رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والثلاثون 

كان كرم يقبع فى هذه اللحظة بين تلابيب الصدمة، 
يعد الثوانى وهو ينتظر تفسير لما سمعه 

استفحل شعور طاهر بالغضب حينما تأكد شك اخيه به، الله وحده يعلم كم يرغب فى صفعه وتكسير عظامه، رشقه بنظرات غاضبة، براكين تضطرم بداخله تحرضه للانقضاض عليه ثانيةٍ، قضم شفتاه السفلي بعصبية 
واضحة وهو يرشقه بنظراته الشرسة، زمجر طاهر 
بعصبية:

-قولى سبب يمنعنى انى اطلع بروحك بعد ماشكيت 
فيا اعمل الوساخة ديه

هتف كرم بنبرة حادة:

-ممكن افهم ايه الموضوع بظبط

كانت ملامحه متأهبه وكأنه سيخوض قتالًا لكنه همس
ببرود عكس ما بداخله: 

-عايز تعرف ايه ما قولتلك اللى اتنيل وعمل كدا أخو
كنان

جز كرم على اسنانه وعيناه تنفثان النيران هاتفًا:

-انجز يا طاهر

رمقه طاهر بتهكم ثم تابع:

-ماشى يا سيدى اللى هقوله دا مش عايز حد يعرفوا 
يوم فرح ضياء بعد ما مشيت انت وهاجر جالى 
اتصال من حد انا اعرفه فى الداخليه وهو بيقول أن 
اللى عمل كدا شكله حد معرفة بعمك، بعد ما كام كاميرا
جابت شكله والعربيه اللى كان راكبها التحريات وصلت ان فى علاقة من ناحية عمك ،خلصت 
الفرح وطلعت اجرى اشوف الحوار فهمت انه ابن مرات 
عمك اللى كان متجوزها فى السر يعنى اخو كيان من امها للحظة ظنيت بينتقم
لأمه طلبت من الرجل الموضوع يفضل سر لحد 
ما اروح واشوفه الاول، راقبته طلع عيل صايع، جيت مره خليته 
راجع بليل وقطعت عليه الطريق واديتوا علقة وربطوا
واخدتوا على مكان مهجور وعرفت ان دا ترتيب امه 
انه يعمل كدا فى بنت عمك ويرسم الحب عشان يضحك
عليها ويطلعوا منها بمصلحة، حبسته كام يوم لدرجة ان وروحه كانت هتطلع فى ايديا، طبعا انت عارف انى مقفل قضية ميرا من الأول على انها حادثة عربية هى وعمى واتوفى فيها عشان سمعة العيلة

فروحت ملبس الو.سخ دا قضية تانية ورميته فى السجن طول عمره، عشان كيان لو عرفت جحود أمها هتنهار أكتر وتعبب انت متخيل الست اللى مدورتش عليها طول عمرها دورت على أختها من أبوها
عشان تأذيها ومدورتش عليها لو مره واحدة، 
وعشان ساهر كمان استحالة كان هيبقبل كيان 
اللى كانت أمها سبب فى موت أبوه وأخته وتعب أمه
فهمت بقى مش حابب ساهر يعرف ليه

توسعت عيناه بذهول:

-كل دا عملتوا لوحدك وأنا معرفش ليه؟! 
طب كنت عرفني؟! 

-ماكنش عندى وقت ساعتها وكان لازم اتحرك بسرعة 
غير لو قولتلك كان ابوك هيشك فى فينا

ران الصمت بينهم ثم حدثه بنبرة حزينة:

-عشان كدا بعدت عن هاجر، طب كنت عرفنى وأنا اتصرف، أنا افتكرتك مش عايزها 

-أنا اللى افتكرت انها مش ممكن تعمل كدا 
استحالة تبعد عنى عشان كنت غبي

ثم تنهد بوجع وهو يقول:

-خلاص هى بقت على ذمة راجل تانى

وضع كرم يده على انفه محاولًا تغير مجرى الحديث قائلًا: 

