رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثاني والثلاثون
ليس هناك اقسى من شعور العجز والخذلان
أى خوف هذا دفعها لتحمل كل هذه المعاناة،
يعترف لنفسه انه قد خسر اهم المعارك بحياته، خسر الخسران المبين، ارتمى على الفراش خلفه، عينيه جاحظة ينظر فى سقف غرفته بشرود دون ادنى حركة تلك الغرفة التى اعتزل العالم بها، كانت عينيه ثابتة كحال جسده بينما عقله لا زال يرفض تصديق ما سار مع اخته زفر بألم وكأن انفاسه ما هى إلا خناجر اصابها وبائل الصدى ومع هذا عليه أن يكون قويًا لاحتواء والدته واخته
التفت بنظره عندما فتح باب الغرفة ليجد بيلا امامه
اكتفى بنظرة خاطفة ثم رفع بصره لسقف الغرفة
ثانية؛ نظرة كانت تحمل ألف قصة من الإنهاك
نظرته مؤلمة انفطر لها قلبها، فعيناه خالية من تلك النظرة المرحة التى اعتادت عليها، توجهت لازاحة
الستائر للسماح لتيار الهواء البارد بالمرور غير ذاك
الممتلئ بالاحزان ثم مضت نحوه تجلس على الفراش
-هتفضل كدا ياضياء؟!
المفروض إنك تبقى اقوى من كدا، وبعدين
الحمدلله إنها بخير ودا المهم، هى غلطت لما خبت بس
خوفها عليك كان دافع وهى حبيبتى لسه صغيرة
دية حابسة نفسها فى اوضتها متأكدة انك زى
ماكنت خلاصها هتبقى علاجها، عشان خاطر بيلا
انا مش مستحملة اشوفك كدا
اغمض عيناه بألم من ذاك الحديث الذى سيزيده ألمًا
قبضة فولاذية تزداد ضغط على جدران قلبه، تنهيدة
حارة انبثقت من نيران روحه، ليهمس بوهن:
-كنت بقولها يا برنسيسة، كانت ملكة، بنتى مش اختى
ليه تعمل كدا ليه تسكت وتسمح لک لب زى دا يهينها
كدا، وجعتنى اوى اتعاملت وكأنى ميت، قلبى محروق
على اللى هى شافته وانا كنت عايش حياتى ضحك
وفسح ولا على بالى واثق انها مع البنى ادم اللى بتحبه
لكن دية كانت بتتعذب نار جوايا انا حتى مش قادر
اتعامل معاها ولا استوعب ليه خبت؟ واستحملت؟
انا ماكنتش سند ولا نعم الاخ ضيعت وصية ابويا
لما اقابله اقولوا ايه؟!
حاولت كبح دموعها ثم قالت بمغزى:
-الحياة مبتقفش عند عقبة وتنتهى لازم نقوم ونحارب
مش دا كلامك ليا يا ضياء انت هتقوم وتقف جنب
كارما وهننقل ورقها وتكمل تعليمها هنا واللى حصل دا
صفحة ونقفلها، عشان خاطرى يلا بينا نتغدا كلنا
سوا، عشان طنط هويدا حرام تشوفكم كدا
يشعر أن جدران الغرفة تنطبق على صدره،
طاف الحزن بعيناه وهو يهز رأسه بالموافقة، فاصطنعت
هى الابتسامة وهى تقترب منه تقبل وجنته لكن فى
باطنها تعتصر من الألم على حال زوجها
****
اصدر كنان همهمات وهو نائم ولكنه لم يفتح عيناه فهو
لم ينم بعمق منذ أن ترك ضياء مسئولية المشفى كاملة
عليه، فمالت تقبل وجنته بهدوء، فأمتلأ انفه بانتشاء
من رائحتها فجذبها من خصرها لتقع بجانبه فمطت كيان شفتها قائلة:
-بلاش دلع يا كنان كل دا نوم قوم عايزاك
انفرجت شفتاه وهو يغمغم بنعاس قائلًا:
-دلع ونوم ايه الكلمتين دول، انا نسيتهم من شهر
-طب خليهم شهر ويوم وقوم عشان اوريك حاجة
نهض من نومته وهو يستند بظهره على الفراش ثم
سحبها من يدها لتتوسد صدره فاشارت له على
مقطع فى هاتفها:
-اول حلقة من برنامجها عدت نسبة المشاهدة المليون
دا غير الفيديوهات بتاعت التدريب اللى رافعها ساهر
نسبة المشاهدة بتاعتها عالية اوى انا مش مصدقة
ابتسامتها المبهجة كانت تزين ثغرها مع بريق ينجلى
بوضوح كضوء الشمس اختلج قلبه قائلًا:
-بعشقها يا كيان
عقدت حاجبيها بعدم فهم متسائلة:
-ايه هى؟!
