رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث 3 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث 

في صباح يوم جديد…
كان الضوء الخافت المتسلل من خلف الستائر يزحف ببطء داخل الغرفة، يعلن بداية يوم جديد دون أن يمنح صاحبة الغرفة أي رغبة في الاستيقاظ.
كانت رنيم غارقة في نوم متقطع، جسدها ساكن فوق الفراش بينما عقلها لم يهدأ طوال الليل، ظلت تتقلب بين الحين والآخر، وكأن شيئًا في داخلها يرفض أن يمنحها راحة حقيقية.
وفجأة، قطع ذلك الهدوء صوت رنين الهاتف الموضوع بجانبها.
رنة حادة اخترقت الصمت، تلتها أخرى، ثم ثالثة.
تململت رنيم بضيق، وتحركت يدها ببطء فوق الفراش تبحث عن الهاتف دون أن تفتح عينيها، التقطته أخيرًا وهي ما زالت غارقة بين النوم واليقظة، ثم ضغطت على زر الاستجابة وقالت بصوت ناعس متثاقل:
"أيوة مين معايا؟"
لم يأتي الرد مباشرة، بل سبقته لحظة صمت قصيرة، وكأن المتصل يتأمل صوتها أولًا.
ثم جاءها صوت رجولي عميق يقول بهدوء:
"صوتك حلو اوي وانتي لسه صاحية من النوم."
فتحت رنيم عينيها فورًا.
اختفى النعاس من ملامحها في لحظة، واعتدلت قليلًا في الفراش وهي تنظر إلى شاشة الهاتف بسرعة.
لم يكن اسمًا محفوظًا، مجرد رقم.
عادت تضع الهاتف على أذنها مرة أخرى وقالت بنبرة حذرة متسائلة:
"مين معايا؟"
جاءها الرد في هدوء ثابت:
"شاهين الراوي."
ما إن سمعت اسمه، حتى أغلقت عينيها بقوة، وكأن الاسم وحده قادر على إشعال غضب كامن داخلها.
اشتدت قبضتها على الهاتف، ثم قالت من بين أسنانها بنبرة محتقنة:
"انت جبت رقمي منيييين؟"
لم يتغير صوته، بل ظل هادئًا بشكل مخيف، وهو يجيبها:
"أنا أقدر اجيب رقمك وأجيبك انتي شخصيًا، يعني مش بعيد تلاقيني عندك دلوقتي فى الاوضة."
اتسعت عيناها بصدمة وغضب في آنٍ واحد.
شعرت وكأن كلماته تسللت إلى الغرفة حولها، وكأن وجوده أصبح أقرب مما ينبغي.
لكنها لم تسمح لذلك الشعور أن يظهر.
بل قالت بنبرة تحذيرية صارمة:
"أقسم بالله لو محترمتش نفسك وبعد عني وبطلت شغل المراهقين ده، ليكون ليا معاك تصرف مش هيعجبك، فاااهم."
لم تنتظر ردًا.
أنهت كلامها فورًا، وأغلقت الخط بعصبية.
ظلت تحدق في الهاتف للحظة، صدرها يعلو ويهبط مع أنفاس متسارعة.
أخرجت زفرة غاضبة، ثم اعتدلت في جلستها فوق الفراش، ومررت يدها داخل شعرها تدفعه إلى الخلف محاولة تهدئة نفسها.
لكنها كانت تعرف جيدًا، أن ذلك لن يحدث بسهولة، وفي تلك اللحظة، بدأ صوت طرقات مزعجة على الباب.
طرقات سريعة متتالية، كأن صاحبها لا يعرف معنى الصبر.
وقبل أن تنطق رنيم بأي كلمة، انفتح الباب ودخلت جواهر كالإعصار الصغير، بابتسامتها الواسعة المعتادة.
وقفت في منتصف الغرفة، ثم بدأت تدندن بصوت مرح وهي تدور حول نفسها:
"صبح الصباح فتاح يا عليم، و الجيـب مافهشى ولا مليــم، مين فى اليومين دول شاف تلطيم، زى الصنايعيه المظاليم، الصبر امره طال، و ايش بعد وقف الحال، ياللى معاك المال، برضه الفقير ليه رب كريم، ما تشد حيلك يا بوصلاح، اضربها صرمه تعيش مرتاح، خلي اتكالك على الفتاح، يلا بينا يلا الوقت اهو راح."
