رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والثلاثون 

لم يصدق ضياء التلقائية التى نطق بها هذا الرجل 
كلماته المسمومة، لذا انتفض من جلسته وهو يهدر
به بغضب تتناثر ألسنته: 

-انت يا راجل انت شارب ايه؟! ولا ضارب ايه وجاى 
تطلعه علينا هنا، زهير دا ابويا وكنان اخويا 

كان يعلم أن ضمير زهير متدنس بالمكر والحقد والكراهية، لكن لم يعلم ان تفكيره وصل إلى هذا 
الحد، بعد أن قتل والده حاول أخذ مكانه فى 
قلب ابنه، رمقه بنظرة عتاب قائلًا:

-أنا يشهد عليا ربنا فى كل كلمة بقولها الرجل دا 
كان سبب موت ابوك لما اكتشفنا و.ساخته، صحيح
الوفاة طبيعية زى ما الكل عرف ساعتها،  ابوك الله يرحمه نزلنى مصر قبله بيومين عشان يحمينى انا من زهير  لانه كان واثق فى زهير ثقة عمياء وكان 
خلاص نازل ومكلمنى انه هيسلم كل حاجة تدين زهير
ويرجع، وفجأة الصبح اتوفى، مقدرتش مرجعش تانى 
واحضر الدفنة وعرفت ان قبل الوفاة بساعة اتخانقوا جامد دورت فى الكاميرات ولقيتهم بيزعقوا فى بعض
اللى لفت نظرى ان ابوك وقع قدامه وزهير متهزش، لحسن الحظ زهير ماكنش فايق يدور على الكاميرات
ويمسحها، لانه فعلا كان حزين على ابوك لما روحت اشوف 
قبر ابوك فى يوم بالليل قبل ما ارجع مصر لقيته هناك بيعيط وبيقول ما كنش عايز يموته دا عشرة عمره بس ابوك ماسابش خيار ليه أتاكدت ظنونى انا جيت عشان جميل ابوك فى رقبتى ليوم الدين ولأنى خايف انه يأذيك هو وابنه ما هو اكيد ابنه زيه، ابوك وزهير ماكانوش بيفارقوا
بعض الكل كان فاكرهم اخوات 

لم يعد يتمالك نفسه بعد الان قطع حديثه بصريخ نفرت له عروق نحره وجبهته: 

-اخرس خالص كنان دا اخويا وزهير اب ليا، اما انت بنى
ادم لئيم بترد الجميل أنك تنهش فى ايد اللى اتمدت 
ليك لو ماكنتش فى سن ابويا كنت موتك هنا 

تلك المرة صدح صوت ايمن بالغضب هاتفًا:

-هيطلع تعلب زى ابوه وانت زى ابوك مأآمن ومش مخون 
انا خايف عليك يا بنى انا كان مالى بدا كله انبش فى 
الماضى ليه؟ انا زمان خفت ورجعت تانى عيالي كانوا 
لسه صغيرين وانا مش حمل زهير بس كان ضميرى 
بيأنبنى انهارده انا بريت زمتى قدام ربنا، واسأل والدتك
انتوا كنتوا نازلين مصر قبل الحادثة بيوم لولا موت ابوك

اشتعل وجه ضياء بالغضب بينما اشار بيده نحو الباب بحسم شديد وقال بنبرة جافة وقوية: 

-اطلع بره، إياك اشوف وشك تانى حتى لو صدفة صدقنى محدش هيرحمك من ايدى امشى برا 

تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يقول بأسى: 

-انا طالع ياابن الغالى بس خد بالك من نفسك اللى انت معاهم دول مش بنى ادمين دول شياطين

انصرف ايمن بينما ارتمى ضياء على الاريكة يلتقط انفاسه بصعوبة كان جسده يتشنج بعنف 

ولجت بيلا لغرفة المكتب وجدته يطفو كتائه على سطح 
ماء عكر، لاحظت وجهه المضطرب فسألته بتوجس:

-فى ايه يا ضياء مالك؟! 
ومين الرجل دا؟! 
وليه خارج بيقول لله الأمر من قبل وبعد 

-مفيش حاجة يا بيلا مفيش

لم تود الضغط عليه اكثر بالأصل لم يكن مزاجه سوى 

-عاملين ايه يا ولاد؟!
مالكم؟!

