رواية اشتد قيد الهوي الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم دهب عطية


 رواية اشتد قيد الهوي الفصل التاسع والثلاثون 

أن ترى الخطر بعينك ثم تمضي إليه طوعًا فذلك  ضربٌ من الجنون وان تفلت من وَكْر الأفاعي باعجوبة أقرب الى معجزة ثم تعود إلى عقر دارها فذلك العبث في أبهى صوره والاستهانة بعدوك وبمكائده حماقة لا تُغتفر...

وأن تسير خلف عواطفك بلا تفكير فقد يكلّفك ذلك حياتك بأسرها....

وهي تفعلها بدافع عاطفة الأم تسرّعت ولم تحسب العواقب حينما دخلت شارعها القديم ودلفت إلى المبنى الذي يقطن به حنش بعد خروجه من السجن… ذاك المكان الذي كان بيتها يومًا...

وقفت أمام باب الشقّة المتهالك والذي جار عليه الزمان كاصحابه....خلف هذا الباب ذاقت الويلات وعاشت عذابًا طويلًا تتخبط بين حبٍّ اختارته رغم أنف الجميع وندمٍ اكتسح فؤادها حتى لم يبقَ من ذاك الحب إلا رمادُ مخالِفٍ بعد حريق أستمر لسنوات عدة...

وحين خرجت من ذلك البيت يومًا حمدت ربّها أنها أفلتت من ندمها وماضيها وأنها ستتحرر من ذلك الشعور أخيرًا....لكنها بقيت مسجونةً في داخلها تحمل فوق صدرها حجرًا ثقيلًا كلما نظرت إلى ابنتها اليتيمة بلا أب... وإلى كونها امرأة تتعرّض لكل مهانة لمجرّد أنها مطلقة…

وكأنها رخصة مباحة لكل رجل شهواني يريد العبث قليلا بعيدًا عن بيته ومسئولياتُ.... 

اليوم تعود إلى المكان نفسه مطالِبةً بقطعةٍ منها فبرغم كل ما تعرضت له من سوءٍ في 
تلك الزيجة تبقى ابنتها أفضل ما خرجت به من حياتها الماضية واستحالةٌ أن تتركها وحيدة بين يدي رجلٍ كـحنش… 

رجلٍ لم يحافظ على كلمته ولا عهده معها فكيف سيصون طفلةً تحتاج إلى كل شيء وهو لا يملك شيئًا.....

وليس الأمر متعلّقًا بالمال بقدر ما يتعلق بالأبوّة التي يفتقدها.... لم ترَ من حنش يومًا أيَّ مظهرٍ حقيقي للأبوة فهو كأمّه مجرد من المشاعر بارع في تمثيلها لكن مع مرور الوقت تكشف زيفه.....مزيفة ككل شيء يخصه....

أخذت نفسًا طويلًا شقَّ صدرها ألمًا وهي ترفع يدها لتطرق الباب.... ارتجّ الشِّيش الزجاجي كما ارتجف جسدها رهبةً من تلك الخطوة ومن كل ما قد يأتي بعدها…

تسلحت بما تبقى لها من شجاعة وهي تسمع القفل الداخلي للباب يُفتح من الجهة الأخرى بصوتٍ مهيب مزعج كأنَّ باب الجحيم يعود ليُفتح أمامها ويدعوها للدخول من جديد…

شعورٌ مُرهق يجتاح قلبها وروحها كقبضةٍ تعتصرها عصرًا لكن ماذا بوسعها أن تفعل لم يكن أمامها سوى أن تخطو خطوةً واحدة نحو ابنتها ربما هي في الداخل تنتظرها... تنتظر أن تأخذها من هذا المكان وترحلا معًا كما رحلتا يومًا… قبل خمس سنوات...

فُتح الباب وظهر ممدوح أمامها مرتديًا سروالًا فوق الركبة وفانلة حمالات... ابتسم وهو يرفع عينيه الماكرتين نحوها وقال....

"معقول… شوشو بنفسها هنا.... والله ليكي وحشة يا أم بنتي…"

ازدردت شروق ريقها وبنظرة حادّة ثابتة وقالت بخشونة....

"بنتي فين يا حنش؟"

أشار إلى داخل الشقة في دعوة خبيثة...