-ضحكتك الصافية اللى من القلب اللى بتنور وشك
وبتنور ليا الدنيا
اطرقت رأسها بخجل فغطت خصلاتها وجهها قائلة:
-طب انا عازماك على العشا انهارده
ضمها اكثر وهو يغمز لها:
-لو عشا رومانسى انا مستعد افضى نفسى
اجابته بمشاكسة :
-نو عشا برا انا بقى معايا فلوس بقى
يا لها من فاتنة تصيب القلب برجفة فهمس :
-طب ممكن تدينى الفلوس لو عايزه تصرفيها
ونسهر هنا
لكزته فى كتفاه وهى تبتعد عنه قائلة:
-هتأخر كدا انا لازم الحق التصوير لو كنت فاضى عرفنى
اجابها بشقاوة:
-خدى بالك الفلوس غيرتك
نهض من على الفراش وهو يزيح الغطاء بعيدا ليستعد
للذهاب للمشفى
****
وضعت يدها على موضع قلبها بهلع؛ قلبها ينتفض بقوة
منذ الصباح فاحساس قلب الأم ينذرها بشئ سئ
لينتفض قلبها بقوة وتتجسد الهواجس المخيفة برأسها، تمتمت ببعض الادعية محاولة صرف تفكيرها بعيدًا
عن هذا القلق، حبست انفاسها مع طرقات خافتة على باب الغرفة قبل أن تجيب بالإذن، دلفت بيلا وابتسامة باهتة تزين ثغرها وهى تقول:
-صباح الخير يا طنط
حركت رأسها بإيماءة خفيفة، ولا تعلم سر انقباض قلبها
تابعت بيلا:
اخبار صحتك إنهارده ايه؟!
-الحمدلله، بس حاسة بحاجة تقيلة على صدرى
رأت تعذر حروفها، وحركة عيناها المتوترة حاولت
بث بعض من الاطمئنان داخلها:
-معلش ياطنط اللى حصل ماكنش سهل لكن مرحلة
وهتعدى واحنا طالما مع بعض وهى بصحة كل شئ
يهون صفحة وعدت ياطنط، بليز لازم انا وانتِ نكون
اقوى من كدا عشان ضياء وكارما وتعدى بسرعة
الفترة دية، وياريت حضرتك تقومى عشان هنتغدا
كلنا مع بعض تحت
-هتعدى ازاى بس يا بيلا انتِ مش شايفه ضياء مش
راضى يتعامل مع اخته ازاى، بقى دول ولادى
اللى كانوا ضحكتهم بترج البيت
رق قلبها لحالها، زفرت انفاسها بتمهل قائلة:
-اللى مروا بيه الاتنين مش سهل وصدقينى مع الوقت
هيبقوا احسن، ضياء مش بيتجاهل بيلا بس الوجع
جامد واحساس انه ماكنش سند ليها، وانها فضلت
حالتها على انها تحكى ليه وجعه اوى، شوية وهياخدها
جوه حضنه تانى بس يهدى
ثم تابعت بمشاكسة:
-هروح لكارما واخدها وننزل وانتِ يلا حصلينى
عشان تأكلوا من اكلى اللى ضياء على طول بيعيب
عليه، طبعًا هتبقى فى صفى
ابتسمت هويدا وهى تربت على ظهرها فانصرفت بيلا
من امامها
