رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثامن والثلاثون
كان يقود سيارة صديقه في طريق العودة إلى البيت فقد كلفه أيوب بإيصالهم بعد انتهاء حفل الزفاف....
لم يكن في السيارة سواه هو ووالدة أيوب وأخته وحبيبته هو.... تلك الحبيبة البعيدة المستحيلة....
عاد بعينيه إلى المرآة الأمامية يختلس النظر إليها دون أن يشعر أحد ولا حتى هي....
هي التي انشغلت في هاتفها تحدق في شاشته منذ لحظة دخولهما السيارة.....
قالت صفية بوداعة وكانت تجلس إلى جواره بينما احتل التوأمان المقعد الخلفي....
"كتر خيرك يا سلامة يا ابني.... تعبناك معانا ورجعناك من بيتك بعد ما كنت وصلت.... "
تنحنح سلامة باحثًا عن صوته بين ركام مشاعره وعيناه مثبتتان على الطريق
أمامه....
"ما تقوليش كده يا خالتي أم أيوب..إحنا أهل....والله لو كنت أعرف قبلها كنت قعدت
مستني وروحنا كلنا مرة واحدة... بس لقيت أيوب بيكلمني بعد ما مشيت... بيقولي أجي أوصلكم بعربيته.... علشان الوقت اتأخر ومش عايز يكلم حد غريب يوصلكم....."
إبتسمت الأم بجذل وهي تقول.....
"ربنا يسعده كانت ليلته حلوة.... وعدت على
خير.....عقبال عوضك ياسلامة.... "
رد عليها مبتسمًا بسمة لم تصل الى
عينيه....
"تعيشي ياخالتي..... عقبال حجك...."
تنهدت صفية قائلة بتمني....
"يارب بس اطمن الأول على البنات واشوفهم
في بيت عدلهم...."
رد ردًا مختصرًا.....
"تفرحي بيهم ان شاء الله....."
تبرمت صفية وهي تقول بضيق مكتوم....
"يارب يابني....لحسان عندنا واحده هنا منشفه دماغها....وبطفش عريس ورا التاني...."
حركت نهاد أهدابها بتوتر وارتفع صوت
أنفاسها قليلًا بينما تسلل الغضب إلى
ملامحها المتحفظة بعدما باغتتها أمها بفتح هذا الحديث الخاص بها أمام آخر شخص قد
تتمنى أن يعرف عنها شيئًا !....
نظرت نهاد إلى ندى التي بدورها زمَّت شفتيها باستياء من أمِّهما...
فيما سأل سلامة بترقب....
"مين ندى؟!..."
قالت الأم....
"لأ... نهاد الدكتورة..."
"مـامـا..."
سمع صوتها أخيرًا بعد أشهرٍ انقطع فيهما الوصال حتى صوتها لم يعد يسمعه كلما تصادفا.....
خفق قلبه بلوعة وعيناه تذهبان إليها بشوق عبر المرآة الأمامية...
تلاقت عيناه بعينيها الغاضبتين في حوارٍ قاسٍ كان أشبه بطعناتٍ متتالية في قلبه...
بينما قالت الأم بطيبة....
"سلامة مش غريب ومننا وعلينا... ده زي أخوكي..."
اعتصر الألم قلب سلامة وهو يبعد عينيه عنها بالإكراه... لتتابع الأم بإسهاب....
"هشهدك يا سلامة... من ساعة ما دخلِت الجامعة وهي ما شاء الله محبوبة وسط صحابها وواخدة وضعها بين الدكاترة
والكل يشهد بأدبها وأخلاقها وشطارتها..."
زاد الحديث بَلَهًا في قلبه فشعر بالاختناق أكثر وهو يقول بصوت متحشرج...
"الدكتورة من يومها شاطرة... وعارفة هي عايزة إيه..."
أشاحت نهاد بوجهها إلى النافذة بملامح ناطقة بالسخرية من حالها...
قالت الأم متحسّرة...
"ده في التعليم بس عارفة هي عايزة إيه... لكن في العادي؟.... بترفع ضغطي..."
رد سلامة بسرعة...
"بعد الشر عليكي يا خالتي... ليه بس كده..."
قالت الأم بوجوم....
"جايالك في الكلام... كذا مرة ييجي لها عريس وترفضه من برا... برا...
وكانت بتيجي تقولي من باب الفضفضة..
بس مكنتش باخد ولا بدي عشان كلهم طلاب زيها... أكبر منها بكام سنة... يعني لسه المشوار قدامهم طويل..."
رفع سلامة عينيه بقوة عليها فتبادلت هي أيضًا معه النظرات ببرودٍ أقرب للصقيع
تتحداه أن يعترض...
استأنفت الأم بغيظ شديد....
"إلا المرة دي حرقت دمي والله يا بني... رفضت معيد.... معيد هيتجنن عليها وهي بلسانها قالت إنه ابن ناس ومحترم ومُرتاح ماديًّا... ومعيد... دكتور....بالله عليك ده يُترفض؟!"
بهت وجه سلامة وتحولت عيناه إلى القَتامَة كأنما جرّ عليها الليلُ ظلاله بعد كل تلك الصفات المغايرة لحاله والتي أُثنِيَت بها
إلى أمها...
وأمام نظراته تلك التي تتفهم هي سببها جيدًا
لان قلبها المطعون بالهوى وضعف أمام طاعنه فقالت بانفعال تحاول كبته....
"ماما... كفاية كده..."
امتلأ صدر سلامة بالغضب وهو يرى في عينيها ذلك الإشفاق اللعين تجاهه... يعشقها بجنون لكن تعاطفها يخنقه بعذاب الضمير
بعد كل ما ارتكبه في حقها؟!
رد بتحفظ والتشنج بادٍ على قسمات وجهه...
"ما يترفضش طبعًا يا خالتي..."
ثم نظر إلى أمِّ عينيها يخترق قلبها بسهامٍ من كلماته بتبجّح لا تعرف كيف يبرع فيه بعد كل ما فعله بها...
"فكري يا دكتورة... يمكن يطلع مناسب ليكي... وتحبيه..."
عبست صفية معقّبة بجدية...
"حب إيه بس يا سلامة؟.... الحب كده كده بييجي بعد الجواز... والعِشرة الطيبة بدوم. أنا لما اتجوزت عبدالعظيم لا كنت أعرفه ولا هو يعرفني...
هو وافق عليا بعد ما رشحتني له واحدة من قرايبُه وشكرت فيا وفي أهلي... وسيرتنا الكويسة... وأنا وافقت بيه لما عرفت إنه ابن حلال مش بيسيب فرض وراجل كسيب
وبر بأهله..."
"وهو ده الصح يا ولاد... نختار بعقلنا... وبعد كده الحب هييجي مع الوقت..."
تدخلت ندى في الحديث قائلة بصلابة وهي تنظر إلى سلامة بقرف....
"ده بالضبط اللي بقوله يا ماما... ماينفعش خالص نتجوز لمجرد إننا بنحب الشخص ده متغاضيين عن عيوبه..."
جادلها سلامة بغضب مكتوم لأول مرة...
"الحب مهم برضه يا آنسة ندى... ياما ناس اتجوزت بنفس طريقة خالتي... وكملوا مع بعض تعود... مش حب..."
قالت صفية....
"التعود هو الحب برضه يا سلامة..."
هز سلامة رأسه قائلًا بصوت بعيد...
"لا يا خالتي... في فرق كبير بينهم... وأنا عارف أنا بقولك إيه..."
أغمضت نهاد عينيها بعذاب وهي تستند على زجاج النافذة فإن كانت تلك هي الحقيقة فعلًا...فهي لا تُغيّر شيئًا.....نحن انتهينا...
قالت الأم بعد تنهيدة طويلة....
"على العموم يا بني... كل شيء في الدنيا قِسمة ونصيب... وده اللي بقوله لنهاد دايمًا... محدش عارف نصيبها وقلبها هيبقوا مع مين..."
في حالتها هي قلبها أصبح في مكان ونصيبها مُعلَّق في الغيب؟!...
فتحت نهاد عينيها لتنهي هذا الحوار الذي استنزف من روحها وقلبها أكثر من اللازم..
"ماما... يا ريت نقفل السيرة دي... مش معقول كده... الجواز دلوقتي هيعطّلني عن مستقبلي وأنا مش عايزة كده..."
قالت الأم مقترحة عليها بإلحاح غريب...
"طب نعمل فترة خطوبة... خلي يجي وأيوب يشوفه... وأخُوكي برضه ليه نظرة..."
نظر سلامة إلى المرآة بلهفة يخشى من
ردها...
أجابت نهاد أمها بملامح متحفظة...
"بعديـن يا ماما... سيبي أيوب يفرح وينبسط مع عروسته... مش عايزين نصدعه من دلوقتي..."
قالت الأم بابتسامة صافية....
"على رأيك... نأجلها شوية... ربنا يسعده..."
ثم بعد دقيقتين من الصمت قالت إلى سلامة بمحبة...
"مراتك غلبانة أوي يا سلامة... يا حبة عيني قعدت جنبنا مقلتش كلمتين على بعض..."
ابتسم سلامة على سيرتها ابتسامة غريبة ولاحظت نهاد هذا التناقض المريع عليه...
"عشان مش واخدة بس على الجو... لو خدت عليكي هتصدعك... دي بنت سوق زينا..."
قالت صفية بابتسامة ودودة....
