رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الثاني بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
كان نايم على ضهره، فالدم اتجمع في ضهره. ده طبيعي.
بس اللي مش طبيعي، واللي خلاني أبرق وأقرب وشي من جسمه، كان عند منطقة "اللوح" بتاع الكتف، ومنطقة أعلى الدراع من ورا
كان فيه بقع بيضا.
الرسوب الدموي بيبقى لونه غامق، بس لو فيه حاجة ضاغطة على الجلد وقت الوفاة ولمدة بعدها، الدم مبيوصلش للمنطقة دي، فبتفضل بيضا.
البقع البيضا دي كانت واخدة شكل غريب. مش شكل ملاية مكرمشة، ولا شكل زرار في المرتبة.
شكلها كان عامل زي ما يكون "صوابع".
بصمة باهتة جداً وممسوحة لحد ضاغط بكف إيده وصوابعه على كتف "شاهر" ومثبته في المرتبة.
رجعت الجثة لوضعها بسرعة. وبصيت للدكتور.
* يا دكتور.. شوفت اللي في ضهره؟
* أه يا باشا.. ده الرسوب الدموي.. عادي جداً.
* لا مش عادي.. فيه ضغط على الكتاف. كأن حد كان دايس عليه.
* يا سيادة المقدم جايز من المرتبة.. جايز كان ساند على حاجة. مفيش دليل جنائي واضح. الراجل مفيش فيه خربوش واحد!
طلعت موبايلي من جيبي، وصورت الجثة من كذا زاوية، وركزت الكاميرا على منطقة الكتف والرقبة. وبعدين صورت وش "شاهر" وصورت الكومودينو وكوباية الميه.
حسيت بإنذار خطر بيرن في دماغي. الإحساس ده عمره ما خيب معايا. فيه جريمة حصلت في الأوضة دي. بس معمولة بذكاء وبدون عنف.
نزلت تحت تاني. "تيا" كانت لسه قاعدة مكانها، قربت منها، وملامح وشي كانت أجمَد من الأول، قولتلها:
• مدام تيا.. إنتِ قولتيلي إنك كنتِ ممرضة زمان، صح؟
رفعت وشها، وردت عليا بهدوء:
* أيوه.. كنت بشتغل في مستشفى استثماري قبل ما أتجوز شاهر بيه. بتسأل ليه؟
* مجرد سؤال للتعارف.. بالمناسبة، مين اللي شغل التكييف في الأوضة؟
* هو.. هو اللي شغله قبل ما ينام. كان دايماً بيحس بحر حتى في الشتا.
سكت لحظة، وبصيت حواليا في الفيلا. الخدم واقفين بعيد، رجعت بصيت لتيا وقولتلها:
• مدام تيا.. أنا آسف، بس أنا مضطر أتحفظ على الجثة، ومش هقدر أطلع تصريح دفن دلوقتي.
وقفت مرة واحدة، وصوتها علي لأول مرة لما ردت وقالت:
* إنت بتقول إيه؟ جوزي مات موتة طبيعية.. إنت عايز تبهدله في المشرحة ليه؟ إكرام الميت دفنه يا حضرة الظابط.
* وده شغلي يا هانم. فيه حاجات في المعاينة مش مريحاني. ولازم الطب الشرعي يقول كلمته.
* أنا هتصل بالمحامي.. وهكلم مدير الأمن.
* كلمي اللي تكلميه.. الجثة هتتنقل مشرحة زينهم دلوقتي، والنيابة هي اللي هتقرر.
طلعت تليفوني واتصلت بـ "دكتور نيار الشريف"
زميل دراسة وصديق، وشغال طبيب شرعي، شاطر دماغه توزن بلد، بس لاسعة منه شويتين، أول ما رد دار بينا الحديث كالآتي:
* ألو.. نيار.
* صخر؟ إنت عارف الساعة كام؟
* فوق يا نيار. عندي جثة رايحالك. راجل أعمال كبير، والظاهر إنها وفاة طبيعية.. بس أنا شامم ريحة مش عاجباني.
* ريحة إيه؟ لوز مر؟ (كان يقصد السيانيد).
* لا.. ريحة غدر. الجثة فيها علامات ضغط غريبة في مناطق الرسوب الدموي، ومراته ممرضة سابقة، ومشغلين تكييف تلاجة في عز طوبة عشان يبردوا الجسم بسرعة. أنا حاسس إننا بنتعامل مع حد فاهم طب كويس.
* ابعتهالي.. بس لو طلعت وفاة طبيعية، أنا اللي هكتب فيك مذكرة إنك صحيتني الفجر.
قفلت مع نيار. وبصيت لـ "تيا" اللي كانت قاعدة بتفرك في إيديها وبتتكلم في التليفون بصوت واطي وعصبي.
أنا عارف النظرة دي. نظرة واحد حاسس إن الخطة المحكمة بتاعته.. بدأ يظهر فيها شرخ صغير.
الشرخ ده هو أنا.
مشيت ناحية الباب عشان أكلم الإسعاف تنقل الجثة، بس قبل ما أخرج، وقفت وبصيت على ترابيزة صغيرة في المدخل، كان عليها صورة لـ "شاهر" وهو بيضحك وماسك كاس عصير، وجنبه "تيا" بتبتسم ابتسامة باهتة.
يا ترى إيه اللي حصل في الأوضة اللي فوق دي؟ وإزاي راجل صحته كويسة يموت فجأة من غير أي مقاومة وهو متثبت في السرير؟
اللغز كله في "البقع البيضا" اللي على كتافه. والإجابة عند دكتور نيار الشريف.