كانت هذه كلمات هويدا التى تقف على اعتاب الغرفة 
ومن خلفها كارما، نهض ضياء واقفًا وعيناه مثبتة على
كارما فكل مرة يراها بعد ذلك اليوم يدق الخوف جدارن
قلبه من الفقدان، ذلك الوحش الكاسر الذى لا زال ينهش 
قلبه بوحشية، ابتسم ضياء وهو يصفعها بقوة على مؤخرة عنقها كما كان يفعل بالسابق

نظرت له كارما بغيظ متسائلة: 

-طب ليه بقى؟! 

-بقالى كتير مصبحتش عليكِ، رجعتوا بسرعة ليه 

انهى جملته ولف بنظره إلى امه التى حدثتها بكلمات 
قليلة ذات مغزى:

-كارما حبت تتغدى معاكم هنا وقالت بلاش قعدة النادى 

هز رأسه بالايجاب وقد فهم كلام والدته اخته لا زالت 
لم تتجاوز ما سار معاها ثم مال على اذنها هامسًا بصوت مرح:

-مش كنتى هربتى من اكل بيلا انهارده

التقطت بيلا همهمت ضياء فنظرت له شزرا لتقول بحنق:

-ضيااء، تصدق مش هتأكل من ايدى تانى وعلى فكرة 
اكلى اتحسن وانت الخسران

هزت كارما رأسها سريعًا لتقول:

-لأ دا كان بيقول أكل بيلا روعة كويس انك جيتى تتغدى معانا

-مش بتعرفى تكدبى زى اخوكِ، على العموم يا كارما متنسيش انى بقيت المديرة بتاعتك فى الشغل ومخصوم منك يومين وكل ما ضياء يضايقنى
هخصم منك

انفجر الجميع يضحكون على طريقتها الدرامية فقالت 
هويدا: 

-ايه دا لأ انا اخاف على بنتى

-ابدًا انا مراتى المادة الخام للرقة والنعومة 

اقترب منها ضياء هامسًا بنبرة ذات مغزى:

-بمناسبة النعومة القميص اللى كنتِ لابساه ارجع ألقيكى
لابساه عشان انا مجربتش اللون دا قبل كدا 

ثم تابع:

-همشى أنا واتغدوا انتوا عشان عندى عملية مهمة
جدًا والمفروض اكون هناك دلوقتى 

انصرف ضياء والابتسامة كانت الرد الأروع على وجوههم

*****

عصفت قشعريرة بجسدها باكمله زاغت انظارها وهى تنظر له بألم تجلى على ملامحها اثر ضغطه على 
معصمها بقوة وهو يقول:

-ليه ياكيان ليه؟! ها ليه؟! 

نظرت له بعيناها المتسعتين على وسعهما لتهمس باستنكار: 

-هو ايه اللى ليه؟! انت بتعمل كدا ليه؟! 

-ليه انا الوحيد اللى مش متقبلة قربى ليه انا الوحيد
اللى مش عايزة تساعديه، قبلتى ساهر وكل يوم علاقتكم
بتاخد شكل طبيعى اخ واخته، حتى هاجر بقت اساسى
فى يومك، الرهبة من الناس ابتديتى تتخطيها 
حتى اللى اسمه تامر تملى تكونى معاه قوية عشان 
تقويه، وانا بحاول اخلى علاقتنا تاخد شكلها الطبيعى 
تبقى كاملة نتجاوز اللى عدى من حياتك ليه تملى 
تبعدينى 

اجابته باستهانة ساخرة وهى تهم للرحيل:

-بيتهيألك بس عشان انت عايز تشوف كدا الكل عنده 
نقطة مش قادرة ولا عارفة اتخطاها يا كنان بس انت
اللى مش حاسس بيا ممكن؟!