"أيوه بس غلبانة... ومحترمة... ودول بقوا صعب تلاقيهم في واحدة بنت سوق زي ما بتقول...... وفوق ده وده... بتحبك..."
أومأ برأسه موافقًا... لكن ليس على القلب سلطان في الحب...
هو يحب أخرى... لكن النصيب لن يجمعهما أبدًا... لذلك عليه أن يتعايش مع حياةٍ اختارها بنفسه...
توقف بالسيارة أمام باب المنزل ترجلت ندى أولًا ثم والدتها... أمسكت ندى يد أمها تساعدها على الصعود بعد يوم متعب وشاق...
دعته صفية بودّ....
"تعالى يا سلامة يا بني ارتاح فوق شوية
من المشوار..."
رفض سلامة بابتسامة صغيرة...
"ألف شكر يا خالتي... يادوبك أروح... على مهلك وإنتي طالعة..."
أمرت ابنتها الأخرى بهدوء....
"ابقي خدي منه مفتاح العربية يا نهاد..."
قالت ندى بتجهّم وهي تنظر نحو أختها...
"نهاد اطلعي على طول... عايزاكي..."
وحين اختفتا من أمامهما صاعدتين إلى الأعلى اقتربت نهاد منه تمد يدها قائلة بتحفظ....
"ممكن المفتاح..."
سألها سلامة وكأنه يملك الحق فيما عيناه تتشرّبان من ملامحها بشوق....
"ليه مش موافقة على العريس اللي متقدملك؟"
ردّت عليه بنظرة جافية...
"دي حاجة تخصني... يا ريت ما تدخلش نفسك فيها..."
التوى فك سلامة بسخرية لاذعة...
"أمك دخلتني... بتقول إني زي أخوكي... متعرفش حاجة..."
ردت نهاد بصوت حادّ مسنّن...
"مفيش حاجة بينا عشان تعرفها..."
رد وعيناه تتشبكان في عينيها بصراع
محتدم....
"كان فيه... دلوقتي مفيش غير وجع..."
تشدقت نهاد ساخطة...
"وجع؟!.... بس أنا شايفة واحد متجوز ومبسوط مع مراته... وبيتغير عشانها..."
رد سلامة مدافعًا عن نفسه...
"أنا بتغير عشاني... مش عشان حد..."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة بلا روح...
"كويس... بس أكيد هي ليها يد في التفكير ده..."
رد بصعوبة وعيناه معلقتان بها بعذاب...
"وليه ما يكونش إنتي... مش هي..."
قالت ببرودٍ يخفي رجفة قلبها...
"لو كنت عايز تعمل حاجة عشاني... كنت عملتها قبل كده... ما تضحكش على نفسك..."
أطرق برأسه يركل الحصى وهو يقول
بتهكّم...
"أنا من رأيي توافقي على الدكتور اللي متقدملك... هو مناسب أكتر ليكي..."
امتقع وجهها بالغيظ منه وهي تقول بقسوة مقصودة....
"مش إنت اللي هتحدد إيه المناسب ليا... ومتفكرش إني رافضاه بسببك... زي ما قولت في العربية... أنا مركّزة في دراستي لأن شهادة تخرجي هي الأهم... ومش عايزة أفكر في أي حاجة غيرها..."
ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها تخفي انفعالًا قويًا اجتاح جسدها....
"بلاش تدي لنفسك حجم في حياتي يا سلامة... لأنك مش موجود فيها أصلًا..."
"ركز مع مراتك... وحياتك اللي اخترتها..."
تجمدت ملامحه تحت وقع كلماتها المشابهة للصاعقة فوق رأسه...
عادت تمدّ يدها بنفاد صبر....
"المفتاح لو سمحت..."
هتف سلامة ما يجول بخاطره وعيناه مسمّرتان على ملامحها الغاضبة...
"أنا حاسس إني ضايع... بدوّر عليكي فيها... ومش لاقيكي..."
قالت نهاد بجمود بعد تلك الجملة التي مرت عليها كتيار كهربائي هزها من الأعماق لكنها ليست كافية لإسقاطها مجددًا....
"جرب تدور على نفسك فيها... أكيد هتلاقيها..."
اجتاحه غضب مرير من نفسه بعدما نطق بتلك الحقيقة المخزية فـ عزة لا تستحق خيانته ونهاد آخر من ينبغي أن يجرّها إلى فوضاه
من جديد؟!....
رأت نهاد الصراع والندم يتصاعدان على ملامحه فابتسمت بمرارة وهي تعرف أنه يعضّ أصابع الندم على ما تفوّه به...
فقالت له بكبرياء أنثى محطّمة...
"أنا متأكدة إن قلبك مال ليها... ومتاكدة إن المسألة مسألة وقت وهتنساني...ودي حاجة مش هتزعلني على فكرة... بالعكس دي خطوة كويسة ليك وليا..كل ما استمريت في حياتك ومع مراتك..."
ما إن التقت عيناهما حتى رأى الاحتقار والكراهية يلمعان في عينيها وهي تقول...
"كل ما كرهتك أكتر... وكفرت بالحب..."
"المفتاح..."
أخرج المفتاح من جيبه بصمت لتأخذه هي بسرعة وتبتعد هاربة من حلْمٍ سابق أصبح كابوسًا بشعًا الان يستنزفها...
.................................................................
عندما دلف إلى الغرفة وجد عزة في انتظاره
متأنقة كأيّ زوجة لزوجها مرتدية قميص نومٍ مغريًا تاركةً شعرها القصير يعانق وجهها بشكلٍ فاتن وزينة وجهها بقيت كما هي منذ أن وضعتها لحضور الزفاف...
اقتربت منه فور أن رأته يطلّ عليها وألقت نفسها بين ذراعيه فلم يُبادلها العناق يشعر بالقرف من نفسه والغضب من كونه يجرح الاثنين بنفس النصل...
وعندما شعرت بجموده معها نزعت نفسها من حضنه ناظرةً إلى عينيه في تساؤل....
"مالك يا سي سلامة... في حاجة حصلت؟"
هزّ رأسه نفيًا وهو يتحرك كالموتى جالسًا على حافة الفراش....فانحنت تلقائيًا تنزع عنه حذاءه قائلة بثرثرتها اللطيفة تحاول إحياء قلبه من جديد.....
"الفرح كان حلو أوي يا سي سلامة... والعروسة برنسيسة كده في نفسها... وسي أيوب برضه بسم الله ما شاء الله عليه زين الشباب وفرحته بعروسته كانت باينة أوي..."
قالت بابتسامة خجولة....
"أنا قعدت أقرأ المعوّذتين في سري خوفًا يتحسدوا والله...خالتي أم أيوب ندمت إنها ماجبتش المبخرة معاها..."
ضحكت بطيبة وهي تثرثر أكثر...
"كان هيبقى مشهد تاريخي لو كانت قعدت تبخرهم قصاد العالم الأكابر اللي حواليهم... شوفتهم يا سي سلامة؟!... ألماظ إيه... ولبس إيه...حاجة عمري ما شوفت زيها ولا بعدها..."
سألها سلامة بملامح صخرية قاسية...
"نفسِك تبقي زيهم يا عزة؟!"
نهضت عزة وجلست إلى جواره قائلة برضا غريب....
"كل واحد بياخد نصيبه من الدنيا يا سي سلامة... وأنا ربنا خلقني كده وراضية
والحمد لله..."
صاح سلامة فجأة ناهضًا بتمرّد...
"أنا بقى مش راضي.... أنا عايز أبقى زيهم.. "
نهضت هي أيضًا ووقفت خلفه قائلة بمحبةٍ وتمنٍّ لأجله....
"ربنا يكرمك وتبقى زيهم...حد يكره الغنى؟
دا رزق..."
استدار إليها سلامة بملامح محتقنة بالغضب، وقال باهتياج يشوبه اليأس...
"رزق مش عايز يجيلي.... أنا ربنا مش بيحبني مش بيحبني... "
انتفضت عزة بدهشة قائلة...
"استغفر ربك.... ليه بتقول كده؟!"
ارتسم اليأس على محياه بصورة مريعة وبدت عيناه حمراوين كالدم وكأنه على وشك البكاء كطفل ضاقت به الدنيا فأتى إليها محمّلًا بالكثير....
"عشان أنا ماخدتش حاجة يا عزة... أنا واللي زَيّي جِينا الدنيا دي عشان نِتهان ويتقلّ مننا... جينا عشان نبص للحاجة اللي نفسنا فيها من بعيد وما نطولهاش..."
قالت عزة ببعض الحزم والإدراك كأمٍ تُرشد طفلها للصواب....
"إحنا أحسن من غيرنا يا سي سلامة... دا كفاية الصحة... كفاية الستر... كفاية السقف اللي مِضلّل علينا..."
حديثها أشعل صدره بالحقد والكراهية وهو يقول باهتياج....
"وليه ماعيش زيهم وبصحتي برضه؟!...ليه السقف أوضة فوق السطوح مايبقاش شقة؟... شقة واسعة باسمي نعيش فيها؟!"
أجفلها حديثه فلم تتوقع أنه ينظر إلى ما وراء حدود تلك الغرفة...
أومأ سلامة برأسه وكأنه قرأ ملامحها...
"فاكرة إن سهل عليا أعيش بالوضع ده
فاكرة إني ما بفكرش كل يوم إزاي أغير
حالنا وأعيشك عيشة تستحقيها زيّك زي
أي ست متجوزة راجل؟!"
قالت عزة بنبرة حانية وهي تربت على
صدره...
