رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل التاسع والعشرون 

"أخبرتني ذات مرة أنه يتوجب عليّ أن أكون زوجة العقرب بحق.. 
في قوتي, وشموخي, حديثي, وجرأتي, في ألا يشعر الواقف أمامي أنني امرأة يمكن الاستهانة بها ابدًا, وأنه يجب أن يستعد جيدًا لمواجهتي, 
حينها سألتك: لِمَ؟ 
فأجابتني: لأنني لن أكون بجوارك في كل الأوقات.. 
رُبما لم اهتم حينها كثيرًا, يقينًا مني أنك لن تتركني أواجه شيء في وجودك ولو كان يشبه نسمة هواء باردة..
ولكن حين أتى الموقف, ووجدت ظهري عاري منكَ, وقفت, وواجهت.. شامخة, قوية, لا أهاب أحد.. كما أردتني تمامًا, فأثبت أنني زوجة عقرب بحق" 

كانت في طريقها للحمام كي تغسل وجهها لعلّ الدوار الذي بدأ يهاجمها يخفت قليلاً, حين وجدته يقف في طريقها, فطالعته باستغراب تسأله:
-خير حضرتك؟ 

كان الممر خالي من الحركة, خاصًة مع تعدد الحمامات في الطابق ولقلة أهل المرضى بهِ فهو مخصص للعناية المركزة, ربعت ذراعيها بسخط حين أجابها:
-مجاوبتيش على سؤالي..  

-لا جاوبت, قولتلك استنى شاهين يفوق واسأله بنفسك, لان معنى انه يخبيه يبقى مش عاوزك توصله, فالأكيد مش هفتش سره! 

سألها بخطر وهو يبتسم ابتسامة تُقلق:
-يعني انتِ تعرفي مكانه؟ 

رفعت حاجبها بحذر مجيبة:
-لو بتسأل عشان تطمن على حفيدك كجد.. فأحب اقولك اطمن هو كويس جدًا, وشاهين مش مدخله في أي حرب ما بينكم.. 

اقترب منها خطوة واحدة قبل أن يسألها بحدة ظهرت جلية:
-حلو.. هو فين بقى؟ 

رفعت منكبيها بحيرة مصطنعة:
-لا إله إلا الله, باين مفهمتش كلامي.. للأسف مبعرفش أتكلم لغات تانية كنت ترجمتهالك. 

-بت انتِ؟
قالها وهو يلتقط ذراعها يقبض عليه بعنف, وتوحشت معالمه مرددًا:

-اخلصي انا مش فاضيلك, هتقولي هو فين بالذوق ولا... 

لن تنكر خوفها, وضجيج قلبها الذي علىَ برعب مما قد يفعله بها, خاصًة وأن ابنته بنفسها قد هربت تحتمي في شاهين منه, لكن ضربت كلمات "شاهين" التي كان يلقيها عليها من حين لآخر أذنها فتذكرت أحد جمله...

"لو اللي قدامك شم ريحة خوفك هيسحلك.. لازم ميحسش إنك اتهزيتِ حتى, مهما يعمل حتى لو في النهاية هتخسري, لكن صمودك قدامه بيهزه, ويوتره, فيخليه يخبط وده ممكن تستغليه جدًا لصالحك",

نصبت عودها وشمخت برأسها متغاضية عن خوفها:
-ولا إيه؟ بتهددني؟ طب وريني تقدر تعمل إيه, متنساش إن لو شاهين دلوقتي غايب في مازن.. وفي جدي, وشاهين نفسه لما يفوق.. لو لاقاك قولتلي بِم هيمسح بيك الأرض وانتَ عارف إنه مبيفرقش معاه عم من أب... 

زاد من ضغطه فوق ذراعها يزأر بغضب:
-نعم يا روح امك؟ يمسح بمين الأرض, ده انا اللي هسفلت وشك هنا, انتِ فاكرة حد هيمنعني اعلمك الأدب لما تطولي لسانك عليا؟ 

ورفع ذراعه الأخر ناويًا صفعها, وقد اهتزت هي من رد فعله, لكن توقف ذراعه عاليًا على صوت صرخ فيه:
-مختار... 

التفت خلفه ليجد "عمران" يقف بمنتصف الطرقة, واقترب منهم بخطوات تنم عن غضبه, حتى أصبح قبالته فدفعه بصدره للوراء بثورة هادرًا:
-انتَ شارب إيه على الصبح؟ فاكر نفسك هتمد ايدك على مرات شاهين المنشاوي, مخك لحس؟ 

حاول "مختار" الهدوء, فليس من صالحه ابدًا عداوة أخرى مع "عمران", فردد باستهجان يكبت غضبه:
-مسمعتش هي قالت إيه, دي بتقول.. 

قاطعته "فيروز" وقد استعادت جرأتها, بوجود النسخة الأخرى لزوجها فشعرت بالحماية:
-قولتلته لو فكر يأذيني شاهين لما يفوق هيمسح بيه الأرض, غلط انا يا عمي؟ 

نفى "عمران" برأسه مرددًا بوجوم:
-ما هي معاها حق, هو هيعمل كده فعلاً, ثم انتَ بتقربلها ليه اصلاً ليك ايه عندها؟ 

عاد انفعاله يطغى مجيبًا:
-ليا حفيدي.. تقولي هو فين ومش عاوز اشوف وشها اصلاً. 

اجابته ببرود متعمد:
-بص يا عمي عمران, دلوقتي شاهين قبل مرضه ماكنش عاوزه يوصل لحفيده, ينفع انا في مرضه ده ابيع سره واقوله الواد فين؟ 

علق "عمران" ببرود:
-الاه! ما معاها حق اهي. 

جحظت عيني "مختار" بصدمة يشير بينهما:
-هي عرفت انتَ مين؟ 

رفعت "فيروز" حاجبها بحدة:
-اعتقد دي أمور عائلية خاصة, ولا دي كمان هتدخل فيها؟ عمي لو سمحت قوله ملوش علاقة بيا, ولا يفكر يقربلي. 

عاد لموضوعه الأساسي يقول بغضب عاصف:
-وانا مش هسيبك غير لما اعرف مكان الواد, مش كفاية جوزك حرمني من بنتي, هيحرمني كمان من ابنها! 

خرجت كاملة من خلف "عمران" وقد كان يحجب نصف جسدها بجسده, حتى وقفت أمام "مختار" تطالعه بشفقة مستنكرة:
-يا حرام! لا ملوش حق شاهين.. ودلوقتي افتكرت حفيدك؟ فين من يوم ما شدوى اتسجنت, دي داخله في خمس أيام! كل الأيام دي مسألتش عنه وجاي دلوقتي بعد ما شاهين وقع تفتكره.. بعدين مش شاهين اللي حرمك من بنتك, انتوا اللي عيلة شمال وتستاهلوا اللي حصل ليكم... 