وجدته يسحبها بقوة معاكسة لرغبتها فى المغادرة لتصطدم بصدره شهقت ورفعت عيناها إليه لتجد لأول
مرة قسوة لم تعهدها منه ولا مرة خلال زواجهم
همس امام عيناها بتهكم:

-انا مش حاسس بيكِ ياكيان انا
احنا بقالنا ٩ شهور ياكيان متجوزين وانا بحاول اكون 
قد المسئولية، دا لو بموت اجى عندك واضحك فى وشك
انتِ عارفة انا اتوجعت ازاى على كارما كان نفسى اجى
فى حضنك واعيط وقلبى مهانش عليه احكيلك واشيلك
همى، او حتى ممكن افكرك بحاجة عدت 

طالعت غابات عيناه الزيتونية وهى مصدومة، مصعوقة
من طريقته ارتعش فكها بحركة لا ارادية ثم همست: 

-انا طلعت مش بحس بيك ومش بقدر 
طب ايه اللى غصبك تكمل مع واحدة زيه ها؟! 

همت للمغادرة ثانيةٍ إلا انه أوقفها وسألها بملامح لا تفسر:

-كيان انتِ قولتيلى ان فى بيت جدك حصلك تحرش
صح؟! انت متأكدة انه كان تحرش بس مش اكتر 
لو حصل اكتر صارحينى انا متفهم 

انتفض قلبها صريع الصدمة، حلم، بل كابوس، كابوس بشع، لاريب كابوس 
حدقت فيه بوجع ثم همست باختناق ملكوم:

-بدرى كدا يا كنان
انا كنت عارفة انه هيحصل بس قولت لأ مش هيوجعنى
ولا عمره يغصبنى او يشك فيا 
انت وجعتنى اوى يا كنان اوى وجعتنى بسؤالك دا

وقف مبهوتًا فقد حصرته فى زواية يخلو منها المبررات 
والدفاعات الواهية، دموعها التى اتخذت مجراها على
وجنتيها ضربته فى صميم روحه اقترب منها ببطئ 
لتعود هى للخلف، مسحت دموعها بظهر يدها قبل أن
تركض لغرفتها وهى تبكى بعنف واغلقت الباب خلفها

وقف على باب الغرفة يغمض عيناه بألم وقهر 

-افتحي ياكيان فهمتى غلط والله قصدى ان لو الموضوع
دا حصل انا مش فارق معايا افتحى والله انا اسف
اسف وحقك عليا اسف افتحى 

صرخت من الداخل من بين شهقاتها: 

-امشى من هنا انا مش طايقة اسمع صوتك ياكنان 

سقطت كلماتها عليه كالصاعقة التى هزت جذور شجرة عتيقة، وقبل أن يرد عليها جاءه اتصال ضغط على زر
الأجابة ثم اجاب: 

-جاى فى الطريق حضروا اوضة العمليات نص ساعة
واكون عندكم 

اغلق الهاتف ثم تابع قائلًا: 

-ساعة واحدة بس يا كيان وراجع 

ثم تحرك من امام باب غرفتها وهو يضغط على شاشة
هاتفه ليجرى اتصالا ثوان وكانت هاجر تجيبه: 

-هاجر لو سمحتى ممكن تيجى لكيان هى تعبانة شوية 
ومحتاجة حد معاها ساعة زمن عندى عملية وهرجع

-شكرًا يا هاجر واسف على الازعاج

*****

-خلاص كدا مفيش كشوفات تانى

تلك الكلمات اردفتها بيسان وهى توجه حديثها للممرضة
فاجابتها باحترام: 

-لا يا دكتور مفيش غير الاستاذ اللى قولتلك عليه 

هزت بيسان رأسها بيأس وهى تبتسم قائلة:

-دخليه 

لحظات وكان يدخل كرم وعلى وجهه ابتسامة باردة:

