رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم هند رفاعي


 رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل السادس والثلاثون 

ترك خالد مريم في شقتها لتنتجهز للذهاب مع يوسف والأولاد وتوجه للشقة الأخرى. دخل الحمام ووقف تحت رشاش الماء البارد دون أن يكلف نفسه عناء خلع ملابسه، فلم يهتم بالبلل أو بالملابس، أراد فقط أن يطفأ فوران الدم في رأسه بالماء البارد. لعل يهدأ من حدة صراع الأفكار المتزاحمة في عقله، فقد علم الكثير من الحقائق خلال ساعات قليلة.

أيمكن حقاً أن يكون زوج أناني هكذا لم يشعر بمعاناة زوجته ورفيقته طوال تلك السنوات.

لقد كان حريصاً ألا يظلم أحداً في حياته كله وأنتهى به المطاف يظلم أقرب إنسانة لقليه.

كيف عاش طوال تلك السنوات دون أن يفهم زوجته ويشعر بالامها؟

كيف لم يهتم بأدق تفاصيلها ليعرف مخاوفها ويحميها منها؟

كيف ضغط عليها حتى هزمها المرض وأعتصر جسدها الصغير ؟

كيف ذيحها دون أن يسمع صرخاتها ؟

فهي زوجته، مسئوليته حبيبته، أم أولاده حمايتها واجبه، كيف تفقد الأمان في حضنه ؟

كيف تترك منزلها وتبحث عن الدفء في مكان آخر حتى لو كان بيت شقيقها؟

ما هو الخلل في علاقتهما حتى تتسع الفجوة بينهما هكذا؟

متى تسللت خيوط قلبها من حضنه ؟

راجع خالد حياته مع مريم منذ البداية حتى اللحظة، تفحصها بعين خارجية، تذكر كل اللحظات التي كان يلاحظ علامات الحزن أو الإرهاق على زوجته ويتجاهلها لمجرد إدعائها الكاذب بالسعادة.

لام نفسه على كل لحظة تجاهل قلبه الذي سمع أنينها وصدق أذنه التي سمعت كلماتها.

راقب الشقوق القديمة الباهتة في علاقته بزوجته التي أتسعت بعد سفره وبعده عنها وهدمت

جدار الثقة بينهما بعد قراره بالزواج من إلهام.

فإن كان زواجه من إلهام فجر القبح من حياته الزوجية مع مريم، لكن الجروح والإلتهابات قديمة وعميقة منذ سنين بسبب إهماله لزوجته واعتبار وجودها من المسلمات.

فإن كان يشتكي إفتقاد حياته لإثارة الحب ومشاعر الرغبة المتقدة فالمسئولية تقع على عاتقه أيضاً لإنشغاله بعمله ودراسته وحياته بعيداً عن زوجته.

فزوجته احتاجت من يحتويها ويداويها بحنانه ولم تجد ذلك في حضنه.

مسح خالد بيده على وجهه وأزاح الماء من على عينيه لعل تنضح الرؤية ويرى الأمور على حقيقتها لأول مرة منذ فترة طويلة.

يرى المخطئ والمصيب ويرى الظالم والمظلوم.

مثلما اتضحت أمامه حقائق معاناة مريم علم أيضا بحقيقة أخرى عن زوجته الثانية.

ايمكن أن يكون خدع فيها طوال تلك الفترة؟

أيمكن أن يكون مغمى العينين عن حقيقتها كيفما لم يرى ندوب الألم في قلب مريم؟

أيمكن أن تكون السبب في اختفاء مريم طوال عام كامل ولم تخبره بشئ ؟ لم تندم ولم تعترف

بذنبها.

أيمكن أن تكون السبب في ضياع أم أولاده وفقدها لمدة عام ؟

أيمكن أن تكون السبب في خسارة زوجته لصحتها ومعاناتها مع المرض؟

أيمكن أن تكون السبب في احتمالية موت زوجته وفقدها للأبد؟

ايمكن أن تكون السبب في احتمالية تيتم أولاده؟

أيعقل أن يكون بهذا الحمق ؟

أيعقل أنه لم يعلم أو يدرك أي شيء مما يحدث حوله ؟

كيف سمح بحدوث ذلك؟

كيف تسربت حياته من بين بديه هكذا؟

تدفقت المياه الباردة فوق رأسه والأفكار والأسئلة في عقله سمع جرس الباب وتوقف عن التفكير للحظات اغلق الصنبور و جفف شعره و وجه، خلع عنه الملابس المبتلة وبدلها بغيرها جاف. خرج من الحمام وفتح الباب وجد يوسف ومعه عمر وأصيل. أنحنى وعانق ابنه وبنته

وسأل يوسف بعدما رد السلام.

"أمال محمد فين؟"

محمد قال أنه هيقعد معك. رفض يجي معنا."

تردد خالد قليلاً ثم سأله.

" ومريم فين؟"

"مريم سبقتنا لتحت الأولاد طلبوا يسلموا عليك قبل ما نمشي "

انحنى خالد وعانق صغيره وقبله على وجنته التفت الأسيل وعاتقها وهمس في أذنها.

