رواية ارض الدوم الفصل السابع والعشرون
[ ولا في الأفلام]
وكل ما صدر منها ردًا على كلماته كانت بسمة، بسمة كبيرة ارتسمت على فمها ولم تدري متى آخر مرة ابتسمت وهي سعيدة حقًا، سعيدة بكل جزء من كيانها .
ومسلم فقط نطق ما بقلبه وهدأ وكأنه كان يحشر تلك الكلمات بصدره ينتظر الوقت المناسب لينطق بها، وبعد دقائق ربما أو ساعات لا يدري كم مر من الوقت وهي بين ذراعيه ابتعدت عنه بهدوء تهمس بصوت خافت :
_ مسلم ...
نظر لها يترقب ما تريد قوله لتبتسم له بلطف :
_ لازم نمشي عشان متأخرش .
ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم لما تقوله، وهي راقبته بصبر كي يتحرك معها :
_ تتأخري فين ؟ وعلى مين ؟
_ البيت، محتاجة ارجع البيت اتأكد أنه تيتة أخدت العلاج وارتاحت عشان ...
_ رايانا أنتِ مش هترجعي البيت ده تاني.
وكان دور رايانا هذه المرة كي تراقبه بعدم فهم وهو فقط امسك يدها بإصرار وكأنه يخشى أن تختفي من أمام عيونه :
_ رايانا أنتِ هتيجي معايا مش هسيبك ترجعي ليهم تاني، مش هسيبك لواحد زي عمك الله اعلم المرة الجاية ممكن يعملك ايه ؟
ختم حديثه وهو يرفع كفه يتحسس جروح وجهها وهي تراقبه بصدمة من كلماته، تحاول فهم ما يفكر به :
_ أمال ايه ؟ مسلم أنا مش هينفع إني اعيش معاك دلوقتي و...
_ رايانا أنتِ مراتي .
نطق الكلمة بقوة وثقة وكأنه يمنحها بطاقة خضراء لتترك له نفسها يحميها كما يحب ويرغب، وهي فقط شعرت بالحيرة في هذه اللحظة لا تعلم ما يجب فعله .
_ بس انا مش هينفع إني ....بابا وجدتي وشيما لوحدهم لو سيبتهم ممكن عمي يأذي حد فيهم وأنا مش هقدر يا مسلم هما ...
أوقفها مسلم عن الحديث مبتسمًا بصدمة من مقدار الهموم التي تسير بها فوق كتفيها:
- رايانا أنتِ مستوعبة أنك شملتي ابوكِ معاهم؟ يعني ابوكِ موجود وأنتِ رايحة تشيلي مسؤوليتهم ومسؤوليته معاهم؟!
صمتت رايانا تنظر له بأعين محتقنة بالقهر ولم تفصح عما يدور داخل صدرها .
وهو لم يكن جاهلًا ليبصر أي نوع من الرجال هو والدها، لكن العصر الذي تحمل به زوجته الجميع فوق كتفيها قد ولّى .
_ أنا فاهم بتفكري في ايه، بس يا رايانا جه الوقت اللي تهونيها على نفسك، خلي والدك يعرف أنه مش هيفضل العمر كله مكسور بالشكل ده ورامي الحمل عليكِ، خليه يعرف أنه هو المسؤول عنكم، أنه دوره في حياتكم أنه يدافع عنكم مش يكون عبء عليكم .
ودموع رايانا سقطت وهي تبصر استحالة ما يردد عليها في هذه اللحظة، لكنها لم تناقشه في الأمر تنفي برأسها الأمر:
_ تمام، بس هرجع انهاردة اطمن عليهم و...
صمتت تبتلع غصتها ومسلم يراقبها بضيق شديد من نفسه قبل كل انسان أوصلها لهذه المرحلة، ما كان عليه التحدث لها بهذه الطريقة .
_ فروشكا أنا آسف..
رفعت عيونها له تحاول الابتسام بصعوبة :
_ مش محتاج تعتذر يا مسلم أنت مقولتش حاجة غلط و..
صمتت حين جذبها مسلم لاحضانه بحنان شديد يربت عليها بهدوء مقبلًا رأسها بحب يحاول أن يحتوي حزنها بين أحضانه هامسًا :
_ لو الصح هيبكيكِ، يبقى هعيش حياتي اقول الغلط يا فروشكا، هعملك اللي عايزاه بس بلاش تعيطي .
مسحت رايانا عيونها في سترته تحاول أن تتماسك وهو فقط يربت عليها يقبل رأسها بحب مثل ثانية، قبل أن يهمس بصوت منخفض :
_ لو حابة ترجعي انهاردة مفيش مشاكل بس حابب اكون جنبك ..
رمشت وهي تقول بصوت منخفض :
_ مفيش مشاكل عندنا اوض كتير في البيت تعالى هنضفلك ...
_ هنام في اوضتك .
صمتت رايانا بصدمة من كلماته تبتعد عنه وهي تحاول أن تستوعب ما يطلب منها، كان الأمر غريبًا عليها، لكن بسمته جعلتها تبتلع اعتراضها.
وهو يدرك ما تفكر به يتحدث بهدوء شديد مربتًا على خصلاتها :
_ هنام على الكنبة جنبك ومش هعمل صوت صدقيني ولا هتحسي بيا .
ورايانا ابتسمت له بسمة مترددة تدرك في هذه اللحظة أن أمامها ليلة طويلة، طويلة جدًا من السهر .
وإن كان مسلم يعتقد أنها تستطيع النوم هانئة في نفس المكان الذي ينام به فقد أخطأ، لكنها لم تقل ذلك وقد فكرت فقط بتمرير الليلة، ومن ثم للصباح حديث آخر، ولا تدري علام سترسي حياتها، لكن طالما معه لن تفكر في مرساها وقد وجدت موطنًا بين أحضانه...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف يراقبها من بعيد وهي تقوم بالتجهز للنوم، يضم يديه لصدره مبتسمًا بسمة صغيرة وهي تدعي أنه غير موجود بالكامل، حتى تحدث واخيرًا بعد تأمل صامت .
_ ساڤا ..
رمشت ساڤا تعطي له انتباهها بلفتة جانبية من عيونها وهو راقبها قبل أن يسألها آخر سؤال قد تسمعه يومًا :
_ ايه معنى اسمك ؟
وساڤا يبدو أنها كانت مستعدة لأي نوع من الأسئلة عدا هذا السؤال، لذا استدارت له بتعجب تحاول أن تبحث في عقلها عن رد لكنها فقط أجابت ببساطة :
_ معرفش انا اسمي الحقيقي مش ساڤا اساسا.
اتسعت عيونه بصدمة كبيرة يحدق في وجهها بعدم فهم لتبتسم هي بتعجب أكبر من صدمته :
_ مشوفتش اسمي في عقد الجواز ؟
وهو فقط صمت، لا لم يره هو وقع فقط و...يشعر أنه في هذه اللحظة كان مخدرًا بالكامل لا يعلم شعوره بالتحديد، تائه وكأنه لا يدرك إن كان سلك الطريق الصحيح أم لا .
والآن بعدما سار به وقرر أن يكمله شعر أنه ربما ينتمي له، ربما لم يكن الأمر يستحق كل ذلك التردد ...
وساڤا راقبت صدمته باستمتاع، قبل أن يسأل واخيرًا :
_ اسمك ايه ؟
مالت برأسها تراقبه بهدوء :
_ ساڤينا، لكن لأنه كان تقيل على لسان الناس اتسميت ساڤا .
