رواية هوس لا ينطفئ ( لعنه الجوكر) الفصل الثاني 2 بقلم مايا النجار



 رواية هوس لا ينطفئ ( لعنه الجوكر) الفصل الثاني بقلم مايا النجار

لم تكن الصرخة التي شقت سكون المكان مجرد صوت بل كانت تمزيق لروح غفران وهي ترى جسد طارق يرتطم بالارض ثم يسقط كجثة هامدة جمدت الدماء في عروقها واتسعت عينيها برعب وهي لا تستوعب ما حدث نظرت للسياره التي سارت بأقصى سرعة بمجرد ان استهدفت طارق ولم تستطع غفران أخذ أرقامها بينما بدأت خيوط الدم ترسم على طريق الأسفلت اندفعت نحوه بجنون سقطت على ركبتيها بجانبه دون أن تشعر بالألم كانت تصرخ باسمه بانهيار: طااااارق رد عليا يا طارق لااااا يا حبيبي قوم قوم كلمني

مدت يدها المرتعشة لتمسح الدماء التي غطت وجهه وملابسها تلطخت باللون الأحمر لم تنتظر طويلاً وهي تراه يفقد الوعي بل التفتت حولها بوجه شاحب وعيونها تلمع بدموع وخوف واخذت تصرخ في الرجال المتجمعين حولها: إنتو لسه واقفين تتفرجوا شيلوه معايا حد يشيله للعربية بسرعة خطيبي بيموت يا عالم إلحقووووني

تحرك شابان من الموجودين بسرعة تحت تأثير صرختها وحملوا جسد طارق الواهن ب حذر بينما كانت غفران تسند رأسه بيديها الملطختين بالدماء وهي تنتحب وتهمس بجانبه:بالراحه عليه بالله عليكم بالراحه استحمل يا طارق خلاص هنروح المستشفى

وضعوه في المقعد الخلفي للسياره فقفزت هي خلف المقود واخذت تقود السياره بحركات هستيرية يداها ترتجفان لدرجة كادت ان تفقد السيطرة على المقود لكن غريزة البقاء منحتها ثبات مؤقتا انطلقت بالسيارة وعينيها معلقه بالمرآة تراقب وجهه الشاحب وتصرخ بجنون: طارق انت سامعني استحمل يا حبيبي مش هسيبك تروح مني والله ما هسيبك يا طارق

وبعد فتره قصيره لكنها مرت عليها كسنوات عديده وصلت الي المستشفى نزلت بسرعه وأخذ صراخها يسبق خطواتها وهي تهتف بأعلى صوتها: حد يلحقني طارق هيروح مني حد يلحقني

أتى الممرضين بسرعه نحو طارق أنزلوه من السياره واخذوه بينما كانت غفران تركض خلفهم بجسد يرتجف وخطوات غير متزنة وصوت أنفاسها العالية يملأ الممر الطويل كانت تمد يدها في الهواء وكأنها تحاول الإمساك به قبل أن يختفي خلف تلك الأبواب توقفت فجأة حينما منعها أحد الممرضين من التقدم وهو يهتف بحزم:
ممنوع يا انسه استني هنا لو سمحتي مش هينفع تدخلي العمليات

تراجعت غفران للخلف بخطوات مهزوزة وسندت ظهرها على الحائط البارد ثم انهارت ببطء حتى جلست على الأرض ولم تهتم بنظرات الناس حولها ولا بفستانها الذي غطته بقع الدماء نظرت إلى كفيها الملطخين بدمه وشعرت وكأن الدنيا توقفت عند لحظة الحادثة لتهمس بصوت مكسور يخنقه البكاء:
قالي هعمل مكالمة وراجع ازاي وصل لهنا اي الي حصل يارب ماتكسرنيش الكسرة دي