التمعت عيناه بشرارات الغضب وكأن جحيم الكره بات يسكنهما:
-لا هو اللي حرمني منها, هو اللي سلمها وبعت للنيابة دليل إدانتها.. 

ضربت كف بآخر كأنها تقف أمام مجذوب وقالت:
-يعني بدل ما نحاسب الحرامي على سرقته بنحاسب اللي شافه وبلغ عنه!
انا مشوفتش بجاحه كده! بدل مانتَ واقف ترمي شماعة اغلاطك على جوزي, كنت وقف بنتك عند حدها, كنت عرفها الصح من الغلط, كنت ربيها.. قعدت سنين عارف بغلطها مع اللي مش ابنك وساكت, ولبستها للغلبان اللي قرر ينقذ سمعة العيلة, وياريتها احترمت نفسها بعد جوازهم.. لا ده من كتر الفج* كانت بتخونه معاه وعلاقتها بالزبالة اللي كنت آنيه جوه بيتك مستمرة, تصدق انتَ صح, شاهين غلطان لانه كان لازم بدل ما يحبسها يقتلها.. واهو كانت هتبقى قضية دفاع عن الشرف, مش ده جزاء الخيانة برضو؟ مش في الشرع والدين الست اللي تبقى مع راجل تاني وهي متجوزة جزائها الموت؟ 

لم يجد كلمة يرد بها عليها, بل أحمر وجهه من فرط غيظه وعجزه عن الرد, فنظرت له نظرة دونية تكمل:
-معرفش الأب اللي يبقى عارف بوس*** بنته وساكت دي بيسموه إيه, او اعرف.. بس الحقيقة أخلاقي متسمحليش أنطق الكلمة حتى.. لا وجاي تتهم جوزي انه السبب في اللي بنتك فيه, شاهين عمل الصح.. ماكنش المفروض يتستر على جريمة قتل عشان بنتك الخاينة.. 

كان "عمران" صامتًا طوال حديثها, يستمع لها باستمتاع, ويزيد استمتاعه عجز "مختار" عن الرد أمامها, حتى ما انتهت جذبها من ذراعها لترتد للوراء خطوة وقال لأخيه:
-امشي يا مختار, وقبل ما تحاسب ابني على افعاله حاسب نفسك, وبنتك.. وقبل ما تفكر تقف في وش مراتي ابني, افتكر ان حتى لو شاهين مريض او غايب مؤقتًا, فعمران المنشاوي عايش ومش هيسمح لحد يقرب من مرات ابنه ولا حفيده حتى لو كان اخوه. 

كل ما يتمناه الآن أن يملك سلاحًا بشفرة حادة للغاية وبحركة واحدة يقضي عليهما في لحظة, وظهر هذا واضحًا ل "عمران", استطاع رؤية ملامح أخيه التي لا تنم عن خير ابدًا.

تعالَ رنين هاتف "مختار" فانسحب يخرجه من جيبه بحركة عصبية فوجد اسم المحامي يزين شاشته. 

ابتسمت "فيروز" بزهو بالغ لا تصدق أنها استطاعت مجابهة ذلك الأرعن, التفت لها "عمران" ليجدها مبتسمة بشكل جعله يبتسم تلقائيًا مرددًا:
-ليكِ حق تفخري بنفسك, كل مدى بتثبتيلي حسن اختيار شاهين ليكِ. 

حافظت على ابتسامتها تردد بهدوء:
-منكرش ان وجود حضرتك دعمني, وخلاني اطمن, وكل مدى بتأكد إنك فعلاً ابوه, بتشبهه حتى في حضوره. 

هز رأسه بابتسامة يقول:
-يا ريته هو كمان يقتنع بده. 

أجابته بثقة:
-مقتنع اكيد, بس مش قادر يسامح ودي تفرق, حضرتك شوفته؟ 

رد بحزن تخلل نبرته:
-دخلت من شوية, ماكنش لسه فاق بس الدكاترة بيقولوا انه قرب يفوق, انا لازم امشي, رقمي معاكِ لو حصل أي حاجه كلميني. 

-حاضر. 
------------------ 
خرج من المستشفى بخطى متعجلة كأن الشياطين تركض خلفه, ورفع هاتفه على أذنه فاتحًا المكالمة بانفعال, متسائلاً بغضب:
-إيه تن تن القيامة قامت؟ عاوز إيه على الصبح!؟ 

أتاها صوت المحامي الخاص بهِ متلعثمًا:
-مختار بيه لازم تيجي على مستشفى ***** فورًا. 

توقف فجأة وقلبه ينبئه بشيء سيء في طريقه إليه:
-ليه؟ 

أتاه الرد الذي جمد معالمه وجعله يقف ثابتًا كأنه نُحت محله:
-شدوى هانم.. البقاء لله. 

--------------- 
في مدينة أخرى.. 
عروس البحر المتوسط كما أُطلق عليها من قديم الأزل, وقفت أمام البحر تستنشق الهواء براحة  لم تعرفها منذُ سنوات طويلة, وجوارها كان ينظر لها بصمت, لكن ملامحه راضية, وسعيدة بالنتيجة التي وصلت إليها. 
-مرتاحة؟ 

نظرت له بابتسامة واسعة وهي تردد بأعين لامعة:
-جدًا... دلوقتي بس عرفت يعني إيه راحة. 

عادت بنظراتها للبحر الذي تتصادم أمواجه أمامها في مشهد كوني ساحر, ثم عادت تنظر له على استحياء:
-انا السبب الوحيد في راحتي دلوقتي بعد ربنا حضرتك.. انا مهما شكرتك مش هوفي حقك. 

ضحك بتواضع لطالما ظهر عليهِ:
-ابدًا يا ميرنا, ده انا سبب رابع. 

-رابع!

ابتسم برزانة وهو ينظر لها موضحًا:
-اول سبب ربنا, وتاني سبب شاهين اللي حطك على اول الطريق واختارني أكون دكتور ليكِ, وتالت سبب هو معدنك ورغبتك في إنك تبقي كويسة.. والرابع بقى ييجي دوري. 

نظرت له بتقدير حقيقي, وقالت مندهشة:
-انا عمري ما شوفت دكتور متواضع زيك, رغم إنك محقق نجاح يشهد له كتير, لكن سعر كشفك معقول, ووقتك دايمًا لمرضاك, مبتتأخرش عن أي مريض في أي وقت, وأخرهم إنك تصر ترجعني اسكندرية بنفسك! 