وهو فقط بدأ يردد الاسم بخفوت محركًا شفتيه وكأنه يتذوقه، يشعر بوقع الاسم على كل خلية به، رفع عيونه لها يردد ببسمة صغيرة .
_ ساڤينا، اسمك جميل اوي .
وهي فقط راقبته بصمت وكأنه كان يختبر مذاق الاسم على لسانه، قبل أن يرفع عيونه لها مقررًا بجدية كبيرة :
_ أنا حبيت ساڤينا أكثر، هناديكِ بيه .
وهي فقط صمتت وقد كان اسمها منه يصيبها بشعور غريب وكأنه...صعقة كهرباء تصيب جسدها، وهو فقط ابتسم لها أكثر وكأنه لم يبتسم منذ سنوات :
_ معنى ساڤينا ايه ؟
_ مش هتعرف تبحث عنه ؟
رفع حاجبه لها وهي هزت كتفها بهدوء تتحرك صوب المرحاض، تمسك بعض ثياب المنزل لتبدل ثوبها، لكن قبل دخولها توقفت وقالت بكل بساطة :
_ اجتهد شوية عشان توصل للي عايزه يا متر ..
ارتسمت بسمة جانبية على طرف شفتيه :
_ وماله، نبحث يا ساڤينا .
وهي لم تكن قد اعتادت بعد على اسمها، تحاول أن تتقبله وتفهمه، لكنه أوقفها يقول بجدية وقد خرج من إطار المزاح يسألها بصوت هادئ :
_ ساڤينا ... أنتِ....
صمت وكأنه نسي كيف يتحدث وهي فقط راقبته بعدم فهم لا تصدق أن أحمد يعجز عن التحدث بشيء، وحينما نطقت أدركت سبب صمته الطويل .
_ انهاردة في كتب كتاب رايانا ...هو يعني ....
ابتلع ريقه ينظر في عيونها يحاول اظهار أن الأمر عادي، لكن نظراته أثبتت عكس ذلك.
يعيد عليها نفس الحوار على أمل الحصول على إجابة مختلفة .
_ تحبي اعملك حفلة ليكِ ؟
_ حفلة ؟
_ كتب كتابنا كان بسيط وهادي و.... أنا مدرك إن كل بنت نفسها في احتفال تفرح فيها و...
قاطعته ببسمة صغيرة لم يفهم معناها بالمرة :
_ كل بنت يا أحمد، مش أنا.
_ وأنتِ ايه يا ساڤينا ؟
_ بقايا ...
ومن بعد هذه الكلمة اختفت داخل المرحاض تاركة أحمد يحدق في أثرها بعدم فهم وقد شعر أن هذه الفتاة تخفي أكثر مما أبصر بالفعل، وهذه الفكرة كانت مرعبة له فما أشد من تعنيفها جسديًا من كل أفراد عائلتها واضطرارها لهذا العمل ؟
ظل ينظر للمرحاض، قبل أن يتحرك للأسفل ليحضر لها الطعام كي تتناول الأدوية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على الفراش وهو أمامها على الأريكة يراقبها ببسمة صغيرة وهدوء شديد وكأن ذلك أمر عادي أن ينام في غرفتها .
أشار لها على الفراش بتعجب :
_ مش هتنامي ؟
وهي فقط حدقت فيه بتشنج، ثم حدقت حولها في الغرفة وهو فعل المثل يبحث عما يجذب انتباهها بهذا الشكل :
- فيه حاجة ولا ايه !
نظرت له بصدمة من كلماته، هذا الرجل لا يعي حقا ما يفعل ؟
ابتسمت بعدم تصديق وهي تراه يتحرك صوب الفراش الخاص بها لتتراجع بسرعة كبيرة للخلف تجذب الغطاء لها، وهو فقط توقف وتوقفت يده في الهواء يراقبها بعدم فهم، كان فقط سيسحب الغطاء عليها ليساعدها في النوم .
_ ايه ؟
_ أنت بتعمل ايه ؟
رمش مسلم وهو يردد بكل هدوء وبراءة :
_ هغطيكِ .
_ لا أنا...بعرف اغطي نفسي، شكرا .
رفع حاجبه بعدم فهم قبل أن يبتسم بسمة صغيرة :
_ فروشكا أنتِ متوترة اني هنام في اوضتك ؟
_ عرفتها ازاي دي يا ترى ؟
ضحك مسلم بصوت مرتفع قبل أن يميل ليجعل وجهه مقابل وجهها يهمس بصوت منخفض :
_ تحبي امشي ؟
نظرت له طويلًا بصمت قبل أن تهز رأسها بتردد شديد تنظر له من أسفل رموشها :
_ أنا بس مش متعودة يكون ...الموضوع لسه جديد و...مسلم متزعلش والله بس أنا مش هعرف أنام وأنت في وشي كده وبتبص عليا و...
توقفت عن الحديث على أمل أن يكون قد فهم موقفها وقد ما تمر به، وهو فقط تنهد بصوت منخفض قبل أن يومأ لها برأسه .
_ فهمتك يا فروشكا، خلاص نامي أنتِ وأنا مش هفضل قاعدلك كده ابص عليكِ، هو بس الفكرة اني لسه مش مصدق وخايف يكون كل ده مجرد حلم والاقي حاتم فوق دماغي بيصحيني .
ابتسمت له بحب شديد وهو فقط مال يقبل وجنتها بحب لتتراجع بخجل تغطي مكان قبلته، وهو اعتدل يربت على خصلاتها بحنان وكأنه يتعامل مع طفلة صغيرة، ثم تحرك بعيدًا عنها :
_ خلاص نامي أنتِ ومتقلقيش .
ختم حديثه يصل للاريكة التي كان يجلس عليها ومن ثم سحب الغطاء الذي اعطته له بمجرد وصولهم، يسحبه ملقيًا إياه فوق جسده الذي تسطح على الأريكة معطيًا إياها ظهره، تحدث بصوت هادئ :
_ دلوقتي نامي وارتاحي .
وهي ظلت تنظر له بعدم إدراك لما حدث، لا تفهم ما الذي فعله، هي قصدت أن يترك الغرفة ويرحل ولا ينظر لها، وهو فقط نفذ حديثها تمامًا ولم يعد يجلس ناظرًا لها .
ابتلعت ريقها تنظر حولها بتوتر تسحب الغطاء عليها تراقبه بعيونها طويلًا دون كلمة حتى ودون وعي منها سقطت في نوم عميق وهو ظل يعطيها ظهره حتى سمع صوت انتظام أنفاسها .
ابتسم يستدير بهدوء شديد يراقبها بتأكد أنها بالفعل نامت، ثم نهض يتحرك صوبها بخطوات بالكاد محسوسة، يميل مقبلًا جبينها :
_ نومًا سعيدًا هانئًا فروشكا .. وأنا سأحرص على ذلك بنفسي ......
ومن ثم تحرك تاركًا إياها، يخرج من الغرفة يتأكد أن لا أحد يشعر به، متوجهًا صوب اماكن الكاميرات التي سبق وزرعها للبارو دون فائدة تذكر سوى أنه شارك فروشكا بعض لحظاتها .
نزع الكاميرات، ثم تحرك صوب غرفتها يضع واحدة أمام الغرفة، ومن ثم دخل يضع واحدة داخل غرفتها وأخرى في الشرفة، ينظر لها يتأكد أنها نائمة، وقد وضع ملاحظة بذهنه أن يخبرها اماكن الكاميرات في غرفتها، وهذا فقط وضع مؤقت حتى يطمئن أن لا أحد سيمسها بسوء في غيابه .