"جُوا… ادخلي شوفيها...."

نظرت شروق إلى الداخل بعينيها دون أن تتحرك خطوة واحدة. تجمدت لحظة في مكانها تفكّر في خطورة قدومها إلى هنا وفي كيف يتلاعب هذا الحقير بها مستغلًا ابنتهما في ابتزازها بكل الطرق الممكنة…

ضحك ممدوح ضحكة فاسق وهو يرمقها بنظرة شهوانية...رغم أنها ترتدي لباسًا محتشمًا عكس ما كانت تظهر به في الماضي

فكانت ترتدي عباءةً واسعة فوق حجابٍ طويل أشبه بالخمار لكنه ملفوف بشكلا جميل يليق بها… فقد بدت أقرب إلى تلك السيدات اللواتي كان يصادفهن في القنوات الدينية على التلفاز فيسارع إلى تغيير المحطة....

عند تلك النقطة عقّب ممدوح قائلًا....

"اتغيرتي خالص يا شروق... بقيتي واحدة تانية.. جوازك من الـ... الشيخ واخد وضعه.. "

ثم أطلق ضحكة لاذعة جعلت وجهها يمتقع غضبًا فأعادت حديثها بضيق...

"عايزة بنتي يا حنش."

بقيت بقايا ضحكته الساخرة معلّقة على محياه وهو يرد ببرود....

"أنا قولتلك اللي عندي في التليفون... لو مش مصدقاني داخلي دوري عليها جُوّا.... يمكن تلاقيها."

عادت شروق تنظر إلى الداخل بالتردد نفسه فمال ممدوح إليها بعينين تلمعان لؤمًا وقال....

"إيه.... خايفة....ما طالما جيتي لحد هنا يبقى هتدخلي... ولا إيه؟"

وقبل أن تنطق جاء صوتٌ ثالث اقتحم اللحظة صوتٌ رخيم مهيب أجاب على ممدوح بنبرة حادة

"ما احنا هنخش....عشان فيه كلام كتير لازم يتقال على انفراد."

أدارت شروق رأسها بصدمة حين سمعت صوت صالح واقفًا إلى جوارها لا ينظر إليها وكأن وجودها هنا ليس غريبًا عليه...بدا كأنهما فعلاً جاءا معًا....

هكذا ظن ممدوح الذي قال ببغض....

"جبتيه معاكي؟!... يعني مش جاية لوحدِك؟!"

فانطلق صوت صالح كحدّ السكين....

"وليه تيجي لوحدها بيت راجل غريب طالما جوزها معاها... وعارف كل كبيرة وصغيرة بتحصل معاها."

مدت شروق يدها تتشبث بطرف سترته هامسة برجاءٍ خافت....

"صـالـح... "

لم يلتفت إليها وثبت نظره على ممدوح بملامح صلبة قائلًا بتحفز....

"مش هتقولنا اتفضلوا ولا إيه؟"

تراجع ممدوح عن الباب على مضض مشيرًا إليهما بالدخول وهو يتكلف الابتسامة....

"لا... إزاي.... اتفضلوا..... "

كانت في موقف لا تحسد عليه زوجها على جهةٍ مجاوره لها وطليقها وأب ابنتها يجلس في الجهةٍ المقابلة لهما وهي في المنتصف تشعر أنه قطعة وحيدة على رقعة الشطرنج الخطوةٍ تغير مصيرها
بالكامل.... 

ويبدو ان قدومها ال هنا دون علمه بداية
اللعنة.... 

نظرت إلى صالح الذي كان يجلس بمنتهى الهدوء والوقار الفطري يعلو ملامحه ينقل عينيه في المكان من حوله حيث الحيطانُ المتشققةُ الباهتة وخيوطُ العناكب المتدلية
من السقف والفرشُ المتهالك الذي جار عليه الزمان....مثل باب الشقة التي وقفت عنده طويلًا....

أخفضت بصرها وحلقُها يجف مع مرور الوقت...في صمتٍ لعينٍ ينهش أعصابها بينهما....

قطع ذلك الصمت صوتُ ممدوح وهو يسأل محدق في صالح بنظرةٍ تقطر حقدًا رغم كل محاولاته لإخفائه....

"خير عايزين مني إيه....."