******
عاد من عمله مرهقًا لكن سرعان ما تلاشى مع رؤيتها كانت مشتعلة كالنيران وقف يراقبها بينما هى تصب جم تركيزها على الأوراق التى بيدها، وحولها الكثير من الأوراق المتناثرة، شعرها رفعته للأعلى ، وجنتين خمريتين، تأكل شفتاها بتوتر، عيناها ككوب قهوة
ساخنة
طافت عيناه على الاوراق ثم مد يده ليتناول إحدى
الأوراق كانت رسومات لفساتين لكنها غاية فى الروعة
همس بذهول:
-ما شاء لله انتِ اللى راسمة دية يا هاجر
هبت واقفة وهى تقول:
-انت رجعت امته محستش، دول شوية شخابيط
لما ببقى فاضية
-شخابيط ايه دا ابداع انتِ عندك موهبة جامدة
ابتسمت باتساع، ابتسامة باتت تلازمها فى الايام
الاخيرة:
-مش للدرجادى
تمعن النظر فى الرسمة التى بيده، ثم مد يده ليلتقط
رسمة أخرى:
-لا للدرجادى واكتر مفكرتيش تصممى الفساتين دية
هزت راسها بالنفى فابتسم وهو يقترب ليقف مقابل
عيناها قائلًا:
-طب وليه لأ ما تأخدى الخطوة دية وترسمى
وانا اعرف مصممين تنفذ ولو الموضوع مشى
افتحلك مشغل، بس ايه رأيك تبقى فساتين
محجبات وتكون فضفاضة كدا، بدل الموجود اليومين
دول هتساعدى بنات كتير انها تحب الحجاب وهتاخدى ثواب وهتبقى استايل كمان وجديدة ايه رأيك و هيبقى ليكِ شغلك
الخاص
تلألأت الدموع بعيناها وهى تطالع عيناه ثم همست:
-انت بتعمل كدا معايا ليه؟!
انا طول عمرى برسم قدام الكل ومحدش اصلا اهتم
يبص على الرسومات
-انا مش الكل، انتِ مراتى هدية ربنا ليا واى حاجة تسعدك تخلينى انا اسعد واحد فى الدنيا هاجر
فراشات ناعمة تحلق فى معدتها، خفقات مغايرة لنبضات
قلبها مسحت عيناها بظهر كفياها بدت كقطة ناعمة
ثم اسبلت اهدابها قائلة:
-هحضرلك الغدا
قبل أن يجيبها هرولت للمطبخ، اغمضت عيناها بانفاس
متهدجة وهى تضع يدها على موضع قلبها
******
ولجت بيلا إلى غرفة كارما بابتسامة واسعة التى سرعان ما تلاشت عند رؤيتها غارقة فى الدماء
مرت لحظات وعيناها ثابتة عليها، عقلها يرسل
الكثير من الانذارات لكن الحروف هربت من فمها
واخيرًا انفرجت شفتاها بالنداء وهى تصرخ:
-كارما ألحقنى يا ضياء
كارما ليه كدا ألحقنى يا ضياء
صوت صراخ بيلا رج جدار قلوب من فى البيت
ثوانى كان يجلس ضياء على الفراش يطالع كارما
بأعين متسعة عقله انفصل عن العالم ولم يستوعب
ما يحدث اخته جثة هامدة دون حراك
هرولت هويدا بهلع ممتزج بقطراتها المالحة ثم
ولجت للغرفة وما أن رأت ابنتها تمتمت.. ولاح امام
عينيها شبح الفراق صرخت:
-بنتى، بنتى
يا كارما ياقلب امك عملتى كدا ليه؟!