تنهد يتحرك من الغرفة ومنها لخارج المنزل، وقد غامت عيونه بظلام دامس يحدد هدفه ويضعه أمام عيونه ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي :
استيقظت لا تشعر سوى براحة كبيرة وكأنها واخيرًا نامت بعد ليالي سهاد طويلة، تنهدت براحة وهي تفتح عيونها تتمطأ بصوت مرتفع، لكن فجأة توقفت يدها في الهواء وتوقفت هي عن التثائب بصوت مرتفع حينما سمعت صوتًا معها في الغرفة يهتف بلطف :
_ عسى صباحك سعيد يا فروشكا .
بدأت عيون رايانا تتسع شيئًا فشيء تحاول أن تستوعب ما تسمعه في المكان لتضربها ذكرى البارحة فانتفض جسدها بقوة عن الفراش مصدومة وهي تجذب الغطاء لها بقوة تحدق في وجه مسلم الذي يجلس أمامها ببسمة صغيرة يتابعها بلطف .
حرك عيونه للغطاء الذي تضمه لها كلما تحدث بكلمة، لم يعلق عليه وهو ينهض من مكانه يقترب من الفراش حتى جلس على طرفه مقابلها :
_ نمتي كويس ؟
_ أنت... أنت...
رفعت يدها بسرعة تبعد شعرها عن وجهها تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هيئتها الصباحية :
_ أنت...صحيت امتى ؟
_ أنا مش بنام اساسا يا فروشكا.
وهذه الجملة صدمتها بقوة هل كان طوال الليل يجلس هناك مراقبًا إياها وهي نائمة، والفكرة كانت مرعبة، هي لا ...لا تعلم كيف تبدو وهي نائمة، هل كانت بهيئة مناسبة ليراها بها أم لا، تصدر شخيرًا أم لا ؟
أغمضت عيونها ترفض التحرك بأفكارها صوب تلك الجهة، ليس الآن، ليس بهذه السرعة، لم يكن عليه ذلك البتة .
ومسلم أبصر الصراع الذي كان يغشى ملامحها ليخفف عنها الأمر :
_ أنا مكنتش طول الليل هنا يا فروشكا .
رفعت عيونها له بلهفة ليبتسم وقد أدرك ما كانت تفكر به :
_ انا خرجت وجيت من شوية بس .
ونعم كذب هو خرج لساعات ومن ثم عاد قبل الشروق بنص ساعة ليأخذ وقته في تأمله ولن يبالغ إن قال أن هيئتها وهي نائمة هي إدمان من نوع آخر له.
الآن علم كيف سيقضي لياليه القادمة كلها .
_ أنت...بجد يعني مكنتش هنا طول الليل ؟
_ لا، خرجت ولسه راجع من شوية .
هزت رأسها بتردد تهمس بصوت خافت :
_ خرجت فين ؟
ابتسم لها ولم يكن يستطيع أن يخبرها بالأمر لذا ابتسم لها يغير دفة الحوار وهو ينظر لها بحب شديد :
_ ينفع اقولك حاجة ومتزعليش مني أو تحسي إني مجنون ؟
_ مسلم بالله عليك ما تقول على نفسك مجنون أنت مش مجنون خالص .
اتسعت بسمته لها يلقي بكلماته دون أي مقدمات أو مبررات :
_ أنا كنت مركب كاميرات في بيتك تحت وامبارح نقلتها اوضتك عشان اطمن عليكِ وانا مش هنا .
_ أنت مجنون ؟؟
كانت كلمة نطقت بها بتشنج واضح، لا تفهم مقصده بأنه وضع لها كاميرات مراقبة في منزلها وغرفتها، أخذت تنظر حول نفسها بريبة وصدمة شديدة تفكر في كل ما أبصره من خلال هذه الكاميرات، يا ويلي هل تزوجت الآن شخص مختل كبطل تلك الرواية ؟
لكن الأمر كان في الكتاب رومانسي لطيف و ..هذا مرعب .
ومسلم يتابع تباين الأفكار الواضحة على وجهها يحاول أن يتحدث بلطف يوضح لها الأمر، لكنها فجأة قالت بصوت مرتجف :
_ أنت... أنت شوفت ايه بالضبط ؟
رمش بعدم فهم ليبصر ارتجاف يدها، فاستوعب في ثواني ما اقصد هي بكلماتها يقول بسرعة كبيرة ينفي عنه أي تهمة بدأت تنشأها في عقلها في هذه اللحظة :
_ أنتِ فكرتي في ايه بس، مش كده خالص، أنا....بصي أول ما جيت البلد كنت حابب إني اعرف مكان ورق ملكية الارض أو اعرف أي معلومة توصلني ليه، فجيت هنا وركبت الكاميرات تحت في الصالة بس ومش في أي مكان تاني.
نظرت له بعدم فهم تحاول معرفة متى دخل منزلهم ليفعل ذلك، لتضربها ذكرى المرة الوحيدة التي ابصرته في منزلها دون أن يدرك أحدهم .
صوت رصاصته وهي تخترق ذراع عز الدين يوم عقد قرانها عليه، ابتسمت بسمة صغيرة دون وعي وقد بدا أنها فقدت عقلها :
_ يوم ...كتب كتابي على عز الدين .
وملامح مسلم أصبحت غير مفسرة، لكنه لم يتحدث بكلمة تركها تلقي بكامل تخميناتها والتي كانت صحيحة بالمناسبة على الطاولة أمامه .
_ يوم كتب الكتاب لما جيت ...هو ده اليوم اللي ...
هز رأسه لها، لتفتح فمها بصدمة هذا يعني منذ وقت طويل وهو يبصر كل شيء .
_ واوضتي ؟
نفى برأسه يشرح لها بهدوء ما حدث البارحة كي يطمئن عليها وهو بالخارج، ومن ثم رفع إصبعه يشير لأماكن الكاميرات :
_ دي الاماكن وفيه واحدة قدام الباب حابة أنك تشيليهم خالص معنديش مشاكل، لكن طول ما أنتِ هتكوني هنا، يا إما أنا اكون جنبك وده هيبقى صعب شوية خاصة الايام الجاية، يا أما اكون شايفك بخير قدامي طول الوقت
نظرت له بتردد قبل أن تهز رأسها هزة خفيفة وقد أبصرت أنه ربما اقتنع قليلًا بفكرة تركها في المنزل حتى ترتب أمورها .
_ تمام لو اتفقنا تعالي معايا يلا عشان الكل مستني .
نظرت له بعدم فهم لكلماته وهو يسحبها عن الفراش :
_ مين اللي مستني ؟
_ الكل في البيت، كلهم مستنيين عشان نفطر معاهم، هعرفك على عيلتي رسميًا بصفتك زوجتي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أمام المنزل دون أن يخطو داخله حتى يصل مسلم كما ابلغه بذلك.
في اللحظة التي اهتز هاتفه باشعار..
دخل سريعًا ليجدها مكالمة مشفرة مع جوليان، زفر بضيق وهو ينظر بساعة يده يحاول معرفة متى سيعود مسلم فهو لا قبل له بالتحدث مع هذا الخسيس في هذه اللحظة .
لكن الأمر كان هامًا لمسلم وهذا الحقير جوليان سيستغل هذه الفرصة ويرفض المساعدة .
رفع الهاتف يجيب ببسمة وهو يبصر وجه جوليان :
_ مرحبًا هل اشتقت لي ؟
أطلق جوليان صوتًا ساخرًا من حنجرته ثم نطق بسخرية :
_ اشتاق لرصاصة في منتصف قلبي ولا اشتاق لك .