***
في مشرحة زينهم..
كنت قاعد في مكتب "نيار"، ماسك كوباية قهوة ورق بردت في إيدي بقالها ساعة. المكتب مكركب كالعادة، كتب ومراجع طبية مرمية في كل حتة، وعينات في برطمانات إزاز، وصور أشعة متعلقة على "اللايت بوكس" اللي منور ورا المكتب.
الباب اتفتح ودخل نيار، كان لسه قالب وشة ولابس الأبرول الأخضر بتاع العمليات، والكمامة مدللدلة على رقبته. نيار شخصية غريبة، دكتور عبقري بس عصبي، شعره دايماً منكوش، وعينه تحتها سواد من قلة النوم.
رمى الجوانتي بتاعه في السلة وقعد على الكرسي بتقل، وهو باصصلي وبيقولي:
• إيه يا عم صخر.. جايبلي لغز على الصبح وتقولي صاحبي وحبيبي؟
عدلت قعدتي ورميت كوباية القهوة في الزبالة، ورديت عليه:
• ها؟ طمني. الراجل مات إزاي؟
نيار ولع سيجارة، وده كان المسموح الوحيد في مملكته الخاصة، وبصلي بنظرة ذات مغزى وقال:
* بص يا سيدي.. مبدئياً كده، حدسك الشرطي المرة دي طلع في محله، بس مش بالسهولة اللي إنت متخيلها.
* يعني مماتش سكتة قلبية؟
* هو قلبه وقف فعلاً.. بس القلب مش بيقف لوحده كده وهو نايم ومرتاح إلا لو فيه سبب قهري. التشريح المبدئي للقلب بيقول إن الشرايين التاجية كويسة جداً بالنسبة لراجل في سنه، مفيش جلطات، مفيش ضيق يستدعي الوفاة المفاجأة دي.
نيار قام وقف وشاورلي أجي وراه. خرجنا من المكتب للممر الطويل اللي بيودي لقاعة التشريح وهو بيقولي:
• تعال أوريك حاجة.. عشان تفهم أنا بتكلم في إيه.
دخلنا القاعة.. الجو كان تلج. "شاهر الزيات" كان ممدد على الترابيزة الاستانليس، جسمه مفتوح بالطريقة الـمعتادة في التشريح، بس نيار كان مغطيه بملاية خضرا وكاشف بس الجزء اللي يهمنا.
نيار شاور على منطقة الكتاف اللي أنا شوفت فيها البقع البيضا.
* شوفت دول؟ دي مش مجرد ضغطة مرتبة يا صخر. دي فعلاً آثار تثبيت فيه كدمات نزيف دقيقة جداً تحت الجلد مش هتبان غير بالتشريح المجهري، بس بالعين الخبيرة، دي آثار صوابع. حد كان دايس عليه بقوة عشان يمنعه يتحرك.
* طب ليه مقاومش؟ الراجل جسمه عافي، ولو حد بيثبته كان هيزقه، يخربشه، يعمل أي رد فعل!
نيار ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
• وهنا يكمن اللغز.. مفيش أي دليل مادي للمقاومة. ضوافره مفيش تحتها جلد غريب، مفيش كدمات دفاعية على دراعاته. الراجل ده كان مشلول وهو بيموت.
الكلمة رنت في ودني. "مشلول".
* تقصد إيه؟ كان واخد مخدر؟
* استنى عليا.. لما فتحت الرئة، لقيت فيها احتقان شديد جداً، ونزيف بسيط في الحويصلات الهوائية. العلامات دي بنشوفها في حالات الاختناق. كأن حد كتم نفسه، أو كأنه غرقان بس من غير ميه. عضلات القفص الصدري وقفت فجأة عن الشغل، فالرئة معرفتش تاخد أكسجين، والقلب فضل يضخ دم لحد ما انفجر من الضغط ووقف.
* يعني اتخنق؟
* لا.. مفيش علامات خنق على الرقبة. مفيش كسر في العضم اللامي. الخنق هنا كان كيميائي.
نيار راح ناحية دولاب أدوات، وجاب عدسة مكبرة وكشاف نور قوي وبدأ يقول بحماس:
* أنا دورت في جسمه كله على مكان حقن. دراعاته، بين صوابع رجليه، فروة راسه.. مفيش أي شك خرم إبرة. القاتل محترف يا صخر، محترف جداً وعارف بيعمل إيه.
* أمال المادة دي دخلت جسمه إزاي؟
* الطب الشرعي مش بس تشريح جثث.. الطب الشرعي تخيل لسيناريو الجريمة. القاتل ده عارف إن الحقن في الجلد بيسيب أثر، وعارف إن المعدة ممكن نغسلها ونحلل محتوياتها ونعرف لو فيه سم. فكان لازم يختار طريق تالت. طريق سريع، وبيمتص المادة في ثواني، والأثر بتاعه بيختفي بسرعة لأن الأغشية المخاطية بتجدد نفسها.
نيار بدأ يفتح بق الجثة. وسلط النور تحت اللسان.
• قرب يا صخر.. بص هنا.
قربت وبصيت بتركيز. تحت اللسان، في المنطقة اللي فيها عروق زرقا ورفيعة، كان فيه نقطة حمرا دقيقة جداً، أصغر من راس الدبوس، وحواليها دايرة زرقا باهتة لا تذكر.
* دي إيه؟
* دي شكة إبرة "أنسولين".. أرفع أنواع الإبر. الحقن تحت اللسان بيوصل المادة للدم مباشرة في أقل من دقيقة.