اقتربت منها فجأة، وأمسكت يدها بقوة وأجبرتها على الوقوف من الفراش، وهي تكمل تندنتها بحماس أكبر وتحاول أن تجعلها ترقص معها:
"الحلوه دى قامت تعجن فى البدريه، و الديك بيدن كوكو كوكو فى الفجريه، يلا بينا على باب الله يا صنايعيه، يجعل صباحك صباح الخير يا اسطا عطيه."
زفرت رنيم بنفاذ صبر واضح، ثم قالت بضيق:
"يا بنتي هتعقلي امتى؟ أنا تعبت."
لكن جواهر لم تتوقف.
بل ظلت تدور في الغرفة بسعادة، وشعرها يتطاير حولها وهي تقول بمرح:
"أعقل ليه وانا حبه حياتي كدة، بحب شخصيتي الفرفوشة النعنوشة، مش غم زيك يا بنت خالي."
وما إن أنهت كلماتها، حتى تعثرت قدمها فجأة في طرف السجادة.
سقطت على الأرض بقوة وهي تتألم.
تجمدت للحظة، ثم تأوهت بصوت مرتفع.
نظرت إليها رنيم، وعلى الرغم من ضيقها، إلا أن ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تقول:
"ربنا يهديكي يا بنتي، والله العظيم انتي خسارة فى الزفت ده، ربنا يفتح عيونك وتبعدي عنه."
ما إن فهمت جواهر المقصود، حتى اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
نهضت قليلًا من مكانها وقالت بضيق واضح:
"بعد الشر، رنيم هزعل منك بجد، كله إلا جواد انتي عارفه هو بالنسبه ليا أيه."
نظرت لها رنيم بضيق دون أن ترد.
ثم استدارت ببساطة واتجهت نحو المرحاض.
وقفت جواهر مكانها للحظة، وشعور بالاختناق يضغط داخل صدرها من طريقة كلام رنيم عن جواد.
أخفضت عينيها قليلًا، ثم خرجت من الغرفة بهدوء وتركتها.
بعد وقت…
خرجت رنيم من المرحاض، وشعرها مبلل قليلًا، ووجهها أكثر هدوءًا.
نظرت حولها داخل الغرفة.
لم تجد جواهر.
تنهدت بصمت، ثم بدلت ملابسها بسرعة وخرجت من الغرفة.
اتجهت نحو طاولة الطعام حيث كان الجميع مجتمعين.
وقفت عند المدخل قليلًا ثم قالت:
"صباح الخير."
ابتسموا لها، وردت سمية بنبرة مليئة بالحنان:
"صباح النور يا حبيبتي."
جلست رنيم، ثم نظرت إلى حسام وقالت بأسف صادق:
"أنا اسفه يا اونكل مقصدش اعصى كلامك ولا أخسر الشركة، بس انا كنت بدور على مصلحتها وكنت شايفه أننا أحق بالمناقصة دي اكتر من شاهين."
رفع حسام عينيه إليها.
كانت نظرته تحمل حنوًا أبويًا واضحًا، ثم قال بهدوء:
"يا حبيبتي أنا مبسوط بيكي علشان شايف نفسي فيكي، بس الفرق بيني وبينك أني بحسبها مليون مرة قبل ما أخد أي خطوة زي دي، أنا عارف انك لسه هتتعلمي وكتير هتغلطي، بس انا عايز لما اقابل وجه كريم، اكون كملت مهمتي، وقدرت اخد بأيدك لاول الطريق الصح، علشان لما اقابل ابوكي اكون وافيت بوعدي ليه."
اتسعت عينا رنيم قليلًا وقالت بلهفة صادقة:
"بعد الشر عنك يا اونكل، ربنا يبارك فى عمرك ويخليك لينا."
ابتسم لها بحنو وقال:
"يا حبيبتي دي الحقيقه الوحيدة اللي فى حياتنا، وكلنا لينا ساعة، المهم ملكيش دعوة بموضوع شاهين ده، أنا هحاول أحله وانتي ركزي فى شغلك كويس."
أومأت برأسها وقالت بهدوء:
"حاضر يا اونكل."
ثم اعتدلت في جلستها فجأة وقالت:
"هروح انا بقى علشان متأخرش."
تكلمت سمية بسرعة:
"يا بنتي اقعدي كلي، انتي مأكلتيش حاجة."
لكن رنيم هزت رأسها رافضة وقالت:
"معلش يا عمتو مليش نفس."
ثم التفتت إلى جواهر وسألت:
"جوجو مش هتيجي معايا."