-بس ايدك تقلت اوى ياجدع 

رمقه بتهكم ثم سبقه بعدة خطوات قائلًا:

-احمد ربنا كان المفروض اطلع بروحك 

ومضت عيناه بفخر وهو يطالع اخيه يسير امامه لكن
الحقيقى الامر يشبه البركان خامد من الانفعالات ينتظر
أى لحظة للانفجار فهو يسير بروح بلا مأوى

******

مرت ساعات الليل بتمهل شديد، والشمس اضاءت السماء
معلنة عن يوم جديد، كان ضياء جلس على المقعد المعدنى المقابل للغرفة لم تعد قدميه تحمله بعد الانهيار
الذى عاشه ليلة امس، يده تحتضن وجهه وقد استحال إلى ورقة بيضاء شاحبة

اما كنان كان يستند على النافذه وعينيه لا تفارق السماء
يراقب الشمس وهى تزحف لتنير الكون، ابتلع غصة مريرة تكوى جوفه، قبضة فولاذية فتكت بقلبه، فكلام والده كان ليس ألا ملحًا على جرح لا يتحمل المس، زفر بحرقة تاركًا النافذة ليجلس 
بجوار ضياء لكنه وجد إحدى الممرضات تستعد لدخول 
غرفة كارما فأوقفها قائلًا: 

-استنى هدخل أنا خليكِ انتِ 

وقف ضياء فاوقفه كنان بيده ثم مضى نحوه قائلًا: 

-خليك انت هطمن عليها الاول وبعدين انت ادخل 
اقعد ريح كدا واطلب حاجه تشربها عشان تفوق 

قال جملته وتركه وتوجه للداخل وما أن ولج للداخل 
وجد بصرها معلق بسقف الغرفة وقطرات الدمع غَشت
عيناها، تألم قلبه لرؤيتها بتلك الحالة، اقترب من الفراش
ليفحصها ليتأكد من سلامة المؤشرات الحيوية فهمس 
بصوت متحشرج: 

-احنا بقينا حلوين خالص 

كانت عيناها تنسج قصة من الانهزام، والضياع، والتحطم، الخذلان، اغمض عيناه بوهن يشعر 
بالاشفاق ليس عليها فقط على كل من يفرطون 
بحياتهم بتلك السهولة ومن تملك اليأس من نفوسهم
مضى نحوها ليجلس بجوارها على حافة الفراش فهمست:

-هو انا جيت هنا إزاى؟!
ضياء وماما عرفوا؟!

-ماكنتش اعرف إنك مش بتحبى ضياء كدا ولا 
طايقة تشوفى خلقته، طب مش كنتى قولتى 
تيجى تقعدى عندى بدل ما كنا هنموت من الرعب عليكِ

اغمضت عيناها على تلك الدمعة العالقة باهدابها وهى 
تقول: 

-قصدك العكس يا ابيه، هو اللى مش طايقينى 
واكيد دلوقتى مش عايز يبص فى وشى وقرف
منى اكتر 

بدا الاستنكار والذهول على وجهه:

-يقرف منك انتِ يا كارما، إزاى دا حرام عليكِ 
هو كان مش مسامح نفسه عينه مش قادر يجبها 
فى عينك لكن مش زى ما انتِ فهمتى حقيقى كلنا 
فى صدمة ازاى تحاولى تنتحرى وتموتى نفسك ياكارما
عارف لو كان جرى ليكِ حاجة كان ضياء هيتحكم عليه
بالموت بالحيا، ضياء كان انتهى، انتِ عارفه عامل ازاى 
من امبارح، بلاش هو طنط هويدا كانت هتروح فيها اوعى اسمعك تقولى كدا تانى، ومش هتكلم
فى اللى انتِ عملتيه خالص دلوقتى لينا قاعدة بعدين 
عشان ضياء هيتجنن ويدخل يشوفك 