_ والله لا يهون عليّ أن تتلظى بنيران الشوق، تعال وامنحك رصاصتين وليست واحدة .
نفخ جوليان وقد كان لا يطيق التحدث مع حاتم لوقت طويل، لذا تجاهل حديثه ببساطة وهو يردد بجدية :
_ أين مسلم ؟
_ ليس هنا أخبرني بما تريد واوصله له .
_ تحلم .
_ حاتم يلا عشان الفطار .
رفع حاتم عيونه صوب القادم والذي لم يكن سوى يحيى الذي اقترب منه يتحدث بجدية :
_ وانصحك يعني وأنت على السفرة متعملش نفسك مقموص من اختي عشان لو البنت اتنكد عليها وقامت جعانة انا هطفحك الـ.....
صمت فجأة حين أبصر الوجه الذي يعلو شاشة هاتف حاتم، يحرك عيونه بينهما مرات ومرات حتى توقف على وجه حاتم مشيرًا لجوليان :
_ بتخون اختي مع اجنبي ؟ هي البت دي حد عاملها عمل على باسبور ولا ايه ؟
اتسعت عيون حاتم ينتفض وهو يصرخ بغضب في وجه حاتم :
_ ولك الله يلعن ابليسك، بخون مين مع مين، هاد رجال الله يسامحك .
تشنجت ملامح يحيى وهو يحرك نظراته على جوليان بتقييم والاخير ينظر له مضيقًا عيونه، ثم قال بتفكير :
_ هل هذا شقيق مسلم ؟
وحاتم رفع حاجبه يبتسم له بسمة صغيرة يتساءل بجدية :
_ مين الوسيم يا حاتم ؟!
_ هاد جوليان .
_ وده اسمه ولا نوعه ؟
اتسعت بسمة حاتم بقوة يردد بجدية :
_ لا هاد اسمه نوعه جيرمين ..
وجوليان كان لا يفهم ما يقال في هذه اللحظة لكنه بالطبع لن يكون خيرًا لأن حاتم مبتسمًا بسمة تثبت أنه الآن ربما يسبه ..
_ لا تلعب معي حاتم فلن يعجبك هذا النوع من اللعب ؟
ضيق يحيى عيونه بريبة وهو ينظر لحاتم مجددًا :
_ قصده ايه الولد ده، أنا مش مطمن ليكم على فكرة .
وقبل أن يتحدث حاتم بكلمة وجه يحيى كلماته لجوليان وهو يلقي له نظرات تقييم :
_ من أين لك بمعرفة أخي ؟
_ مسلم ؟ مسلم هو صديقي المقرب قضى معي سنوات في المنظمة أكثر مما قضى مع هذا العربي الحقير جوارك .
نظر له يحيى ثواني قبل أن يتوجه بنظراته لحاتم :
_ جنسيته ايه المعفن ده عشان يتنطط كده ؟
_ فرنسي
وكانت كلمة خرجت حانقة تقريبا من حنجرة حاتم وكأنه يبصقها والاشمئزاز يعلو ملامحه، ويحيى عاد لجوليان يراقبه بسخرية :
_ وبيبصلك بقرف كده ؟ يلا ده أنتم بتاكلوا من ايد فران متفرجش على الفار الطباخ ده ولا ايه ؟
_ شو ؟
وقبل أن يتحدث يحيى بكلمة سمع الجميع صوت أنثوي يتحدث برقة من خلف الهاتف وهو يناديهم :
_ يحيى يلا عشان الفطار ..
صمتت نورهان ثواني قبل أن تنظر صوب حاتم تتساءل بتردد :
_ هتفطر معانا ؟
وحاتم شرد بها ثواني وكأنه يفكر في شيء، قبل أن يهز رأسه بتردد في اللحظة التي سمع بها الجميع صوت جوليان يصدر من الهاتف متذمرًا بكلمات فرنسية مغتاظة من كل هذا الأمر.
كلمات لم يدركها سوى نورهان التي تشجنت بتعجب :
_ هو مين اللي بيشتم ده ؟
رفع يحيى حاجبه بتحفز :
_ بيشتم ؟ هو المعفن ده شتم ؟
_ ايوة انا سمعت شتيمة من شوية .
امتص يحيى شفتيه بفخر :
_ الصرف باين والله فخر كلية لغات وترجمة قوليلي قال ايه يا نورهان ؟
وقبل أن تفتح نورهان فمها بكلمة واحدة زجرها حاتم بنظرة جعلتها تصمت بصدمة من نظراته، والأخير استدار صوب يحيى يقول بضيق شديد :
_ بدك تخليها تعيدلك سبات هاد الوسخ، ولك من كل عقلك، مو بيكفي أنها سمعت هاد الحكي الزبالة.
رماه يحيى بنظرة ساخرة :
_ والله هي كتر خيرها أنها سمعت الحكي بتاعك أنت، على الاقل هو شتم فرنساوي يعني شتيمة ريحتها كرواسون، إنما أنت شتيمتك ريحتها حمص .
فتح حاتم عيونه بصدمة ولم يكد يتحدث، حتى تحرك يحيى صوب نورهان يجذب ذراعها بعيدًا عنهم :
_ تعالي ده ربنا نجدك الولد ده مش مناسب ليكِ، لسانه زفر وبيشتم، وانا اللي فكرته شامي محترم، أنتِ توافقي على العريس اللي عمي جايبه ليكِ احسن لك .
ختم حديثه يلقي حاتم بنظرة جعلت الأخير يشعر بالصدمة من حديثه، ولم يكد يلحق بهم حتى سمع صوت جوليان يتحدث بضيق :
_ هل سأنتظر طويلًا؟ أين مسلم لننتهي من هذا، لا أريد التحدث معك، هيا مرر الهاتف لمسلم .
نظر له حاتم ثواني قبل يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يغلق الهاتف في وجهه بضيق شديد :
_ مو ناقصتها ثقالتك يا زفت أنت.
ومن ثم دس الهاتف في جيبه يلحق بهم بخطوات شبه مهرولة وبمجرد أن خطى للمنزل تحدث بصوت متلهف :
_ يحيى شو قصدت أنت....
توقف يحيى يشير بعيونه لنورهان أن تتحرك بعيدًا يبتسم لها بسمة حنونة، والأخيرة تحركت بسرعة صوب المطبخ تنجنب الاصطدام بأحد خاصة هو .
وحاتم يتابعها بعيونه دون شعور قبل أن يشعر بكف يحيى يجذبه ليواجهه :
_ عينك يا عسل، شيل عيونك عن البنت، تخصك دي عشان تبصلها ؟
نظر له حاتم وقد تراجع من كلماته يحاول الحديث بشيء يخرجه من ذلك الموقف، ويحيى يستمتع بتوتره وكأنه بذلك يرد له ما فعل بالأمس مع أخته.
وقد أخبرته نورهان حينما عاد ووجدها حزينة بأنه ربما وجد فتاة أخرى افضل منه .
" وأنتِ زعلانة عشان لقى بنت تانية؟! ولا عشان هي احسن منك ؟!"
" أنا مش زعلانة يا يحيى، أنا بس ..."
صمتت ولم تكن تعلم ما يجب وصف حالتها به في هذه اللحظة، ومن حظها أن الجالس أمامها من بين الجميع كان يحيى .
ليس أحمد الذي يقوده عقله، وليس مسلم الذي قد ينجرف خلف مشاعره، بل يحيى الذي يقوده لسانه .