رفع سبابته موضحًا:
-متنسيش إني السبب في نزولك القاهرة, يعني لو حصلك أي مشكلة في رجوعك لاختك هشيل انا ذنبك.. وبعدين مش لازم ابقى دكتور ناجح ومغرور والمرضى تعدي على السكرتير قبل ما توصلي وياخدوا ميعاد بالشهرين والهبل ده, يعني بذمتك لما مريض نفسي يحجز ميعاد مع دكتور ويقوله بعدها بشهرين ده منطقي! ده يكون المريض انتحر قبل الشهرين! 

ضحكت بانطلاق على كلماته مؤكدة:
-ايوه صح. 

-برافو, شايفك بتعملي بنصيحتي الأخيرة. 

رفعت رأسها بزهو تخبره بأنها تتذكرها:
-قصدك استراتيجية الضحك! 

اومأ برأسه مؤكدًا لتبتسم مكملة:
-حسيتها نجحت معايا, بقيت اجبر نفسي اضحك على أي شيء حتى لو بسيط, واضحك اوي كمان.. لحد ما واحده واحده الضحكة رجعت لحياتي تلقائي. 

-تستاهلي كل السعادة يا ميرنا لان قلبك ابيض.

قالها بنبرة محملة بمشاعر يحاول جاهدًا كبحها, لكنه بشر.. واحيانًا لا يستطيع أن يظل يتعامل بالرسمية المطلوبة, هو ليس ذلك الطبيب الذي يقع في حب مرضاه, لكن "ميرنا" كانت مريضته المميزة, بها شيء جذبه إليها منذُ البداية.. كان على يقين أن هذه الفتاة تعرضت لضغوط صعبة جدًا.. ولكن مازال داخلها نقي, وبالوقت لان قلبه لها, وكان عقله يذم فعلته, لأنها اولاً مريضة لديهِ, ثانيًا متزوجة.. ولكن هل لدينا حكم على مشاعرنا؟ لكن يمكننا التحكم في افعالنا, وهذا ما فعله طوال تلك السنوات.. احب في صمت تام, ولم يبدر منه فعل واحد يجعله يعنف نفسه عليهِ, وحين تأزمت العلاقة بينها وبين زوجها مؤخرًا دب الأمل في قلبه, ومع هذا احترم أنها على ذمة آخر حتى وإن كان مؤقتًا.. 
والآن بدأ طريقه لها, خاليًا من أي عقبات... 

-هو انا كده خفيت خلاص؟

سألته بتوتر واضح, فأجابها بصدق:
-80% أه, لكن لسه شوية حاجات بسيطة نظبطها مع بعض, زي إنك لازم تتناسي ذكرياتك القديمة او على الأقل تتعودي لما تذكريها متحسيش بنفس الوجع اللي حستيه وقتها. 

اومأت برأسها بتفهم, واستدارت تقول مبتسمة:
-طيب شكرًا يا دكتور على التوصيلة, نردهالك في الافراح, هطلع انا بقى عشان هند عينها ورمت وهي بتبص علينا. 

نظر للشرفة خلفه ليجد شقيقتها تقف تتابعهما, ليومئ برأسه في صمت مبتسمًا, فتحركت نحو البناية الساكنة فيها تسحب حقيبة ثيابها خلفها بعد ان جمعت أشيائها من شقة شاهين, بينما هو يردد من خلفها وعيناه تتابعها:
-لو انتِ هتبقى معايا في الافراح دي معنديش مانع... 

---------------------- 
عادت لمحل وجودهم لتجد فقط والدتها في انتظارها فأقبلت عليها متسائلة وهي تنظر حولها:
-هم راحو فين؟ 

أجابتها بابتسامة سعيدة:
-نقلوا شاهين اوضة عادية بعد ما فاق. 

ابتهجت ملامحها المرهقة وهي تمسك ذراعي والدتها بفرحة:
-بجد؟ 

اومأت وهي تجذبها معها للسير:
-ايوه, تعالي قالولي الدور التالت اوضة 304. 

اتجها معًا للمصعد الكهربائي, وضغطت "فيروز" بكف مرتعش على رقم الدور, بينما تهمس بداخلها الكثير من عبارات الحمد. 

وصلت للغرفة فدلفت مديحة اولاً وتبعتها هي بخطوات بطيئة تلقائية, وكأنها تخشى أن تدلف فتجد حديث والدتها خاطئ, ومازال في غيبوبته المكرهة لها, طلت من الباب المفتوح بحذر, حتى وقعت عيناها عليهِ, جالسًا نصف جلسه فوق الفراش, لا يحاوطه سوى محلول مغذي يتصل بوريد كفه, استطاعت الآن التنفس براحة, فكانت تخشى رؤيته في حالة مرضية يحيطه الكثير من الأجهزة والأسلاك, لكنه يبدو بصحة جيدة, استندت على باب الغرفة من الداخل تعطي جسدها المرهق راحة حقيقية, بينما تردد بابتسامة وعيناها لا تفارق خاصته:
-الحمد لله. 

لم تزاح نظراته من عليها فور دلوفها, شعر بكل ما ينتابها, وأيقن صوابه في حرصه على عدم دخولها له العناية, تعمقت نظراته بها وهو يبتسم لها باطمئنان. 

فخرج "المنشاوي" عن صمته ناهضًا:
-الحمد لله اننا اطمنا عليك يا حبيبي. 

اشاح بنظره عنها لجده الذي يربط على كتفه بحنو, فابتسم له:
-ربنا يطول في عمرك يا جدي. 

عاد "المنشاوي" للحديث:
-طيب يلا يام فيروز نرجع احنا البيت, وانتَ يا مازن روح مراتك يا بني عشان ابنها. 

فهم "مازن" رغبة الجد في ترك مساحة لهما, فقال:
-طيب هروح انا اروح ليلى, واعدي اجبلك لبس وراجع. 

خرج "شاهين" عن صمته:
-لو عندك شغل روح, لو احتاجت حاجة مرسي والرجالة معايا. 

نظر له يعاتبه:
-يعني تحتاج للغريب واخوك موجود! لا ياعم انا هروحهم وارجعلك, وصحيح معاذ راح الشركة يخلص ورق مهم وراجع, وغسان مراته كلمته عندها امتحان في الجامعة هيوصلها ويرجعلك. 

رد "شاهين" باقتضاب مضحك:
-كلمه خليه جنب مراته ميصحش يسيبها برضو. 

ضحك "مازن" بخفة:
-والله حقك اومال لو عرفت اللي قاله عنك, يلا هنمشي احنا. 

خرجوا من الغرفة وتوقفت "ليلى" على بابها تحتضن "فيروز" وتخبرها:
-هجيلك اخر اليوم. 