كان لواقع حروفه اثر على قلبها، عندما ادركت ما فعلته 
وما كانت ستسبب به لعائلتها انتحبت بقوة وكان الفراش
يهتز معاها ضم كنان رأسها إلى صدره بحنان اخوي
اراحت رأسها بسكينة وهى لا ترى أى امل بالحياة، 
شعرت بشئ ينغرس برقبتها من ضمة كنان رفعت 
يدها تتحس رقبتها فوجدت سلسال والدها ابتلعت 
بصعوبة والصدمة ألجمت حواسها كيف وصلت إلى
رقبتها ثانيةٍ تساؤلات كثيرة تدور برأسها
اخذت الافكار تعصف برأسها الكثير من الافكار 
تتصادم وتتشاحن 

****

فى نفس التوقيت بالخارج

-يااه كنت قاعد نفس القاعدة ديه من ١٥ سنة ونفس
الكسرة والدنيا سودة فى عينيا بس كان لازم اقوم
عشان اللى فى رقبتى

تلك الجملة قالها هاشم وهو يجلس بجوار ضياء فاردف

-مش قادر 

ابتسم هاشم وهو يهز رأسه بوهن:

-انا كنت بقول كدا بردو، لما خرج ليا 
الدكتور وادنى الرجل اللى اتبترت بتاعت بيلا 
عشان ادفنها روحى اتسحبت شوفت سواد وبس ولما بيلا عرفت كانت طفلة ١٠سنين بقت تصرخ انا عايزه رجلى فى لحظة ديه عمرى ما اتخيلت أن فى فرحة ممكن تدخل قلبى تانى انا كدا انتهيت، لكن عشان لبنى وبيلا وقفت زى الجبل ولا يوم اتهزيت وقولت قضا اخف من قضا وبنتى معايا وانا معاها وهنعدى الطريق دا، لبنى كانت متدمرة نهائى لو كنت سبتها يمكن كانت وصلت لطريق مسدود

انتفض قلبه وهو يسمع تفصيل حادث رفيقة قلبه
وما عانته من وجع تنهد وهو يمسح دامعة هاربة
ربت هاشم على كتفه قائلًا:

-لما تكون موجوع عيط عادى، دموع الراجل مش عيب 
ومش ضعف، لكن اختك 
محتاجاك جبل عشان تقدر تسند عليك دلوقتى
انا مجوز بنتى للراجل وانا واثق من كدا، على فكرة
انا كنت عارف طريقتك ديه عشان تلهى بيلا فى 
مشاكلنا والوقت يجرى وانا كنت بطاوعك عشانها بس
كنت واثق فيك، كان نفسى فى ولد طول عمرى ولما
حصل دا لبيلا لبنى مقدرتش تاخد الخطوة ديه تانى 
بس لما بشوفك كنت بسأل نفسى هو انا لو كنت جبت 
ولد كنت هبقى فخور بيه كدا، كان هيبقى فاهم 
وعاقل اوى كدا 

رفع ضياء عيناه إليه باستنكار، فهز هاشم رأسه وهو يقول: 

-اه بس بردو مش بطيقك، قوم وامسك الزمام فى ايدك
تانى واوعى يفلت منك تانى مش كل مره هتعدى 
على خير 

نهض هاشم واقفًا ثم نهض ضياء ووقف مجابهًا له قائلًا
بعينين تلمعان بامتنان: 

-شكرًا

-شكرًا بس كدا، والله ما عارف بنتى حبت فيك ايه؟! 