"إنت سيد الرجاله... وربنا بيدي كل واحد
على قدّ سعيه... ووالله طالما بتسعى ربنا هيرضيك... اصبر... اصبر... محدش عارف اللي اتحرمت منه ده... اتحرمت منه ليه... محدش عارف الخير فين..."
هتف بنزق والكفر يكاد يتملك منه في لحظة يأس....
"ربنا غضبان عليا... عشان أنا ابن حرام صح؟!
مش زيهم... مش زي الناس العاديين..."
سالَت الدموع من عينيه بضعف أمامها للمرة الأولى مما جعلها تبكي معه وهي تقول بغصّة مريرة...
"استغفر ربك... إنت ابن حلال مصفى... وجدع وراجل بجد... محافظ على بيتك ومحافظ عليا... وبتسعى على رزقك بالحلال...
وجدع مع صحابك وعمرك ما اتأخرت عن حد... لا بتخون ولا بتغش...ولا بتمد إيدك على الحرام... وكمان إنت بتصلي..."
مسحت على كتفه وهي تخبره على فطرتها البسيطة...
"بالَك خالتي كانت دايمًا تقولي... اللي ربنا بيحبه يا بت يا عزة بيفتكره ببلاء أو شوية زعل... بيفتكره عشان هو يفتكر ربنا..."
أجهش سلامة في البكاء فبكت معه وهي تقول بعطف...
"ربنا بيحبك يا سي سلامة... ربنا مش بيكره عباده... إحنا اللي بنعصيه...ورغم كده فاتح لينا باب التوبة ماقفلوش في وشنا... حتى الرزق ما منعهوش عن عبده العاصي...
هيمنعه عن عبده المحتاج؟!"
نظر لها سلامة بحيرة كبيرة فكيف لامرأة بسيطة مثلها أن تحمل كل هذا اليقين
والإيمان في قلبها؟!
أضافت عزة بالنبرة نفسها العطوفة والدفء الخالص....
"ربنا عارف إنت محتاج إيه... وهتاخده في وقته... صبرك مفتاح الفرج... اصبر... ربنا يجعلنا من الصابرين..."
ألقى سلامة رأسه على كتفها فتلقَّته هي بعاطفةٍ جياشة تضمه إليها وهي جالسةٌ على الأرض إلى جوار الفراش بينما هو مستندٌ إلى كتفها باكيًا.....
تلك الهشة قصيرة القامة الذي يفوقها وزنًا وعمرًا أضعاف علمته هو درسًا لا يُنسى.....
سيظل يتذكر هذا اليوم مهما حيا بعده
سيتذكر انه أتاها حامل جبال العالم فوق صدره فهدمتها بكلماتها حتى صارت فتاتَ رمالٍ تُذريها الرياح وتمضي بعيدًا ؟!.....
..............................................................
تشعر أنها تجلس فوق صفيحٍ ساخن عقلها يعصف بالأفكار السوداء وألفُ سيناريو بشع
يداهم مخيلتها بلا رحمة ....
قلبها يحترق خوفًا وجسدها كله يرتجف تحت
وطأة الهلع على ابنتها وعلى كل ما قد يمسها
بسوء وهي بعيدة عن أحضانها....
اقتربت منها أبرار تحمل كوبًل من الليمون المثلج وقدمته لها بلطف قائلةً بعطف....
"خُدي اشربي ده يا شروق...يروق دمك... إن شاء الله هترجع.... خير إن شاء الله..."
رفضت شروق والعبرات تنهمر من مقلتيها بغزارة وعقلها يكاد يجن من كثرة التفكير والخوف....
"مش عايزة حاجة.....مش عايزة غير بنتي... عايزة أشوفها وأطّمن عليها... ياريتني خدتها معايا.... هي اتحايلت عليا بس أنا مارضيتش… ياريتني خدتها... "
هتفت الجدة بعدم رضا وهي تؤازرها قائلة...
"يا بنتي اللي حصل ده مقدَّر ومكتوب، ومتلوميش نفسك عليه.... ربنا يردها ليكي
إن شاء الله سليمة... "
رفعت شروق رأسها إلى الأعلى وهي تنتحب بحرقة...
"يا رب يا خالتي... يا رب... لو حصل لملك حاجة أنا هاروح فيها... مش هسامح نفسي أبدًا.... "
زفرت أبرار بغضب وهي تُنزل الهاتف عن
أذنها بإحباط....
"ياسين مش بيرد... ولا حتى بابا... "
ثم استرسلت وهي تنظر إلى جدّتها بأعصاب تحترق هي الأخرى على أختها الصغيرة...
"دول بقالهم ساعات بيلفوا... ده إحنا
بقينا العشا...."
قالت الجدة بتفاؤل...
"يمكن يكونوا لقوها ورجعين بيها...."
على صوت شروق بتمنٍّ وهي تناجي
ربها....
"يا رب.... يا رب.... "
اقتربت منها أبرار وجلست بجوارها تقول بحنو وهي تمد إليها الكوب....
"خُدي اشربي يا شروق.... لو شوية حتى... هتقعي من طولِك كده…"
أبعدت شروق الكوب عنها رافضةً بوهن من شدة حزنها....
"مش عايزة.... مش عايزة يا أبرار.... "
ترقّرت الدموع في عيني أبرار وخنقتها غصّة البكاء فعادت تبكي مجددًا لكن هذه المرة سحبت شروق بين ذراعيها وبكت معها…
"اهدِي طيب.... اهدِي بالله عليكي... "
انهارت شروق أكثر في أحضان ابنة زوجها وهي تقول بحسرة....
"بنتي يا أبرار.... بنتي راحت مني... آه
يا بنتي... "
زفرت الجدة مستاءة من تلك الحالة وهي تقول بصلابة لعل شروق تستمدّ منها القوة وتصبر ولو قليلًا....
"يا بنتي بلاش عياط وولولة... ده فَال وحش لا حول ولا قوة إلا بالله.... ربنا يردّها ليكي بخير... "
سمعا جميعًا صوت الباب يُفتح بالمفتاح.دلف صالح أولًا ومن بعده ياسين... اقتربت شروق من زوجها تسأله بلهفة وهي تبحث بعينيها الحمراوين خلفهما عن ابنتها....
"فين ملك يا صالح؟... ملقتوهاش؟ "
وحين رفعت عينيها إلى عينيه قرأت الإجابة على ملامحه فتراجعت وهي تبكي بشكلٍ يمزّق القلب وقد تملك منها الخوف كفريسةٍ سهلة أما العجز فكانت تشعر به يكبّلها وكأنها مُقيّدة بسلاسل في عمق البحر…
تموت ببطء مع كل لحظة تمر دون أن تتحرر من عجزها وقلة حيلتها…
نفس الشعور المرير...نفس الضياع... يلازمها منذ أن علمت باختفاء ابنتها وصورة طليقها لا تفارق مخيلتها...فمن غيره سيفعل بها ذلك؟!
اقترب منها صالح وأمسك بذراعيها محاولًا تهدئتها قائلاً برفق....
"هنلاقيها يا شروق.... أنا دورت في كل حتة عليها... وعملت محضر... وكلفت ناس يدوروا عليها... وكمان الكاميرات اللي في الشارع جابت نمرة التوك توك...وأنا كلمت اللي
هيعرف يجيبه..."
رفع كفّيه إلى كتفيها ممسكًا بهما متمعنًا في النظر وجهها الشاحب الباكي بينما هي تنظر إليه بتيه...
"الصبر يا حبيبتي.... هنلاقيها بإذن الله
هنلاقيها.... "
زاغت عيناها إلى مكان آخر وهي تفكر عقلها يرفض التصديق أنها أصبحت تحت رحمة طليقها من جديد... أو ربما كلف مجرمًا آخر أكثر قسوة ليحتجز الفتاة عنده...
"بنتي هتبات بعيد عني يا صالح؟!...هتبات الليلة دي فين.... وعند مين؟!… لاااا... أنا هاروح أدور عليها... هلفّ الشوارع إن شاء
الله أخبّط على بيت بيت وأسأل عليها... "
تفوهت بالكلمات بعصبية شديدة وهي تندفع بحدة متجهة إلى الباب....
منعها صالح في اللحظة التالية وهو يمسك ذراعها قائلًا بنبرة محتدة....
"اهدِي يا شروق... مش كده... "
تبادل ياسين وأبرار النظرات بقلقٍ وتحفز فيما أمالت الجدة رأسها بأسى وقد اجتاحها شعور غريب بعد كل ما يدور حولها...
اهتاجت شروق عليه لأول مرة رافضةً الإنصات إليه....
"مش هاهدَى دي بنتي... مش هقعد أستنى
يا عالم إيه اللي بيحصل فيها... مش هقعد أستنى يا صالح...."
تحدث صالح بثبات وصلابة وهو يشد على ذراعيها بقوة موجِعة....
"أنا مش مقصّر يا شروق...أنا عملت كل اللي أقدر عليه... ولسه هعمل... هرجعها.... وعد مني هرجعها.... دي بنتي زي ما هي بنتك...وغلاوتها زي أبرار وياسين عندي... "
أسدلت شروق أهدابها باكيةً في صمت وكتفاها ينحنيان بعجزٍ واضح شاعرة بأن ثورتها قد خمدت مؤقتًا…
مسح صالح على كتفها بحنان وهو يقول بنبرة رخيمة يقطع بها واعدًا....
"هنلاقيها... وعد مني هرجعها لحضنك…"
قالت الجدة وهي تقف الى جوارها تربت على ظهرها بعطف...
