ده هيقلبها حرب بينك وبينه.. وكان عندي حق.. عملت كده يا شاهين, واعتبرتني عدوك, وحارمني منك ومن قربي ليك.. ومن حضن كنت بحلم بيه وانا صاحي ومقدرتش احققه.. 

انهى حديثه ومال عليهِ يعانقه قدر استطاعته من الأسلاك المتصلة بجسده, ليشعر بانتفاضة قوية بداخله, وقشعريرة تنتاب جسده, من حلاوة عناق هوته نفسه, وتمنته كثيرًا.. 

ابتعد حين سمع صوت الطبيب يقول:
-باشا.. دكتور الرعاية داخل... 

ابتعد "عمران" ليقبل جبهة "شاهين" وهو يهمس له بثقة:
-هتبقى كويس.. مش هسمحلك غير بكده. 

عاد "شاهين" من شروده وهو يزفر أنفاسه بتخبط وتعب, فأغمض عينيهِ محاولاً النوم علّه يحصل على بعض الهدوء.. 
---------------- 

-طمنوني شاهين عامل إيه؟ 
قالها "مختار" بلهفة مصطنعة وهو يقترب منهم, لينظر له "المنشاوي" يقول بضيق واضح:
-انتَ لسه فاكر؟ 

اجابه سريعًا:
-لسه عارف يا بابا, ازاي متكلمنيش تبلغني! 

أشاح "المنشاوي" بيده بلا اهتمام:
-قولت اسيبك مشغول مع بنتك, يمكن تعرف تخرجها.. ولا اسيبك في حزنك على موت ابنك! 

أردف جملته الأخيرة بسخرية وتهكم واضحين, فتجاوز "مختار" حديثه وسأل "مازن":
-اخوك ماله؟ 

رد "مازن" باقتضاب وهو لا يطيقه:
-بقى كويس.. 

رفع حاجبيهِ في دهشة مصدومًا:
-كويس؟ 

خرجت "فيروز" عن صمتها وهي تطالعه بضيق من وجوده فهي تعلم جيدًا أن علاقته بشاهين متوترة منذُ طلاق شدوى, بل وأنه تحداه ووقف نِدًا له. 

-اه كويس.. وزي الفل الحمد لله إن شاء الله اللي يكرهوه.  

لم يخفى عنها الضيق الذي ظهر على وجهه, فابتسمت بسخرية وهي تتأكد من ظنها فيه, لقد أتى ليسمع خبر غير سار لهم لكنه كان سيكون عكس ذلك له!

-بجد! طب الحمد لله. 

رددها بابتسامة مصطنعة, ثم اقترب منها يسألها بهدوء:
-قوليلي يا بنتي, هو تيم فين؟ اصل وحشني اوي وعاوز اشوفه. 

----------------- 
في قسم الشرطة... 
هزت السيدة رأسها بعدم رضا عن حالة الفتاة الماكثة أمامها, فاتجهت لها تقول وهي تجاورها الجلوس:
-يا بت كده هتموتي؟ انتِ يا ختي من يوم ما اتحبستِ هنا لا بتاكلي ولا بتشربي ولا بتتكلمي مع حد, هو انتِ جاية في إيه؟ 

وكما هو المتوقع لم تجيبها "شدوى"... 
فقط تنظر أمامها بشرود, لم تعد هي, لم تعد تلك الفتاة الواثقة من نفسها, المغرورة, التي تنظر للجميع بنظرة دونية, ولا ترى أحد يصل لها, أو يقترب من مكانتها حتى, لم يعد وجهها يشع نضارة وحيوية, وعيناها الخضراء صارت مطفية, لم تعد تبهر الناظر إليها... وكأنها فقدت رونقها كقطعة الألماس حين تُخدش, لا تفعل شيء منذُ أيام سوى البكاء والشرود.. والجلوس منزوية في مكان لم تظن أنها ستمر من أمامه يومًا.. 
عقلها يتساءل, ماذا جاء بها لهُنا؟ 

نظرت للسيدة تسألها مطلقة الحرية للسانها لأول مرة:
-انا فعلاً جايه هنا ليه؟ انا مينفعش أكون هنا... مكاني مش هنا, 

مررت نظرها سريعًا على الغرفة المليئة بالسيدات, ونظرت لبابها الحديدي المغلق وهي تردد بانهيار وشيك:
-انا شدوى المنشاوي اقعد هنا؟ في المكان المقرف ده والريحة المقززة دي؟ ازاي؟ وليه!! 

وكأنها أدركت الإجابة للتو, فخمدت ثورتها وهي تهمس للجالسة جوارها وكأنها تخبرها سرًا:
-عشان انا قتلت... 