أجابت جواهر بصوت مختنق قليلًا:
"لا هستنى جواد هيجي يخدني."
اقتربت رنيم منها فورًا واحتضنتها بقوة، ثم قالت بصوت هامس مليء بالأسف:
"أنا اسفه متزعليش مني."
أغلقت جواهر عينيها للحظة، ثم تمسكت بها بقوة وقالت بمزاح خفيف:
"مشكلتي اني بحبك يا بنت خالي ومش بقدر ازعل منك."
ابتسمت رنيم، وقبلت خدها بخفة، ثم تحركت نحو الباب.
لكن صوت جواهر أوقفها:
"استني هروح معاكي."
استدارت رنيم لها، ورفعت أحد حاجبيها بدهشة وقالت:
"طيب وجواد؟"
رفعت جواهر كتفيها بلا مبالاة وقالت:
"جواد اصلا نايم وفى سابع نومه."
ثم أمسكت ذراعها بمكر وقالت:
"والنبي يا نسوان ما لينا الا بعضينا."
حركت رنيم رأسها بيأس من تلك البلوة التي لا تتغير أبدًا.
ثم خرجتا معًا من الفيلا.
صعدتا إلى السيارة، جلست رنيم خلف المقود، أدارت المحرك، ثم تحركت بهما في الطريق نحو الشركة، بينما يوم جديد مليء بالمفاجآت كان في انتظارهما.
   ****************************
تجمعت عائلة غريب حول طاولة الطعام في الصباح، لكن على غير العادة لم يكن هناك ضجيج أو مزاح، بل خيم صمت ثقيل على المكان، وكأن كل واحد منهم غارق في أفكاره الخاصة.
ظل غريب يتأمل الجالسين أمامه قليلًا، ثم استقرت نظراته على أروى، وقال بتساؤل هادئ لكنه واضح:
"مين اللي انتي كنتي جايه معاه بالعربية امبارح ده؟"
قبل أن تنطق أروى بأي كلمة، سارعت ترنيم بالإجابة وكأنها كانت تنتظر السؤال:
"ده أحمد أخو مرات تامر، لسه راجع من أمريكا، وهي راحت تزور خالها امبارح وتامر خلاه يوصلها بعربيته."
رفعت أروى حاجبها إلى الأعلى، ونظرت إلى والدتها بنظرة مليئة بالتهكم قبل أن تقول:
"هو خالو لحق يبلغك؟ مش بيتبل في بؤقه فوله."
لم تعجبه نبرتها الساخرة، لكن قبل أن يرد، تكلم جواد بنبرة غاضبة وهو ينظر إليها بحدة:
"وليه جيتي معاه؟ فين عربيتك؟"
زفرت أروى بضيق وقالت ببرود:
"خالو تامر أخدها علشان عربيته كانت عند الميكانيكي."
وفي تلك اللحظة، دوى جرس الباب في أرجاء المنزل.
تحركت الخادمة سريعًا لفتحه، وبعد لحظات دخل تامر إلى الداخل بخطواته الواثقة المعتادة، واقترب منهم بابتسامة واسعة وهو يقول بمزاح:
"أنا شكل حماتي بتحبني، ولا إيه؟"
ابتسمت ترنيم فور رؤيته وقالت بنبرة حنونة:
"ما لازم تحبك، فيه حد يكون عنده جوز بنت عسل كده وميحبوش؟"
اقترب منها تامر وقبل رأسها بحب وقال:
"والله انتي اللي عسل وقمر كمان."
تكلمت أروى بتذمر وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
"على طول قولتلها إن كنت عندك امبارح، خال فتان."
تعالت ضحكات تامر، ثم اقترب منها وعبث بشعرها كعادته وقال بمكر:
"يا بت ده أنا سرك، متقلقيش، أنا بس كنت بطمنها إنك كنتي عندي وأحمد بيوصلك علشان متقلقش عليكي."
ثم التفت إلى غريب الذي كان يجلس بهدوء وقال باحترام:
"منور يا أبو نسب."
استقام غريب قليلًا في جلسته وقال:
"بنورك، انت مش غريب، البيت بيتك."
ثم وقف من مكانه وأضاف:
"هروح أنا بقى الشركة."
انحنى قليلًا وقبل رأس ترنيم قبل أن يغادر المكان.
ظل تامر يتابعه بعينيه للحظة، ثم التفت إلى جواد وقال بنفاذ صبر مصطنع:
"نفس سحنة أبوك، مافيش مرة أشوفك بتضحك فيها."