اومأت برأسها مبتسمة بامتنان لوقوفها معها في موقف عصيب كهذا, ورددت:
-شكرًا يا ليلى. 

-انتِ عبيطة! مفيش بينا شكر يا سلفتي. 
قالت الأخيرة بمرح لتضحك لها فيروز بخفة, وبعدها ودعتها والدتها ببعض النصائح لراحتها:
-ارتاحي بقى, وكلي الاكل اللي مازن جابه جوه على الطربيذة, وانا بعد العصر كده هعمل لشاهين فرخة مسلوقة وشوربة خضار ولا اعمله شوربة لسان عصفور وفرخة محشية رز و...  

قاطعها "مازن" المستمع لحديثهما بضحك:
-يا طنط! فرخة إيه وشوربة إيه هو حضرتك رايحة تزوريه في القصر العيني! هنا في اكل للمرضي بيوزعوه عليهم. 

نظرة لها نظرة زاجرة جعلته يصمت في الحال:
-اكل إيه بتاع المستشفيات ده؟ احنا عارفين مين عامله ولا معمول ازاي, لا ياخويا ياكل من اكلنا اضمن.. بت اوعي تأكليه من الاكل اللي بيقول عليه ده, انا هنضفله الفرخة على ايدي ريشة ريشة.. 

انفجر ضاحكًا يعلق بعدم تصديق:
-كمان! طب ما تنسيش اول ما تروحي تقفشيها من العشة اللي ورا الفيلا. 

-مازن! 
رددتها "فيروز" بحدة كأنها توقف سخريته من والدتها, لكنها بالأساس تمنع ضحكها بالكاد. 

-والنبي مانتَ فاهم حاجة مش بناخد منك غير تريقة... 

قالتها "مديحة" وهي تبتعد عنهم والآخر يتبعها بضحك"
-استني بس يا طنط استهدي بالله هفهمك... 
------ 
أغلقت الباب واقتربت منهُ على الفور تسأله بلهفة واضحة:
-انتَ كويس؟ 

جذبها من كفها لتجاوره جالسة فوق الفراش, بينما اعتدل جالسًا فأصبح قريبًا منها للغاية, وأجاب مبتسمًا:
-انا كويس, بس ليه شايفك مش كويسة؟ 

لم تتردد وهي تلقي برأسها فوق كتفه بتعب, فاستقبلها بصدر رحب يضمها له برفق ممسدًا على ظهرها, بينما يهمس صوتها:
-هبقى كويسة ازاي بس! انا قلبي كان هيقف من الخوف عليك. 

زاد من ضمها له, وصعد بكفه لخصلاتها يربط عليها بحنو:
-بعد الشر عن قلبك, انا كويس يا حبيبتي متقلقيش. 

ابتعدت عنه ليتفاجأ بدموعها تغرق وجهها وهي تسأله بعتاب مؤلم:
-لامتى؟ 

قطب ما بين حاجبيهِ باستفهام وهو يمرر كفيهِ على وجنتيها يمسح دموعها برفق:
-هو إيه؟ 

زاد بكائها وهي تردد من بين شهقاتها التي اندفعت منفجرة تعبر عن ما عاشته الساعات الماضية:
-يعني لامتى هتكون كويس؟ انتَ فاكر إيه؟ فاكر إن كل مرة هتقوم منها؟ فاكر إن قلبك ده تحت أمرك هيشيل ويشيل زي ما نتَ عاوز؟ هيفضل يخزن في مشاعر وحشة وغضب واسرار ووجع ويفضل كويس ومكمل؟ لا يا شاهين غلطان.. قلبك مش تحت امرك, ولا هو عقلك اللي بتجبره يمشي زي ما نتَ تحب, ولا ملامحك اللي بتجبرها تداري ضعفك ووجعك.. والنتيجة اهي... 

أشارت له بشهقات مرتفعة واكملت:
-كنت هتضيع في لحظة.. انا كنت بكلمك, وكنت في حضنك ومحستش بيك! فجأة سكت.. فجأة بقيت في دنيا تانية, مستني إيه تاني؟ إيه يضمنلي إن اللي حصل ده ميتكررش مرة واتنين وعشرة.. إيه يضمنلي إنك هتكون كويس؟ 

هي بحالة أقرب للانهيار من قسوة ما مرت بهِ, وقد لاحظ هذا سريعًا, فكوب وجهها بين كفيهِ واقترب يقبل جبهتها بعمق قبل أن يبتعد ويهمس:
-حقك عليا يا حبيبتي... انا... 

أبعدت كفيهِ من بين بكائها تقول:
-انا مش عاوزه اعتذار.. انا عاوزه إجابة لاسئلتي, عاوزه ضمان إن ابني هيتربى على ايد ابوه.. 

مسك كفها يضغط عليهِ برفق مرددًا بمنطق:
-روزا! محدش ضامن عمره يا حبيبتي, إيه اللي بتقوليه ده؟ 

نظرت له من بين دموعها الغزيرة:
-انتَ عارف انا قصدي إيه كويس, اعمار ربنا محدش يقدر يدخل فيها, بس منرميش نفسنا للمرض والموت ونقول عُمر! وانتَ بتموت نفسك بالبطيء, حياتك كلها غلط, بتعامل نفسك كأنك انسان آلي.. مهما كان اللي مزعلك مبتفضفضش وبتكتم جواك, غموضك مخلي مشاكلك مع اللي حواليك بتزيد كل يوم عن اللي قبله, ونهايته يا شاهين؟ 

أجابها بهدوء رغم تألمه من انهيارها وتألمها الواضحين:
-قولتلك قبل كده دي شخصيتي وللأسف مش هقدر اغيرها, مبعرفش احكي.. وم....

نفت برأسها بغضب:
-لا بتعرف, لأنك حكتلي عن والدك, آه مش متعود, وبيكون تقيل عليك إنك تحكي اللي جواك, لكن في النهاية بتقدر تعملها, لكن انتَ اللي مصمم تفضل قافل على نفسك بعيد عن الكل, حتى عن مراتك.. اللي المفروض اقرب حد ليك. 

نظر لها بسأم من وصولها لِمَ يريد, فسألها بنفاذ صبر:
-انتِ عاوزه إيه يا فيروز؟ 

نظرت بعيدًا عنه وهي تجيبه بنبرة مختنقة:
-مش عايزه اكتر من الطبيعي, حياة طبيعية زي أي اتنين متجوزين, يكون فيه صراحة بينهم وتفاهم, سرهم يكون مع بعض, محسش نفسي عايشة مع راجل غريب عني. 