اولاه ظهره وانصرف، ثم ولج ضياء للغرفة والتقطت شهقاتها بين فؤاده الموجوع والغاضب منها، فحمحم فابتعد عنها كنان لينصرف للخارج قبل أن يخرج ربت على كتفه ليحثه بعيناه على ضبط انفعالاته، ثم مضى نحو
الباب، بينما هى كانت ترتعش تخشى أن ترفع عيناها 
فتتلقى القسوة من شقيقها على ما فعلته؛ الذى سيستمر 
كوصمة عار فى روحها، تقوقعت على نفسها ودموعها 
تهبط بصمت، زفر بشجن ثم اقترب يمسح دموعها 
وهو يضمها إلى صدره، ثم قبل جبينها فرفعت عيناها
المصدومتين لا تزال الدموع عالقة باهدابها فهمس بندم:

-انا اسف 

-بتعتذر

اجابها بصوت متحشرج والدموع تملئ عيناه: 

-لأن عينى غفلت عنك انتِ بنتى لأن من غير ما حس 
قصرت وكنت بدل ما اشيل همك انتِ اللى شلتى همى 
لأنى ماكنتش السند والضهر 

انفجرت باكية وهى تدفن رأسها بصدره:

-لا طول عمرك سند وضهر وانا اللى غلطت سامحينى 

-خلاص، اللى عدى ننساه ونبدء من جديد 

هزت راسها بالموافقه فضمها اكثر، ثوان وكانت تدلف 
هويدا وخلفها بيلا، تسمرت هويدا وهى تنظر إلى 
ابنتها بوجع وحسرة تكتم صرخاتها المطعونه على
ابنتها، طوقتها سلاسل الاحزان والاوجاع وقف ضياء
قائلًا: 

-تعالى يا امى كارما الحمدلله زى الفل وهتروح معانا 
إنهارده 

ثبت نظرها على ابنتها الشاحبه ثم توجهت تضمها وتبكى 
بحرقة، وقف ضياء يطالع والدته واخته موجوعًا قلبه 
يؤلمه، رمق التى تقف فى الزواية ودموعها تنهمر فى 
صمت، اقترب منها يمسح دموعها بانامله، فارتمت بين 
ذراعيه تتشبث به اكثر واكثر فهو مصدر قوتها، بينما 
 كانت كلمات حماه لازال صداها فى عقله  ابتعد 
وهو يسحبها ويقف به امام والدته قائلًا:

-دلوقتى يا هويدا هانم ممكن نوقف عياط ونشوف حل 
لمصيبتى انا وبيلا

ابتلعت بصعوبة وخرجت حروفها متعثرة:

-فى اايه بسس تانى يا ضياء 

-هو بعد خضت بيلا ديه بقى فى أمل فى الخلفة
خلاص كدا 

لكزته بيلا وهى تطرق رأسها للأسفل بينما حاولت 
والدته أن تجريه حتى تلطف الاجواء:

-شوف التلكيك لا شد حيلك انت كدا عايزه بيبى جميل 

همس لبيلا فى اذنيها:

-شكلى هيبقى وحش ولازم اسمع كلام امى 

ثم تابع قائلًا: 

-عدي يا كارما على ايدك تسع شهور واخليكِ عمتو 

ابتسامة باهتة لم تصل لعيناها فجراح الروح لا تزول 
بسهولة بل هى اشد قسوة اغمضت عيناها بتمنى ان
تنتهى المأسى وتنسى ماضيها التعيس، اما هويدا كان 
لسانها ينفرج بتمتمه شاكرة للرحمان فلن يصيب فلذة
كبدها بمكروه 

*******

رحل النهار سريعًا حاملًا فى جوفه الكثير، فتح باب 
شقته فهو منذ أن عاد وهو لم يرجع للفيلا بناءًا على طلبها، وقبل أن تطأ قدمه للداخل كانت تهرول عليه 
جاحظة عينها من رؤيته هكذا، فسألته بتوجس:

-مالك كدا صوتك قلقنى من ساعة ما كلمتك 
مالك شكلك عامل كدا ليه؟!