"استهدي بالله....واسمعي كلام جوزِك يا بنتي.. واصبري.... إن شاء الله ربنا هيعطّرنا فيها..."
نقلت شروق عينيها بينهما بملامح ذابلة يكسوها الوجع والتزمت الصمت أمام حديثهما لكنها في قرارة نفسها تعرف ماذا ستفعل قبل أن ينقضي الليل !.....
..............................................................
دلف ياسين إلى شقته ثم ألقى المفاتيح على الطاولة الزجاجية لتصدر صوتًا مزعجًا...
وعلى أثره أتت عليه عبلة بملامح تجلّى فيها الفضول والفرح اللذان لم تقدر على إخفائهما وهي تقول...
"إيه صوت العياط والزعيق اللي عند عمك ده يا ياسين؟!.... هو حصل حاجة؟!...جدّتك كويسة؟"
أجابها ياسين وهو يجلس على أقرب مقعد ويَمدّ ساقيه إلى الأمام بتعب....
"كويسة.... بس ملك... ملك بنت شروق اتخطفت.... "
اتّسعت عيناها بصدمة متقنة الدور...
"إيه ده معقول؟!... اتخطفت إزاي؟!.... ومين عمل كده...... عرفتوا مين؟!"
أطلق ياسين تنهيدة قانطة وقال بحيرة وقلق صادق على الصغيرة...
"محدّش عارف... والبنت ما رجعتش لحد دلوقتي. وآخر واحد شافها صاحب السوبر ماركت اللي في الشارع هنا قال إنه شافها واقفة مع واحد في توك توك... وبعدها اختفت...."
ارتفع حاجبا عبلة بلؤم وهي تقول بتفكير شيطاني...
"تكونش تجارة أعضاء... ولا واحد شارب خطفها واعتدى عليها؟!.... بنسمع بلاوي اليومين دول... "
جراء حديثها شحب وجه ياسين وعبست ملامحه بالغضب والخوف وقال لها...
"ربنا يستر....متقوليش كده قدام حد فيهم. بالذات أمّها.... دي منهارة خالص وهتموت نفسها عليها.... "
لوحت عبلة بيدها قائلة بجحود...
"ما هو كله بسبب إهمالها... من ساعة ما اتجوزت وهي رامية البِت ومركّزة مع
جوزها.... يلا خليها تشرب بقا...."
تجهّم ياسين من ردها القاسي وقال
بدفاع...
"انتي شمتانة فيها ولا إيه؟!... وبعدين على فكرة... شروق ما أهملتش في بنتها بالعكس اهتمامها بيها زاد أكتر بعد ما اتجوزت وقعدت من الشغل وبقت قدامها ليل ونهار....
دا غير إن عمي مقصرش ناحية ملك وكان بيعاملها زي أبرار وطلباتها كلها مُجابَة قبل حتى ما تطلب..."
ثم رمقها بسأم حانق...
"بلاش تظلمي حد... وتحمّلي الناس فوق طاقتهم..... هما مش ناقصين."
غلت الدماء في عروقها بغيرة وهي تقول ببغض...
"ده اللي إنت فالح فيه تدافع عنهم مش بشوفك بتعمل كده معايا... ولا بتديني عذر واحد من اللي بتديه لأهل أبوك... "
التوى فك ياسين بتشنّج ولم تلِن القسوة على محيّاه وهو يقول بازدراء...
"مش كل حاجة ينفع فيها عذر... ساعات العذر بيبقى أقبح من الذنب..."
ثم نهض عن مقعده قائلًا بوجوم...
"عن إذنك....هاروح أنام."
سألته بجفاء...
"بدري كده؟!..... مش عادتك"
ردّ عليها بابتسامة باردة...
"هكلّم خطيبتي وأطّمن عليها... معرفتش أكلمها فوق قدام أبوها."
وقفت عبلة خلفه بعصبية وقالت بسخرية لاذعة...
"والله مش عارفة هتفضل كده لحد إمتى طالما أبوها رافض جوازك منها وعايزك
تستنى ست...خمس سنين لحد ما تتخرّج
" فركش الخطوبة احسلك وبلاها خالص وليك عليا أجوزك ست ستّها... وأحلى منها بمراحل كمان... "
استدار إليها ياسين يرمقها بنظرة تطاير منها شرر الغضب وقال من بين أسنانه...
"ومين قالك إني عايز الأحلى... أنا عايزها هي.... ستّ الستات في عيني... ومستعدّ أستنى عشر سنين.... مش خمسة بس."
رأته يدلف إلى غرفته مغلقًا الباب وراءه فتبرّمت بسخط....
"غبي زي أبوك... ما طلعتش ليا للأسف.. "
نزع ياسين قميصه عنه ثم استلقى على الفراش بتعب والهاتف على أذنه سألها
بصوت أجشّ حانٍ...
"لسه بتعيطي يا قلبي؟"
أتى صوتها المتحشرج بالبكاء...
(أنا خايفة قوي يا ياسين... تفتكر جرالها حاجة؟!..... تفتكر اتأذِت؟!)
أطلق ياسين زفرة طويلة اتّسع معها صدره بالألم أكثر فهو أيضًا قَلِق على الصغيرة وما
قد يحدث لها وهي بعيدة عن المنزل ورعاية أمّها…
"صلّي على النبي كده... واستهدي بالله...
بلاش نقدر البلا قبل وقوعه... إن شاء الله ترجع... أبوكي مكلّف رجالة تدور عليها... لو كحوا بس هيقلبوا إسكندرية دي من فوقيها لتحتيها.... "
سألته بلهفة..
(بجد؟!)
ابتسم ياسين وهو يبثّ الطمأنينة لقلبها
وقلبه...
"آه والله العظيم.... دا غير المحضر اللي اتعمل... والكام مكالمة اللي عملناهم عشان
ما يتركنش... ويبدأوا التحريات بسرعة...."
ثم استأنف الحديث بترفق...
"هنلاقيها إن شاء الله... اطمني وحاولي تفضلي مع أمها وهَوني عليها.... "
قالت أبرار بشجن...
(بابا معاها أنا طلعت....وتيتة كمان تحت معاهم.... بصراحة مش قادرة أستحمل
عياطها وكلامها... وقلبي بيوجعني أكتر
على ملك... وعقلي بيودي ويجيب.)
داعبها ياسين بملاطفة...
"خير إن شاء الله يا قلبي... بلاش تزعلي نفسك... وبلاش عياط عشان خاطر سينو حبيبك.... "
ابتسم قلبها إليه قبل ثغرها وهي تقول بخفوت....
(حاضر يا حبيبي... هتنام؟!)
سألها....
"انتي عايزة تنامي؟!"
أجابته
(لا.... مش جايلي نوم.)
ارتاح أكثر على الفراش وهو يعانق الهاتف
بين يديه....
"خلاص... خليكي معايا شوية... لحد ما
يجيلِك نوم."
قالت أبرار واجمة...
(شكل مفيش حد فينا هينام الليلة دي…)
وافقها ياسين وقال...
"شكلها كده... خليكي معايا على التليفون يمكن نسمع أي خبر يطمنا عليها."
قالت بتمنٍّ..
(يارب...)
................................................................
ترفرف نسائم الصباح الباردة خصلاتِ شعرها حول وجهها الهائم المشرق بحمرةٍ طبيعية وإشراقةٍ لا مثيل لها... إشراقةٍ لم ينجح أيّ مستحضر تجميل في الوصول بها إلى تلك الدرجة من النضارة والاحمرار....
لكن ليلة الأمس بكل ما اختبرته فيها من مشاعر بين ذراعي حبيبها نجحت في أن تُخرجها من شرنقتها لتصبح أشبه بفراشةٍ جميلة تطأ قدميها أرضًا خصبةً زاهية لم تعرفها من قبل....
في بداية اليوم كانت متوترةً ومضطربة تخشى تلك اللحظات الخاصة. ورغم عشقها الأسير لأيّوب.... إلا أنها كأيّ فتاة لم تَسبق لها التجربة أو الانخراط في تلك الأمور ولا حتى من باب الفضول !....
لكنّ حبيبها الوقِح كان يعرف كيف يجاريها ويدللها…فالقبلة منه حرارتُها تذيب الروح قبل الفؤاد والهمسة منه أحرفُها تقتحم مشاعرها قبل مسامعها واللمسة منه كانت كفيلة بأن تُفصح عن مدى الشوق ولوعةِ إنتظاره في عشقها....
وأمام أمواج مشاعره الهائجة بالعاطفة ذابت مخاوفها وتبدّد اضطرابها لتنساب معه في مسايرةٍ خجولة لكنها معبرة عن امرأةٌ
عاشقة له حدَّ الضياع بدونه.....
لتنتهي الليلة الجامحة بمشاعرها المستجدّة بينهما لتستكين أخيرًا بين ذراعيه وعلى
صدره كركيزةٍ وجدتها بعد رحلةٍ إبحاريةٍ
مليئةٍ بالمغامرة...
لانَت شفتيها الحمراء في ابتسامة جميلة كان احمرارها المبالغ فيه يشي بهجومٍ عاطفيٍّ استمر طويلًا بلا رحمة...
شعرت به يحيط خصرها من الخلف فتراجعت تلقائيًا بظهرها لتستند عليه بينما مال قليلًا ملصقًا جانب وجهه بوجهها هامسًا بصوتٍ أجش....
"صباح الخير يا كل الحب..."