صدمته كلمتها ليردد بذهول:
-انا غريب عنك؟ 

اومأت بقوة:
-ايوه غريب.. انا اعرفك عنك إيه؟ ماعرفش حاجة اكتر من اللي الناس تعرفه, عمري سألتك على حاجة وجاوبتني؟ لحد دلوقتي... 

نظرت له بملامح متعصبة تشكو قلة حيلتها:
-لحد اللحظة دي انا معرفش انتَ إيه, تاجر سلاح ولا صاحب شركة, كويس ولا وحش, القبو اللي عندك في الفيلا ده بتعمل بيه إيه ومين الناس اللي بتجبهم فيه من وقت للتاني, ومعرفش مصيرهم بيكون إيه.. حتى تيم لما جبته وقعدته في جناح منفصل في الفيلا ومخلتش حد يعرف بوجوده غير المربية اللي مقعدها معاه او اقصد حابسها معاه.. سألتك يومها ليه بتعمل كده؟ بتخبيه من مين؟ طب ليه ماتسيبوش لمختار ماهو جده اكيد مش هيأذيه, قولتلي انا عارف انا بعمل إيه.. حتى المكان اللي مقعده فيه في بيتي انا معرفوش وتقولي اصله جناح سري.. يعني حتى بيتي معرفش فيه ايه، يبقى غريب ولا لأ؟ انتَ جوزي وأبو ابني اه.. لكن بالأسم يا شاهين, وحياتنا كلها اسرار وعدم صراحة, ومش عارفة كل ده هينتهي امتى! 

احنى رأسه وهو يبتسم ابتسامة قصيرة ساخرة, وغمغم:
-انتِ بقى شايفة إن ده وقت مناسب لكلامك ده؟ 

أجابت بإصرار:
-جدًا.. عشان كل اللي بقوله هو اللي وصلك للاحظة دي, طريقة حياتك الغلط هي اللي ضاغطة عليك وتعبتك, بحاول اوصلك إنك لو عيشت حياتك انسان طبيعي يمكن متعرضش نفسك للضغوط والخطر ده, الشيلة التقيلة لما يشيلها واحد بس ضهره ينحي ويقع بيها.. لكن لو اتقاسمها اتنين بتخف ويعدوا بيها, ده اللي بحاول اوصلهولك يا شاهين, ولازم تفهم إنك مش لوحدك في الدنيا, انا وابني مسؤولين منك.. مجبر تحافظ على حياتك عشانا. 

لم يجيب فقط مال بجسده للوراء واستند على ظهر الفراش مغمض العينين ينهي النقاش.. وملامحه الواجمة اوشت لها بعدم رغبته في سماع المزيد, وعدم تقبله لِمَ سمعه. 

نهضت تقف أمام النافذة تنظر للطريق بشرود ومكالمتها مع "ليل الألفي... أو ليل الصياد كما سمت نفسها بنسب لعائلة زوجها" تُعاد لذاكرتها... 
------------------- 
سردت لها مختصر علاقتها ب "شاهين" متجنبة الأسرار الخاصة بينهما, ليأتيها تعليق "ليل":
-انا من كلامك كونت فكرة عن شخصية جوزك, هو شخصية غامضة في المقام الأول, وكمان شخصية متمسكة بالقوة.. يعني حتى لو في مواقف بيضعف فيها مبيسمحش لضعفه يظهر, عِندي مبيحبش يحس إن حد له سلطة عليه او يوجهه, وكمان لما بيقرر حاجة محدش بيرجعه عن قراره... وذكي, ودكتاتوري.. لكن اللي يهمني مواطن ضعفه وده اللي هتشتغلي عليه.. 

همست بنزق:
-وهو ده عنده مواطن ضعف! 

أكدت "ليل":
-مفيش انسان في الدنيا معندوش مواطن ضعف, وانا لاحظت في كلامك, إن جوزك من النوع اللي لما بيحب حد بيضعف قدام الحب ده, اه مش ضعف كامل, لكن بيكون طريقته مع اللي بيحبه غير مع باقي الناس, وكمان لما بتتعاملي معاه بذكاء وتأني بتوصلي لنتيجة كويسة غير الصدام اللي نتيجته بتكون اسوء.. وعنده نقطة الإيثار عالية, يعني ممكن عشان يحمي اللي بيحبه من خبر وحش او موقف صعب يوقع نفسه في مشكلة معاه ويبان قدامه شخص وحش, مجمل شخصيته بيقول ان معدنه كويس اوي.. وجواه حد رائع بس عاوز اللي يكتشفه. 

تمتمت "فيروز" بحيرة:
-وانا اكتشفه ازاي بس! ده كل حوار بينا بيحصل مشكلة. 

-قولتلك يا فيروز, هو عاوز اللي يتأنى في الكلام والمواجهة, على فكرة انا كمان جوزي كان زيه ويمكن اسوء... 

-بجد؟ واتعدل ولا لسه؟ 

-لو كان لسه ماكنش زماني مكملة معاه... 

شردت "ليل" فيما مضى بينها وبين "أدم" وسردت على مسامع "فيروز":
-ادم كان شخص عصبي جدًا, ومتمرد لأبعد حد, لدرجة ان تمرده بدأ مع والده وده عمل بينهم مشاكل كتير, وعاشوا سنين كأنهم أعداء ميقدروش يتكلموا مع بعض حوار طبيعي من غير خناق ومشاكل, وطبعًا حماتي كانت واقعة بينهم, حتى علاقته مع اخواته كانت سيئة جدًا.. أما انا بقى... 

ضحكت وهي تتذكر كل ما مرَ بهما وأكملت:
-رغم حبه ليا لكن اتبع معايا نفس النهج, لما اكتشف إني متجوزة قعد شهور مقاطعني لدرجة إني عملت حادثة قدام عينه ومجاش يبص عليا يشوفني عايشة ولا يطمن عليا... 

قاطعتها "فيروز" بعدم فهم:
-يعني إيه اكتشف إنك متجوزة؟ 

تنهدت "ليل" وهي تجيبها:
-يااه ده موضوع كبير اوي, ملخصه اني لما اتعرفت على آدم كنت متجوزة بس مقولتلوش, وبعد فترة حبينا بعض وهو قرر يصارحني بحبه, بس للأسف قبل ما يعمل ده لقى جوزي بيعرفهم عليا إني مراته, وطبعًا وقتها فكر إني كنت بخدعه, لكن الموضوع كان له ابعاد تانية.. المهم اتجوزنا بعد مشاكل كتير جدًا, وفضل مكمل في تمرده, لدرجة إني لما طلبت منه يسيب شغله وخيرته بين شغله وبيني اختار شغله وطلقني.. 