ابتسم جواد ابتسامة خفيفة وقال بضيق:
"كفاية ضحكت حبيبة خالها، هنبقى إحنا الاتنين؟"
ابتسم تامر على كلماته الطفولية وقال بمزاح:
"إيه ده، انتي بتغيري يا بيضة؟"
رفع جواد حاجبيه للأعلى وقال بتهكم:
"بيضة؟! انت بدلع طفل في كي جي تو؟"
حركت ترنيم رأسها بعدم تصديق وقالت وهي تبتسم:
"يا ابني انت وهو، هتفضلوا ناقر ونقير مع بعض كده على طول؟"
تعالت ضحكات تامر، ثم قال بنبرة حب صادقة:
"نتناقر آه، بس هيفضلوا الاتنين حبايب قلبي وولادي اللي مجبتهمش."
اقترب جواد منه وقبل رأسه بحب وقال:
"ربنا يخليك لينا يا خال."
ثم نظر إلى والدته وقال:
"هروح أنا بقى، سلام."
تحرك جواد نحو الباب وغادر المكان.
وقفت أروى بدورها وقالت وهي تلوح بيدها:
"شخلل بالمفاتيح، انت هتضرب عليها ولا إيه؟"
ضحك تامر وأخرج المفاتيح من جيبه وأعطاها لها قائلاً:
"خدي يا أختي، ربنا ما يحوجني ليكي."
أخذتها منه سريعًا، ثم وضعت قبلة على خده وقالت بمزاح:
"عسل يا أخواتي."
ثم ركضت نحو الباب وغادرت المكان.
ظل تامر يتابعها بابتسامة حتى اختفت من أمامه، ثم التفت إلى ترنيم فجأة وقال بنبرة جادة:
"ترنيم، صاحبي بنتك. هي محتاجة ليكي دلوقتي، بدل ما يحصل حاجة وانتي نايمة على ودانك ومش حاسة."
نظرت إليه بقلق وقالت بتساؤل سريع:
"ليه؟ هو فيه حاجة حصلت من ورايا؟"
هز رأسه نافيًا وقال بهدوء:
"مش لازم تستني لما يحصل، سنها دلوقتي خطر، وعايزة عقل ناضج ياخد بإيديها لبر الأمان، وانتي أكتر واحدة تقدري تعملي كده، لأنك أمها، وعارفة بنتك أكتر من أي حد تاني."
أومأت ترنيم برأسها ببطء وقالت بتوتر:
"عندك حق، أنا أهملتها الفترة اللي فاتت دي، هبقى بليل أقعد أتكلم معاها شوية."
هز رأسه مؤكدًا وقال:
"بالظبط كده، النهاردة ضروري تقعدي تتكلمي معاها، أنا طبعًا بسمعها أول بأول وبنصحها على طول، بس مهما كان أنا خالها وراجل، مش هفهم أوي في أمور البنات دي."
ابتسمت له بامتنان وقالت:
"فهمت يا حبيبي، ربنا يخليك لينا على طول في ضهري أنا وأولادي، ربنا ما يحرمنا منك أبدًا يا رب."
استقام في وقفته، واقترب منها وأمسك يدها وقبلها بحنو وقال:
"إحنا ملناش إلا بعض يا ترنيم، وأنا عايش حياتي علشانكم أنتوا ومراتي. مش عايز حاجة من الدنيا."
تنهدت ترنيم بوجع خافت، ثم قالت بتساؤل:
"أخبار متابعتك إيه مع الدكتور؟"
تغيرت ملامح تامر قليلًا، ونظر إليها بحزن قبل أن يقول:
"قالي معنديش أي مانع إني أخلف، ومراتي برضه عملت تحاليل كتير أوي، وكلها بتثبت إنها سليمة ومستعدة للحمل في أي وقت."
توقف قليلًا، ثم أكمل بصوت منخفض:
"بس كل شهر بنفقد الأمل أكتر، أنا في الأول كنت فاكر إن سني ممكن يكون عائق، بس الدكتور قالي لو عندي مية سنة أخلف عادي، وزي ما انتي عارفة مراتي سنها صغير عني بكتير، ونفسها تكون أم، ومش بإيدي أي حاجة."
ربتت ترنيم على يده بحنو وقالت:
"إن شاء الله خير يا حبيبي، سيبها على ربنا. لسه العمر قدامكم، ومدام مافيش أي مانع يبقى هتيجي في أي وقت."