في تلك اللحظة رن هاتفها في حقيبتها فأخرجته لتجد المتصل “هايدي” فتحت الخط لكنها لم تستطع النطق بكلمة واحدة بل كانت تشهق من شدة البكاء سمعت صوت هايدي على الطرف الآخر وهي تقول بإستغراب: في إيه يا غفران صوتك ماله

ردت غفران بكلمات متقطعة وكأن روحها تخرج مع كل حرف يخرج من فمها: طارق ضاع مني يا هايدي غرق في دمه قدام عيني أنا في المستشفى وطارق بين إيدين ربنا أنا بموت يا هايدي تعاليلي بسرعة أنا بموت

أغلقت الخط ودفنت رأسها بين ركبتيها وأصبح الممر مخيف ورائحة المستشفى اختلطت برائحة عطر طارق التي لا تزال عالقة في ملابسها وكأنها تتعذب بذكرى ضحكته التي تخشى ان لا تراها ثاني كتمت صرخه بداخلها وهي تشعر بقلبها ينبض بالألم وكأنها هي من تلقت الصدمة لا هو وظلت تنتظر خلف ذلك الباب خبراً يحييها أو ينهي حياتها للأبد

ساد الصمت التام في المدرج بمجرد دخول باسل سار نحو المنصة بخطوات ثابتة وهو يحاول أن يظهر هدوئه المعتاد أمام الجميع رغم أن عقله كان لا يزال ينشغل في مشاجرة الحمام وقميصه الذي يخبئ خلف سترته تلك البقعة اللعينة بدأ يتفحص الوجوه ببطء ونظراته الصارمة ترسم هالة من الهيبة كالعادة حتى تجمد مكانه تماماً حين وقعت عينه عليها كانت هي تجلس في الصف الأول تضع قدماً فوق الأخرى وتمسك قلمها ببرود وكأن شيئاً لم يكن لا تنظر إليه من الأساس اتسعت عينا ميساء بصدمة حينما رفعت رأسها ورأته وشعرت وكأن الأرض توقفت عن الدوران من شده المفاجأة لتهمس لنفسها بذهول: أحيه هو ده الدكتور ده أنا ليلتي طين غطيني و صوتي ياما

حاول باسل استجماع نفسه وهو يفتح جهاز العرض وبدأ يتحدث بنبرة حادة تحمل تهديداً واضح وعينه لا تترك وجهها: محاضرة النهاردة مش بس عن المادة العلمية دي عن الانضباط والأخلاق الي للأسف بدأت تختفي من الجامعة وبقت فيه أشكال مابتفرقش بين المدرج وورشة التصليح وحقيقي مش في الجامعه فقط لا في المجتمع كله

شعرت ميساء بالدماء تغلي في عروقها فكبرياؤها لم يسمح لها بالصمت رغم موقفها الصعب رفعت يدها بجرأة وقبل أن يأذن لها قاطعته قائلة ببرود: يا دكتور احنا جايين نتعلم المادة مش جايين ناخد درس في الأخلاق والمظاهر والبرستيج الي ممكن يقع في حوض غسيل

ساد همس مكتوم في المدرج بينما تغيرت ملامح وجه باسل واقترب من حافة المنصة حتى صار في مواجهتها تماماً وقال بصوت منخفض مرعب: اسمك إيه يا شاطرة عشان البرستيج الي بتتكلمي عنه ده هو الي هيخليكي تعرفي إن لكل مقام مقال وإن فيه ناس هنا بكلمة منها تقدر تمسح مستقبلك زي ما بتمسح بقعة عصير من على هدومها ها واخده بالك انتي هنا مش مكان نستخف دمك فيه يا انسه هنا مكان تعليم و من المفترض ان الأستاذه جايه علشان مستقبلها و تعليمها ولا جايه علشان حاجة تاني

لم يرمش لميساء جفن بل مالت بجسدها للأمام قليلاً ورسمت على شفتيها ابتسامة وقالت بصوت مسموع: اسمي ميساء والكلمة الي بتمسح المستقبل دي تمسح بس الضعيف يا دكتور وأنا الحمد لله لا بخاف ولا بتهدد علشان انا معملتش حاجة لده كله اصلا انا بتكلم مع حضرتك بس و بحاول الطف الجو بما أن دي اول محاضره لحضرتك