-اشطر جراحة فى العالم، عاملة ايه؟! 
على فكرة انا هنا من الصبح بس مرضتش اقول اسمى
وادخل قبل اى حد تعبان 

التو ثغر بيسان وهى تشير على الشاشة التى امامها قائلة:

-لا ما انا كنت شيفاك من هنا، من كاميرات المراقبة 
وطبعًا استحالة ادخلك قبل أى مريض 

جز على اسنانه بغيظ وهو يهمس لنفسه:

-طاهر عنده حق مغرورة 

تحركت بمقعدها المتحرك يمينًا ويسارًا ثم استندت بمرفقيها على سطح المكتب الزجاجى قائلة:

-آه شكلنا مش هنتفق يا كرم طالما جبت سيرة اخوك البربرى دا 

-ياستى انا طول عمرى اقول عليه واد بربرى كدا فى نفسه 

قهقت عاليًا وهى تقول: 

-اللى بيحبوه كتير، انا مش هسألك عرفتها ازاى، المهم عايز ايه منها انت مش مدرك الوضع اسفة يا كرم بس هكلمك بصراحة اولا ضياء لو كان رافض فى الاول 
جوازها دلوقتى شبه مستحيل يوافق بسهولة على اى
حد 
ثانيًا متزعلش منى فى فرق فى السن بينكم ودا لازم
يتاخد فى عين الاعتبار 

ثالثا ودا الاهم كارما متدمرة ومش مؤهلة لأى علاقة
جديدة ولازم تأخد وقتها 

تنهد بقوة مؤكدُا على كلامها:

-بصى انا مش عارف ايه اللى بيشدنى ليها بس زى
ما قولتى السن، فى سنى دا مفيش عيون شدتنى 
قد الحزن والكسرة اللى فى عينيها، لو حسيت ان 
اللى جوايا ناحيتها بداية حب هكون فى بيتها قدام 
اخوها واحارب الدنيا عشانها، بعدين ركزى كدا يادكتورة
لون عينينا نفس اللون وانا حستها إشارة ولا أيه رأيك 
فى لون عينى انا البنات بتتجنن عليا 

-لون عينيكم إشارة لا كدا كتير عليا 

حك ذقنه قائلًا: 

-وفرى على نفسك التعب والكلام مع شخص تافه زى 
وقوليلى اشوفها ازاى 

صمتت لبرهة ثم اجابته بهدوء: 

-نزلت الشركة بتاعة طاهر مع بيلا من كام يوم عقبال 
ما تفتح الدراسة عشان نفسيتها تفك 

نهض منتصبًا يستعد للمغادرة فاوقفته قائلة:

- بلاش توجعها يا كرم لو فاكر مغامرة او تجربة جديدة 
بلاش 

-لو مش عارفة انى مش كدا ماكنتيش ساعدتينى 
انا بجد متشكر يا بيسان

*****

وما أن خرج من غرفة العمليات ازاح كمامته يعطى 
التعليمات لطاقم التمريض ثم وقف امام ضياء قائلًا: 

-مضطر امشى هسيبك انت تباشر الحالة 

-مالك يا كنان انت مش طبيعى؟! 

تنهد بوجع وقبل أن يرد عليه جاءت إحدى الممرضات ومعاها هاتفه النقال ثم قالت: 

-دكتور الفون بيرن من بدرى باسم كيان 

ابتلع بصعوبة ويلتقط الهاتف مسرعًا ليفتح هاتفة مسرعًا
وضغط على زر الاتصال بتوجس ثوانٍ وقد جاء صوتها
ليجيب: 

-انتِ تعبانة طب طمنينى ابعتى العنوان وهكون عندك
حالًا

انتبهت حواس ضياء وهو يسأله بريبة: 

-مالها كيان فى حاجة، انا جاى معاك

-لا خليك مع الحالة ادعيلى يا ضياء

*****

طاهر حبيبى اللى وحشنى بقالنا اد ايه مسهرناش 
مع بعض

تلك الكلمات قالها كرم لطاهر فالتو ثغر طاهر قائلًا: 