سحب صالح نفسًا طويلًا ثم قال بهدوء

"أكيد عرفت إن بنتك مش لاقيينها من إمبارح... "

ارتفع حاجبا ممدوح بلؤم وهو يقول بأعصاب
باردة....

"بجد؟... لحد دلوقتي ملقتوهاش؟... غريبة."

ردّ صالح ردًا هادئًا متزنًا...

"هي مش غريبة ولا حاجة طالما بقت معاك أنت أبوها برضه وبتخاف عليها أكتر مننا."

شعر ممدوح بالغيظ من نفسه بعدما أدرك متأخرًا أنه أوقع نفسه في الفخ وكشف نواياه بهذه السهولة....

هو الذي يُعَدّ من أكبر المتلاعبين وأمهرهم لكنه أمام هدوء هذا الرجل وثباته والثقة التي تشعّ من جلسته وبين ثنايا حديثه تخبّط في الكلمات دون حذر…

"ومين قالك إنها معايا؟!"

أخبره صالح بمنتهى الثبات...

"برودة أعصابك بتقول كده... ماهو مش معقول أب يعرف إن بنته الصغيرة اختفت من إمبارح ويكون ده رد فعله... "

افتعل ممدوح الغضب قائلًا....

"أنا ناوي أعمل فيكم محضر إهمال... وهرجع بنتي لحضانتي...."

رمقته شروق بكراهية وهي تعض على لسانها بغضب....فلولا وجود صالح بينهما لسمع منها 
قاموسًا جديدًا من الشتائم…

جاء صوت صالح خشنًا حادًا رغم حفاظه على هدوئه قدر المستطاع....

"حتى لو عملت كده... مش هتوصل لحاجة. بطريقتي هرجع ملك لحضانة أمها... "

سخر ممدوح منه قائلًا بازدراء....

"ده انت مالي إيدك بقى... اللي أعرفه إنك صاحب مصنع عبايات... يعني ملكش في السكك إياها.. "

وبنظرة قوية مهيبة أشار صالح على رأسه قائلًا..

"السكك مفتوحة لأي حد.. المهم ده.. يا
أبو ملك."

تَبَرَّم ممدوح وشعر أنه يخسر جولات غير منتهية في الحديث مع هذا الرجل فقال بوجوم...

"والله الشقة قدامك... قوم دور عليها إنت ومراتك. لو لقيتوها خدها معاك... أنا مش ممانع."

قال صالح باتزان....

"لو ملك موجودة هنا...مكناش هنقعد القعدة دي... "

ضاقت عينا ممدوح وهزّ رأسه مستفسرًا...

"يعني إيه؟!"

ارتسم التحفز على محيا صالح واشتدت نظرة عينيه وهو يقول بغلظة...

"تاخد كام... وترجع البنت لأمها.... وتتنازل عن حضانتها.... ويا دار ما دخلك شر."

توسعت عينا شروق وهي تنظر إلى صالح بعد هذا العرض...

بينما صاح ممدوح بغضب حاقد شاعرًا بالإهانة...

"ومين قالك إني هسيب بنتي تتربى في بيت 
راجل غريب؟!"

أجاب صالح بهدوءٍ مدروس يمارس معه أقصى درجات السياسة...

"مش بتتحسب كده يا أبو ملك... بتتحسب مصلحة بنتك فين...والأحسن تكون مع مين أمها أولى بيها... معتقدش إنك فاضي ليها... تاخد بالك منها ومن دراستها ومستقبلها... "

اشتد غضب ممدوح أكثر وهو يصيح...

"أنا أقدر أصرف على بنتي وأخليها مش محتاجة أي حاجة..."

تنهد صالح بسأم وهو يمارس دهاءه بدبلوماسية..

"محدش جاب سيرة المصاريف... الفلوس مقدور عليها بتيجي وتروح... إحنا بنتكلم على الرعاية ووجودها في بيت وعيلة وحياة سوية... تقدر توفرهم ليها بعد خروجك من السجن؟!"

احتقن وجه ممدوح بالغضب وهو يقول بتهكم..

"لو كانت أمي موجودة وسطنا... كانت هي اللي هترد عليك... "

خرج صوت شروق معترضًا باشمئزاز وهي
تعقّب....

"أمك؟!... عايز عنايات هي اللي تربي بنتي؟!"