خدي بالك من ماما وعمر."

أومات الصغيرة برأسها، انتصب خالد في وقفته وصافح يوسف وقال.

"خد بالك منهم. مراتي وأولادي أمانة عندك "

أبتسم يوسف وقال.

"أنت هتوصيني على أختي؟"

" ان شاء الله هأتصل بيك أطمن عليهم."

"باذن الله"

هتروحوا الشقة هنا ولا القصر في الأسكندرية ؟"

"سارة... قصدي مريم عاوزة تبعد شوية. فهنروح القصر "

"أوك خد بالك منها "

"ما تقلقش "

التقت يوسف للأولاد وقال.

بسرعة علشان ماما مستنية تحت في العربية "

التقت أعين خالد بأولاده للمرة الأخيرة ليودعهما وتتبعهما حتى ركبا المصعد مع خالهما وأغلقت

الأبواب. دخل خالد شقة مريم ونادي على محمد.

"محمد"

أتي محمد مسرعاً من غرفته ووقف أمام أبيه وقال..

نعم يا بابا عاوز حاجة ؟"

ما روحتش مع ماما ليه ؟"

"ما حبيتش أرو.......

"بابا"

لاحظ محمد ترنح أبيه فأسرع وسنده وأجلسه على أقرب كرسي، أسرع محمد للمطبخ وأحضر

كوب ماء الأبيه.

"مالك يا بابا؟ أنت تعبان؟"

أخذ خالد كوب الماء وأرتشف منه التفت لابنه وابتسم ليطمئنه وقال.

"ما تقلقش أوي كدة. أنا بس ما أكلتش"

"حالا هسخن لك الأكل "

مسك خالد بذراع إبنه ليستوقفه ونظر للأعلى له وقال.

"أقعد بس هنا الأول وجاوبتي ما روحتش مع ماما ليه؟ أنا كنت ها بقى مطمن لو أنت معها."

جلس محمد على ذراع وأجاب أبيه بصوت منخفض.

"ماما مش محتاجة لي "

"نعم ؟ أنت بتقول كدة ليه ؟ ماما عمرها ما تقدر تستغنى عنك ولا عنكم كلكم "

"ماما معها خالو يوسف. لكن أنت هنا لوحدك مين هياخد باله منك؟"

أبتسم خالد وربت على ظهر ابنه وقال.

"هو أنا صغير علشان تاخد بالك مني؟"

مش قصدي يا بابا، لكن أنا شايف قد أيه حضرتك تعبان الفترة اللي فاتت. و أنا ما أقدرش

أطمن عليك وأنا بعيد عنك "

أخد خالد برأس أبنه واحتضته وملس على رأسه وقال.

کیرت یا محمد، وبدل ما أخد بالي أنا منك بقيت أنت اللي بتاخد بالك مني "

"ربنا يخليك لنا يا بابا وتاخد بالك مننا كلنا على طول "

"ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي، من غيركم مش عارف كنت هقدر استحمل الدنيا ده ازاي."

قول لي بقى عاوز تنعشى آيه؟"

"اللي تعمله. أي حاجة تعملها هتبقى حلوة."

"خلاص استناني عشر دقائق بالظبط والعشاء هيكون جاهز."

" وانا أقوم أصلي المغرب والعشاء عقبال لما تخلص أنت"

أدى خالد فروضه وجلس على مائدة الطعام. بعد دقائق قليلة خرج محمد من المطبخ يحمل صينية عليها بعض الأطباق، رض محمد الأطباق أمام خالد واستنشق خالد رائحة الطعام وقال.

"الله، ريحة الفول جميلة أوي "

أبتسم محمد وجلس على كرسي بجوار أبيه وناول أبيه الخبز وقال.

" بألف هنا وشفاء "

قطع خالد الخبز وغمس لقمة في الفول والتقمها.

"امممم. مش بعرف أكل الفول إلا من تحديقك أنت وماما."

ضحك محمد ضحكة خفيفة وقال.

"ما علشان أنا بظبطه بطريقتها بالظبط"

توقف خالد عن الأكل ونظر للأمام وتمتم.

"وحشني أكلها أوي. وهي كمان وحشتني أوي."

صفق محمد بيديه وافاق أبيه من شروده وقال.

يا عيني يا عيني تحب أتصل لك بها وأقول لها الكلام الحلو ده."

ضرب خالد كيف ابنه مازحاً وقال.

"أتلم يلا"

ضحك محمد وأبتسم خالد وأستأنف طعامه بعد العشاء تناوب الأب وإبنه على تنظيف المنضدة والأطباق، دخل محمد غرفته لينام و توجه خالد الغرفته، فتح الباب ووقف للحظات أمام الغرفة المظلمة. دخل خطوتين داخل الغرفة وتنقلت عينيه بأرجاءها سرت رعشة يرد ووحشة في

أوصاله، أنحنى خالد وأخذ غطاء ووسادة من على السرير وخرج وأغلق الباب ثانيا وعاهد نفسه .

ألا ينام فيها ثانياً قبلما يعيد مريم و تملأها بدفء وجودها.