شهقت "فيروز" بقوة غير مصدقة وسألتها:
-طلقك عادي كده؟ 

-ايوه, رغم إن بعد كده ساب شغله, لكن تمرده وقتها خلاه يعند ويرفض يسيبه لمجرد إني بجبره او بلوي دراعه بيا وبعياله, عشان كده بقولك اتعلمت ان الصدام بيجيب نتيجة اسوء, وبيكبر المواضيع.. 

انتابها فضول حيال قصة الأخرى فسألتها:
-ورجعتوا لبعض على طول؟ 

-لأ, مرجعناش لبعض غير لما قتلت واحد وهو كتر خيره ساعدني اداري الجريمة وميتقبضش عليا وكان مستعد يشيلها مكاني لو اتكشفت.. 

رددت بذهول غير مصدقة ما تسمعه:
-إيه ده؟ إيه القصة الغريبة اللي مش مفهومة دي؟ بعدين قتلتِ واحد عادي كده؟ 

اجابت "ليل" ضاحكه:
-كان صديق عزيز ليا, لكن ماكنتش اعرف انه مهووس بحبي من سنين, ولما رجع وقت طلاقي من آدم قرب مني, وانا كنت على نيتي انه صديق, لكن لاقيت تصرفاته مش طبيعية واخرها خطفني وكان عاوز يسافر بيا بره البلد.. ماكنش قدامي حل عشان اخلص منه غير كده.. 

ترددت "فيروز" وهي تقول:
-بس يعني واحده غيرك كانت ممكن متكملش في علاقة متعبة زي دي, وانتِ بتقولي قعدتوا سنين في مشاكل قبل وبعد الجواز, إيه خلاكِ تكملي. 

-إجابة بسيطة جدًا, إني كنت واثقة من حبه ليا.. 

تنهدت وهي تكمل:
-بصي يا فيروز, مفيش قصة بين اتنين هتبقى وردي ولطيفة, لازم مشاكل وعقبات, وظروف صعبة, واختلاف شخصيات, لكن اللي يخليكِ تكملي حالة واحدة, ان انتوا الاتنين تبقوا بتحبوا بعض بجد.. وانا كنت بحبه اووي, وكنت واثقة إنه بيحبني وبجنون كمان.. 

سألتها وهي تشرد بنظراتها بعيدًا:
-وإيه اللي خلاكِ واثقة كده؟ كلامه؟ 

-لا ابدًا, الكلام ده ميأكلش عيش حاف, سهل الكل يقوله, لكن المواقف هي اللي بتأكد.. موقف منهم مثلاً, انه ضحى بنفسه عشاني, عملنا حادثة عربية وقبل العربية ما تتقلب بينا بلحظة لاقيته فك حزامه وبقى فوقي وحضني بكل قوته عشان يخفف عني صدمة الحادثة, وفعلاً انا إصابتي كانت بسيطة, لكن هو فضل فترة يتعالج من إصابات خطيرة بضهره والدكتور قال إن كان هيصحله شلل.. ومواقف كتير تانية عدت اثبتتلي إنه فعلاً بيحبني.. عشان كده لو جوزك واثقة من حبه ليكِ حاربيه لحد ما توصليه لبر الآمان.. 

زفرت باختناق تعلق:
-المشكلة انه مش بيديني فرصة اتناقش معاه.. 

قالت "ليل":
-زي ما قولتلك في كلامك معاه اعتبريه طفل صغير قدامك, بتقنعيه ياكل أكلة مبيحبهاش.. مش هتتعصبي, ولا هتندفعي وتضايقيه بكلام, ولا هتحتدي عليه.. بالعكس, هتسايسي شوية, وتتدلعي شوية, وتشجعيه بكلمتين حلوين.. وصدقيني النتيجة هتختلف. 

---------- 
عادت من شرودها حين تذكرت حديثها مع "ليل" فزفرت بضيق تهمس لنفسها:
-إيه الغباء ده! الست لسه كلامها مابردش وانا زي المدب رميت الكلام في وشه لحد ما قفل مني. 

اقتربت منه تعاود الجلوس جواره وهي تهمس بينما كفها يمر على وجهه في لمسات حانية:
-شاهين.. 

همهم دون رد ومازال مغمض العينين لتبتسم وهي تسأله:
-انتَ نمت يا حبيبي؟ احنا لسه مخلصناش كلامنا. 

اتاها رده الجامد:
-مش عاوز أتكلم..

مسكت كفه بكفها الآخر وهي تضغط عليهِ برفق مرددة:
-انتَ متعرفش انا قضيت الكام ساعة اللي عدوا دول ازاي, كنت حاسه ان الأرض بتتسحب من تحت رجلي.. عارفه اني بالغت في كلامي معاك, بس انا اعصابي بايظة من وقت اللي حصل وحاسه إني مخنوقة.. حقك عليا لو خنقتي طلعت معاك لكن كلامي من خوفي والله مش قاصده نتخانق او ازعلك, أنا آسفة يا حبيبي. 

فتح عينيهِ ينظر لها, ليجد عيناها مليئة بالدموع الصادقة, فامسك كفها المستند على وجنته وقبل باطنه بقبلة خفيفة لكنها أثارت فيها مشاعر حميمية دافئة, وهمس:
-ولا يهمك, المهم إنك كويسة بعد ما فجرتِ نفسك فيا ولا لسه مخنوقة؟ 

أردف جملته الأخيرة بمرح طفيف يحاول الخروج من الجو الكئيب المحيط بهما, لكنها لم تندرج لمرحه وهي تقول بينما تنظر له بعمق:
-ممكن متعملش فيا كده تاني؟ متخوفنيش عليك كده لأني مش هتحمل والله احس إنك في خطر.. 

تحولت نظراتها الحزينة المتألمة لأخرى بها بعض الخبث وهي تُكمل:
-انا حتى كنت حاسة إن من كتر خوفي البيبي هيحصله حاجه وكنت بحس بوجع في بطني.. 

انتفض جالسًا يحيط بطنها بكفه وكأنه يمنع أي أذى قد يصيب الصغير, بينما يردد بقلق لمع في عينيهِ:
-انتِ حاسه بإيه دلوقتي؟ استني نطلب دكتورة نسا تشوفك او.. 

قاطعته بابتسامة وهي تحتضن كفه الموضوع فوق بطنها:
-انا كويسة, انا بحكيلك عن اللي كنت حساه قبل ما الدكاترة يطمنونا عليك, لكن انا دلوقتي كويسة جدًا... 

ضمها لجسده بقلق, واستمعت لزفرة قوية خرجت منه, ثم ساد الصمت بينهما لبعض الوقت وهي تستكين في حضنه برحابة, حتى سمعته يقول:
-حاضر يا فيروز, هحافظ على نفسي عشانكم, وهحاول اغير من طباعي اللي تعباني.. وأول حاجه غيرت منها, اني قررت اسامح مازن.. قررت اسامحه من قلبي عشان ارتاح... 