" ندمانة ؟ "
رفعت عيونها له بصدمة، كانت كلمة تهرب منها تقريبًا، وهو ابتسم ساخرًا وقد بدا أنه أصاب الوتر الذي يسعى له :
" ندمانة أنك ضيعتي منك شاب شامي قمر معاه تلات جنسيات وعيونه ملونة ؟!"
" يحيى أنت بتقول ايه، أنا اكيد مش بفكر فيه عشان كل اللي قولته ده "
" يعني بتفكري فيه ؟!"
توترت نورهان وهي تنهض من أمامه تلوح بيديها بغيظ شديد :
" أنا اللي استاهل اني بتكلم معاك، أنا هدخل انام "
" طب والعريس الشامي المخلط ابو عيون ملونة ؟!"
" ربنا يرزقه ببنت الحلال "
ابتسم بسخرية لاذعة وهو يردد بصوت مرتفع :
" طب روحي طفي نارك مش عايزين جدك يزعل لما نولعله في البيت "
انتبه يحيى على كلمات حاتم التي أخرجته من شروده يتساءل بجدية :
_ بتحكي جد أنت ؟ شو اللي حكيته من شوي ؟
_ اللي سمعته يا ضنايا، البنت خطابها كتير وقفين طابور قدام بيتها وجوز خالتي بيقطع ليهم تذاكر دلوقتي لغاية ما بنتنا تخلص عدتها وتقعد تختار وتتشرط.
وهذا ما كان يسمى هدفًا عكسيًا، ألقى جملة في وجهها بالأمس، صُفع بها في الصباح.
سمع الجميع في هذه اللحظة صوت مسلم الذي وصل للمكان يبتسم بسعادة ظاهرة في نظراته قبل كلماته :
_ صباح الخير يا جماعة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يابني رايح فين ريح قلبي، مش كفاية مش راضي تقولنا ايه اللي حصلك ؟
شعر محمد بكل ذرة في جسده تبكي وتصرخ وجعًا، لكنه قاوم كل ذلك يهتف بجدية وهو يجمع كل أغراضه في الحقيبة أمامه:
_ قولتلك ياما اني مسافر .
_ القاهرة يعني ؟
ابتسم ساخرًا على طيبة والدته التي لم تعلم بعد ما حدث له، القاهرة الآن أصبحت جحيمًا لا يمكنه أن يطأه، تحول للتحقيق وتم ايقافه عن العمل لأجل غير مسمى وحتى الآن لا يدري ما ينتظر في هذا المستقبل الضبابي .
والبارحة ما حدث له كان القشة التي قسمت ظهره .
ارتجفت يده حينما تذكر زيارة ذلك الحقير له في المشفى بعدما كان ما يزال يعالج بقايا جروحه من ذلك اليوم .
انتهت الممرضة ورحلت تاركة إياه يجلس على فراشه ينظر من النافذة يفكر في القادم، خسر كل شيء ولم يتبقى له سوى بقايا مستقبل تقريبًا .
وكل ذلك فقط لأنه لم يحسب حسابًا لتهوره، انجرف خلف اهواءه ورغبة اعمته عن رؤية ما يفعل حقًا .
سمع طرقًا على الباب ليتنهد بصوت مرتفع يردد بجدية :
_ ايوة اتفضل .
فُتح الباب وهو ما يزال شاردًا بالنافذة أمامه غير واعيًا لما يحدث، حتى شعر بالسرير يهبط قليلًا تحت وطأة جسد أحدهم وظل غطى عليه حتى شعر أن الضوء مُنع الوصول له .
رفع عيونه ليرى القادم ظنًا أنه أحد والديه ربما أو أحد رفاقه في المشفى، لكن اتسعت عيونه حينما ابصره، كابوسه الذي ما يزال يطارده بتلك الأرض الموحلة.
انتفض جسده يحاول الاعتدال في جلسته وكأنه يتجهز لمواجهة مسلم،، لكن الأخير دفعه دفعة صغيرة اسقطته على الفراش مجددًا، كانت دفعة أكبر من احتمالية محمد في مثل حالته هذه .
ومثل فقط ابتسم له بسمة صغيرة يراقبه بهدوء :
_ خليك زي ما أنت متتعبش نفسك كفاية اللي فيك يا غالي .
نظر له محمد بشر وغضب يهمس من أسفل أسنانه :
_ أنت بتعمل ايه هنا ؟ مين اصلا سمحلك تدخلي ؟
_ لا ما هي مستشفى عام مش مستشفى ابوك هي.
رماه محمد بنظرة كارهة، ومسلم لم يكن يهتم بنظراته ولا يعطي له أي أهمية، لكنه فقط قال ما جاء لأجله.
_ امبارح لما خطفت رايانا، عملت ليها ايه !؟
ابتسم له محمد بسمة مستفزة وقد علم مسلم أنه حتى وإن لم يكن قد مسها فسيخبره أنه فعل .
_ ايه خايف اكون سبقتك لـ
وقبل اكمال جملته أطلق صرخة مرتفعة بعدما لكمه مسلم بقوة، يحاول التنفس بشكل صحيح، بسبب وجع رئته بعد الضرب الذي تلقاه .
_ خلي بالك عشان أي كلمة هتنطقها مش هتعجبني هندمك عليها ندم حياتك سامع ؟
رماه محمد بغضب وقد شعر برغبة في الصراخ في وجهه، ما الذي يميزه عنه ليحصل على حلمه.
عاش عمرًا يحلم بحلم حققه غيره، ما الذي ينقصه ليسلبه أحدهم هدفًا كان يحيا ويسعى له ؟
بلل شفتيه يتحدث بصوت مقهور :
_ جاي تطمن أنها سليمة؟؟ خايف تاخد حاجة غيرك لمسها ؟
وفقط نظرة سوداء رماها له مسلم وهو ينهض من مكانه يخرج من ثوبه سكين أحضره من مطبخ رايانا، وفي ثواني كانت قبضته تضيق الخناق حول رقبة محمد والسكين على بعد شعرة من عينه .
يهمس له من بين أسنانه بغضب كبير :
_ مراتي مش حاجة، مراتي مش عيل زبالة زيك يتكلم عليها بالشكل ده وكأنها مجرد شيء ملوش قيمة، وعلى أساس سليمة أو لا هتكون قيمتها .
كان محمد يختنق أسفل قبضة مسلم يحاول أن يصرخ أو يبعده عنه، والاخير يضيق الخناق حوله وصوت مسلم خرج مرعبًا وهو يقرب السكين منه :
_ كلمة في حق رايانا حتى بينك وبين نفسك تفكر فيها، أنا هنهيك والمرة دي مش هيكون كام بوست عبيط على السوشيال ميديا، لا هدفنك وأقسم بالله ما هيرفلي جفن .
كان يتحدث بكل جدية وقد اعماه الغضب، وعدها ألا يمسه بسوء، اقسم لها ألا يلوث يده بدماء أحدهم، لكن محمد لا يعلم ذلك .
حاول محمد التنفس وقد كان قاب قوسين أو أدنى من الاختناق، نطق أحرف غير واضحة جعلت مسلم يخفف من قبضته بعض الشيء، لكن ليس بالكامل، بل ظل يقيده من رقبته .
يميل عليه هامسًا بفحيح وقد تحرك سكينه ليمركزه على معدة محمد :
_ اللي حصل في امبارح هتمحيه من دماغك، ومفيش مخلوق يعرف عنه، وأنت مش عايز المحك في البلد كلها وإلا وقتها أنا هعرفك افضل طريقة لتقطيع جثة غير اللي درستها في كل، ودي بقى طريقة مجرب مش دكتور .
