رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل التاسع والعشرون
لمت إلهام أطباق العشاء وادخلتهم المطبخ، تبعها خالد يحمل باقي الأطباق، بدأت إلهام في
تنظيف الأطباق عندما قاطعها زوجها.
"سيبيهم أنا هرمهم في الغسالة. روحي أنت أرتاحي أنت تعبت معنا النهاردة."
اقترب خالد وأخذ يديها الأثنان في يديه ورفعمها لقمه وقبلهما واحدة تلو الأخرى. نظرت إلهام
للأعلى في عينيه وقالت بنبرة حزن.
"أنت هنبات هذا النهاردة، صح؟"
أوما خالد برأسه وقال.
"أنا بقالي سنة ما شوفتش مريم."
اومات الهام بتفهم وهربت بعينيها بعيدا عن بنيتيه وقالت.
"أكيد وحشاك"
نظر لها خالد برجاء وقال.
"يا ريت ما تزعليش مني أنت عارفة أن مريم برضه مراتي "
تنهدت إلهام وقالت.
"حاضر يا خالد مش هزعل، لكن بكرة عندي بقى "
لو ممكن تسمحي لي أقعد هنا أسبوع. "
همت الهام بالاعتراض فترجاها خالد بعينيه وقال.
" أوعدك معوضه لك. أرجوك يا الهام في حاجات كثير وأسئلة كثيرة في دماغي وعاوز أقعد مع مريم وأفهم منها كل حاجة."
يا خالد ما تضغطش على "
"خلاص براحتك، أنا مش هغصبك على حاجة بكرة بإذن الله هاجي الله"
نظرت له إلهام بجانب عينيها وقالت.
"وعد"
"أنا عمري ما هظلمك ولا أجي على حقك يا إلهام "
احتضنته إلهاء ورفعت رأسها وغمزت لمريم الواقفة على علبة باب المطبخ وراء خالد وقالت.
"ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي "
" ولا يحرمني منك يا حبيبتي "
تركتهم مريم في صمت ودخلت غرفتها غادرت إلهام لشقتها وأطمئن خالد على أولاده وتوجه الغرفة نومه وجد الباب مغلق أدار مقبض الباب لم يفتح فأدرك أنه موصد من الداخل، طرق
طرقات خفيفة ونادي على زوجته لتفتح له الباب.
"مريم. افتحي يا حبيبتي "
أتاه صوت زوجته من الداخل تسأله..
"نعم، عاوز حاجة ؟ "
"أفتحي الباب، عاوز أدخل أنام"
معلش مش هينفع. "
حرك خالد مقبض الباب بعصبية وقال.
"هو أيه اللي مش هينفع أفتحي يا مريم وبطلي تهريج."
"اصل أنا أتعودت أنام لوحدي وأقفل الباب علي من يعرف أنام وفي حد معي "
قرب خالد قمه من الباب وقال.
"مريم أفتحي الباب مش عاوز أعلي صوتي الأولاد يصحول "
تعلي صوتك توطيه العيال تصحى أو تنام أنا ما يهمنيش، أنا تعبانة و عاوزة أنام. لو سمحت
روح نام في الشقة الثانية أو شوف أي حتة ونام فيها."
في حاجة يا بابا. واقف كدة ليه ؟"
التفت خالد لمحمد عندما سمع صوته وحمحم وأجاب ابنه.
"هه. لا ابدا مفيش حاجة أنا يقفل الباب علشان ماما نايمة وأنا ورايا شوية شغل في المكتب "
تنقلت نظرات محمد بين أبيه وباب غرفته الموحد وقال.
طيب، تصبح على خير"
" وانت من أهله "
دخل محمد المطبخ وأحضر زجاجة ماء ليشرب منها أثناء الليل، وتوجه خالد الغرفة المكتب. سمع خالد شهقات بكاء مكتومة عندما مر بباب أبنته فطرق الباب ودخل، وجد أبنته مختبئة تحت القطاء تتظاهر بالنوم، جلس على السرير بجوارها ورفع عنها الغطاء ولاحظ عينيها التي
ترتعش تحت جفونها المغلقة بالإكراه. ربت على رأسها وقال
"أنا عارف أنك صاحية وكنت بتعيطي، مالك في أيه ؟"
انفجرت أسيل في البكاء قضمها أبيها لصدره وسألها بقلق.