وها قد وصلت لغايتها اخيرًا, ابتسمت بسعادة تكفي الكون, واعتدلت لتجلس أمامه تكوب وجهه بين كفيها وهي تقبله بفرحة على وجنتيهِ تباعًا ورددت:
-انا مبسوطة اوي يا حبيبي.. ربنا يريح قلبك دايمًا, وانا واثقة ان مشكلتك مع مازن من الحاجات اللي كانت تعباك اوي.. كفاية تفكير في اللي عدى وخلينا نعيش للي جاي. 

اومأ برأسه يقول:
-انا كمان قولت كده, وخصوصًا إني مش حابب ابني يتولد في عداوات مبتنتهيش. 

هزت رأسها بقوة بتأكيد على حديثه, ليطالعها بجبين مقطب باصطناع:
-إنما انا واحد خارج من عناية وراجع من الموت, إيه البوستين الخايبين دول يا روزا؟ 

ابتسمت باتساع ورددت بتلاعب بينما تنهض من أمامه:
-انتَ قولتها يا قلب روزا, خارج من عناية.. يعني صحتك على قدك, اهمد عشان مترجعهاش تاني.. 

جذبت حقيبة الطعام وعادت تجلس أمامه بنفس ابتسامتها:
-هتفطر معايا تفتح نفسي؟ 

رد بملامح واجمة:
-مش عايز.. 

ضحكت بقوة وهي تفتح الشطائر:
-حبيبي القماص! 

قدمت له أحدهما تكمل:
-كل حاجة بسيطة عشان متبقاش غلط.. 

لم يتناولها منها وظل على وضعه, حتى رفعت نفسها قليلاً تهمس له وكأن أحد سيسمعها:
-طب عدي الليلة وكُل, وانا اوعدك ببارتي خاص بعد خروجك.. 

وغمزت بعينها اليسرى في عبث يظهر لأول مرة, تسير على نصيحة "ليل" بأنه لا مانع من بعض الدلال والدلع... 

فُكت عقدة ملامحه وطالعها بمكر:
-هنشوف... 

قضمت لقمة من شطيرتها, حتى صاحت بانفعال مفاجئ:
-نسيت احكيلك... 

نظر لها في دهشة وقد توقف الطعام في حلقه من صيحتها, لتُكمل غير عابئة له:
-مش انا كشمت لعمك اللي ما يتسمى... 

ابتلع طعامه سريعًا يسألها بدهشة:
-نعم ياختي؟ 

سردت عليهِ ما حدث مؤكدة على موقف "عمران" معها, وما ان انتهت حتى قالت بمكر:
-بصراحة الله يباركله عمي عمران, لولا وقفته ماكنتش خدت الثقة دي.. لكن سبحان الله يا شاهين كأن وجوده شحنلي كارت ب 10... 

نظر لها بامتعاض مرددًا:
-كارت ب 10! 

اومأت وهي تمضغ طعامها:
-اممم.. والله زي مابقولك كده, اصله بسم الله ما شاء الله هيبة كده, حتى مختار مقدرش يرفع عينه فيا قدامه.. ولا جملته في الآخر لما قال طول ما عمران المنشاوي عايش مش ه.....

قاطعها بنزق وهو يلقى بباقي شطيرته على فخذها:
-خلاص قولتِ الجملة ميت مرة حفظتها. 

نظرت له ببراءة مصطنعة مرددة:
-الله مش بحكيلك يا حبيبي , يلا هقوم اغسل ايدي... 

نهضت تلملم الطعام بينما عيناها تتابع شروده الواضح, فابتسمت بزهو وهي تدرك أنها بدأت أخيرًا تعرف كيف تتعامل معه.. والفضل يعود ل "اللايف كوتش"؟ 

------------- 
خرج الجثمان أمام ناظريهِ, لم يكن فقط جثمان ابنته, بل كان آخر خسائره, وأكثرهم مرارة, لم يعد له شيء, فعلاما سيبقى؟ 
والشيء الوحيد الذي يتراقص أمام وجهه أن كل ما حدث يعود لشخص واحد.. 
شاهين المنشاوي.. 
لولا قضية النسب التي رفعها لِمَ شبَ خلاف بين شدوى وسيف انتهى بمصرع الأخير.. 
ولولا أنه سلم شدوى للشرطة وبالدليل لِمَ عرف أحد عن الحادث.. 
ولِمَ خسرت روحها بين حوائط السجن العفِنة... 
كل شيء يعود الفضل فيه ل "شاهين".. 

عيناه كانتا بركان مشتعل من النار, نار لن تخمد كثيرًا وستسعى جاهدة لحرق قلب العقرب بكل الطرق الممكنة.. والغير ممكنة.. 
-باشا.. الإسعاف هتتحرك على المسجد... 

هكذا انتهى كل شيء, دفنها دون أن يعرف أحد الخبر, ودون أن يحضر أحد, لم يهمه أحد ولن يهمه بعد الآن, فالمصيبة لا تخص غيره, وبالفعل بعد صلاة الجنازة تم دفنها في مقابر العائلة, وحين وقف أمام قبرها ردد بعينيهِ الحمراء كبركة دماء:

-اوعدك يا بنتي مش هجيلك غير لما اجيب حقك وحق سيف.. هحرق قلبه على كل لحظة وجعنا فيها, وعلى كل وجع حسيته في فراقي عنكوا... اوعدك. 

صوت رسالة صدر من هاتفه جعله يخرجه ليراها, تعجب حين وجدها من خط "شاهين", ففتحها سريعًا وعقله يتساءل هل فاق وتجاوز مرحلة الخطر بهذه السرعة؟  خرجت سبه نائية منه بعدما قرأ محتواها والذي كان:

"وقفتك في وش مراتي لها حساب... وحسابك تقل يا عمي, وعربون مقدم يمكن تشوف تيم وهو داخل الجامعة, ده لو كان ليك عُمر" 

وكانت جملة ساخرة أخيرة يخبره فيها بأنه لن يصل للصغير مهما حاول.. 
-----------------
عصرًا.. 
دقات فوق الباب انتهت بفتحه ليدخل بزوبعته المعتادة:
-اخص عليك يا شاهين وقعت قلوبنا يا جدع. 

قالها "غسان" بنبرة صادقة تنم عن قلقه على الأخير فأجابه بابتسامة بسيطة:
-بشوف معزتي عندكوا بقى. 

اقترب "معاذ" يقول بمشاعر محبة:
-معزتك عندنا مش محتاجه اختبار يا شاهين, حمدا لله على سلامتك يا صاحبي. 