تناثرت قبلاته على وجنتها الناعمة هبوطًا نحو حدود فكها فتوسعت ابتسامتها وهي تغمض عينيها بدلال وترد بخفوت....
"صباح النور يا حبيبي..."
سألها أيوب...
"ليه قومتي من جنبي؟!"
أجابته نغم بصوت عذب...
"بصراحة معرفتش أنام... باخد وقت لما بغير مكاني.... "
رد أيوب بجدية...
"أنا كمان كده على فكرة."
ارتفع حاجباها بدهشة وهي تستدير إليه كليًا تنظر في عينيه بتهكم طفيف...
"بجد؟!....أمال مين اللي كان صوت شخيره مالي السويت.... "
سألها عابسًا وهو يقطّب جبينه...
"أنا بشخر؟!"
أومأت برأسها بتأكيد وهي تضحك فقال أيوب بعد نحنحة خشنة...
"ده عشان بقالي كام يوم ما نمتش... وبالليل كنا.... "
اتسعت عيناها فجأة ورفعت يدها رافضة الاستماع...
"متتكلمش عن اللي حصل بليل... "
لمعت عينا أيوب العابثتان بالفطرة ووقاحته الطبيعية تتقدم على لسانه بخبث....
"ليه.... هو سر... ده أحلى حاجة الكلام وبعد كده التطبيق... ولا إيه؟"
لكزته نغم في صدره بوجهٍ مشعٍّ بحمرة الخجل....
"أيوب... إنت قليل الأدب... "
مال عليها أيوب بفخر عجيب...
"طب ما أنا عارف...إنتي جبتي حاجة من عندك....."
ابتعدت نغم بخفة عن مرمى شفتيه المهاجمتين....
فاقترح أيوب وهو ينظر إلى الغرفة خلفهما
"تعالي ندخل جوا... الجو برد عليكي هنا."
وضعت نغم يدها على معدتها وقالت
بتأوّه..
"هو إحنا مش هنفطر؟!....أنا جعانة أوي..."
ضاقت عيناه بشك وهو يعقّب...
"اللي أعرفه عنك إنك ما بتفطريش أصلاً...
إيه اللي اتغير؟!"
قالت نغم بنظرة صادقة محتارة...
"مش عارفة... صاحية جعانة... ده معناه إيه؟"
رد بجذل...
"الجواز فتح نفسك على الأكل."
ضحكت وسألته بفضول...
"طب وإنت... الجواز فاتح نفسك على إيه؟"
"عـلـيـكـي..."
قالها ببساطة مخترقًا قلبها بسهام الحب ثم في اللحظة التالية كان يحملها بين ذراعيه بخفة وكأنها لا تزن شيئًا....
أرجحت ساقيها بدلال معترضة...
"أيوب نزلني... مش عايزة أدخل جوا."
لمس بشرة ذراعها العاري وقال بتعنيف طفيف وهو يدلف بها إلى الغرفة....
"إنتي متلجة كده ليه؟..... تعالي أدفيكي."
قالت نغم باحتجاج وقلبها الولهان يخفق على أوتار كلماته...
"بس أنا جعانة... أكلني الأول.. "
وضعها أيوب على الفراش وانضم إليها وهو يقول بنبرة خشنة...
"مفيش الكلام ده... معروفة عندنا الراجل ياكل الأول ويشبع....وبعدين الست تاكل من وراه."
تبدل الهيام على ملامحها إلى تجهم وهي ترفع حاجبها غاضبة....
"نـعـم يا سي السيد؟!.... إنت هتبدأها معايا كده؟!.... "
مال عليها أيوب مبعثرًا القبل على ملامحها بحرارة وهو يقول بصوت أجش....
"أمال إيه لازم أدبحلك القطة..إنتي متعرفيش أمي بتحبك قد إيه...."
سألته نغم بعدم فهم....
"إيه تدبح القطة دي؟.....وإيه دخل مامتك بالموضوع؟..... "
رد وهو ينظر في عينيها بحب....
"الموضوع كبير... بعدين أقولك."
رفضت نغم المسايرة وهي تقول بصوت
مائع....
"أيـوب... أنـا بـجـد جـعـانـة....."
رد عليها وهو يكتسحها اكتساحًا عاطفيًا مقبولًا....
"أكلك... وبعدين أبقى أأكلك.... معروفة."
بعد لحظات اغتاظت منه نغم فكوّرت قبضتها ولكمته في كتفه بشراسة متأوهة بضيق...
"بطل عض يا ايييوب... على فكرة بيسيب أثر... شايف؟!"
أشارت على كتفها بملامح منزعجة وحاجبين
معقودين.....
نظر أيوب إلى البقعة الحمراء متأثرًا بتلك
العلامة التي تسبب بها ليلة أمس فقال
بصدمة تمهد لاعتذاره....
"تأتأ....... أنا عملت كده؟!"
أكدت نغم برقتها المعهودة...
"آه... شوفت.....إنت بجد متوحش... "
مال أيوب على كتفها بحنو وهو يفتح فمه كاشفًا أنيابه....
"حقك عليا... تعالي أعملك واحدة جمبها..."
صرخت نغم في ضحكة مترجية وهي تحاول دفعه بعيدًا لكن دون جدوى... كأنها تزحزح جبلًا.....
وفي اللحظة التالية تحولت اللحظة إلى حالة من الهيام المتبادل بينهما...
.............................................................
جلسا في أحد المطاعم التابعة للفندق والذي
لا يقلُّ رقيًّا وفخامة عن المكان حيث تمتدُّ القاعة بديكورٍ هادئ والجدرانُ مطليّة بألوانٍ عصرية تتخلّلها بعض اللوحات... كذلك تنعكس الأضواءُ الخافتة على المكان لتمنحه لمعةً فاخرة....
أحضرت نغم وجبة الإفطار في طبقها من (البوفيه) وفَعَل أيوب مثلها فوضع في طبقه أشياءَ ملونة لا يعرف لها اسمًا....
وضعت الطبق على الطاولة وجلست وبجوارها سحب أيوب المقعد وجلس عليه ثم شرعا في تناول الطعام....
كانت نغم تأكل لأول مرة في الصباح بشهيةٍ مفتوحة مستمتعة بكل لقمة تدخل فمها...
على عكسه هو ظلَّ يقلب في محتويات
هذا الفطور العجيب..والذي من ألوانه وشكله المنمق تظنّ أنه طبق حلو غربي الأصل....
لاحظت نغم عدم تناوله للطعام بينما هي قاربت على إنهاء طبقها في حدثٍ تاريخي
لم يحدث معها من قبل....
"مالك يا أيوب....مش بتاكل ليه الفطار
مش عاجبك؟..."
امتقع وجه أيوب في امتعاضٍ وهو يقول بوجوم....
"وانتي بتسمي ده فطار فين الفول الفلافل فين البيض..... أنا حاسس إن الأكل ده حمضان....ألوانه مش مريحاني."
صدمها الرد حتى شعرت أن اللقمة وقفت في حلقها فأخذت كوب الماء ترتشف منه على مهل.....
قالت وهي تمسح فمها بالمنديل...
"حمضان؟!.... هو انت دُقته دوق… هيعجبك على فكرة..... هو خفيف ولذيذ."
نظر أيوب مجددًا إلى الطبق غير مقتنع بالحديث وكذلك لفت انتباهه حجم الخبز الغريب الموضوع في سلة صغيرة أنيقة.
"وإيه العيش ده....دي لقمة تأكل حد؟"
شعرت نغم بالحرج وهي تنظر حولها للحظة ثم قالت بخفوت...
"كُل لحد ما تشبع.... نجيب تاني عادي."
قطع أيوب من الخبز وغمسه في شيءٍ أحمر لزج ثم رفع اللقمة إلى أنفه يشمّها أولًا....
ضحكت نغم باستياء وهي تراقب هذا التصرف الطفولي بصبر....
ترك أيوب اللقمة رافضًا تناول الطعام....
"أنا مش جاي معايا الفطار ده...كُلي انتي."
سألته بحزن...
"طب وانت هتفضل كده؟"
رد بإيجاز...
"لما أجوع هتصرف... هطلع أجيب أي حاجة من برا....بس تبقى مفهومة.... "
ابتسمت نغم بحنان وهي تمد الشوكة إلى فمه قائلة برقة....
"طب خد دي من إيدي....عشان خاطري."
رفض أيوب واجمًا..... "نـغـم... "
قالت بترجي شهيًا في عيناه.....
"عشان خاطري يا حبيبي.... من إيدي يمكن تعجبك....."
فتح فمه بعينين تبرقان بنشوة أمام هذا الإلحاح الأنثوي الشهي....
سألته نغم بلهفة بعدما رأته يمضغ الطعام وعيناه لا تفارقان عينيها المنتظرتين:
"إيه رأيك؟....... عجبتك؟"
أومأ برأسه باستحسان قائلًا وهو يميل نحوها أكثر.....
"أكـليـنـي تـانـي…"
ضحكت نغم وتخضبة وجنتاها أمام نظراته الناهمة فلم تمانع وهي تمد الشوكة مجددًا
إلى فمه.....
وأثناء ذلك اخترق خلوتهما الدافئة طارد فراشات الحب من حولهما صوتٌ سمِج
بمزاحٍ ثقيل....
"هــم يـا جـمـل...."
ارتفع حاجب أيوب متجهّمًا وهو يرفع عينيه ليرى جاسر أمامه....
نهض عن مقعده قائلًا من بين أسنانه بغضب..