"مالك ؟ حد ضايقك ؟ ماما إلهام قالت لك حاجة ؟ عملت لك حاجة ؟"
مزت أسيل رأسها بالتفي وقالت.
"لا. ماما الهام ما عملتش حاجة بالعكس ده طيبة خالص ويتحبني "
"أمال في أيه ؟ بتعيطي ليه ؟ ده أحنا الحمد الله أطمنا على ماما وخلاص رجعت لنا النهاردة"
زادت شهقات اسيل وقالت.
"أه هي رجعت لكن مش علشانا "
مسح خالد دموعها بيديه وسألها.
بتقولي كدة ليه؟ مين قال لك الكلام ده ؟
"سمعتها هي نفسها بتقول أنها ما رجعتش علشانا رجعت علشان تنكد عليك وماما إلهام "
طيب ممكن تهدي كدة وتفهميني أيه اللي سمعتيه بالظبط. أكيد أنت فهمت غلط"
"أنا كنت بذاكر الرياضة وماما إلهام سابتني وراحت تجهز الأكل لماما، أنا وحشتني ماما اوي ووحشتني أيام ما كانت بتذاكر لي، قولت أدخل أناديها، لما قربت من المطبخ سمعتها يتكلم ماما إلهام، ما أعرفش كانوا بيقولوا أيه. لكن ماما إلهام سألتها وقالت لها أنت مش هامك خالد ولا العيال وماما قالت ما يهمنيش حد. ماما إلهام قالت لها أمال رجعت ليه قالت علشان الكد عليك.
أحدا ما تهمهاش ولا هي رجعت علشانا هي بس رجعت علشان تضايق ماما إلهام"
مسح خالد دموعها وقال.
"لا طبعا يا حبيبتي ماما يتحبنا ورجعت علشانا، هي بس بتغلس على طنط إلهام من أكثر.
مش أنت أوقات بتحبي تغلسي على أخواتك؟"
بس انا يا بابا مش حاسها بتحبنا في الأول، معقول ماما نسيتنا."
"مش ممكن أكيد بتحبكم. مش أنتم أولادها ؟"
انتشقت أسيل وقالت.
بس هي سابتنا سنة بحالها يا بابا."
مش قلت لكم أنها كانت تعبانة. أكيد لو كانت تقدر كانت رجعت من بدري "
يعني هي رجعت علشانا ".
أخذها خالد في حضنه وقال.
أكيد يا حبيبتي، قومي كدة وأغسلي وشك وأهدي. وما تناميش وانت معيطة كدة تاني
ماشي "
"حاضر يا بابا."
أطمئن خالد على إبنته أنها نامت بسلام ودخل غرفة مكتبه، أخذ يفكر في حاله مع زوجتيه. فهو كان يعلم قبل زواجه أنه سيواجه مشاكل بسبب غيرة النساء، ولكنه توقعها من زوجته الثانية وليس الأولى. فهي أصغرهم سنا ولم تتزوج من قبل، وكان يتأمل في مريم رجاحة العقل
وتحكيم عقلها على تصرفاتها وليس غيرتها.
ولكن من هي مريم. فزوجته مريم عادت بعد غياب سنة بشخصية جديدة تماما، لم يرى ذلك الجانب المتمرد فيها من قبل، فمن مكنت في منزل رجل غريب عنها لمدة عام بأكمله مهما كانت حالتها الصحية، ومن قالت مثل ما قالت لإلهام أمام ابنتها، ومن طردت زوجها من غرفة نومهما لا يمكن أن تكون مريم زوجته أبدا.
أكيد هناك سبب قوي في تبديل حالها وتغيير شخصيتها بطريقة جذرية مثلما حدث، والغيرة وحدها وزواجه من إلهام ليس السبب فقط لابد من وجود سبب قوي وقهري لحالة زوجته الحالية.
أيمكن أن يكون مرضها وتعرضها للحادث غير في شخصيتها مثلما أفقدها ذاكرتها، فكثيرا ترى في الدراما تغير جذري في شخصية الإنسان بعد فقده لذكرياته. فالذكريات هي ما ترسم
شخصيتنا وفي غيابها يتوقع أي شيء وأي تصرف غير منطقي.
لم ينتبه خالد بالوقت حتى سمع أذان الفجر، خرج ليصلى برفقة ولديه ودعا ربه أن يلهمه الصواب في تعامله مع زوجته. فقد أعتبرها مريضة وقرر مسايستها حتى تعود ارشدها. وترجع زوجته مريم بشخصيتها الطيبة مرة أخرى.