-تسلم يا معاذ. 

اقترب "مازن" يقول بينما يحمل إناء الشوربة في يده:
-يلا يا حبيبي عشان الغدا... 

طالعه "شاهين" باستغراب:
-إيه ده انتوا جايبين أكل من البيت؟ 

اصطنع "مازن" الابتسامة بينما ينظر ل"مديحة" بجانب عينيهِ:
-حكم القوي نعمل إيه... 

ضحكت "فيروز" الجالسة بجوار والدتها على الأريكة تقول:
-اصل ماما صممت تعملك اكل بنفسها يا شاهين, وحذرتني أأكلك من أكل المستشفى.

عقب "مازن" بسخرية مبطنة:
-لا وكمان نضفت الفرخة ريشة ريشة. 

ابتسم "شاهين" ضاحكًا, ونظر ل "مديحة":
-تسلم ايدك يا حبيبتي, تعبتك معايا. 

ابتسمت بغبطة وهي تناول "فيروز" حصتها من الطعام عنوة:
-وانا هتعب لأعز منك, خلص أكلك كله, وانا هأكل ابنك وازغطه متقلقش... 

قالتها بغمزة بسيطة جعلته يضحك هو ومن بالغرفة خاصًة بعد قول "فيروز" المندهش:
-يعني عمالة تحشيني اكل عشان ابنه مش عشاني! وانا اللي فكرتك خايفة على صحتي. 

خرج "المنشاوي" عن صمته مبتسمًا:
-معلش يا بنتي اعز من الولد وِلد الوِلد.. اسأليني انا. 

أنهى جملته ينظر ل "شاهين" بحب كبير يحمله له, ليبتسم له "شاهين" بحب مبادل... 

توجه "معاذ" لوجبة المستشفى التي لم يمسها أحد فقال:
-يعني دي حلال عليا؟ 

كشف عنها التغليف ليصفر بجوع:
-فراخ مشوية وكفتة... هذه نقطة ضعفي.

اوقفته "مديحة":
-لا يابني متاكلش منها, احنا عارفين معمولين ازاي دول لاحسن يحصلك تسمم لا قدر الله.. انا اسمع كتير ان في مستشفيات اكلها مبيكونش نضيف, تعالي انا عاملة اكل بزيادة.. استنى هغرفلك شوية رز وحتة فرخة. 

همس "مازن" ل "شاهين" وهو يطعمه:
-انتَ مصدق اللي بيحصل ده؟ ولا كأننا بنشم النسيم في الجنينية. 

ابتلع "شاهين" ما بفمه وضحك بيأس:
-اسكت تسلم... 

وافقه الأخير:
-معاك حق.

صاح "غسان" باعتراض:
-يعني الفراخ المشوية والكفتة هيترموا! ده ريحتهم جامدة..

طالعته "مديحة" بتفحص لدرجة انه ارتاب من نظراتها إليه, حتى قالت بما جعل الجميع ينفجر في الضحك:
-لا انتَ ممكن تاكلهم.. حتى لو مسمومين مش هيأثروا عليك. 

امتعضت ملامح "غسان" وهو يغمغم باستنكار:
-ليه هو انا تور! 

ونظر بجانب عينيهِ ل "شاهين" الذي امتعضت ملامحه وكف عن الضحك بفهم, لينتبه "مازن" فيهمس له:
-على فكرة وانتَ في العناية قعد يقول عليك تور بتنطح وبس.. 

ابتسم "شاهين" باصطناع يقول بصوت مسموع:
-مانا لو تور فهو جحش.. اصل التور هيصاحب إيه يعني غير كده! 

رفع "غسان" سبابته بتصحيح مضحك:
-لا لو سمحت انا بلطجي.. متخلطش الأمور. 

عقبت "مديحة" بدهشة:
-مالك يا حبيبي فرحان كده ليه؟ وكأنك مدرس حساب! ده البلطجي في منطقتنا بياخد على راسه. 

ضحك "معاذ" وهو يمضغ طعامه:
-طنط مديحة حطتك في راسها. 

مالت على "معاذ" ويبدو أنها احبته فسألته بابتسامة:
-قولي يا حبيبي انتَ متجوز؟ 

سخر "مازن" معلقًا:
-ليه بتفكري تجوزي بنتك تاني؟ 

لكزه "شاهين" في صدره بقوة آلمته, بينما علقت "مديحة" بازدراء:
-اخوك رد.. تسلم ايدك يا جوز بنتي.  

اجابها "معاذ" بوجوم:
-خطوبتي كانت بكره بس هأجلها للأسبوع الجاي لحد ما شاهين يبقى كويس. 

نطق "شاهين" معترضًا:
-لا... متأجلش انا هخرج بكره وهكون موجود. 

-بس هتبقى تعبان و.... 

قاطعه بنبرة مُصرة:
-معاذ! متـأجلش حاجة قولتلك. 

ابتلع "غسان" صابع الكفتة وقال:
-والله قولتله يفض الخطوبة دي مسمعش مني, كل ما يحددوا ميعاد تحصل كارثة... مش نعتبرها إشارة بقى! 

نهرته "مديحة" تقول:
-يوه ما تخليك محضر خير يا كابتن, متسمعش كلامه يا بني اتكل على الله واللي في الخير يقدمه ربنا. 
-------------------- 
عصر اليوم التالي...

كانوا مجتمعين في فيلا "شاهين" بعد خروجه من المستشفى, واصوات الحديث والضحك تتعالى.. حتى حضر ضيف مفاجئ لم يتوقع أحد وجوده. 
دلف ليسمع صوت ضحكاتهم فتزيد من إشعال النيران بقلبه, وصل إليهم بعدما أخذ الأذن من شاهين بالدلوف, فاستقبله "شاهين" بابتسامة بادرة وهو يجلس على كرسي الصالون:
-اهلاً يا عمي.. اتفضل. 

علق "المنشاوي" باستغراب وهو ينظر ل "مختار":
-مالك؟ ليه لابس اسود في اسود كده؟ انتَ جاي من عزا؟ 

ابتسم "مختار" ابتسامة قاسية بها الكثير من الكره والحقد, وأجاب:
-لأ حداد.. لسه العزا هيتعمل النهاردة. 

عاد يسأله بقلق:
-عزا مين؟ 

ثبت "مختار" عينيهِ في عين "شاهين" الذي يطالعه بلامبالاة وقال:
-عزا بنتي.. شدوى.. 

انتفضوا جميعًا بصدمة, وتجمدت ملامح "شاهين" الذي لم يعرف الخبر سابقًا يردد بخفوت مصدوم:
-شدوى! 

تعليقات