قبض باسل يده على حافة المنصة بقوة وشعر برغبة في كسر هذا العناد الذي استفزه لأقصى درجة أشار إليها بإصبعه وهو يجز على أسنانه: ميساء الاسم ده هحفظه كويس أوي والظاهر إننا هنقضي مع بعض تيرم طويل وممتع جدا اما الجو فتلطفيه مع زميلتك مش مع المعيد بتاعك يا محترمه

نظرت له ميساء ثم اومأت برأسها بخفه وعدلت جلستها وفتحت دفترها وكأنها انتصرت في أول جولة بينما بدأ باسل محاضرته بصوت قوي لكن عقله كان يخطط كيف سيكسر هذا التحدي الذي ظهر فجأة في طريقه وبالأخص أنه يري في عينيها عناد يشعل غضبه ينظر إليها وهي تسجل النقاط المهمه في حديثه في الدفتر الخاص بها ثم رفعت راسها لتراه ينظر اليها بتركيز لتبتسم بتحدي وهي لا تعلم لما بفعل ذلك قطع نظرات التحدي بينهما اهتزاز هاتفه فوق المنصة التقط باسل الهاتف وبمجرد أن رأى الاسم تغيرت ملامحه تماماً شحب وجهه وتجمدت ملامحه رفع حاجبه باستغراب وهو يري اسم «غفران» يفتح الخط سريعا لان غفران لا تتصل به وهي تعلم بأنه في هذا الوقت داخل محاضره يستمع باسل لشهقتها وهي تتمتم بحديث لا يفهمه ليهتف :بتقولي إيه يا غفرلن اهدي ماله طارق بالراحه بس

صمت تام بعد ما استمع لحديثها وكأن الصدمة ألجمت لسانه ثم انتفض فجأة وهو يلملم اغراضه وتحدث في الهاتف بصوت مرتجف: أنا جاي حالاً مسافة السكة وأكون عندك متقلقيش ياحبيبتي مش هتأخر

لم يلتفت خلفه ولم يهتم ان بنهي محاضرته بل اندفع يركض نحو الباب بسرعة البرق وسط ذهول الطلاب بقيت ميساء تراقبه بفضول ودهشة تتابع خروجه وهي تهمس لنفسها بفضول: ماله ده جرى وكأن القيامة قامت ومين طارق الي خلاه يتجنن كدة سابني بفضولي ومشي

كان يجلس على مقعده الخشبي المعتاد في ركن القهوة يضع قدم فوق الأخرى بغرور مبالغ فيه بينما يده تمسك بولاعته يفتح غطاءها ويغلقه تكشف عن برود أعصابه يراقب الشارع بنظرات صقر يرى كل شيء ولا يعنيه أحد سوى ذلك الهاتف الذي يدق في يده باسم “حنين” بنرفزه وهو يرى إصرارها على الاتصال للمرة العاشرة يبتسم بانتصار قذر وهو يرى تعلقها المرضي به يزداد فتح الخط وبدلاً من أن ينهال عليها بغضب قرر أن يرتدي قناع “الشيطان الحنون” ليهمس بنبرة هادئة تكاد تقطر عسل مسوم:
أيوة يا حنين لسه بتبكي يا حبيبتي والله قلبي واجعني عليكي ومش عايز ارد عليكي علشان قلبي ميرجعنيش ليكي إنتي ليه مش عايزة تفهمي إني خايف عليكي الشارع مابقاش أمان يا روح قلبي وأنا بغير عليكي من نسمة الهواء يرضيكي أنام وأنا قلقان إن حد ضايقك ولا بصلك بصه كدة ولا كدة يرضيكى قلبي يبقي محروق