عاد خالد من صلاة الجمعة وجد مريم واقفة في المطبخ تقلب قدر على الموقد أقترب منها وقاوم رغبته الشديدة في محاوطتها بذراعيه، فهي ترفض ملامسته من بعد عودتها من أسبوع وتقابلها برفض تام وعنيف احيانا.
خطى خطواته بحذر مثلما أعداد منذ عودتها فهو مثل ما يمشي على قشر بيض هش لا يدري ما
الذي يثير اعصابها، سمعها تدندن بسعادة فتشجع وسألها.
" بتعملي أيه؟"
تنهدت مريم بضيق عندما لاحظت وجوده معها في نفس المكان وأجابته.
واقفة في المطبخ ويقلب البصل على النار، يبقى يعمل ايه؟ أكيد بطبخ "
"حلو أوي، أنا وحشني طبيخك جدا، بقالي أكثر من سنة ما دقتش حاجة من أيدك "
لم تجبه زوجته واستمرت في عملها فأستطرد.
بس يا ترى أيه اللي خلاك تقفي في المطبخ لوحدك وتطبخي ما خلتيش أم مصطفى تساعدك ليه؟ صح هي فين مش شايفها النهاردة يعني ؟"
"أنا أدينها أجازة النهاردة. أصل النهاردة عاوزة أطبخ بنفسي كل حاجة."
أبتسم خالد وشعر بالأمل العودة زوجته المحبة ثانيا التي كانت تصر على فعل كل شيء خاص به وبأولادهما بنفسها، أقترب خطوة أخرى وسألها.
"واشمعنى النهاردة ؟"
"أصل يوسف هيتغدى معنا النهاردة."
سقطت الإبتسامة من وجه خالد وسألها.
"نعم! يوسف هيتغدى معنا النهاردة؟"
"أيوة. أنا اتصلت به إمبارح وعزمته على الغدا يا ريت تدخل تجهز علشان هو على وصول
دلوقت"
اتسعت عيني خالد وسألها بجدية.
"أنت اتصلت برجل غريب وعزمتيه في بيتي من غير حتى ما تستأذنيني ولا تقولي لي؟"
غطت مريم القدر وتركته يغلي ولفت لخالد وقالت.
" أولا يوسف مش غريب يوسف لو تفتكر هو الرجل اللي قعدني في بيته سنة كاملة، أكل وشرب وعلاج وليس كله كان عليه أقل حاجة أعملها بعد ما رجعت بيتي أني أعزمه على الغدا وأشكره علی ضیافته وكرمه.
" وبعدين أنا عزمته في يوم أجازتك وأنا عارفة أنك النهاردة قاعد في البيت. يعني من عزمته من وراك ولا حاجة.
"وأظن ده بيتي أنا كمان ومن حقى أعزم فيه اللي يعجبني ولا أروح أشوف لي بيت ثاني أكون
على راحتي فيه ؟ "
صعق خالد مما قالته مريم استغفر ربه وتنفس بعمق حتى لا يتقوه بما يندم عليه فيما بعد، فهو يتبع نصائح الطبية النفسية التي استشارها لحالة مريم بعدما رفضت مريم تماما الذهاب إليها والتحدث معها.
عاد خطوتين للوراء وفتح الصنبور وغسل وجهه بالماء البارد لعله يطقاً من نيران غضبه.
عندما شعر بهدوء غضبه تماما التفت لها وجدها تكمل عملها متجاهلة تماما وجوده وثورته.
ماشي يا مريم أكيد ده بيتك ومن حقك تعزمي اللي انت عاوزاه لكن يا ريت تبلغيني قبلها علشان أشوف مواعيدي "
لم تلتفت إليه مريم وقالت...
يا ريت تروح تجهز بسرعة "
"حاضر "
دخل خالد غرفته وبدل ملابسه، سمع جرس الباب فتوجه الباب وفتحه واستقبل يوسف بالترحاب.
" وعليكم السلام ورحمة الله. اتفضل يا يوسف"
دخل يوسف الشقة وهو يحمل حقائب هدايا. جلس في الصالون في المكان الذي أشار له خالد. استأذنه خالد ودخل أخبر زوجته وأولاده بوجود الضيف، تهللت أسارير مريم عندما سمعت
بقدوم يوسف، وخرجت على الفور تستقبله.