جحظت أعين السيدة بفزع وخوف وهي تبتعد خطوات بسيطة في جلستها عنها, لتشير لها "شدوى" سريعًا تطمئنها:
-كان يستاهل.. هو اللي غدر بيا, بعد كل التنازلات اللي قدمتها عشانه كان عاوز يسبني ويهرب, هو ضحك عليا... والله ضحك عليا... 

احنت رأسها للجانب باكية وهي تُكمل:
-فضل يقرب مني ويشدني له لحد ما غلطنا مع بعض... وبعدها ضحك عليا, فهمني إن شاهين مش هيعرف حاجة, ومحدش هيعرف باللي بينا.. 

صمتت تحلل كلماتها حتى عادت تستقيم برأسها وكأنها شخصية أخرى وقالت بحدة:
-بس انا زبالة.. انا اللي قبلت أكون خاينة, حتى بعد جوازي من شاهين.. ماكانتش غلطة وعدت, عشان كده انا كمان استاهل أكون هنا.. استاهل... 

نهضت السيدة مبتعدة وهي تردد بخفوت:
-احفظ عقولنا يا رب. 

ظلت "شدوى" تردد كلمات لا يسمعها أحد سواها, حتى فُتح الباب, ودلف العسكري ينادي اسمها ويقول:
-يلا ترحيل للنيابة... 

نهضت تتحرك تجاهه بآلية تامة حتى وقفت أمامه, فأخرجت من صدرها سلسال ذهبي احتفظت بهِ كي لا يُسرق منها, واعطته له تهمس برجاء:
-ممكن تاخد ده, وتجبلي ورقة وقلم.. محتاجه اكتب حاجه ضروري قبل ما اروح النيابة. 

لمعت عين الشرطي من لمعة السلسال المنعكسة على مقلتيهِ, فأخذه منها وهمس قبل أن يغلق الباب:
-هروح بسرعة, وانتِ قدامك خمس دقايق ونتحرك. 

وبعد لحظات عاد لها, يعطيها الورقة والقلم, لتدون ما أرادته بأصابع مرتعشة, ثم أعطته الورقة تخبره:
-ممكن تبقى تديها لأي حد من طرفي.. 

أخبرها يقول:
-في محامي بره بيقول انه من طرفك.. 

اومأت برأسها بوهن, وهمست بخفوت شديد:
-اديهاله... 

وفجأة سقطت أرضًا دون حِراك.. وكأن روحها سُلبت فجأة.. 

هرج ومرج ساد في المكان, خصوصًا مع شحوب وجهها المقلق, حتى أتت الإسعاف تنقلها لمستشفى قريبة تحت حراسة, ويتبعها المحامي الذي قرر تأجيل إبلاغ "مختار" بما حدث حتى يطمئن عليها... 

بعد وقت دلف الضابط المسؤول عنها ومعه عسكري للداخل وغابا لوقت طويل حتى خرجا مرة أخرى بملامح غير مقروءة. 
وبعد ساعه كاملة خرج الطبيب يقف أمام الضابط والمحامي, ويجاوره ممرض يحمل ملف ما ويقوم بتدوين ما يمليه الطبيب... 
بُهت المحامي وهو يسمع الطبيب يخبر من يقف أمامه يدون بالأوراق:
-الاسم: شدوى مختار المنشاوي.. 
السن:29 سنه
الجنس: أنثى
ساعة توقيع الكشف: 10 و5 دقايق و20 ثانية
 بتوقيع الكشف الظاهري ومناظرة الحالة تبين وجود علامات هزال عام وجفاف واضح بالأغشية المخاطية والجلد، مع انخفاض شديد بمؤشرات الدورة الدموية قبل الوفاة، ولا توجد إصابات ظاهرية جسيمة حديثة مؤثرة.
وبفحص الملف الطبي وسؤال المختصين، تبين أن المذكورة امتنعت عن تناول الطعام والشراب لفترة زمنية متصلة، ما أدى إلى اضطراب حاد بوظائف الجسم ونقص شديد بالسوائل والأملاح.
وترجح أسباب الوفاة إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية نتيجة الجفاف الشديد وسوء التغذية الحاد الناتج عن الامتناع المطول عن الطعام والشراب.
ونوصي إحالة الجثمان للطب الشرعي لتشريح الجثة وبيان السبب النهائي للوفاة وتحديد المدة الزمنية التقريبية إن لُزم الأمر.

ضرب المحامي جبهته بكفه وهو يردد بصدمة مبهوتًا:
-ماتت! 

وأُغلقت الصفحة.. مُعلنة نهاية غير متوقعة... وبدء حرب جديدة يخوضها العقرب.. 
 

تعليقات