ربت هو الآخر على كتفها وقال:
"ونعم بالله، أنا صابر وراضي."
ثم نظر إليها وأضاف:
"هروح أنا بقى، محتاجة حاجة؟"
هزت رأسها قائلة:
"لا يا حبيبي، عايز سلامتك. خلي بالك على نفسك وانت سايق."
أومأ لها برأسه، ثم غادر المكان.
ظلت ترنيم واقفة مكانها للحظة تنظر إلى الباب الذي خرج منه، ثم تمتمت بدعاء صادق:
"ربنا يرزقك يا حبيبي بالذرية الصالحة، ويقر عينك بيها."
بعدها أخذت نفسًا عميقًا، واستقامت بجسدها، ثم صعدت ببطء إلى غرفتها.
   ****************************
بالشركة…
وصل حسام إلى الشركة بخطواته المعتادة، لكنه ما إن دخل إلى صالة الاستقبال حتى تفاجأ بوجود شاهين جالسًا أمام مكتب السكرتيرة، وكأنه كان ينتظره منذ وقت.
توقف حسام لحظة، ثم اقترب منه بابتسامة رسمية وصافحه قائلًا:
"نورت الشركة يا أستاذ شاهين، اتفضل معايا على مكتبي."
رد شاهين بنبرة رجولية هادئة:
"أنا جيت بنفسي علشان نوصل لحل نهائي لموضوع المناقصة ده."
ارتسم توتر خفيف على وجه حسام، لكنه قال:
"آه طبعًا، اللي حضرتك تشوفه. اتفضل ادخل."
تحركا معًا نحو المكتب.
دخل شاهين الغرفة، وأخذ يطالعها بعينيه ببطء، وكأنه يتفحص كل زاوية فيها. مرر نظره على التصميم والديكور بعناية، ثم قال بإعجاب واضح:
"ما شاء الله، تصميم المكتب جميل جدًا، وواجهة الشركة عجبتني."
جلس حسام خلف مكتبه وقال بنبرة فخر:
"كل ده شغل الباشمهندسة رنيم."
ارتسمت ابتسامة خفية على شفتي شاهين، وجلس على المقعد المقابل له واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ثم قال بنبرة تحمل معنى آخر:
"واضح إن الباشمهندسة رنيم، شاطرة في شغلها، وشاطرة في حاجات تانية كتير."
أومأ حسام برأسه بثقة وقال:
"رنيم متفوقة جدًا في شغلها، وحاليًا بعتمد عليها في كل حاجة، علشان واثق إنها قد الثقة دي."
تأمل شاهين وجهه لحظات طويلة، ثم مال قليلًا إلى الأمام وقال:
"أنا جاي أقدم ليك عرض."
سكت لحظة، ثم أكمل بهدوء مخيف:
"وافقت عليه، يبقى تمام، وموضوع المناقصة ده هعتبره خلص، وهتنازل عن حقي، وهتاخدوا دوركم عادي."
ثم ابتسم ابتسامة باردة وأردف:
"ما وافقتش، يبقى حقي هاخده منكم وبالزيادة، وكمان اسم شركات الدسوقي هيتمحي نهائي بإشارة مني."
نظر حسام إليه بضيق واضح وقال:
"عرض إيه ده؟"
ظل شاهين ينظر إليه لثواني، ثم أخرج سيجارًا كوبيًا فاخرًا وأشعله بهدوء. أخذ نفسًا عميقًا منه، ثم زفر الدخان في الهواء قبل أن يقول:
"محتاج الباشمهندسة رنيم، تيجي تشتغل عندي في الشركة. أنا محتاج واحدة زيها عندي."
اتسعت عينا حسام بصدمة، وقال بتوتر واضح:
"إزاي بس حضرتك؟! رنيم صاحبة الشركة دي، إزاي عايزها تسيب شركتها وتروح تشتغل عندك؟!"
هز شاهين كتفيه بلا مبالاة وقال:
"معرفش إزاي، ده شرطي، وانتوا عندكم حرية الاختيار."
اشتد الغضب في عيني حسام، وقال بصوت حاد:
"حضرتك تعمل اللي عايزه، بس رنيم مش هتروح تشتغل في شركات حد."
ابتسم شاهين بهدوء مرة أخرى، وزفر دخان السيجار في الهواء، ثم قال:
"أممم، أوك."
ثم أضاف وهو يحدق فيه:
"بس اسمع الرفض ده منها هي."
ضرب حسام بيده على سطح المكتب بغضب وقال:
"وأنا في مقام أبوها، وبقولك مش موافق! واللي عندك اعمله."