ارتجف جسد محمد يهز رأسه بقوة وقد كانت الحقائق تهبط فوق رأسه كالضربة لا يستوعب منها شيء، كيف ومتى تزوجها ؟!
وهل هو السبب في تلك الشائعات عنه ؟
تنفس بصعوبة في اللحظة التي همس بها مسلم أخيرًا :
_ دلوقتي هسألك سؤال إجابته آه أو لا، رايانا امبارح قربت ليها ؟؟
_ محمد رد عليا يا بني رايح فين ؟ راجع القاهرة ؟
نظر محمد لوالدته طويلًا قبل أن يردد بجدية :
_ لا مسافر الامارات ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت طاولة الفطور تضم الجميع، والبهجة منتشرة على الوجوه ومسلم يراقب الكل بسعادة وراحة شديدة وقد تعهد داخل صدره أنه سيتخلص من كل قذر تسول له نفسه أن يفسد المشهد أمامه.
توقفت عيونه على رايانا التي كانت تجلس جوار ساڤا تحدثها بصوت منخفض وبسمة واسعة، وهو فقط شارد في كل لفتة تخرج منها وكأنها خلاصه .
مبتسمًا دون وعي حتى شعر بتربيته على كتفه ويحيى يهمس له :
_ خلاص يا حبيبي بقت مراتك، سيب البنت تتنفس بعيد عن عيونك .
نظر له مسلم بعدم فهم، ليهمس له يحيى بسخرية :
_ أنت من وقت ما قعدت وانت مش بتشيل عيونك عنها، كل يا مسلم يا حبيبي كل عشان مش هتعيش على شوفتها بس يا حبيبي .
ابتسم له مسلم ولم يجادله وقد كانت السعادة داخل قلبه كافية ليمرر أي شيء هذا الصباح حتى لو كان ذلك الشيء هو سخافة يحيى .
لم تنمحي بسمته وهو يدفع وجه يحيى عنه دون اهتمام ودون أن ينزع عيونه عن رايانا .
أما عن رايانا فمن بين ضحكاتها غصت فجأة لينتفض مسلم وهو يناولها المياه، ويحيى جواره يتناول طعامه ببرود :
_ اتفضل اهي شرقت بسببك ..
نظر مسلم باهتمام يطمئن أنها بخير :
_ أحسن ؟
ابتسمت له تهز رأسها، ثم ادعت انشغالها بالطعام تتلاشى نظرات الجميع لها، لكن صوت نورهان جوارها وصل لها واضحًا :
_ معلش هو مسلم لما يتعلق بحد بيبقى مش مصدق نفسه أنه معاه .
نظرت لها رايانا بفضول تتساءل وقد جعلت نبرتها باردة قدر الإمكان:
_ هو اتعلق بمين قبل كده ؟
_ ولا حد، عشان كده بقولك بيبقى مش مصدق نفسه .
ابتسمت رايانا بسمة واسعة تكبت بها ضحكتها وعيونها تحركت صوب مسلم الذي استقبل بسمتها بلطف وحنان، وكان هذا مشهد يمكنه أن يحيا به المتبقي من حياته، لولا أن اقتحم هذا المشهد صوت يحيى وهو يتحدث لعيسى :
_ هات يا عيسى البيضتين دول .
نظر له عيسى برفض :
_ دول بتوع مسلم .
نهض يحيى يميل بجسده على الطاولة يجذب طبق البيض صوبه يتناوله دون ثانية تفكير حتى، يردد بعدما ابتلع أول بيضة :
_ لا مسلم خلاص فطر بنظراتها وهيحلي بضحكتها كمان شوية .
ختم حديثه يلقي بيضة ثانية داخل فمه دون اهتمام بشيء، وأحمد يراقبه بضيق شديد يهز رأسه يائسًا .
لكن يحيى لم يكن يهتم بأحد، فالشخص الذي يهتم به ليس معهم على الطاولة لذا تصرف بكامل الحرية التي يمتلكها بالفعل .
ينظر صوب حاتم الذي كان هادئًا بشكل غريب :
_ شو بك حاتم بيك، سمعنا صوتك هيك .
رفع له حاتم عيونه بغضب شديد ليبتسم له يحيى وقد تمكن من استفزازه وهذا إنجاز يصفق لنفسه عليه، يدس بعض الجبن في فمه بهدوء شديد، وحاتم فقط نطق بصوت مغتاظ :
_ ما اثقل دمك يا زلمة، كيفهم متحملينك كل هالسنين وما صرلهم شي .
_ الله أنت هتحسد الناس ولا ايه ؟! لا بقولك ايه سمي الله كده عشان الحاج باقي ليه تكة وضغطه يوصل للسما .
ختم حديثه يكمل تناول طعامه بهدوء، وحاتم نظر لمسلم بلوم وكأنه هو سبب تصرفات يحيى، بينما مسلم هز كتفه بقلة حيلة .
_ اهلي اللي ربوه مش انا...
_ هاد بلا ترباية .
امتص يحيى شفتيه وكأنه يستمتع بسبات حاتم :
_ نغم والله، قول لعيسى كده يا حيوان بالشامي .
رفع عيسى عيونه صوب يحيى بتشنج ولا يعلم سبب حشر اسمه داخل النقاش، ومسلم يربت على كتف عيسى الذي كان يجلس على يمينه :
_ اخوك مش متربي أنت عارف اهلك سقطوه في التربية .
زفر عيسى بضيق وقد صمت احترامًا لمسلم، قبل أن ينظر صوب رايانا يدفع المربى صوبها مبتسمًا بسمة صغيرة :
_ كلي مربى يا رايانا، هتعجبك .
نظر له مسلم بتشنج لكن يحيى لم يصمت وهو يردد :
_ عيسى شاف إن النظرات والبسمات مش بتشبع فقال يديها مربى .
تنهد مسلم وهو يعود بظهره للخلف يراقب الود بين شقيقه الصغير وزوجته، يبدو أن عيسى يرى برايانا شقيقة لهم، وقد كان أكثرهم لشقيقة حتى أنه في يوم تمنى لو استبدل أحدهم يحيى برضيعة بعد ولادته مباشرة وتخلصوا من يحيى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
انعزل جميع الرجال في غرفة مسلم تاركين الفتيات مع ساڤا في غرفة أحمد، كان الجميع صامتًا في الوقت الذي أخذ مسلم يحرك أصابعه على لوحة المفاتيح ينتهي من شيء سريع .
بينما الجميع يتابعونه باهتمام في انتظار أن ينتهي وينتبه لهم، حتى رفع عيونه صوب حاتم :
_ جوليان مقالش ليك حاجة خالص ؟
_ لا ..
_ يعني ايه اتصل وقفل من غير ما يقول معلومة واحدة ؟!
التوى ثغر حاتم بحنق :
_ لا اتصل يقلل ادبه وقفل .
تنهد مسلم بضيق شديد يعود بانتباهه صوب الحاسوب ينتهي مما يريد عليه، بينما يحيى لم يكبت شيء بنفسه مرددًا بضيق :
_ كنت عايز ايه من ابو لسان زفر ده ؟
_ هو برضو ..
تجاهل يحيى تعليقه وأكمل حديث :
_ ده شتم بالفرنساوي يا عم انت بتقول ايه .
ولم يعلق مسلم أكثر فهو يعلم أنه إن جادل يحيى سيناقشه يحيى نقاش جاد حول كيف أن السب باللغات اسوء من اللغة العربية .