لم يستطيع الرد سوى ببعض الهمهمات: 

-هحيلك كل حاجة بس محتاج اخد دوش قبل اى حاجه 

دلف للمرحاض وقف تحت صنبور المياه الدافئ بسبب
برد الشتاء ثوانٍ وكان يخرج متلفح بمنشفه قطنية 
وعارى الصدر لتشهق كيان وهى تهرول لتغلق نافذة
الغرفة قائلة: 

-حد يخرج كدا فى الجو دا هتاخد برد

-عايز انام فى حضنك وتدفينى محتاجلك يا كيان

لم تقدر امام نبرته الراجية ان ترفض فتوجهت للفراش 
وكانت دعوة صريحة لموافقتها على تلبية طلبه، 
اراحت رأسه على صدرها ليسمع صخب نبضاتها، اغمض
عيناه بإنهاك قاصدًا الراحة التى سلبت منه الليلة الماضية

*****

بعد مرور اكثر من اسبوع 

كانت هاجر فى شقة حماتها حاملة بيدها المبخرة 
وبدأت تتحرك فى كل اركان البيت وهى تتمتم بالادعية
وقراءة المعوذتين وظلت على تلك الحالة حتى انهت 
الشقة ثم توجهت للمطبخ ووضعتها به، وعادة ثانيةٍ
لتجلس مع عمات هاجد لتجدهم متجهمين الوجه
فابتسمت قائلة:

-هاجد، بيحب البخور دا حتى هو اللى بيجيبه مخصوص

ابتسمت مايسة وهى تأكد على كلامها:

-ايوه بيحبه حتى بيجبلنا احنا كمان 
انا عارفة الموضوع دا عن شيخي من زمان 

جزت هاجر على اسنانها واستدارت بوجهها لحماتها 
فاسبلت حماتها اهدابها كإشارة للبدء الحرب 

لكن لسوء الحظ كانت هذه الاشارة تزامنًا مع وصول هاجد الذى وقف فى الزواية يراقب الموقف كأنه يشاهد فيلم سينمائى

تحولت ملامح هاجر الناعمة للأخرى شراسة، وقد 
ظهر ذاك جليًا من نبرة صوتها النافرة، كما تنفر الجمال
من عقالها مصحوبة بغيظ قائلة:

-شيخي، شيخي، شيخي
معلش مين قالك أن هاجد شيخ، هو عشان ملتزم يا حبيبتى يبقى شيخ! 

هزت مايسة رأسها بالسلب وهى تقول:

-لا طبعا شيخي، هو اول حد حفظنى القرأن

اجابتها بتهكم: 

-يبقى تقولى الشيخ هاجد، مالهاش لازمة ياء الملكية 
يا حبيبتى، لانه جوزى ومش حلوة شيخي اصلي
لما انتى تحطى ياء الملكية انا احطله ايه؟!

كلماتها التى تخرج من فمها جعلت الطير يحلق فوق رؤوسهم للحظات، لتقطع ذلك الصمت عمة هاجد بنبرة رداعة:

-انتِ ازاى تتكلمي كدا هاجد دا ابن اخويا ومربيها 
وبتقول عليه شيخي من قبل ما نشوفك حتى

ثم تابعت وهي توجه حديثها لحماتها:

-جرى ايه يا سوسن عجبك كدا نتهان فى بيت اخويا 

هزت رأسها مداعية الاسف وهى تقول:

-اهو على الحال دا كدا صوتها اعلى منها ومحدش 
قادر يكلمها 

الذهول يطل من جفونهم المتسعة حتى سألتها عمة
هاجد الاخرى بتشكيك:

-عايزه تفهمينى يا سوسن انتِ بجلالة قدرك مش 
قادرة عليها دا اخويا ماكنش بياخد بكلام حد غير
كلامك

دون أن يراها احد كانت حماتها تغمز لها، فانفجرت 
هاجر باكية تشهق عاليًا، ضربت عمة هاجر على 
صدرها وهى تسأل ما حل بها، فكانت الصدمة الكبرى
من نصيب الذى يقف هناك فى الزواية مما ادى إلى 
جحوظ عيناه ببلاهة 

فتابعت هاجر بكاؤها وهى تقول مدعية القهر: 