-مصيبة صح؟! مصيبة قول على طول انا جتتى نحست 

اطرق كرم رأسه مدعيًا الحزن وهو يقول: 

-شوف يا جدع الانسان بيظلم اخوه الانسان ازاى 
وانا اللى جاى اقولك لونك كدا مخطوف ومحتاج 
تريح كدا اسبوعين من الشغل وانا اسد مكانك 

-ايه جو ام فاروق دا يا كرم، ما تيجى سكة اقسم 
بالله لو عملت مصيبة انت كمان البسك طقم حلل 
امك واسلمك بايدى عشان انتوا عيلة غم كلكم 

ابتسم كرم بتهكم ثم قال بأسف مصطنع: 

-ام فاروق تشكر يا سيدى، سكة عايز اشوف اخت ضياء 

جز طاهر على اسنانه وهو يقول: 

-شفت، شفت جر شكل، دا جر شكل
 اخت ضياء ازاى يا كرم حرام عليك هتموتونى بذبحة 

هز رأسه بالنفى هاتفًا: 

-ياجدع بعد الشر ربنا يديك طولة العمر وتفرحنا بعيالنا 

نظر له بغيظ ثم اردف بسخرية: 

-ايه جو المراهقين دا على فكرة اخوها هيطلع بروحك 
الاول، بس تصدق عندك حق هناخد اجازة اخر الاسبوع دا وشيل يا كرم 

ثم حدثه باستفزاز: 

-ما تشوف معاك صرفه فى بيلا دية تاخذ اجازة اى 
حاجة وتقعد فى البيت 

-تحب امشى كل اللى شغالين هناك وافتحلك اتنين 
بيرة مشبرين 

غمز له كرم وهو يقول: 

-كفاية واحدة يا ابو الواجب اكيد مش هتشربها 
معايا 

مد طاهر يده يفك حزام بنطاله وهو يغمغم فنهض كرم 
مسرعًا للخارج وهو يقهقه

****

صف سيارته ودلف للبناية المنشودة مسرعًا دون حتى 
أن يقرأ اللافتة يلتقط انفاسه بصعوبة متسائلًا:

-فى مريضة هنا اسمها كيان 

هزت الممرضة ثم نهضت قائلة: 

-اتفضل حضرتك عند الدكتورة جوه فى انتظارك 

ولج للداخل فوجدها مسطحة على الفراش هادئة مستسلمة، مستكينة اقترب 
منها بلهفة ثم امسك يدها ليجدها تنتفض ساحبة يدها بقوة بينما هى اسبلت اهدابها للطبيبة وكانت 
كإشارة لتباشر عملها وزع نظراته فى الغرفة بينما كانت
الطبيبة خلف الستار الأبيض، آنة خافتة خرجت من كيان
والدموع تغرق عيناها استعاد عقله سريعًا فصرخ بهستريا

-انتِ هنا ليه؟! بتعملى ايه؟! سبيها بقولك سبيها متكمليش

لحظات وكانت الطبيبة تخرج من خلف الستار الأبيض 
وهى تخلع قفازات الفحص الطبيبة قائلة: 

-مدام حضرتك عذراء 

كان يعلم أن ما ستنطق به الطبيبة فرمان باعدام عشقهم وانهاء علاقتهم، روحه تنزف حد اقتراب الموت
اقترب منها مغمغمًا بحزن: 

-ليه عملتى كدا ليه دبحتينى بايديكِ انا خانى تعبيرى
بس مرة واحدة، طب حاجة واحدة بس تشفعلى عندك

انكمشت على نفسها اكثر وهى تجذب الغطاء وتطالع
الطبيبة بدموع قائلة: 

-لو سمحتى خليه يطلع بره مش قادرة 

-مش هطلع مش هسيبك 

تنهدت الطبيبة قائلة: 