وفي تلك اللحظة، اندفعت رنيم إلى المكتب بعدما سمعت صوت حسام المرتفع، وقد أخبرها أحد الموظفين بوجود شاهين.
دخلت بأنفاس لاهثة وقالت بقلق:
"خير يا أونكل حسام؟ فيه إيه؟"
تحرك شاهين ببطء من مقعده واقترب منها، ثم نظر إليها بنظرة ذات معنى وقال:
"أهلا أهلا، باشمهندسة رنيم."
نظرت له بضيق واضح وقالت بغضب:
"انت جاي هنا تعمل إيه؟ قلتلك أعلى ما في خيلك اركبه، اخبط راسك في الحيط يا شاهين يا رواي."
أومأ برأسه بهدوء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة وهو يقول بنبرة مخيفة:
"ما أنا قلتلك، مش أنا اللي أخبط راسي في الحيط."
ثم اقترب خطوة أخرى وهمس ببطء:
"اللعب مع شاهين الراوي، بيخسر كتير يا قطة."
تدخل حسام بصوت غاضب:
"رنيم، روحي مكتبك."
التفتت إليه كأنها ستعترض، لكنه هدر بها بغضب أكبر:
"قلتلك روحي مكتبك، أخلصي!"
لكنها فجأة لاحظت أن لون وجهه قد تغير، وأن يده وضعت فوق صدره.
بدأ يتنفس بصعوبة واضحة.
اتسعت عيناها بصدمة، وركضت نحوه فورًا وأمسكت يده وهي تصرخ:
"أونكل حسام! رد عليا، أنكل حسااام!"
كل ذلك كان يحدث، تحت نظرات شاهين الباردة، وكأنه يشاهد عرضًا مسليًا.
التفتت إليه رنيم فجأة، وعيناها تشتعلان غضبًا، وصرخت فيه:
"اطلع بره!"
لكن شاهين ببساطة عاد وجلس على المقعد، ووضع قدمًا فوق الأخرى، وظل يراقب المشهد بلا مبالاة.
حركت رأسها بغضب شديد، ثم أمسكت الهاتف بسرعة وطلبت سيارة إسعاف، وبعدها اتصلت بسمية وجواهر.
أغلقت الهاتف، ثم عادت تمسك حسام وتدلك موضع قلبه وهي تقول بخوف شديد:
"أونكل حسام رد عليا بترجاك، أنا مش هقدر استحمل فراق حد تاني، أرجوك رد عليا!"
بعد دقائق، اندفعت سمية وجواهر إلى المكتب بدموع وانهيار.
سقطت جواهر على ركبتيها بجانب والدها، وأمسكت يده وهي تبكي:
"بابا رد عليا، أبوس إيدك افتح عيونك، بابا يا بابا رد عليا بقى!"
كانت سمية تربت على وجهه وهي تبكي بحرقة:
"حسام فوق يا عمري، وعشرتي الطيبة، رد عليا يا حسام، لو حصلك حاجة أنا أموت، حسااام!"
لكن شاهين، كان لا يزال جالسًا هناك.
بعينين باردتين، كأنه لا يرى دموعهم.
أخيرًا وصلت سيارة الإسعاف.
دخل المسعفون سريعًا، ووضعوا حسام على السرير النقال، ثم أسرعوا به إلى الخارج.
خرجت جواهر وسمية خلفه وهما يركضان باكيين.
كانت رنيم ستخرج خلفهم، لكن فجأة، أمسك شاهين بذراعها بقوة.
اقترب منها حتى أصبح صوته قرب أذنها مباشرة، وهمس بصوت بارد:
"دي البداية، ولسه اللي جاي دمار."
ثم أكمل ببطء:
"هسيبك تطمني عليه، ومن أول الأسبوع تنزلي تستلمي الشغل في شركتي."
تجمدت في مكانها وهو يضيف:
"متنسيش إنك انتي اللي بدأتي اللعبة يا صغنن."
نظرت إليه بكرهٍ شديد، ثم دفعته بقوة بعيدًا عنها، وركضت إلى الخارج بسرعة.
وقف شاهين مكانه لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة غاضبة.
استدار بعدها بهدوء، وخرج من الشركة، بعد أن أتم أول خطوة له في طريق، لا رجوع عنه.
     *************************
بالمشفى...