-اكمنى يتيمة الأم وماليش حد يقف ليا ولا أم جانبي
تبيعوا وتشتروا فيا حرام دا ولا حلال دا حتى الرسول
وصى باليتيم 

انتفضت مايسة من مكانها تربت على ظهرها قائلة:

-اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وحدى لله يا هاجر انا ماكنش قصدى ازعلك بس والله دا امتنان وعرفان لأنه حطني
على اول الطريق وبنقول شيخي على اللى بيحفظنا
وانا اسفة مش هقولها تانى 

غطت وجهها براحتيها وهى تغمغم:

-انتِ مش شايفة مامتك بتزعق فيا ازاى دا انا لسه 
مفقتش من موت امى وقلبي واجعني وزى أي 
بنت محتاجة امى تكون معايا زيك كدا ما هى بتدافع 
عنك 

تنهدت حماتها بأسف وهى توجه حديثها لعمات هاجد 
قائلة:

-شوفتوا بقى سوسن مش قادرة تتكلم ليه هاجد مانع 
حد يزعلها نهائى وبيقولى خليك امها كفاية جرحها 
لسه جديد 

ما زال عقله فى حالة ذهول وهو يشاهد هذا المشهد الهزلي حتى تنحنح وقرر أن يعلن عن وصله كى ينهى ذلك العرض، فتوسعت عين هاجر وهى ترمق حماتها، بينما نهضت عمة هاجر 
بابتسامة باهتة: 

-حمدلله على السلامة يا حبيبى، يلا يا جماعة احنا
عشان منتأخرش 

-ليه يا عمتى خليكم قاعدين نتغدا على بعض 

صدح صوت عمته باعتذار ثم رحلت ومن خلفها ابنتها
وعمته الأخرى دون انتظار كانت وجههم شاحبة، ضيق هاجد عيناه وهو يجز على اسنانه ثم رمق والدته وهاجر متسائلًا:

-هو فى ايه؟! 

اجابته والدته بهدوء:

-ايه يا حبيبى مالك متأخرين زى ما بيقولوا 
هروح احضرلك الغدا

هرولت والدته إلى المطبخ ابتسمت هاجر بخفوت له ثم 
نهضت لتلحق بحماتها، وقف فى المنتصف يضرب
كفًا بالاخر قائلًا:

-ريا وسكينة عايشين معايا

فى المطبخ 

-تفتكرى كان هنا من بدرى؟! 

كانت تلك كلمات هاجر فاستدارت لها حماتها لتقول:

-وليكن وايه يعنى؟! 

صمتت للحظات ثم سألتها بمكر :

-مش انتِ عندك حساسية 

-اه، ودا ماله ومال دا 

زفرت والدة هاجد بسخط قائلة:

-يابت ركزى اعملى نفسك عندك كرشت نفس 
ألبخيه كدا وهتعدى، ماهى البت اللى ملزقة زى امها

فجأة كان يقف خلفهم كالمارد وعينين حاده كالصقر
متسائلا بخشونة:

-عايز افهم ايه اللى حصل وعايز رد

رمقتها حماتها بطرف عيناها فبدأت هاجر تسعل وتستند
بيدها على صدر هاجد لتقول بانفاس متهدجة:

-نفسي نفسي البخور خنقني

اغمضت عيناها وهى تضع يدها على رأسها سريعًا كان 
يحملها هاجد بين ذراعيه ليخرج بها خارج المطبخ فألقت برأسها على كتفاه ثم ارسلت قبلة فى الهواء
لحماتها، بينما هو كان يعلم انها تخدعه فدائما ما
تشعل البخور فى شقته لكن لا مانع من دلالها بل
هو اكثر من مرحب 

*****

-ماما وكارما خرجوا؟!