قومى يا كارما هتحرقى قلب امك كدا بردوا
الحق اختك يا ضياء
كانت صرخات امه بمثابة انذار إلى عقله ليسارع
برفع يدها ليرى نبضها كانت جامدة كلوح الثلج، انتفض قلبه بهلع ورعب نواقيس العقل صدعت ليحملها سريعا لخارج الغرفة ودموعه تنهمر على وجنته
وعقله ينسج ألاف النهايات القاسية عن ابنة قلبه
شقت السيارة طريقها بسرعة قصوي، كل ما يريده
أن يلحق حياة اخته، دموعه تهطل على خديه كطفل
صغير، تيار حارق يسري بجسده، وقبضة فولاذية تزيد
من اعتصار قلبه، وكيف له بالراحة ، وصغيرته تصارع
من اجل البقاء للحياة خبط على المقود وهو يطلب
العون من الله:
-يارب ياارب، انا مش اد الوجع دا يارب
متسبنيش يا كارما انا مش زعلان منك انا زعلان من
نفسى ان كل دا حصلك وانا بعيد طب ورحمة ابويا
مش زعل منك، اوعى تعاقبينى كدا
-اه يا كارما يا بنتى هانت عليكِ امك ونفسك يارب
يارب بسرعة ياضياء اختك النزيف مش بيقف
توقفت السيارة امام المشفى الخاص به ليترجل مسرعًا
فاتحًا باب السيارة ثم حملها وهو يركض للداخل وخلفه
بيلا و والدته، كان يصرخ خرج كنان من مكتبه ليجد الهرج والمرج يعم المكان وطاقم الاطباء والتمريض يركض نحو ضياء، وما أن وقعت عيناه على كارما وقف كالمصعوق فاق على يد هويدا تقبض على معصمه قائلة:
-كارما هتموت منى يا كنان
ابتلع خوفه وهو يطالع ضياء ثم صرخ أمرًا بدخولها غرفة العمليات لكنه لم يقدر على الدخول وبقى خارجًا
مر اكثر من ساعتين وظل ضياء مرابطًا امام غرفة العمليات وعيناه تراقب دخول وخروج التمريض
بهلع، لكن قدماه ابت الصمود ووقع على الارض
وشهقاته تعلو حاولت بيلا معاونته على النهوض
هز راسه بنفى لها ثوانٍ وكانت تخرج الممرضة
تطالب بالتبرع بالدماء، هز كنان رأسه سريعًا وهو
يقول:
-انا نفس الفصيلة يلا تعالى، بيلا سيبى ضياء وادخلى
اطمنى على طنط هويدا
مرت ساعة اخرى وخرج الطبيب وقد بلغ التعب
مبلغه وحبات العرق تحتل جسده تشبث ضياء بالمقبض
المعدنى ليعاونه على النهوض اقترب بتوجس دون ان
ينطق فابتسم الطبيب مطمئناً :
-الحمدلله يادكتور اطمن ربنا ستر
انهى الطبيب جملته تزامنا مع وصول كنان الذى انحنى
يستند على قدماه وعيناه تقطر عبرات مالحة، ثم
استقام ثانية، انصرف الطبيب من امامهم، تقدم كنان
يحتضنه وهو يقول
-الحمدلله عدت على خير وطنط هويدا انا مديها
منوم تقيل متقلقش عليها
بعد مرور عدة دقائق كانت قد نقلت إلى الغرفة المخصصة، ظل واقفًا امام الحاجز الزجاجى يناجى
ربه، فهذه الصفعة اعادته للحياة
******
- بقولك ايه دخلك فى موضوع ميرا؟!
تلك الكلمات قالها كرم وهو يقبض على تلابيب طاهر
دفعه طاهر بحدة فى صدره وهو يقول:
-عايز ايه ياكرم
-انا مش قولت تبطلوا مصارعة التيران دية ؟!
كان هذا صوت نجاة الذى صدح من الخلف ثم تابعت
-انتوا كمان بتتصارعوا فى الشارع
رشقه طاهر بنظرات نارية قبل أن يصدح صوت هاتفه
فاخرجه من جيبه فوجدها بيسان فلم يجيب حتى
ضيقت والدته عيناها وهى تقول:
-مش هترد على التليفونك
-دية بيسان يا امى هرد بعدين
لكزته امه فى كتفه وهى تقول بحنق:
-مفيش ذوق، انت ناسى انها معزومة عندنا رد عليها
بسرعة رد
ضغط على زر الاجابة بتأفف، ثوانٍ وقد تبدلت ملامحه
بذهول وهو يقول :
-لا حول ولا قوة إلا بالله، خلاص مفيش مشكلة
هبلغ ماما، مش محتاجين حاجة
اغلق الهاتف بحزن وهو يقول:
- بيسان مش هتعرف تيجى
رمقته والدته باستنكار:
-هو فى ايه يا ولا مالها تعبانة
رفع نظره نحو كرم بنظرة خاطفة ثم تابع:
-اخت واحد نعرفه اسمه الدكتور ضياء انتحرت
حبست انفاسه لثوانى قبل أن يصدع الناقوس الأعظم
انها قد رحلت مع الراحلين، ويصدح القابع بين اضلعه
بهلع ثم سأله بريبة:
-ماتت؟!
حرك طاهر رأسه بيأس فاخيه سيواجه نفس مصيره
فتنهد قائلًا:
-لأ لحقوها
تألم قلبه وبدأ مرحلة الصراع بين القلب والعقل
*****
-كيان ايه يا ست الشيف فينك؟!