_ فيه فيديو صورته مع حاتم من الأرض اللي مزروع فيها القنب، والفيديو ده كان فيه ناس شكلهم مهم وغريب عن البلد، فعايز اوصل ليهم واعرف مين دول وازاي ممكن نستفاد منهم .
ادخل أحمد في الحوار أخيرًا بعد صمت شبه طويل :
_ وأنت هتعرف ده منين بقى ؟
رفع مسلم عيونه لأحمد ثم لحاتم الذي ابتسم بسمة صغيرة ولم يتحدث بكلمة، كان الأمر معقدًا لا يستطيع مسلم أن يشرحه دون المرور بماضيه؛ لذا اختار الكذب عن الحقيقة إن كان ذلك سينجيهم من تلك الشياطين .
_ جوليان ليه معرفة بناس كبيرة في أمريكا يعني ليهم علاقات وكده فالمهم اني طلبت منه يوصلني بحد يقدر يساعدني و...
صمت ولم يستطع الاكمال في حديثه الغير مقنع حتى لنفسه، وأحمد يتابعه بسخرية شديدة :
_ وأنت بقى شايفنا عبط عشان نصدق أن صاحبك ده يعرف ناس كبيرة في أمريكا والناس الكبيرة دي مهتمة بشوية تجار مخدرات صعاليك في مصر ؟
ويحيى تحدث بانبهار عكس عقلانية احمد المبالغ بها :
_ بسم الله ما شاء الله، على كده صاحبك ده معروف بقى وغني .
ابتسم مسلم ولم يجب أي سؤال من السؤالين، لأن الإجابة ليست لديه وحتى وإن كانت فلن تسعد أحدًا .
ثواني وابتسم حينما أنار الحاسوب رسالة من أحد معارفه الذين كانوا ذو صلة بهم في الولايات المتحدة، وقد قدم لهم خدمات كثيرة سابقًا، لذا طلب كترجمة لغة الشفاة لن يكون عائقًا أمامهم، وبالطبع كان عليه الكشف عن حقيقة أنه حي كي يتمكن من الحصول على خدماتهم الجليلة .
وصلته رسالة بحوار التسجيل الذي صوره يقرأه بعيون واسعة يحاول فهم ما يحدث أمامه.
_ يا ولاد الـ
فجأة وقبل اكمال كلمته كان الجميع يهجم على الفراش الذي يجلس عليه حتى خيموا عليه بظلالهم ينظرون بفضول شديد صوب الحاسوب لمعرفة ما وصل له مسلم .
وبالفعل بعد دقائق تحدث أحمد بصدمة كبيرة :
_ الكلام ده يعني ايه ؟
ويحيى طرح نفس السؤال لكن ليس بنفس التعابير فسؤاله لم يكن ناتج عن إدراك وصدمة، بل عن جهل وعدم فهم :
_ ايوة صح يعني ايه ؟
ابعدهم مسلم عنه بضيق شديد :
_ يعني زي ما شوفتوا كده، الأرض اللي مزروعة جنب الترعة مش هي الأرض الوحيدة اللي مزروعة هنا، الموضوع بيكبر .
جلس أحمد مكانه أمام مسلم يحاول إدراك ما يحدث كل هذه السنوات كان هؤلاء الأشخاص يستغلون أرض جده في أعمال غير قانونية.
_ طب ...طب والحل، ايه اللي هيحصل دلوقتي ؟
كانت هذه كلمة عيسى الذي تحدث بقلق من كل هذه الأعمال الغير قانونية حوله وكأنه أحد الأطراف المتهمة .
بينما أحمد كانت رأسه تدور في اتجاه آخر ومسلم يراقبهم بهدوء شديد قبل أن يتحدث بجدية :
_ أول حاجة هستنى اعرف الناس دي ايدهم واصلة لفين وعلى الأساس ده هنتحرك الخطوة الجاية .
نظر له الجميع بفضول ليبتسم بسمة خبيثة وقد فكر بالفعل ووضع الخطوة التالية :
_ الخطوة الجاية هي إن أرض جدك ورقها هيكون في ايدنا، و قتها بس أنا هنضفها منهم كلهم ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بات في اوضتك ؟
حاولت رايانا أن تدعي انشغالًا بالمشروب الذي تقدمه نورهان لها في هذه اللحظة، لكن حتى نورهان توقفت يدها وهي تراقبهم بصدمة في اللحظة التي دخلت بها كارا مبتسمة بسمة واسعة ترفع يديها في الهواء تحييهم بعدما ارسل لها يحيى رسالة لتأتي وتنضم لهم، رافضًا ألا تضم صورة العائلة كارا ...
_ صباح الخير .
لكن توقفت حينما أبصرت الصدمة تعلو أعين الجميع لتهتف بصوت منخفض متعجب :
_ أنا جيت في وقت مش مناسب؟
_ لا أنتِ يا دوبك لحقتينا في أول الموضوع شدي كرسي وتعالي .
كانت كلمات خرجت من ساڤا والتي ابتسمت لكارا مرحبة، والأخيرة تحركت تجلس بهدوء جوار نورهان تراقب الجميع بعدم فهم .
ورايانا شعرت بالعيون كلها تتمركز عليها لتهتف بضيق :
_ ايه جوزي، هو يعني جوزك مش بينام في نفس الاوضة معاكِ ؟
ابتسمت نورهان بسمة صغيرة وهي تنظر صوب ساڤا التي توترت تقول بصوت متردد وهي تلوح بيديها :
_ متدخليش ده في ده موضوعي غيرك خالص .
_ ليه غيرك ليه ؟ متجوزة نص ونص ولا ايه ؟
زجرتها ساڤا بنظرة محذرة، ومن ثم نظرت جوارها صوب نورهان التي كانت تكبت ضحكتها عليهم .
_ معلش يا رايانا سيبيها دي بتتحاسب دلوقتي، متجوزة أحمد اخويا الله يكون في عونها حبيبتي .
رفعت لها ساڤا حاجبها بحنق وقد تجاهلت نورهان ذلك تتناول بعض الفاكهة بهدوء :
_ شوفي الاتنين اخواتي، بس التعامل مع مسلم غير احمد، مسلم طيب وحنين، بيفهم اللي قدامه وبعدين ياخد رد الفعل، أحمد لو عقله تربس أنسي .
تحدثت كارا بخجل شديد وهي تميل للامام وصوتها خرج هامسًا وكأنها تخشى أن يسمعها أحدهم :
_ طب ...ويحيى يا نور ؟
نظرت لها نورهان ثواني قبل أن تربت عليها بملامح واجمة تهمس لها بمؤازرة :
_ يحيى ده طريقك للجنة يا كارا .
ابتسمت كارا بسمة خجلة تنظر أرضًا من وصف نورهان ليحيى، لكن نورهان لم تتركها تحلق كثيرًا قبل أن تقص أجنحتها وتلقي بها على أرض الواقع :
_ باذن الله ربنا يكتبهالك وتدخليها من باب الصبر .
انفجرت ساڤا في الضحك بصوت مرتفع وقد أدركت من خلال معاشرته ليحيى يومين أن نورهان لم تكن تمزح بالمرة .
ورايانا لم تفهم الأمر فتعاملها كان سطحي مع يحيى، فقط عيسى الذي كان يتعامل معها بكثرة، ويمكنها القول بثقة أن عيسى نسخة أشد رقة ولطف من مسلم، محظوظة زوجته ...