-لو سمحت حالتها مش طبيعية بلاش ضغط على اعصابها كدا هتدخل فى انهيار 

نظر للطبيبة ثم نظر إليها بقهر ثم ولج للخارج 
مرت دقائق وهو ينتظرها بالخارج دقائق وكان 
يطرق باب الغرفة وولج للداخل توسعت عيناه 
بصدمة وهو يهمس كالمجنون: 

-فينها، فين كيان 

-طلبت تمشى من الباب التانى بما انها شخص معروف
مش حابة حد يشوفها كان يصرخ كالثور الهائج وقلبه
ينتفض كالطير الذبيح خرج مندفعًا ثم هبط ليبحث عنها

بعد مرور ساعة لم تشعر بنفسها ألا عندما وصلت امام 
شقة عمها فتح الباب طاهر ليجد كيان توسعت عيناه
بصدمة وهو يتفحص هيئتها المزرية، ثم اقترب منها 
يسحبها للداخل بينما هى نطقت: 

-اول مرة اجى هنا برجلى وليا طلب وعايزة يتنفذ يا طاهر ومن غير اى سؤال عايزة انام انهارده وانا مش
على زمة كنان 

سألها طاهر منصدم من هيئتها فهى تبدو غير طبيعية: 

-فى ايه فهمينى طيب انا عايز اطمن عليكِ 

-متسألش لو سمحت يا طاهر

هز رأسه بالايجاب واندفع لغرفة والده ليخبره بوحودها

بينما كان كنان يجوب الشوارع بسيارته يبكى كطفل 
صغير ضل الطريق وبين كل شهقة والاخرى يصرخ 
باسمها القدر يعانده بكل جبروت حتى جاءته رسالة وما أن فتحها كانت تلك الصاعقة التالية لجأت لأهلها ولأول مره كى تتخلص منه كانت دائمًا تأخذ شقته المأوى ويطمئن قلبه بقربها، غير اتجاه سيره مسرعًا 

بعد حوالى ما يقرب من ساعتين ولج كنان لبيت عمها منكسًا رأسه ارضًا وكان الجميع ينظرون لبعضهم بأسى  وبعد دقيقة من الصمت خرج صوت حسين قائلًا: 

-اسمع يا بنى كل شئ قسمة ونصيب وانتوا نصيبكم 
خلص كدا وكل واحد يفارق بالمعروف وبنتنا طالبة
الطلاق 

كانت الدموع تملئ عيناه وهو يرد بوهن: 

-انا مش هطلق انا عايز مراتى 

خرجت مندفعة من الداخل ليظهر الألم جمًا على قسمات وجهها وهى تقول بحدة: 

-لا هتطلق، لأنى مش عايزاك مش مأمنة على نفسى معاك
لأنك خنت ثقتى، لأنك وجعتنى ومفيش داعى اقول ازاى
لأنى كرهت نفسى بسببك كرهت ضعفى معاك وانى مش 
قادرة ابعد عنك، بس كفاية وجع، كفاية لانى فعلا كرهت 
نفسى وكرهتك 

انهت كلامها واخرجت ما فى جعبتتا بعد أن ضاقت عليها الدنيا، كسرها؛ كسر خاطرها وقلبها اخذت تتنفس بصعوبة ولم ترى أحدًا وهى تخرج كل الذى كتمته بقلبها دفعة واحدة ارادت أن تعبر عن جزء من وجعها، كان بداخلها بركان يريد الأنفجار وحرق كل شئ وقد انفجر ، لم تفكر بصعوبة كلماتها عليه

أتلك هى مرارة الحطام؟!
اهذا هو ألم الخذلان؟! 
 نار، نار حامية تكوى جوفه تصريحها بكرهه والنفور منه امام الجميع ، يحسه عقله على الأبتعاد إلا أن قلبه تعلق 
بعيناها ، بوجهها المنكسر ومقلتيها الدامعتين وذلك الوجه
الحزين الذى يعلن النهاية وتلك هى لحظات الوداع