دخل غرفة المكتب وألقى الوسادة والغطاء على الكتبة وجلس هو وراء مكتبه. أخرج هاتفه من

جيبه ووجده مغلق فوضعه في الشاحن وفتحه، وجد العديد من المكالمات الفائتة من صديقيه

ياسين و جاسر وزوجته إلهام أتصل بجاسر وآتاه صوت جاسر يصبح على الفور.

"أيه يا متخلف أنت؟ روحت فين ؟ من الصبح عمال أتصل بيك."

بالراحة علي طيب مش كدة "

"أنت بنهرج يا خالد؟ أنت من وقت ما خرجت من المستشفى وأنا ها تجنن روحت فين وقفلت

موبايلك ليه ؟ "

"الموبايل فصل شحن، وكنت في مشوار مهم. المهم أنا كويس وما تقلقش علي "

سمع خالد صديقه يزفر بارتياح وقال

" يعني أنت كويس ؟"

أيوة الحمد لله. "

"الحمد لله. ممكن ما تخضنيش عليك كدة ثاني."

"ما تقلقش يا عم. عمر الشقي بقي "

بجد يا خالد أنت ما تعرفش حالتي أنا وياسين كنا عاملين أزاي بعد ما مشيت أنت من

المستشفى "

"خلاص بقى أنسى. صح قبل ما أنسى كنت عاوزك في موضوع كدة"

"خير؟"

مال خالد الأمام وأسند كوعه على المكتب وقال.

"عاوزك تركز على فندق شرم اليومين دول "

"ما أنا بروح هناك أسبوعين وأجي هنا أسبوعين، ولا أنت عاوزني هناك على طول ؟"

بصراحة محتاجك هناك على طول لو ينفع لو مش هينفع خالص ممكن تخليك هناك ثلاث

أسابيع وتعالى هنا اسبوع"

هشوف مع ندى وارد عليك لو هينفع تيجي معي مقعد هناك على طول، لو مش هينفع هشوف

هنحلها أزاي.

بس اشمعنى يعني دلوقت عاوزني في شرم؟"

حمحم خالد وقال.

"مفيش. بس أنت عارف من يوم اختفاء مريم وبعدين المشاكل اللي حصلت بعد ما رجعت وأنا

مشغول هنا وما روحتش هناك بقالي كثير. وأنا عاوزك عيني هناك بصراحة."

صح فكرتني هو أنت بجد طلقت مريم؟"

تنهد خالد وقال.

"أيوة. لكن الحمد لله رجعتها ثاني النهاردة.

"الحمد لله، أنا بصراحة ما كنتش عارف أستوعب الفكرة. أنت عمرك ما أشتكيت منها طول

السنين اللي فاتت انك تبجي وتقول لي طلقتها كانت صدمة بالنسبة لي.

"الحمد لله الماية رجعت لمجاريها، وربنا يبعد عنكم ولاد الحرام "

امين يا رب. أدعي لي يا جاسر، محتاج للدعاء أوي "

"مالك يا خالد؟ أنت مش عاجبني خالص بقالك فترة؟ أحكي لي في أيه."

معلش یا جاسر من هأقدر أتكلم دلوقت أسيبك بقى علشان بجد دايخ خالص وعاوز أنام. تصبح على خير"

وانت من أهله، سلام يا رحم"

أبتسم خالد وأجاب صديقه.

"سلام يا غلس "

أنهى خالد الإتصال وظهر أسم إلهام على شاشة هاتفه تردد خالد للحظات ثم تنهد يضيق وقبل الإتصال.

"السلام عليكم "

" وعليكم السلام ورحمة الله. بقالي كثير بحاول أتصل بيك والشبكة وحشة أوي عندك.

عامل ايه دلوقت؟ جاسر بايت معك ولا روح ؟"

مسح خالد على وجهه وأجابها.

"أنا روحت البيت."

ردت عليه زوجته على الفور بعصبية.

"أيه؟ روحت البيت؟ طيب ما جيتش على هنا ليه؟ وليه تروح على البيت؟ مش أنت طلقت

مریم ؟ هتبات عندك ليه ؟ "

شعر خالد بغيرتها وبغضبها في صوتها فأجابها.

عادي يا إلهام روحت بيتي مش برتاح غير في بيتي، وكمان ما كانش ينفع أسيب محمد بايت

هنا لوحده."

"لوحده أراي؟"

"مريم أخدت عمر وأسيل ومشيت"
مشيت راحت فين ؟"

زفر خالد بضيق وقال

" الهام أنا تعبان ومش فايق لتحقيق آخر الليل ده."

"....یا خال

قاطعها خالد بحدة.

بقول لك تعبان لو فاكرة يعني أنا كنت في المستشفى الصبح ممكن او سمحت تسيبيني أنام؟"

"خلاص يا خالد أنا أسفة، تصبح على خير"

" وانت من أهله "

أنهى خالد المكالمة ووضع الهاتف على المكتب وتمتم.

"لما نشوف أنت أي إلهام فيهم.

الهام مراتي اللي عاشت معي سنة.

ولا إلهام اللي كانت السبب في عذابي أنا ومراتي وعيالي سنة."


تعليقات