_ عامة مع سعيك ودعواتك يمكن ربنا يهديه، أو يمكن يتغير معاكِ ويعاملك غير ما بيعاملنا مين عارف، عندك مسلم اهو اتشقلب ١٨٠ درجة عما كان عليه زمان .
ورايانا شعرت بالفضول للتعرف على مسلم القديم تتساءل بجدية :
_ هو كان ...كان عامل ازاي زمان ؟!
ابتسمت نورهان بسمة واسعة وهي تفكر في اجابة لهذا السؤال :
_ عارفة عيسى ؟
هزت رايانا رأسها لتكمل نورهان ببساطة :
- مسلم زمان كان اطيب من عيسى ١٠٠ مرة، كان ولا بيهش ولا بينش، دايما ساكت ومبتسم، دائما بيوافق على أي حاجة من غير نقاش حتى لو فيها ضرر ليه، كان ...كان مسالم بشكل مستفز جدا .
ورايانا حاولت تخيل الأمر لكن لم تستطع تخيل مسلم بهذه الهيئة الملائكية وقد أدركت نورهان ذلك لتبتسم بخبث وهي تتحرك صوب مقعد رايانا تخرج هاتفها بحماس :
_ تعالي شوفي صورته قبل ما يسافر .
ورايانا مدت رأسها تدسها في الهاتف تقريبًا تراقب انامل نورهان التي بدأت تقلب في الصور المخزنة على هاتفها بسرعة كبيرة قبل أن تتوقف عند تاريخ معين تعرض لها صورة شاب ذو ملامح بشوشة يرتدي نظارة طبية، عيونه ملتمعة وملامحه لا تشوبها شائبة يقف جوار نورهان، دققت النظر في الصورة تحاول أن تفهم ما يوجد أمامها لتلتقط فجأة بعض ملامح مسلم الحالية، تشهق بعدم فهم .
_ مسلم ؟؟
ابتسمت لها نورهان بنعم، لتسحب رايانا الهاتف من بين يديها تدقق النظر لملامحه ببسمة غير مفهومة، كان ...كان يبدو تقريبًا .
تمامًا كالأمير الذي كانت تحلم به قديمًا...
ورغم أن صورة كهذه كانت جميلة بريئة إلا أنها أرسلت لها فكرة مرعبة ترن في رأسها .
" ما مقدار السواد الذي اضطر مسلم للتعايش معه كي يتحول من هذا الشاب المبتسم والبشوش، لذلك الرجل الخشن ذو العيون المظلمة ؟"
رفعت أناملها تتحسس صورته وتفكر، هل كان ذلك المسلم سيحبها ؟! هل كانت ستقبل به ؟
والإجابة كانت نعم، كانت ستقبل مسلم بأي شكل له، حتى لو كان اميرًا لن يستطيع الوقوف في وجه قومها، لكنها كانت ستحب مسلم بكل صورة له ..
رفعت عيونها صوب نورهان لتبصر بسمة حنونة بها، تحاول الحديث بصوت طبيعي :
_ نور ممكن تبعتي ليا الصورة دي ؟
ابتسمت لها نورهان بسمة حنونة تلتقط منها الهاتف تنقر عليه لثواني قبل أن تهمس في النهاية :
_ بقت معاكِ دلوقتي ..
شكرتها رايانا وهي تعود بنظراتها صوب الجميع تندمج معهم في الحوار بنصف وعي وكل ما يدور في عقلها هو سؤال واحد من فقط ..
هل سيتمكن مسلم يومًا من مشاركتها ظلامه ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتِ كويسة يا رايانا ؟
كانت جملة نطق بها مسلم متعجبًا شرود رايانا به منذ خرج معها من منزله بعدما تناول الجميع الغداء سويًا، وهي فقط شاردة بهذا الشكل وكأنها تبصره لأول مرة .
ورايانا فقط توقفت معه تبتسم بحب :
_ لا بس كنت ...مش مصدقة إني... أنك معايا رغم كل اللي حصل و...
_ ايه اللي حصل ؟؟
حاولت رايانا أن تتجنب الحديث في هذه النقطة والتي لم تتخطاها بعد، تطاردها حتى في أحلامها، ورغم بسمتها وحديثها طوال الوقت إلا أنها لم تتوقف عن البكاء وحدها طوال الوقت .
_ مسلم هو ... أنت عارف اللي حصل وأنا مش فاهمة أنت..
_ محصلش حاجة .
حاولت رايانا التماسك وعدم الانهيار تهمس بصوت خافت مرتجف :
_ لا، مسلم إنكارك مش هيغير حاجة، أنا عارفة أنه أنت ملكش ذنب تشيل ..
_ رايانا محصلش حاجة .
رفعت عيون دامعة له قبل أن تنفجر في بكاء آخر وكأنها كانت تمنع نفسها من تذكر كل ما مرت به تهمس من بين شهقاتها :
_ مش ...مش قادرة انسى يا مسلم حاسة إن كارهة ...كارهة نفسي و....كان نفسي ....كان ...
صمتت وهي تنهار بين أحضانه وهو ضمها له بحب شديد يقبل رأسها يهمس لها بكلمات حنونه يحاول بها اختراق غيمة حزنها :
_ رايانا حبيبتي والله ما حصل حاجة .
وهي تبكي ترفض سماع مواساته لها والتي لن تغير حقيقة الأمر، تبكي بصوت مرتفع بين الطرقات أمام منزلها مباشرة .
أبعدها مسلم عنه بهدوء يمسك وجهها بين كفيه يواسيها بصوت حنون :
_ رايانا والله ما حصل حاجة، أنا...كنت مستني نكون لوحدنا عشان اقولك، محصلش حاجة .
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تتحدث كلمة حتى قاطعها هو بجدية :
_ محمد مقربش منك ولا لمسك يا رايانا ....
اتسعت عيون رايانا بعدم تصديق وهو فقط يراقبها بحب شديد ولم يكد يلقي عليها باقي مواساته حتى اخترق صوت دخيل اللحظة يردد بسخرية :
_ مؤثرة اوي قصتكم دي ولا قصص الافلام الابيض والاسود .
رفع مسلم عيونه صوب الصوت والذي كان يعلم صاحبه بالطبع .
_ بس تعرف يا مسلم الموضوع مضحك اوي لأن فعلا قصتكم مش قصة فيلم أبيض وأسود، لا ده قصة فيلم هندي، يعني تخيل بعد ما تفضل تلف حوالين نفسك عشان تتجوز واحدة في الآخر بعد الجواز تكتشف أن ابوها قاتل ؟
اتسعت عيون رايانا في اللحظة التي جذبها مسلم يخفيها خلفه بعيدًا عن عيون عز الدين والذي كان يبدو في هذه اللحظة وكأنه قد باع حياته لا يهتم بشيء وقد فقد الشيء الذي سعى له طوال الوقت .
_ وشوف برضو الصدف الهندية، يطلع الراجل اللي ابوها قتله هو نفسه جد البطل اللي جاي يطلب حقه ..
نظر له مسلم ولم يفهم شيء لكن يده اشتدت حول مرفق رايانا بقوة، والأخيرة كانت منفصلة عن العالم لا تشعر بأي وجع من مسكته، توقف العالم لديها حينما سمعت حديث عز الدين عن والدها .
والدها كان سلبيًا ضعيفًا لكنه يومًا لم يكن قاتلًا .
وعز الدين حصد في هذه الثانية ثمار خبثه يردد بتشفي :
_ فرج ..اخو جدك، اللي قتله هو البارو، عمي عزيز ......