على الجانب الآخر كانت حنين تجلس فوق سريرها في غرفتها المظلمة تضم قدميها إلى صدرها ترتجف من أثر البكاء العنيف الذي استنزف روحها طوال الساعات الماضية بمجرد أن سمعت صوته الهادئ شعرت وكأنها غريقة وجدت قشة تتمسك بها مسحت دموعها بكف يدها المرتعشة وقالت بصوت متقطع يخنقه العشق والضعف: أنا والله عارفة إنك بتخاف عليا يا راشد بس الدرس ده كان مهم أوي والمستر كان هيراجع نص المنهج أنا خايفة أسقط يا راشد خايفة مستقبلي يضيع وأنا ماليش غير الشهادة دي

ضحك راشد ببرود ضحكة خفيفة ثم اجاب عليها قائلا: مستقبلك هو أنا يا حنين إنتي محتاجة إيه من الدنيا غير إني أكون جنبك وأحميكي الورق والدروس مش هيقووكى ولا هيشيلوا عنك همك أنا الي هشيلك في عيني وجوه قلبي وبعدين إنتي زعلانة ليه هو أنا لو مش بحبك كنت ههتم تخرجي ولا تقعدي انا بس بخاف عليكي بزياده وبدل ما تشكريني بتعيطي وتقولي حرام عليك

جعلها تخرس حلقها بالكلمات وشعرت بذنب لا تعرف مصدره، وكأنها هي الجانية التي لا تقدر خوف حبيبها عليها فعل الذي يريده ببعض الكلمات فقط همست بإنكسار تام ولهفة: حقك عليا متزعلش مني أنا فعلاً ماليش حد أهرب ليه من الدنيا كلها غيرك أنت الأمان الي فاضلي يا راشد متقفلش في وشي وتسيبني للتعب الي أنا فيه وحياتي عندك تسامحني انا اسفه والله ما هعمل كدا ومش هزن عليك تاني هسمع كلامك بس سامحني

ابتسم راشد ابتسامة صفراء، ونظر حوله بغرور وكأنه يثبت لنفسه أنه امتلك روحها ثم أردف ببرود:
خلاص يا حبيبتي مسامحك بس عشان تعرفي إن كلمتي سيف والمرة الجاية لما أقول كلمة تتسمع من غير نقاش انا قولت بلاش نزول يبقي ده الي يحصل أنا هقفل دلوقتي عشان ورايا شغل مهم وخليكي عاقلة كدة وامسحي دموعك مش عايز أشوف وشك تعبان لما أقابلك مع السلامه ياروحي

وقبل أن ينهي جملته استمع لصوت صراخ مرتفع بدأ يعلو وصوت اصطدام شئ بالأرض وسباب (خناقه) متبادل بين والديها جعلها تنتفض في مكانها برعب تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عينيها بذهول وهي تسمع خطوات والدتها تندفع نحو غرفتها بعنف فتح الباب ليصطدم بالحائط ودخلت والدتها بوجه غاضب وعيون تفيض بالغل وصرخت فيها بانهيار: انتي لسه قاعدة هنا بتكلمي في الزفت تعالي شوفي أبوكي الي عايز يرمينا في الشارع تعالي قولي له كلمة، تعالي اشهدي على ظلمه وقرفه اطلعي خلصيني بدل ما أطربق البيت فوق نافخوكم

ارتبكت حنين وحاولت إخفاء الهاتف وهي تهمس لراشد برعب: راشد لازم اقفل البيت بيولع بره بابا وماما هيتخانقوا تانى هكلمك بعدين ادعيلي يا راشد بالله عليك

أغلقت الخط بسرعة لتجد يد والدتها تجذبها من ذراعها بقسوة وهي تجرها نحو الصالة ليصرخ في وجه زوجته: جبتي بنتك اسأليها قولي لها مين الي بيصرف ومين الي بيطفح الكوتة عشان تعيشوا في العز ده وأنتي مش حاسه بحاجه قوليلها يا حنين قوليلها إنها مش بتبطل طلبات وعايزة تخرب بيتي وتذلني قدام الناس