جلسوا جميعا يتحدثون معاً وتعرف يوسف على أولاد مريم شعر بالألفة في وجودهم والحب من أول لقاء بهم.
وزع يوسف الهدايا على الأطفال وانسجم معهم حتى وقت الطعام جلس الجميع على المائدة وبدأوا الحديث خلال تناول الطعام. وضع يوسف ملعقة الملوخية في قمة واستمتع بمذاقها
الثواني وبلعها، نظر المريم وهو يأخذ غيرها وقال.
"الله يا مدام مريم طعم أكلك لا يعلى عليه بصراحة من بعد ما مشيت مفيش حد عارف بطبخ زيك "
ردت عليه مريم وقالت.
" بألف هنا وشفا. معلش بقى متضطر تأكل من أيد أم أحمد دلوقت على طول"
رفع خالد نظره من الطبق أمامه وتوقف عن العبث بالطعام والتظاهر بالأكل وسأل.
هي مريم كانت بتطبخ عندك ؟"
حمحم يوسف ونظر المريم وأجاب.
اوقات مش على طول "
عقبت مريم على يوسف وقالت.
"لما كنت بزهق من القعاد طول النهار يوسف كثر خيره كان بيسمح لي أدخل المطبخ أعمل أي حاجة."
عقب خالد عليها بصوت منخفض.
کثر خبره"
"أنت في سنة كام دلوقت يا محمد؟"
داخل أولى إعدادي أزهري"
"ما شاء الله، و يا ترى شاطر ولا تاعب ماما معك "
"الحمد لله الأول على القاهرة السنة ده"
"ما شاء الله ربنا يبارك لكم فيه "
نظرت مريم بفخر لمحمد وقالت.
محمد ده راجلي وسندي في الدنيا."
"ربنا يحفظه لكم ويحميه يا رب"
انتهى الجميع من الطعام وبدأت مريم في لم الأطباق أحضرت مريم صينية الشاي وقدمت ليوسف وسألها عندما أقتربت منه.
"أخدت دوالا؟"
نظرت مريم ليوسف محذرة.
نظر خالد له وسأله.
دوا ايه ؟ متى أنت يا مريم قولت أنك بقيت كويسة دلوقت؟"
جمجمت مریم و قالت
ده فيتامينات علشان تقوية الذاكرة أصل على طول بأنساها."
"أه طيب خديها ويا ريت ما تنسيهاش ثانی"
رن هاتف خالد فأخذه ودخل لابنه في غرفته طلب منه الجلوس مع الضيف حتى ينتهي خالد من المكالمة توجه محمد للصالون حيث يجلس الجميع، وجد يوسف يجلس على كتبة ويتوسط أسيل وعمر الذان يضحكان بشدة على نكات قالها، أقترب منهم ووقف أمامهم وطلب من أسيل
"حاضر"
إن تفسح له المكان وجلس هو بينها وبين يوسف، فهم يوسف قصده وابتسم بفخر.
دخل خالد غرفة المكتب وأغلق الباب وتلقى الإتصال.
"أزيك يا حبيبتي عاملة أيه ؟"
ایه یا خالد مش جي ولا أيه؟"
"معلش يا حبيبتي أصل عندي ضيوف هنا مش هينفع أجي معك النهاردة."
يعني ايه يا خالد؟ اروح للدكتورة لوحدي ؟ "
يا حبيبتي خدي ماما معك، مش هي جنبكم هناك "
لحاضر يا خالد ها خد ماما معي، لكن مش علشان انت عندك اولاد مش مهم بالنسبة لك أني
اخلف أنا كمان. أنا من حقي أني أكون أم"
يا حبيبتي، وأنا ما قولتش حاجة من حقك طبعا وإن شاء الله هتبقي أم وقريب، وأنا بروحمعك في كل ميعاد للدكتورة وينفذ كل كلامها، لكن النهاردة عندي ضيف وما ينفعش أسيبه. وانت اصلا عند أهلك يعنى الدكتورة مفيش عشر دقائق وتبقى عندها مش بعيدة عنك "
ماني يا خالد مروح للدكتورة مع ماما. لكن ده واجبك أنت مش مامل"
"عارف يا..."
نظر خالد للهاتف ووجد إلهام أنهت الإتصال تنهد واستغفر ربه وخرج من غرفة المكتب وتوجه ليوسف وزوجته وأولاده.