التفت صالح إليها بنظرةٍ كالرصاصة الحادّة اخترقت صدرها فجعلتها تبتلع ما تبقى من حديثها عندما أمرها بصرامة....

"اسـكـتـي... مـش أنـا بـتـكـلـم."

أخفضت رأسها برهبة وساقاها تتخبطان في بعضهما حين رأت التوعد والغضب المستعر يشتعلان في خضرة عينيه…

أومأ ممدوح برأسه بقتامة....

"آه… عنايات.. اللي سجنها جوزِك.. ولفّق لها قضية..."

عقّب صالح على الحديث بهدوء وصبر..

"لو مصدق نفسك يبقى أنت محتاج تخطف رجلك لحد النيابة وتقرأ سجل الست الوالدة والمحاضر اللي عليها..."

تجادل معه ممدوح بمقت...

"هتنكر إنك ليك يد في الموضوع؟"

جاء الردّ الثابت منه...

"حـق مـراتـي وخـدتـه."

جاشت مراجل ممدوح وهو يقارعه باستنكار...

"ما كانتش مراتك وقتها.. "

ابتسم صالح مجيبًا بهدوء استفزّ ممدوح أكثر..

"كانت الست اللي ناوي أتجوزها... ومن حقها عليا إني أحميها من أي حد يفكر يقرب منها..."

ثم استأنف حديثه قائلًا بصلابة....

"نرجع لموضوعنا... تاخد كام وترجع البنت لأمها؟"

هتف ممدوح بنظرة إجرامية....

"عــمــرك"

شهقت شروق مفزوعة ووضعت يدها على صدرها وقالت بتلقائية....

"بـعـد الـشـر... "

قال ممدوح بشراسة مرسلًا إليها نظرة قاتمة متوعدة بضراوة الانتقام....

"ورحمة أبويا... وأمي اللي في سجنها... لَأخليكي تلبسي الأسود عليه... "

بملامح صخرية جامدة ونظرة ممتلئة بالغضب نهض صالح من مكانه قائلًا بتأهّب...

"كده انت جبت الخلاصة... وبقينا بنلعب على المكشوف زي ما بيقولوا."

نهض ممدوح مثله ووقف أمامه مؤكّدًا الحرب التي بدأت صريحة بينهما....

"بالظبط وبما إننا بقينا على المكشوف... فبنتي هتفضل في حضني."

ثم نظر إلى شروق التي تقف بجوار زوجها بشموخ تستمد منه القوة والثبات كدرعٍ حامٍ...

"لو بقى إنتي عايزاها...اختاري بينها وبين جوزِك...."

كان الرد لكمة من قبضة صالح جعلته يرتدّ للخلف مصدومًا من قوة هذا الملتحي الهادئ....

"صــالــح... "

نطقت شروق اسمه وهي تمسك بذراعه تمنعه برجاء....

تضخم صدر صالح بالغضب والغيرة وقد فقد صبره وانكسرت قشرة الهدوء أمام هذا الفاسق اللعين فقال بصوت كحدّ السيف...

"نجوم السما أقربلك منها... وملك هترجع لحضن أمها ولبيتها.... وإنت... إنت اللي اخترت نهايتك... والبادي أظلم.... "

وبعينين تكادان تنفثان نارًا من شدة الغضب صوّب نظراته نحو زوجته مشيرًا لها بالخروج قبله...

"يــلا قـدامـي."

انصاعت شروق لأمره وتحركت أمامه خارجة من الشقة وهو خلفها بينما صرخ ممدوح بأسلوب منحط...

"مش هتعرف توصلها وهتيجوا... هتيجوا تذللوا ليا... وبرضه مش هريحكم... "
................................................................
شعورٌ مُضني تعيشه في تلك اللحظة منذ خروجهما من شقة حنش ودخولهما السيارة.. أثناء قيادته لم يلتفت نحوها ولم يوجه لها كلمة واحدة...

ظل هادئًا صامتًا لكن كل مؤشّرات جسده تشي بغضبٍ مكتوم كبركانٍ على وشك الانفجار ينتظر فقط أن يصلا إلى البيت…

رفعت عينيها المترددتين إليه فرأته يقود السيارة بملامح متحفظة جافية يشد على عجلة القيادة بين قبضتيه بينما عيناه الخضراوان القاتمتان مصوّبتان نحو الطريق أمامه....