وقفت حنين في المنتصف رأسها يدور و الصراخ يملأ أذنيها. والدها يصرخ من جهة ويشدها من كتفها ووالدتها تندب حظها وتدعو عليه من جهة أخرى وهي تتشبث بطرف بيجامة حنين كلاهما يستخدمها كـ درع أو شاهد في محكمة بيتهم لا أحد منهم يسأل عن حالها أو لماذا تبكي أو حتى لماذا ترتجف بهذا الشكل او لماذا طول الوقت في غرفتها اين بنتهم لا يعلمون عنها شئ نظرت حنين إلى هاتفها الصامت في يدها وشعرت بواحده قاتلة كانت تتمنى لو ظل راشد معها على الخط لأنه الأمان فى نظرها لكنها في الحقيقة كانت تهرب من سجن عائلتها لتسكن سجن راشد لم تكن تدرك أن هذا الصراع المنزلي هو السبب الذي يتغذى عليه جبروته فكلما زاد حطام بيتها زاد احتياجها لسيطرة راشد التي تخدر وعيها ولكنها في النهايه طفله لم تتعلم من الحياة سوا القليل من المفترض ان من يحميها من خبث راشد و امثاله عائلتها سندها ولكن لم يكونوا متفرغين لها انشغالهم بمن صح ومن خطأ جعلهم ينسوا الفتاه التي لا تزال طفله بريئه
انحنت لتبعد زجاج المزهريه المحطمة تحت أقدام والديها فجرحت إصبعها وسال الدم بغزاره دون أن تشعر بالألم الجسدي فقد كان الألم الحقيقي يسكن روحها وقلبها رأت بقعة الدم على الأرض فتذكرت كلمات راشد(مستقبلك هو أنا) وشعرت فجأة ببرودة تسري في جسدها في الخارج كان راشد يضع هاتفه في جيبه ببرود ويطلب كوب آخر من الشاي وهو يضحك ببرود ليهتف قائلاً: البت دي من غيري تضيع أنا الي رابط لجامها ومن غيري هتروح في الرجلين وسط أهلها الي مابيرحموش اخص عليهم والله بس كدا كدا حنين دي زرعتي الي هحصدها بمزاجي وقت ما أعوز

أنهي حديثه وارتسمت علي وجهه ابتسامه ساخره بينما كانت حنين في تلك اللحظة تجلس على أرضية الصالة بين صراخ والديها تضع يديها فوق أذنيها وتحلم بمكان بعيد مكان ليس به سوا راشد وليس فيه صراخ والديها
ينظر والديها إليها وهما يستغربوا حالتها تغلق حنين عينيها و تستسلم للغيمه السوادء التي تنهال عليها

كان يحيى يقف أمام باب المحل يحضر لغلق المحل وعينه تبحث علي يونس الذي لم ياتي بعد كان التعب قد نال من جسده لكن عقله لم يتوقف عن التفكير في تلك المشاكسة التي تسكن قلبه وما هي إلا دقائق حتى ظهرت سيارة يونس الفخمة وهي تأتي بسرعه لتقف أمام المحل في صمت مرعب يليق بصاحبه هبط يونس من السيارة يعدل قميصه بجمود وبرود
اقترب من يحيى الذي كان يضع القفل الحديدي الضخم على الباب ينظر اليه يحيى ويقول بإستغراب: كنت فين يا شق غيبت أوي واليوم كان تقيل والمحل و كنت المفروض تبق حاضر

أجابه يونس بنبرة جافة لا تحمل أي تفاصيل: مشوار كدة خلصته و شوية حاجات كان لازم تترتب يا يحيى مغلبتش يعني ظبط الدنيا صح

يقول يحيي وهو يهز راسه: اه الدنيا تمام الفواتير علي المكتب جوه لو هتفتح المحل شوفهم