فهذه اللحظة كان العقل مغيب وكأنه لم يسمع ما قالته 
والسيطرة التامة لقلبه اقترب منها تحت نظرات الأعين المشفقة عليهما ليأخذ وجهها بين راحتيه ثم ثبت نظراته
التى زلزلت قلبه عليها فهو اسير قلبها وخرج منهزمًا وهو يتمتم بنبرة منكسرة وقلب 
منفطر من الألم: 

-قولتلك أنا جيشك واستحالة اسيبك واهرب او انهزم
فى معركتى بالفوز بيك ِ، لكن هزمتنى  نظرة الكره
والنفور اللى فى عينيكِ، انا اتهزمت فى معركة حاربت فيها لوحدى وقلبى هيفضل اسيرك طول ما فى نفس 

وضع يده خلف رأسها ليقربها ثم قبل جبينها قائلًا:

-انتِ طالق يا كيان 

ياليت كل شئ يعود كالسابق 
ياليت اللقاء ماصار، ياليت ياليت 

مر كل شئ عليها كإحدى الكوابيس التى تهاجمها بضراوة
كل ليلة ثم يعود وينسحب بنفس السرعة والمفاجاة، اصبحت تتشتج كمن على عتبة الموت تشهق شهقات مكتومة من اعماقها المغلولة، اقترب منها ساهر يضمها لصدره فتشبثت به وكأنها تحتمى به، ضمها بحنان وقلبه يتأوه على حالتها رمقها طاهر بحزن عميق ولا يدرى متى سيترأف القدر بحالها، ولا ينكر أن قلبه تألم من اجل كنان، ثوانٍ وكانت تبتعد عن ساهر وهى تمسح دموعها 
بظهر كفها قائلة: 

-اسفة انا جيت من غير ميعاد 

اجابها عمها بحنان ابوى: 

-ازاى يا بنتى دا بيتك 

لم تلتفت له او ترد عليه صمتت ثم اردفت: 

-طب عن إذنكم همشى انا 

ضيق كرم عيناه قائلًا: 

-هتمشى تروحى فين وانتِ كدا هتقعدى معانا طبعًا

-هروح شقتى مكانى حقى عن إذنكم 

اوقفها ساهر قائلًا: 

-لا مش هسيبك هنحجز فندق وبعدين ناخد شقة نعيش فيها مع بعض مش هسيبك كدا

ضحكت بتهكم: 

-متخافوش عليا كدا يا جماعة دا انا ابويا وامى رمونى 
اكيد مش هتجلط لما اتطلق هاعيش هناك لوحدى زى 
ما كنت ياريت ماحدش يضغط عليا وتخلونى اندم انى جيت هنا تصبحو على خير 

صمت الجميع تنفيذًا لرغبتها ربما تكون بداية النهاية

****

هل طلقها؟! هل فعلها؟! 

بعد أن ذهب نادمًا لم تمنحه الفرصة كى يضمها لتستكين على صدره ويعوضها عن حماقاته، كان 
يعلم انها كانت لن ترضخ بسهولة لكن لم يكن فى مخيلته 
ما فعلته، لم يتخيل تصريحها بكرهه امام الجميع 
غامت عيناه بدموع وهو يصرخ باسمها كان اعمى 
حينها كيف نطق لسانه بهذه الكلمات سحقها بكلماته، وسحقته بكرهها
ظل فى سيارته يبكى كطفل وحيد فقد كل عائلته وضل
الطريق

***

تجلس فى ارضية الغرفة تضم ركبتيها لصدرها  تبكى 
بعنف وشهقاتها تملأ الغرفة، تبكى بكبرياء انثى مدبوحة، صخور تطبق على صدرها، اما قلبها 
ينتفض بعنف سيخرج من محجره رافضًا البعد، اخذت
تضرب موضع قلبها هامسة: 

-كفاية بقى حرام عليك، اقف بقى وريحنى انا جيت 
الدنيا زيادة عدد تعبت اقف بقى 

ثم تابعت بوجع: 

-كنان انا مش هعرف انام لوحدى تانى انا مجربتش حضن ابويا ولا امى بس جربت حضنك انت ليه عملت كدا