كان الممر الطويل غارقًا في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الأجهزة البعيد وخطوات متعجلة تمر ثم تختفي. الهواء بدا خانقًا رغم برودة المكان، وكأن القلق نفسه صار مادة تتنفس.
جلست سمية على المقعد المعدني البارد، وكتفاها يهتزان مع بكاء مكتوم لم تستطع السيطرة عليه. الدموع كانت تنهمر من عينيها بلا توقف، كأنها تحاول إغراق ذلك الخوف الذي ينهش صدرها. كانت تشبك يديها ببعضهما بقوة، وأصابعها ترتجف، بينما دقات قلبها تتسارع بشكل مؤلم، وكل فكرة في رأسها تدور حول احتمال واحد لا تريد حتى أن تفكر فيه، احتمال فقدان شريك عمرها.
أما جواهر، فكانت تقف بجوار باب غرفة الكشف، تسند رأسها إلى الحائط الأبيض خلفها كأنها تحاول الاحتماء به. عيناها محمرتان من كثرة البكاء، وأنفاسها متقطعة، وكل بضع ثواني يعلو صوت شهقة جديدة تهز جسدها. كانت تتخيل أسوأ الاحتمالات رغم محاولاتها اليائسة لإبعاد تلك الصور عن ذهنها، صورة والدها وهو يغيب عنها إلى الأبد.
اقتربت رنيم منها ببطء، وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها. لم تكن تعرف إن كانت تحاول مواساة جواهر، أم أنها تبحث عن شيء تتشبث به هي نفسها حتى لا تنهار، مدت ذراعيها واحتضنتها بقوة، تضمها إليها كأنها تخشى أن تسقط أرضًا إن تركتها.
تكلمت بصوت مختنق وقالت:
"أهدي يا جواهر أن شاءالله خير، والدكتور يخرج يطمنا عليه دلوقتي."
تعلقت جواهر بها بقوة أكبر، وكأنها وجدت فيها آخر خيط أمان. ارتجف صوتها وهي تبكي بلا توقف، وكلماتها تخرج بين شهقات موجعة.
أمسكت بها بقوة وتكلمت من بين شهقاتها:
"بابا لو حصله حاجه أنا هموت يا رنيم، أنا بنام وانا مطمنة علشان ببقى حاسة بنفسه في البيت، هو ضهري وسندي فى الدنيا، مش هقدر اتخيل حياتي من غيره والله."
وقبل أن تجد رنيم ردًا يهدئها، انفتح باب غرفة الكشف ببطء.
خرج الطبيب.
توقفت الأنفاس في الممر للحظة.
كانت ملامحه كافية لتقول كل شيء دون أن ينطق بكلمة. ذلك التعب الصامت في عينيه، تلك النظرة التي يعرفها من مروا بهذه اللحظة من قبل.
اقتربت منه رنيم بخطوات بطيئة، كأن الأرض أصبحت ثقيلة تحت قدميها. في داخلها كانت تعلم الحقيقة، تعرف تلك النظرة جيدًا، شعرت بها من قبل، عاشت ألمها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، بقي جزء صغير بداخلها يتشبث بأمل ضعيف.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تستعد لتلقي ضربة جديدة من القدر.
تكلمت بصوت متقطع:
"خ خير يا دكتور طمنا؟"
نظر لها بأسف وقال:
"البقاء لله."
تجمدت ملامحها للحظة، ثم حركت رأسها بالرفض بعناد، وكأنها تحاول دفع تلك الكلمات بعيدًا عن الواقع.
انفجرت الدموع من عينيها بغزارة، وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها التي أخذت تتصاعد رغماً عنها، لكن الألم كان أقوى من أي محاولة للصمت.
تكلمت بصررراخ وقالت:
"تاااني، هكون يتيمة تاني، هعيش نفس الاحساس تاني، طيب لما بابا مات انت عوضني عن موته، إنما دلوقتي مين هيعوضني مكانك، أنكل حسام ابوس ايدك قوم رد عليا متسبنيش لوحدي فى الدنيا أنا محتاجك."
الكلمات خرجت منها ممزقة، كأنها تنتزع من قلبها لا من لسانها.
سمية، التي كانت تراقب المشهد بعينين مذعورتين، لم تتحمل وقع الخبر. شعرت بالأرض تدور من حولها، ثم خارت قواها تمامًا وسقطت فاقدة الوعي.
أما جواهر، فقد اندفعت نحو الداخل بجنون، وكأن عقلها يرفض التصديق.