تلك الكلمات اردفها  ضياء فاجابته بيلا

-ايوه نزلوا هيتغدوا فى النادى انا ما صدقت اقنعت طنط
وكارما وبكرة هنروح نشوف الجامعات 

كانت ترتدى قميصًا ناعمًا يكشف عن ظهرها المرمرى
وتضع من عطرها الذى يسكره، تطلع لها بعينتين
مغرمتين وهو يحيط خصرها من الخلف ويدفن رأسه
بين خصلات شعرها مغمغمًا: 

-انا قولت لكارما تعد تسع شهور وهتبقى عمة وعدى
شهر واحنا اخوات كدا تفتكرى الولادة فى التامن مش خطر 

توالت خفقات قلبها وراء بعضها بشكل سريع بينما وجهها ازداد احمرار ساحر وهى تعض على شفتاها:

-بس يا ضياء انحراف عندي شغل 

-هشش، الانحراف دا ليفيل المبتدئين انما انا هسيبك 
تحكمى بعد اللى هيحصل 

لم تتمكن من الرد وهو يقبل عنقها لينتهى به المطاف 
وهو يرتشف رحيق الجنة من شفتيها المغريتين، 
ليسفر بها فى عالمه الخاص من الرومانسية دقائق 
وكان الباب يطرق بألحاح فهمست: 

-قوم افتح بقى يا ضياء ممكن تكون طنط رجعت
وعايزه حاجة

غمغم بامتعاض وتوجه نحو الباب ليفتحه ليجد إحدى 
العاملات تقف امامه قائلة: 

-اسفة، بس فى واحد تحت اسمه ايمن وعايزك ضرورى

*****

كانت تضع الهاتف على اذنها وتستمع لحديث هاجر وما فعلته بأهل زوجها ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة من القلب
انارت وجهها حتى انها سعلت قائلة

-يخربيت فقرك بس مش قادرة اسمع تانى، طب اقفلى 
قبل ما يخلص الفون ويرجع يلاقيكى بتضحكى 
يلا سلام الله يكون فى عونه

كانه كان يقف فوق بركان يبتلعه بلا رحمة وهو يسمع ضحكاتها الساحرة، عيناه كانت تشع بالحب بقدر ما يعانيه قلبه من بعد،  ضحكة واحدة منها تستطيع معانقة قلبه فينبض القلب باسمها، زفر بحنق ليس من النيران مشتعلة بل نيران البعد الذى كتب عليه، نيران نعميها الذى حرم عليه كما حرم ابليس من الجنة فهتف: 

-الله يكون فى عونى انا

-كنان انت هنا من امته

اقترب منها وهو يأخذ انفاسه ببطئ وعيناه تتمعن بكل جزء من وجهها، يقترب منها وهو يضع يده خلف ظهرها
ليقربها منه اكثر ويبدء بتقبيلها قبلات شغوفة 
حملها وضعها على الفراش ثم استند بجوارها ليعلوها
بجسده وظل يقبلها بشغف فى عنقها وكتفها وبدء بازالة
لباسها عنها وهو يقبلها، حاولت أن تزيحه برفق وهى
تمتم ببعض الاعتراضات، لكنه لم يستمع لتتوتر اكثر
عندما التهم شفتاها بعمق فدفعته بحدة فى صدره 
وهى تزجره، تحفز كل انش بجسده وكلام والده 
يطرق رأسه بلا رحمة صداه يقتله يفتك به 
قاتمة عيناه وهو يسحبها من ذراعها بعنف فشهقت
قائلة:

-كنان

*****

-كويس انك جيت يا هاجد وهاجر فوق تعالى عايزاك

كانت هذه كلمات سوسن لابنها بينما هو ابتلع وهو يعلم 
القادم جلس بجوارها متسائلًا: 

-خير؟! 

اجابتها والدته: 

-خير، بس المفروض انك تكلم مصطفى ابو هاجر الموضوع كدا طول، ومحدش هيتأذى غيرك 

اغمض عيناه بألم هامسًا:

-هكلمه يا امى حاضر 

******

تعليقات