خرجت منهزمه كعادتها لتبقى دائمًا روحها بلا مأوى 

*****

بعد مرور اسبوعان 

مضى اسبوع يراقبها من داخل مكتبه، لكنه قد حان الآن لحظة المواجهة، سحبها من يدها للداخل ثم كمم فمها وهو يطالع غابات 
الزيتون الخضراء، دقائق لم تستوعب فيهم مايحدث 
دقائق والعقل مصدوم بين الصدمة والتخبط وما أن تفحصت 
ملامحه مدت يدها لذلك السلسال، فابتسم ثم ابعد 
يده عن فمها لا زالت تحملق فيه بصدمة ثم همست: 

-انت ازاى؟! 

رفع احدى حاجبيه قائلًا: 

-ايه هو اللى ازاى، لا انا مبحبش الاسئلة المبهمة دية 
اللى كيف كانت الطبيعة قبل الخلق، بصى ماليش فى 
العمق 

-انت بتقول ايه انا مش فاهمة

حاول كتم ضحكاته ثم قال بجدية: 

-حمدلله على سلامتك 

ابتلعت ريقها ثم سألته بنبرة ذات مغزى: 

-ازاى عرفت انى فى المستشفى؟! هو انت عرفت السبب؟! وهى السلسلة كانت معاك؟! ليه ؟! وازاى تتجرأ على كدا؟! وايه اللى جابك هنا؟! 

التو ثغره بتهكم ثم اجابها باختصار: 

-ايه هو امتحان كل دية اسئلة، انا هنا لأنى صاحب المكان 

طوت يدها امام صدرها قائلة: 

-ازاى دا مكان بيلا وطاهر 

-لو سمحتِ الباشمهندس طاهر دا الواد اتفحت فى التعليم 

تنهدت بحنق قائلة: 

-انت مين؟! وعايز منى ايه؟! 

ابتسم بتوسع قائلًا: 

-انا كرم اخو طاهر 

طرق على باب المكتب قاطعهم ولجت بيلا قائلة: 

-كرم اكدلى على حجز القاعة والأكل كله بره الحجز 
بتاعنا تمام 

ثم لمحت تلك الواقفة فرمقتها باستغراب وقبل أن 
تنطق كان كرم يحدثها: 

-اتفضلى يا استاذة عدلى الحسابات فيها غلطات كتير 

اتسعت عين بيلا بذهول وهى تطالع كارما:  

-كرم معلش كارما مش شغالة هنا دا تدريب هى اخت 
ضياء يعنى لو اى حاجة تكلمنى 

غمز بطرف عيناه لكارما التى ألجمت الصدمة حواسها
ثم قال بجدية زائفة:

-تمام هى اصلا كانت ملحوظة خفيفة 

ابتلعت كارما ريقها ثم رمقته بريبة وهى تقسم بداخلها انه ليس بكامل قواه العقلية ثم انصرفت من المكتب 

****

اقترب ضياء من والدته الشاردة يعلم ما يعتلى صدرها
لكنه ابتسم واقترب منها وهو يمازحها: 

-الهدهد الجميل شاردة فى ايه؟! 

تنهدت بثقل: 

-فى اللى حصل لينا الفترة الاخيرة 

تناول يدها يقبلها قائلًا: 

-طالما نفسك فى الدنيا كله يهون 

ربتت  على كتفه وهى تقول: 

-آه، ابوك الله يرحمه كان هينزلنا قبل وفاته بيوم 
كان زمان بنتى ما شافتش كل دا بس اقول ايه 
كله نصيب

تقلصت ملامح ضياء وهو يسألها بقلق: 

-انا اول مرة اعرف الموضوع دا احكيلى كدا 

*****

ابتسم زهير بشر وهو يقول: 

-برافو عليك بردت نارى  اخدت تارى من اللى اسمه 
ايمن يلا ربنا يرحمه او يجحموا مطرح ما راح

****

تعليقات