تلك الجملة قالها كرم وهو يحدث كيان على الهاتف
فاجابته:
-حصل انا مشهورة خلاص ومش هرد على الفون تانى
هجيب حد يرد عليكم
قهقه طاهر على طريقتها ثم اردف بجدية:
-كيان ممكن خدمة، ممكن تتصلى بساهر وتطلبيه
يجى عندك ضرورى عشان يقضى اليوم معاكِ لأنه
بيدور ورا الواد اللى السبب فى اللى حصل لميرا
وممكن الموضوع دا يأذيه
ثم تابع وهو يؤكد عليها:
-بلاش تعرفيه انى كلمتك كأنك عايزاه فى حاجة ضرورى
تمام
اغلق هاتفه وتنهد بتعب وهو يقول لنفسه:
-وبعدين يا طاهر؟!
****
-انت ايه اللى جابك؟!
تلك الكلمات نطقها تامر بامتعاض وهو يرمق ساهر الواقف امامه اجابه ساهر بحنق:
-هى اختى اشوفها وقت من عايز انت مالك؟!
رفعت كيان يدها علامة على توقف الشجار بينهم قائلة:
-انا محتاجكم انتوا الاتنين، ساهر عايزه سيشن للأكل
عشان انزله فى حلقتى وانت يا تامر محتاجه انك
تحط لمستك على الاطباق انت احسن حد يعمل
تصميم للاطباق الاكل، ودلوقتى دوقوا كدا المنيو بتاع الاكل
ابتسم تامر وهو يقول بغرور:
عرفيه انى انا وجودى قبل منه فى حياتك
-انتوا الاتنين يا تامر اخواتى ويلا بقى اتفضل كل
وقول رأيك
بدأ تامر بالاكل بتلذذ كى يثير حنق ساهر، ربما يراها
البعض سلبية بقبولها تامر فى حياتها بكل ما يفعله
لكن لن تخسره، فهو انعكاس لصورتها وما عانته وما خفى فى النفس من تجرع مرارة العيش
دون اهل، فقط من عاني مثلهم سيعلم جيدًا كيف يكون التخلى صعب، اغمضت عيناها بألم
*******
حل الليل سريعًا فقد حمل النهار فى جعبته الكثير والكثير فاقت هويدا واطمأنت على ابنتها انها
مازالت على قيد الحياة لكنها لم تفيق بعد
كانت بيلا تشعر انها مرابطة بالاثقال وهى تطالع حالة ضياء تشعر انها عاجزة
حتى عن التخفيف عنه وبدا الارهاق عليها، فتقدم كنان
من هويدا قائلا:
-يلا يا طنط اروحك انتِ وبيلا تغيروا هدومكم من الدم
دا، هزت رأسها بنفى:
-استحالة اسيب بنتى كدا؟!
-صدقينى كارما كويسة وكل دا مهدئات والحمدلله هى
زى الفل، يلا عشان بيلا كمان واقفة كدا من الصبح
كتير عليها انا هروحكم تغيروا وهجبكم تانى وبلمرة
تجيبوا هدوم لضياء، هو محتاج يفضل جنبها عشان
خاطرى يا طنط يلا وكمان ماما جاية الصبح
هزت رأسها بالانصياع ثم نهضت وهى تطالع بيلا والدموع تغرق عيناها ووجهها الشاحب وما أن مضت
نحوها ارتمت بيلا فى احضانها ربتت على ظهرها وانصرفا معًا
*****
يحاول جاهدًا ان يغمض عيناه، عظام جسده تأن عقله
رافضًا الراحة صورتها تشن عليه حربا وتهاجمه بضراوة
كلما اغمض عيناه ظهرت امامه، همس لنفسه متسائلًا
لماذا؟! هذه طفلة، لكن بات عليه الإعتراف أن ذلك الألم
عجز قلبه على تحمله، قلبه يخفق بنبضة شاذة مغايرة
لنبضاته ازاح الغطاء وفتح الدرج التقط منه شئٍ
ثم توجه للمشفى
لم يمر كثير وكان يقف في اول الردهة يراقب ضياء
الذى يقف امام غرفتها اخرج هاتفه من جيبه
وقام باارسال رسالة، دقائق وكانت بيسان تقف
امامه والغريب انها لم يبدو عليها الدهشة، بل
كانت متوقعة ابتسامة بترحاب:
-عامل ايه يا كرم
جمع بعض الحروف فى محاولة لأخراج جملة ثم همس
بإحراج:
-ممكن اعرف ايه اللى حصل؟!