"يـا فـتـاح يا عـلـيـم.... يـا رزاق يا كـريم...
أهـلا بجاسر بيه..... خير؟"
توترت الأجواء فور ظهور جاسر. ووقفت نغم بجوار أيوب بملامح متحفّظة ونظرة حانقة على هذا السمج غريب الأطوار....
هتف جاسر بصوت ودود...
"الله... إيه الاستقبال الناشف ده... أنا جيت أبارك لكم لما شوفتكم بالصدفة."
غمغم أيوب من بين أسنانه...
"بالصدفة آه.... ده عندها."
ثم أشار إلى زوجته التي اقتربت منه امرأة فاتنة… فتنة اكتسبتها جراء عمليات تجميلية مكثّفة....
قال وهو يعتقل خصرها بتباهٍ مريب...
"وحبيت برضه أعرفكم على مراتي... نانسي."
أكمل أيوب ممازحًا.... "عجرم…"
ضحكت المرأة بصوت ناعم جدًا....
"لا.... رؤوف.... ألف مبروك ليكم. سوري إننا محضرناش فرحكم… فرحنا كان قبلها بكام يوم بس...."
رد أيوب وهو يعتقل خصر زوجته كذلك قائلًا بابتسامة خالية من المرح....
"متعتذريش يا هانم... إحنا أصلًا نسينا نبعت الدعوات...."
همست نغم باسمه.... "أيـوب…"
فصحح أيوب الجملة بلُباقة....
"ناس كتير نسيناهم فعلا.... انتي عارفة بقى الوقت بيبقى ضيق إزاي."
قالت المرأة بأسلوب متعالٍ قاصدة دس السم في العسل....
"مبروك يا نغم... العالم كله ملوش غير سيرتك إنتي وجوزِك....بعد قصة الحب العظيمة اللي كانت بينكم..... بيقولوا إنه كان الحارس الشخصي بتاعك…"
لم يهتم أيوب بكلامها وهو يرمقها ببرود بينما أجابت نغم بهدوء...
"الله يبارك فيكي يا نانسي.... ومبروك ليكي إنتي كمان على جوازِك من جاسر."
قالت نانسي بلؤم...
"أتمنى الخبر ميكنش ضايقِك…"
زمجر أيوب بحدّة...
"وهيضايقها ليه بقا إن شاء الله؟"
ابتسم جاسر بزهوٍ منتظرًا رد زوجته التي تراجعت بخبث أمام نظرات أيوب النارية..
"أنا مقصدش حاجة.... بس... "
وتوقفت نانسي حين أتى أحد أصدقائهما
يبارك لهما....
في تلك اللحظة قالت نغم بتململ...
"أيوب.... يلا نمشي من هنا."
رد وهو غاضب...
"ونمشي ليه؟... هما اللي جايين علينا... يبقى هما اللي يمشوا.... "
تعلقت بذراعه هامسة بدلال....
"بس أنا عايزة أتمشى معاك على الشط... ينفع؟... "
نظر إلى عينيها قليلًا ثم قال بأمرٍ قاطع...
"بس مش هننزل."
زمت فمها بدلال تشعل صدره بالغيرة قائلة بحزن...
"خسارة.... دا أنا كنت لابسة المايوه تحت الدريس.... "
تحركت نغم أمام عينيه المصدومتين فجاشت مراجلُه بالغيرة وهو يلحق بها بغيظ....
"مايوه؟!..... نـغـم اسـتـنـي عـنـدك... "
تخلّصت من حذائها مثله وسارت معه على الشط شاعرةً بالرمال الرطبة أسفل خطواتها بينما الشمس بشعاعها الذهبي تنعكس على شعرها الأشقر الممزوج بخصلاتٍ بنية داكنة.
نظرت إليه نغم بعينيها الرماديتين المتوهجتين تحت الشمس كالشهب
الساطعة....قائلة بمناكفة....
"بجد لو عايز أنزل فعلاً بالمايوه هتعمل إيه؟"
كان يسير أيوب بجانبها واضعًا يديه في جيبي بنطاله كشخصٍ غير مبالٍ بالعالم أجمع فأجابها بهدوء رغم خطورة كلماته المسنّنة...
"كنت قطّعتِك ورميت لحمِك اللي عايزة تعريه ده للسمك يتغدى بيه…"
ارتعدت إلى الخلف مصدومة معقّبة ببراءة..
"يا مامي..... إنت بجد متوحش... "
ابتسم كاشفًا عن أسنانه المصطفّة بوسامة..
"خافي على نفسك بقى... وبلاش هزار في الحاجات دي... "
أمسكت ذراعه متدلّلة...
"بس أنا عايزة أنزل الميه…"
ابتسم أيوب وهو ينظر إليها بطرف عينيه يرصد دلالها المتزايد عليه..فقال بحمائية...
"مفيش مشكلة...املَي البانيو فوق ونبلبط سوا... "
امتعضت شفتيها... "نبلبط سوا؟!"
أومأ أيوب برأسه قائلًا بأسلوبٍ طريف له نكهة خاصة على قلبها المُدلَّه...
"ما أنا مقدرش أسيبك في البانيو لوحدك افرضي غرقتي؟..... يرضيكي أعيش بعذاب الضمير؟... "
ضحكت نغم وهي تقف أمامه معلّقةً ذراعيها في عنقه وكأنهما يتراقصان على الشط...
"وهو بذمتك.... بعد كل اللي إنت قولته ده عندك ضمير؟"
مال عليها يقطف القبل من وجنتيها الناضجتين الحمراوين اثار أشعة الشمس
عليهما...
"عندي ضمير ونخوة.... وبغير عليكي من الهوا الطاير…"
تبددت ملامح أيوب فجأة وعاد إلى عبوسه بعد أن رأى جاسر على بُعد أمتارٍ منهما برفقة زوجته....
تمتم أيوب بغضب مكتوم...
"عيل سئيل… كل ما بشوفه ببقى عايز ألطشك قلمين على وشك…"
شهقت نغم وهي تُبعد ذراعيها عنه....
"الله.... وأنا مالي يا أيوب؟!"
تبرّم أيوب بسخط واللوم يتجلى في عينيه..
"إنتي مالِك؟!… صحيح أنا اللي حطيته وسطنا…"
زفرت نغم باستياء...
"مش هنتكلم في الموضوع ده تاني... إحنا اتفقنا نفتح صفحة جديدة…"
هتف أيوب من بين أسنانه باهتياج...
"ما أنا فتحتها.... لقيته لازق في أمها هو ونانسي عجرم بتاعته…"
عاد ينظر نحوهما فادارت نغم وجهه إليها
قائلة بنبرة ناعمة...
"سيبك منه.... هو مفكر إنه في دماغي ميعرفش اللي فيها…"
سألها بتجهّم...
"وإيه اللي فيها؟"
تشدّقت بدهشة...
"يعني مش عارف؟!"
ردّ وعيناه تكتسحانها ككلماته....
"أحب أسمع منك…"
اقتربت منه مجددًا تُحيط عنقه بذراعيها وتمطّ الكلمات قاصدة إغوائه...
"إن قلبي وعقلي مش شايفين غير واحد بس... "
سألها وهو يعتقل خصرها مقربًا إياها
بخشونة....
"قولي أول حرف من اسمه…"
مطّت الكلمات بدلالٍ مُغْوٍ....
"أيوب عبد العظيم…"
ابتسم أيوب برضا وهو يقول بمناغشة...
"لا.... ذواقة بجد... هو ده الراجل التمام…"
ضحكت وهي تميل بجسدها عليه
قائلة بمزاح
"بجد؟...... ده رأيك فيه؟"
أومأ برأسه بموافقة جادّة لا تقبل النقاش وهو يقول....
"طبعًا... أنا سامع عنه كلام زي الفل... حاولي بس إنتي تمسكي فيه وتدلّعيه لحسن العين عليه اليومين دول... "
تغيّرت ملامحها وهي تسأله بترقّب...
"والله؟!… إنت تعرف حاجة بقى؟"
رد عليها بصوتٍ متلاعب....
"أمال.... دا الستات هيقطعوا بعض عليه…"
وصلت إلى ذروة غيرتها المجنونة فقالت وهي تدفعه في صدره بعيدًا عنها...
"والله طب ما تروح لهم يا حبيبي... ساكت ليه؟!"
احتوى خصرها بين ذراعيه قبل أن تبتعد
قائلًا وهو يضحك بقوة منتشيًا من غيرتها
"يا بنت استني... ده تعبير مجازي... مش حقيقي... "
رفضت نغم بملامح محتقنة بالغضب...
"وَسع كده.... أنا مخصماك…"
رد أيوب وهو يقربها أكثر هامسًا بحرارة في أذنها....
"طب ما أصلحِك....في أسهل من كده؟"
صدح الهاتف فجأة في جيب بنطاله فحرّرها مؤقتًا....
نظرت نغم إلى تغير ملامحه إلى وجوم بعد رؤية المتصل… فسألته بتريّث....
"مين بيرن عليك تاني يوم جوازنا؟"
"لـيـان"
اختصر كل شيءٍ باسم تلك المرأة وأشعل الدماء في عروقها... خصوصًا بعد أن رأت
نيته في الرد.
"والله إيه البجاحة دي؟..... هات…"
انتزعت الهاتف من يده في طرفة عين ثم رمته في البحر بلا تردد.
حدق أيوب في فعلتها جافلًا ينظر إليها بعدم تصديق وقد تصاعد الغضب على ملامحه حتى نبض في عروقه متشدّقًا بصدمة مغتاظة...