يونس بجمود: لا مش قادر هروح انام علشان خلاص تعبان

يحيي: مشوار اي الي كنت فيه يا يونس

يرفع يونس حاجبه فهو يكره ان يتطفل عليه احد ليقول بصوت مرتفع: قولت مشوار يا يحيي خلاص بقا

لم يقتنع يحيى فهو يعلم أن خلف صمت يونس أسراراً لا تقال لكنه اكتفى بهز رأسه بقلة حيلة فهو لن يضغط على رفيقه اكثر من ذلك ودعه يحيى واتجه نحو منزله بخطوات متعبه وصعد الدرج متوجه أولاً لشقة عمه ليطمئن عليهم كعادته طرق الباب لتفتح له والدة نورسين سألها بنبرة هادئة: فين نورسين يا مرات عمي

تنهدت الأم بضيق ونفخت بأسى وهي تشير بسبابتها للأعلى: فوق يا ابني طلعت على السطوح وقالت مخنوقة وعايزة تشم هوا وعنادها ركبها وقالت مش نازلة دلوقتي ربنا يهديها

نفخ يحيي بضيق وهو يشد على قبضة يده ليلتفت ويصعد الدرج المؤدي للسطح بسرعة وكأنه يسبق أفكاره التي بدأت تشتعل غيرة وبمجرد أن فتح باب السطح الخشبي المتهالك تجمدت قدماه في مكانهما كانت تقف عند الحافة تماماً تعطي ظهرها للباب ترتدي “ترنج” منزلي ضيق بعض الشيء يبرز قوامها المتناسق وقد تركت شعرها الطويل ينسدل بحرية خلف ظهرها يتطاير مع نسمة الهواء الباردة في مشهد خطف أنفاسه وجعل نبضات قلبه تتسارع بجنون كانت تنظر للأسفل تراقب أضواء الحارة الخافتة غير مباليه ببروده الجو ولا بنظرات العيون التي قد تلمحها اقترب منها يحيى بخطوات ثقيلة وصوته يخرج كبركان: أنتي إيه الي موقفك كدة ومن غير طرحة كمان وشعرك سايب للرايح والجاي يا نورسين إنتي اتجننتي

التفتت إليه ببطء مستفز نظرت إليه بعينين يلمع فيهما العناد والتحدي وقالت ببرود: السطوح عالي يا يحيى ومحدش واخد باله مني أصلا وبعدين أنا حرة الجو حر في الشقة وأنا عايزة أشم هوا في بيتنا أنت إيه الي مدخلك في خصوصياتي

اشتعلت عين يحيى بغضب واقترب منها حتى حاصرها بين جسده الضخم وحافة السطح وانحنى بجسده نحوها ليرى نظرة العناد في عينيها: خصوصياتك دي لما تكوني في أوضتك وقافلة عليكي الباب إنما وقفتك دي بمنظرك ده وشعرك الي سيباه كدا ده يخصني أنا أنتي عايزة تحرقي دمي وتفرجي الناس عليكي يا نورسين انزلي تحت حالا بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك ولا هيعجب حد

رفعت ذقنها للأعلى بجرأة ولم تتراجع خطوة واحدة رغم أنفاسه الساخنه التي كانت تخبط وجهها وقالت بصوت عالي: مش نازله ووريني هتعمل إيه أنت مش واصي عليا يا يحيى ولا تمشي حياتي على مزاجك طول الوقت أنا تعبت من تحكماتك دي

تحولت ملامح يحيي لصرامة مرعبة وأغمض عينيه وهو يحاول ان يخفي غضبه الذي وصل للذروة قبض بيده على حافة السطح بجانبها بقوة كادت تكسر الأسمنت وقال بصوت منخفض وحاد: نور بلاش تجربيني وأنا واصل لآخري قسماً بالله لو ما نزلتي حالاً ولميتي شعرك ده لهكون شايلك ومنزلك قدام الكل ومش هيهمني حد انزلي يا نورسين