ركضت إلى السرير، وارتمت داخل أحضان أبيها البارد، تشبثت به بكل قوتها وكأنها تستطيع إعادته للحياة إن ضمته بقوة كافية. راحت تهزه بعنف وهي تبكي بهستيريا، كأنها تحاول إيقاظه من نوم عميق.
وقالت من بين شهقاتها:
"لا يا بابا اوعى تموت وتسيبني، مقدرش اعيش الدنيا من غيرك، فتح عيونك خدني فى حضنك ضمني، طبطب عليا زي ما متعوده منك، بابا رد عليا بقى."
في تلك اللحظة وصل جواد مسرعًا بعد أن وصله الخبر. وما إن اقترب من الغرفة حتى اخترق أذنيه صوت صراخ جواهر الممزق.
تسارع نبضه وركض إلى الداخل، وعندما رأى المشهد أمامه، شعر بقلبه يضيق.
اقترب منها بسرعة وأمسك ذراعها بلطف لكنه بحزم، وأجبرها على الوقوف رغم مقاومتها.
تكلم بنبرة هادئة:
"أهدي يا جواهر، ادعيله بالرحمه، هو دلوقتي بين ايادي الله، عارف ان الفراق صعب، بس ده عمره وانتهى ومحدش ليه فى نفسه حاجه."
التفتت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وتشبثت به كأنها تغرق وتبحث عن طوق نجاة.
أمسكت به بقوة وتكلمت بصراخ:
"بابا مات يا جواد، مات وسابنا فى الدنيا لوحدينا، مش هقدر اعيش من غيره والله، الدنيا هتكون صعبه."
شدها إليه أكثر، يحتضنها بقوة محاولًا أن يمنحها شيئًا من الأمان وسط ذلك الانهيار.
"أنا موجود، ومعاكي يا جواهر فى ضهرك، وهكون امانك، ادعيله بالرحمة، وان ربنا يصبرك على فراقه."
لكن جسدها لم يحتمل أكثر، راحت تهز رأسها بهستيريا، وأنفاسها تتسارع حتى تلاشت قوتها فجأة، وانهارت فاقدة الوعي داخل أحضانه.
في الخارج…
اقتربت ترنيم من رنيم التي كانت جالسة على الأرض، منهارة كأن الحياة انسحبت منها دفعة واحدة.
انحنت بجوارها، ودموعها تلمع في عينيها.
تكلمت من بين دموعها وقالت:
"أهدي يا حبيبتي، ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه."
لكن رنيم انفجرت فجأة وكأن شيئًا بداخلها تحطم تمامًا.
تكلمت بصراخ وقالت:
"ابعدي عني ملكيش دعوة بيا، لتاني مرة اكون يتيمة، عيشتها اول مرة بسببك، ااااه يارب الصبر من عندك يارب."
تنهدت ترنيم بوجع، وكأن الكلمات أصابتها في قلبها، لكنها لم ترد. اكتفت بأن تربت على كتفها بحنان.
وقالت بهدوء:
"ربنا يهونها عليكي ويصبرك يا حبيبتي."
ثم تركتها واتجهت إلى غرفة سمية لتطمئن عليها.
وقفت أروى على بعد خطوات، تراقب المشهد بعينين مضطربتين. لم تكن بارعة في المواساة، لكنها لم تستطع المغادرة دون أن تقول شيئًا.
اقتربت منها ببطء وقالت:
"ربنا يرحمه، أنا حاسه بيكي وعارفة أنها صعبه عليكي، بس ده عمره، انا مش عارفه المفروض اية بيحصل فى المواقف دي، بس مش حابة اشوفك بالضعف ده، أنا طول عمري بشوفك قوية وحابة شخصيتك دي جدا، علشان كده ارجوكي اقوي وأرجعي احسن من الاول."
ثم ربتت على كتفها برفق، واستدارت وغادرت الممر.
بقيت رنيم جالسة للحظة، تحدق في الفراغ أمامها، والدموع لا تزال تنساب على وجهها.
لكن شيئًا ما تغير داخلها.
رفعت رأسها ببطء، وكأن كلمات أروى أشعلت شيئًا نائمًا في أعماقها.
نهضت فجأة من على الأرض، ومسحت دموعها بعنف بكم ملابسها، كأنها تمحو معها لحظة الضعف.
ارتسمت في عينيها نظرة حادة، ممتلئة بالغضب والوعيد.
ونظرت أمامها بتوعد وقالت:
"ورحمة الغاليين لادفعك التمن غالي اوي، يا شاهين."
      

تعليقات