"التليفون.... الله يخرب بيتك... ده عليه
أرقام مهمة.... "
وضعت يدها على خصره قائلة بحِدّة وغيرة..
"مش أهم مني... عشان كان المفروض تقفله زي ما طلبت مني أقفل تليفوني... "
صاح فيها بغضب...
"إنتي بتعملي راسِك براسي؟!"
أومأت برأسها مؤكدة بملامح محتقنة...
جز أيوب على أسنانه قائلًا بتوعّد...
"أمي كان عندها حق.... أنا كان لازم أذبح القطة.... "
وفي اللحظة التالية مالَ عليها وحملها بين ذراعيه متجهًا بها نحو الشاطئ....
"أيوب...... بتعمل إيه؟!...... نزلني.. "
نظر إليها بشرٍّ متوعد...
"مش كان نفسك تنزلي المية... أديني
هنزلك... "
رفضت وهي تؤرجح ساقيها برفضٍ مائع..
"أكيد مش هنزل بالهدوم دي!"
أثر عليها بنظرة متجهّمة...
"هتنزلي بيها.... وهتجيبي التليفون اللي رميتيه في المية كمان... "
قالت نغم بخوف بعد أن رأت الإصرار مرتسم
على محياه...
"متهزرش يا أيوب.... أنا مراتك... حبيبتك... "
ردّ مزمجرًا بغيظ مكتوم...
"التليفون الأول يا مراتي يا حبيبتي... ده
عليه قساط... "
بدأت تئن محاولةً النزول من بين ذراعيه..
"إنت غِلس.... غلس.... "
"وإنتي عايزة تتربي من أول وجديد... وأنا ناوي أربيكي…"
ألقاها في الماء البارد دون استعداد كمن يفرغ شوال رز....
أخرجت نغم رأسها من الماء بصدمة تأخذ انفاسها بصعوبة وهي تنظر إليه شزرًا صارخةً وهي تضربه في صدره....
"يا غلس.... يا متوحش... كل ده عشان الزفتة بتاعتك؟!.... "
تفاجأت به يسحبها إلى صدره محيطًا خصرها بكفيه في لحظة لم تمنحها فرصة للاعتراض وكأن العالم ضاق ليصبح حدود ذراعيه فقط..
ارتجف قلبها بين أضلعها بضعف وهي تراه في اللحظة التالية يسكتها بأكثر الطرق نفعًا…
..............................................................
خرج صالح من الغرفة وأغلق الباب خلفه ثم توجه نحو والدته وجلس إلى جوارها وقد ارتسمت على وجهه هموم الدنيا بأكملها. بدا كاهله منحنيًا بعجز يشعر أنه مقيد ومشتت ولا يعرف أي وجهة صحيحة يبدأ منها....
ورغم أنه كثف كل محاولاته وبذل كل ما في وسعه خلال الساعات الماضية إلا أن شعورًا ثقيلًا كان يخبره أنه يسير في الاتجاه الخاطئ
وكأن الحادث بأكمله مُعدّ مسبقًا !....
فلماذا يحدث كل هذا بعد خروجهما من البيت بساعة واحدة فقط؟
وكأن الخاطف تعمد استهداف بيته هو وصولًا
لأبنة زوجته تحديدًا دون غيرها !
ربتت والدته على ركبته برفق وهي تغلق المصحف ثم استدارت إليه بكامل جسدها تنظر إليه بعينين تفيضـان حنانًا....
"هَون على نفسك يا بني... وإنت في إيدك إيه تعمله أكتر من اللي عملته؟"
وكأنها سمعت صدى أفكاره المتكسرة وأحسّت بذلك الذنب الذي يخنقه من الداخل....
تنفس بصعوبة ثم همس بصوت مثقل
بالشك...
"تفتكري... حد من المنافسين ليا في السوق يكون عمل كده؟.... حد عايز يأذيني في أهل بيتي؟"
نفت أمه هذا متعجبة وهي تقول...
"متوصلش لدرجة دي يا صالح... مين يا بني يدخل أمور الشغل في أرواح الناس؟!"
تمتم صالح وهو ينظر أمامه بملامح واجمة ونظرة مظلمة....
"كتير بيعملوا كده... بس متوصلش زي ما بتقولي.... مهما كان ليا منافسين أنا مش
باجي على حد باخد رزقي اللي ربنا كاتبه
ليا وخلاص..."
لكنه تابع باستنكار حانق...
"بس برضه يا أمي أنا حاسس إن الحادثة دي مدبرة... والتوكتوك ده داخل الشارع وعارف هو هيجيب مين..."
وضاقت عيناه مفكرًا بعمق....
"إيه اللي عرفه إن ملك قاعدة في الحوش... وإنها لوحدها... وإن أنا وأمها مش في البيت... ما هو ده كله أكيد مش صدفة..."
نظرت والدته إليه قليلًا ثم سألته بحذر....
"هي مراتك نامت؟!"
هز رأسه نافيًا وهو ينظر إلى الباب المغلق
من بعيد....
"هتنام إزاي؟!.... مش مبطلة عياط... ماسكة صورة بنتها وعمالة تعيط..."
مالت عليه أمه قائلة بصوت خافت حذر...
"إنت عندك حق يا صالح في حتة إن الحادثة دي مدبرة... والمعلومات اللي واخدها الخاطف مش هتخرج غير من أهل البيت..."
سألها متجهمًا...
"تقصدي مين؟!"
قالت بخفوت شرس وهي تنظر إلى للأعلى حيث شقة ياسين....
"هي في غيرها... الغريبة اللي وسطنا... اللي
ما تتسمّاش..."
فكّر صالح قليلًا بعدم اقتناع...
"وعبلة هتستفاد إيه لما تخطف بنت شروق؟!"
قالت والدته بضجر...
"معرفش... يمكن لسه بتفكر فـ..."
فقاطعها صالح غير مقتنع...
"معتقدش يا أمي.... لو هي كان عندها ألف طريقة غير إنها تخطف بنتها..."
صمتت والدته لبرهة وهي تفكر من جديد
ثم قالت....
"خلاص... يبقى مفيش غيرها الست أم طليقها..."
رد صالح....
"دي بقت في السجن... ومن رمضان كمان."
سألته بدهشة....
"بجد؟!.....ودي دخلت السجن في إيه؟!"
رد باختصار....
"أعمال مشبوهة وبلطجة... زي اللي عملته مع شروق...."
قالت والدته بارتياح...
"خدت الشر وراحت... في داهية."
ثم اتسعت عيناها فجأة متذكرة الطرف الأهم والأكثر استفادة من حادث الخطف...
"مش يمكن يكون طليقها؟!... مفيش غيره اللي ليه مصلحة يخطف البت ويحرق دم أمها عليها... يمكن عرف إنها اتجوزتك..."
تسمرت عينا صالح على وجه أمه وشعور غريب تسلل إليه وهو يقول...
"بس اللي أعرفه إنه بيقضي عقوبته في السجن بقاله يمكن خمس سنين..."
قالت والدته بفطنة....
"يمكن يكون خرج... أو يمكن يكون مكلف حد يعمل كده مكانه... ما هو طالما أمه بالأذى ده وليها في الحاجات دي... يبقى ابنها ألعن منها."
أومأ صالح برأسه موافقها الرأي وهو ينهض...
"إنتي صح يا أمي... يبقى هو مفيش غيره."
سألته والدته بتوجس...
"رايح فين يا صالح؟!"
أخرج الهاتف من جيبه متجهًا نحو الشرفة وهو يقول...
"رايح أتأكد إذا كان لسه في السجن ولا خرج... هعمل كام مكالمة وأشوف...."
قالت والدته بلوعة على الصغيرة...
"طب طمني... وعرفني لو وصلت لحاجة..."
ثم رفعت عينيها إلى السماء بقلق على الجميع فحدسها يخبرها بأن حادث الاختطاف ليس سوى الشرارة الأولى...
"جيب العواقب سليمة يا رب..."
في الغرفة رفعت شروق هاتفها إلى أذنها بعد أن وصلت بأعجوبة إلى رقم ممدوح الجديد من ابن إحدى جاراتها عن طريق والدته....
أخذت شروق احتياطاتها وأغلقت الباب خلفها ثم وقفت في آخر زاوية بالغرفة بأعصاب منهارة تنتظر رده....
وبالفعل فُتح الخط بعد ثوانٍ. في البداية لم يعرف أنها هي لذلك لم يتركها تنتظر كثيرًا.
"بنتي فين يا ممدوح..."
قالتها شروق دون مقدمات بانفعال قوي.
دنا الصمت من ناحيته قليلًا ويبدو أنه أُدهش من سرعة تواصلها معه قبل أن تمر ليلة على اختفاء ابنتهما....
لطالما كانت هكذا في مواجهته يقف أحيانًا مشدوهًا أمام صلابتها وجسارتها وكأنها لا تمتلك شيئًا تخشاه مع أنه يسمع بوضوح
رجفة أنفاسها المرتعبة وحتى ذبذبات انهيارها الجسيم يستشعرها بنشوة مريضة....
سعل ممدوح عدة مرات ليقول بأسلوب متلاعب لم تغفل عنه يومًا لا سابقًا ولا
الآن...
(عاش من سمع صوتِك يا أم بنتي... جبتي رقمي منين؟.... دا لسه التيكت عليه...)
صاحت شروق بغضب...
"رُد عليا يا ممدوح... بنتي فين؟!"