رأت في عينيه نظرة لم تراها من قبل نظرة تخبرها أن صبره قد نفد فعلاً وأن يحيى الهادئ قد اختفى ليحل محله إعصار لن ترحمها نيرانه قررت بذكائها الأنثوي أن تنسحب الآن لتعود للقتال في يوم آخر تركت الحافة وتحركت من أمامه بغرور وكبرياء وهي تلملم شعرها بإهمال وتدندن بلحن مستفز كأنها انتصرت في معركة خفية غير مبالية بالنظرات التي تتبعها كالصقر تابع يحيى طيفها وهو يختفي امامها وسمع صوت خطواتها وهي تهبط الدرج ليجد نفسه وحيداً وسط سكون الليل ورائحة عطرها الياسميني لا تزال عالقة في الهواء تزيد من دقات قلبه يجلس يحيى على كنبة خشبية كانت في زاوية السطح وأسند رأسه بين يديه يتنفس بعمق لماذا هي بالاخص ولماذا يملك معها صبرا لا يملكه مع أعتى رجال الحارة ظل جالسا لفترة طويلة يراقب دخان أنفاسه في البرد وعقله يصور له شكلها وهي تقف بشعرها المنسدل تلك الصورة التي كانت بمثابة لوحة رائعه فنهض وأغلق باب السطح خلفه، وهبط الدرج وذهب لشقتهم رمى جسده على السرير وظل يحدق في السقف بتفكير بينما ظلت ملامح نورسين وابتسامتها المستفزة تطارده في أحلامه تمنعه من النوم من تفكيره بيها

كانت الممرات تضيق بجدرانها الباردة على صدر غفران التي تجلس بجسد يرتجف وثياب بهم دماء طارق لم تشعر بوقع الخطوات السريعة إلا حين وقف باسل أمامها بوجه شاحب انحنى لمستواها وجذب يديها البارده بلهفة: غفران ردي عليا يا حبيبتي طارق جوه بقاله قد إيه إيه الي حصل يا غفران انطقي

لم ترفع رأسها بل همست بصوت مكسور: ضاع مني يا باسل الدم كان في كل حتة هو قالي مكالمة وراجع بس مرجعش طارق سابني وراح انا معرفش اي الي حصل كان قدامي و بعد كدا لقيته علي الأرض

شد باسل على يديها بقوة وقال بنبرة هادئه:
استهدي بالله طارق هيقوم منها اهدي وكل حاجة هتيقي تمام ومت

قطع حديثه خروج الطبيب وهو ينزع كمامته بتعب، فقال باسل بلهفة:طمنا يا دكتور طارق عامل اي

أجاب الطبيب بابتسامة هادئة: الحمد لله العملية عدت على خير والنزيف وقف هو عدى مرحلة الخطر وبكرة الصبح هيفوق ويكون كويس ممكن تمشوا ترتاحوا وتيجوا الصبح

تنفست غفران براحه ثم نظرت لباسل قائله:
مش هتحرك من هنا يا باسل مش هسيبه ثانية واحدة

ضمها باسل لصدره بحنان وقال: خلاص ياقلبي إحنا هنفضل هنا

جلس باسل بجانبها يسند رأسها على كتفه ويمسح دموعها برفق وهو يهمس: خلاص يا حبيبتي طارق بقا كويس اهدي بقى

تسللت خيوط شمس الصباح لتعلن عن بداية يوم جديد بعد ليلة طويلة ومرهقة كان يونس يتسطح على سريره غارق في نوم عميق وجسده المنهك لا يكاد يشعر بما حوله تحرك يونس ببطء، لكنه شعر فجأة بحركة بجانبه وملمس جسد يستند إليه بجرأة فتح عينيه بتشوش وما إن اتضحت الرؤية حتى انتفض في مكانه ليحدق في تلك الجالسة بجواره بمنتهى الهدوء ويقول بصوت خشن من تأثير النوم: بتعملي اي هنا
stories
stories
تعليقات