وممكن اشوفها
سردت له ماسار مع كارما وقصة طلاقها مشاعر غريبة
انتابته ثم سألها مجددًا:
-ممكن اشوفها؟!
-انا مش هقولك ليه بس انت شايف ضياء
عيناه كانت تترجاها فتنهدت قائلة:
-لما تشوفنى اتحركت انا وضياء ابقى ادخل
خمس دقايق بس لان ضياء مش هيبعد اكتر
هز رأسه بالموافقة كطفل صغير لينل رضا امه
*****
جمع بعض ذرات الهواء فى رئتيه ثم ولج للغرفة،
ولم يعرف اى درب يسلك، وما أن رأها كجثة هامدة
خفق قلبه بشدة، وجف حلقه، وقف امامها يشعر برغبة
قوية فى ضمها لكن عقله زجره بقوة، انشطر قلبه عندما
طالع الضمادات فى يدها أى عذاب نفسى وصلت إليه
لكى تفرط بروحها هكذا، طفلة بريئة، ضحك عقله هنا
إذا هى فى نظرة طفلة لماذا هو واقف هنا
تجمعات حبات العرق وكأنها فى فصل الصيف وليس الشتاء، وجهها كان يحكى ألوف من قصص الخذلان
والوجع والقهر اقترب يهمس امام عيناها:
-هستناكِ تقومى وتفوقى، اصلى مبحبش حد يضحك
عليا وانت سرحتى بيا زى عربية بطابطا
اقترب منها واخرج السلسال الخاص بها ووضعه
حول عنقها ثم اغلقه باحكام ورمقها بنظرة اخيرة وهرول خارج الغرفة
******
-تعال ياكنان فرصة نسهر مع بعض
-تلك الجملة قالها زهير وهو يضع يده على كتف ابنه
هز كنان رأسه وتوجه مع والده ليجلس فى حديقة
المشفى
تنهد كنان بوهن وهو يقول:
-الايام دية صعبة اوى
زفر زهير بألم حقيقى:
-روحى كانت هتروح وهى فى العمليات
المهم انت اخبارك ايه فى الجواز
ابتسم كنان بانهاك:
-الحمدلله
-الحمدلله، طب ناويين تشدوا حيلكم امته وتجيبوا حفيد
يكبرنى
حك كنان مؤخرة رأسه وهو يقول:
-لما ربنا يريد
اجابه زهير بمكر:
-يبقى ظنى صح؟!
رمقه كنان باستغراب:
-ظن ايه؟!
-انتوا لسه متممتوش جوازكم على فكرة واضح وابوك مش عيل
اغمض كنان عيناه لحظه ثم فتحهم ليطالع والده قائلًا:
-كيان ليها ظروف خاصة
ابتسم داخله بشر وانه قد حان وقت تفجير براكينه:
-انا مش حابب اكون بتدخل بس على الاغلب انا
حاسس ان الموضوع ماكنش تحرش بس وهى صغيرة
ممكن يكون اكبر وهى فقدت عذريتها ومش عارفة
تقولك وبتخبى عليك، بس انت كدكتور تقدر تحتويها
وتعرف
اظلمت عين كنان وكأنه يجلس على جمر نهض واقفًا:
-ايه الكلام دا لو فى حاجة كانت كيان وضحت وعلى
العموم مش وقته ولا مكانه عن إذنك
****
خرج من الشركة وجد كرم يستند على سيارته يطوى
يده امام صدره ووجهه محتقن بالدماء وما ان اقترب
منه طاهر حتى صرخ بوجهه:
-انطق حالًا، إلا والله هقول لأبوك كل حاجة
هز رأسه بالموافقة قائلًا:
-هنطق بس قبل مانطق فى حاجة
لكمة فى وجه لكمة عنيفة فنزفت الدماء من انفه
وقف طاهر امامه كالطود يقول:
-دية عشان بس شكيت انى اعمل الوس.اخة دية
الواد اللى عمل كدا فى بنت عمك يبقى اخو كيان
من امها
توسعت عيناه بصدمة وهو يهمس:
-ازاى ما تنطق وتفهمنى
****