تحدث ممدوح بخبث شيطاني...
(بنتنا؟!... معرفش هي مش عندِك؟ مش
برضو عايشة معاكي إنتي وجوزِك..... إلا هو فين صحيح؟!.... أوعي يكون جنبِك وسايبك تكلميني في وقت متأخر كده...شكله راجل بقرون...)
علت وتيرة أنفاسها حدة وهي تصيح بشراسة
"احترم نفسك.... دا أرجل وأحسن منك مية مرة... "
عقَّب ممدوح بلؤم بذيء...
(إنتي أدرى والله... طالما كنتي معانا إحنا الاتنين... أكيد عرفتي مين الأرجل فينا
مية مرة...)
تقلصت ملامحها كلها باشمئزاز وشعرت بالغثيان والقرف لأنها مضطرة للتعامل
مع شخص حقير مثله....
"بَطل قرف ووَساخة... ورد عليا بنتي فين؟!"
هتف فيها بصيحة مفاجئة...
(إنتي بتتكلمي بجد ولا إيه يا شروق؟!… هي البِت ضاعت؟!)
تشنج جسدها تحت وطأة الغضب فقالت بصوت محتدم...
"متعملش الشغل ده عليا يا حَنش... أنا عارفاك كويس وعارفاك من نبرة صوتك كمان... إنت اللي خطفتها عشان تحرق قلبي عليها..."
أنكر أي صلة بالأمر وهو يقول بمراوغة...
(وأنا هعمل كده ليه؟!.... دا أنا لسه خارج من السجن وعليا مراقبة... بذمتك في واحد عاقل يرتكب جريمة وهو عليه مراقبة؟! مع إنها بنتي ومن حقي أشوفها... دا كمان من حقي آخدها تعيش معايا طالما إنتي اتجوزتي وشوفتي حياتِك... القانون بيقول كده...)
قالت شروق بثبات...
"ونفس القانون بيقول إنك مش أهل ليها وإن وجودها معاك هيضرها وهيدمر مستقبلها."
رد عليها ممدوح بسخط....
(ما هو عشان كده سبتها ليكي يا شملولة تربيها إنتي وأبو قرون بتاعِك... وفي الآخر بتكلميني وإنتي بتولولي وبتتهميني إني خطفتها منك..)
ثم أضاف بأسلوب ماكر...
(دا أنا هعمل فيكي محضر إهمال إنتي وهو وساعتها حضانتها هتبقى معايا غصب عنك!)
عند تلك النقطة انهارت كليًا وهي تصيح فيه بكره...
"بتعمل فيا كده ليه يا حَنش؟!... حرام عليك حرام عليك يا أخي..."
شعر بنشوته المريضة بعد سماع نشيج بكائها فقال بقسوة مسنَّنة...
(الحرمانية دي متعرفهاش واحدة خاينة
زيك...استغلت سجني وحبستي وراحت تلف على حل شعرها... وفي الآخر ختمتيها بالجواز من نطع... النطع ميعرفش أخلاقك ولا إيه..
لو كده ممكن أوعيه...)
صرخت من بين دموعها...
"اخرس... أنا أشرف منك ومن عيلتك كلها.. "
ضحك ممدوح بسخرية وهو يستلذ بنحيبها قائلاً بحقارة...
(آه... بأمارة شغلك المشبوه في البيوت ولا الراجل صاحب محل العطور اللي قال إنك عرضتي نفسك عليه ولما رفض اتهمتيه إنه اتحرش بيكي...)
مسحت دموعها بحدة ونفضت عنها الضعف قائلة بصلابة...
"عشان دي الحقيقة... هو حاول يتحرش بيا ولما وقفته عند حده طردني وقال اللي قاله وقتها....وشغلي في البيوت كنت بخدم فيها مسح وكنس وطبخ... ويعلم ربنا إن شعري ما انكشفش على مخدة راجل غيرك وقتها وحتى بعدها.... محدش لمسني غير صالح جوزي… وفي الحلال... "
عقّب ممدوح بتهكم غير مبالٍ...
(كل الكلام ده ميدخلش ذمتي بمليم...ومش هيغير اللي جوايا ناحيتك...)
احتد صوتها ونظراتها تتقد كرهًا وازدراءً...
"وهو اللي زيك عنده ذمّة؟!.... وفِكرك أنا عايزة أغير حاجة.... إنت مش فارق معايا... تغور في ستين داهية... أنا اللي يفرق معايا بنتي بنتي وبس يا حنش... "
رد عليها بصوت قاسٍ...
"بنتك مش عندي...ولو ما ظهرتش اعرفي إني هعمل فيكي محضر ولما ترجع هترجع لحضني أنا ومش هتشوفي ضفرها تاني"
طن في أذنيها صوت انقطاع الخط فقالت بانهيار وهي تبكي...
"ألو… ألو…"
استدارت شروق وهي تنوي الاتصال مجددًا لكنها رأت صالح يقف عند باب الغرفة المفتوح.
لم تنتبه لوقت دخوله ولا حتى لصوت الباب حين فُتح !....
تجمّدت في مكانها بصدمة وسقط الهاتف من يدها على البساط عند قدميها فيما شحب وجهها كالأموات وهي تتبادل معه النظرات تحاول فك شفرة تلك الملامح الجامدة وتلك النظرة التي ظللها الظلام....
"صـ.... صالح.... إنت هنا من إمتى؟!..."
رد عليها بهدوء مريب...
"لسه فاتح الباب... كنتي بتكلمي مين؟"
أجابته بارتباك وهي تهرب من نظراته...
"حد من قرايبنا... كنت بسأله على ملك."
سألها بجمود...
"وقالك إيه؟"
أرجعت خصلات شعرها للخلف بعنف...
"ميعرفش عنها حاجة…"
أومأ صالح برأسه وهو يشير إلى الصينية التي يحملها بين يديه...
"جبتلك لقمة تاكليها عشان العلاج اللي بتاخديه... اللي في بطنِك مالهمش ذنب
حفظي عليهم...."
وضع الصينية على أقرب منضدة ثم استدار مغادرًا.....
سألته شروق بتعجب وصدرها يعصف بالشك والخوف....
"إنت رايح فين؟!"
تحاشى النظر إلى عينيها قائلاً...
"الحاجة قاعده برا لوحدها....هروح أقعد معاها.... "
ثم أغلق الباب عليها وتركها واقفة في مكانها.
ثم شرعت تمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر هامسة لنفسها بذعر...
"معقول يكون سمعني؟!... يا نهار أسود... دا
لو عرف إني كلمته يبقى بطلاقي..."
صفعت خدها وهي تقف مكانها بأعصاب تحترق ثم هزت رأسها نفيًا رافضة التصديق
"أكيد مسمعش...مش معقول يسمع
ويسكت... "
تشعر بالضياع والتيه بعدما أصبح استعادة ابنتها إلى أحضانها والحفاظ على حياتها الزوجية خطيّن متضادّين....
قالت وهي تشهق ببكاء مرير...
"هعمل إيه... هعمل إيه دلوقتي... يا ترى إنتي فين يا ملك.... يا ترى فين يا بنتي... "
................................................................
خرجت شروق من الغرفة بعد أن ارتدت عباءة الخروج وحجابها وحقيبتها فوق كتفها...
قابلتها في الصالة الجدة التي قضت الليل عندهم دون أن يرف لها جفن كحال صالح والجميع...
صالح الذي خرج صباح اليوم إلى العمل ثم سيُتابع تحريات المحضر كما أخبرها البارحة...
"رايحة فين يا شروق الصبح كده؟"
وقفت شروق مكانها ثم قالت بهدوء
غريب...
"رايحة للدكتورة....أصلي تعبانة شوية."
سألتها الجدة بقلق..
"خير يا بنتي؟.... إيه اللي وجعك؟"
أجابتها شروق بأعصاب مشدودة...
"تقريبًا ضغطي علي... هروح أشوفها هتدّيني إيه يظبطه عشان الحمل.... أنا قولت لصالح الصبح قبل ما ينزل....استأذنت منه وهو وافق..."
قالت الجدة بتفهم حانٍ....
"طب أجي معاكي.... مينفعش تروحي لوحدِك."
رفضت شروق بسرعة تثير الشك...
"لا خليكي... عشان الدكتورة دي مشوارها بعيد..."
اقترحت الجدة بهدوء...
"خلاص.... أتصل بأبرار تروح معاكي."
عادت شروق ترفض بنفاد صبر....
"أنا هعرف أروح يا خالتي لوحدي. سيبيني أمشي رجلي وأشم شوية هوا... يمكن أرتاح."
لم تشأ الجدة الضغط عليها أكثر فقالت بوئام...
"ربنا يريح قلبك يا بنتي.... ويردها ليكي على خير..."
بعد خروجها من الشقة تنفّست الصعداء وهي تضغط بكفها على صدرها الممزّق المًا والدموع
تلسع عينيها الحمراوان من جديد....
كانت ليلة طويلة لم تعرف جفونها النوم ولا جسدها الراحة ظلت تلتوي على نيران متلظى حتى رأت أول خيوط الشمس وانتظرت بفارغ الصبر خروج صالح وقبل ذلك تحججت بأمر الطبيبة لتجد وسيلة تُمكنها من الخروج....
بدأت تتحرك بصعوبة عاقدة العزم على تلك الزيارة مهما كلفها الأمر لن تترك ابنتها معه
ولن تسمح له بالتلاعب بها.... ولن تقحم صالح وعائلته في الأمر.....