خائفة من المواجهة... خائفة من ردة فعله…
خائفة من وسوسة شيطان يختبئ بين ثنايا غضبه... تعرف أنها اندفعت كالثور الهائج خلف قماشةٍ حمراء بلا عقل ولا تحكم سارَت مع التيار دون علمه ولا مشورته....لكنها ابنتها… كيف تكبح شعورها؟

كيف تُطفئ نيران قلبها؟

ما زال قلبها يحترق لوعةٍ على صغيرتها لم تعرف للراحة طريقًا وزاد الطين بلة حديثُ ذلك الفاسق...تأكيده أن ابنتها تحت يده وأنه سيلعب بها كورقةٍ رابحة ليجعلها تحت طوعه من جديد... بالإكراه

وفي غمرة شرودها فيه رأته يلتفت إليها يرمقها بنظرة حادة تشع ازدراء نظرة مزقت روحها قبل أن تفجر جدران صدرها كقنبلةٍ موقوتة....

أشاحت بوجهها عنه بسرعة وقد تجمدت أطرافها تزدرد غصتها بوجع بعدما قرأت تلك النظرة وفهمت كل ما حملته من مشاعر قاسية مختبئة خلفها…

انتفضت انتفاضة قوية بعد أن ألقى سلسلة المفاتيح على الطاولة الزجاجية نازعًا سترته ومشمّرًا عن ساعديه...

"كنتي خارجة من البيت رايحة للدكتورة زي ما قولتي... إيه اللي وداكي بيت راجل غريب؟"

بلعت ريقها وهي تسمع هذا السؤال الهادئ هدوء ما قبل العاصفة... وحين طال الصمت من جانبها وظلت واقفة في مكانها صاح بصوت ارتجّت معه جدران المكان من شدّته وحدّته....

"انــطـقــي إيـه اللـي وداكـي بـيـت راجـل غـريـب؟"

قالت شروق بخفوت وشفتيها ترتجفان رغمًا عنها مهددةً بالبكاء...

"كـنـت بدور على بنتي..."

سألها وأعصابه كلها على الحافة بينما عينيه تقدحان شررًا...

"ليه مقولتليش؟..... طالما عارفة إنها عنده... ليه اتصرفتي من ورايا؟"

عضت على باطن شفتيها والكلمات تتوقف في حلقها تكاد تخنقها فيما تابع هو بقتامة...

"كلمتيه في التليفون من ورايا... وروحتي بيته من ورايا... انتي شايفاني إزاي يا شروق؟... مش راجل؟"

ارتفع رأسها بسرعة وغلالة الدموع تملأ عينيها
مشوِّشةً صورته وهي تقول بلهفة...

"إنت سيد الرجالة... أنا بس مكنتش عايزاك تدخل في مشاكل معاه..."

التوى فكه باستهزاء معقبًا بمقت....

"فتدخلي انتي وكإن ملكيش حد... أو راجل مسئولة منه ترجعي ليه... صح؟"

صاحت مدافعة عن نفسها وهي تبكي...

"أنا عملت ده كله عشان بنتي..."

صاح في وجهها بوحشية وقد برزت عروق وجهه وعنقه بشكلٍ مخيف...

"أنا كنت هرجع بنتِك... ووعدتك إني هرجعها ووعد الـحُر دين عليه... ليه عملتِي كده؟!"

"ليه قليتي مني... وقليتي من نفسك قدام واحد زي ده؟!"

قالت بتهدج والعبرات تتساقط من عينيها بغزارة وهي تعي تمامًا فداحة ما ارتكبته...

"والله كنت خايفة عليك... عملت كده عشان ما تتحطش في الصورة..."

قبض على ذراعيها بكلتا يديه بقسوة وصدره يتفجّر غضبًا والغيرة تنهش ما تبقى من كبريائه ليزأر في وجهها كأسدٍ هائج فقد صبره....

"لازم أتحط انتي مراتي... واللي ضاعت دي بنتك وكانت في بيتي وسطنا... من حقها عليا إني أدور عليها وأجيبها... ومن حقي عليكي يا هانم إنك تسمعي كلامي وتثقي فيا... تثقي في الراجل اللي شايلة اسمه... مش تـمرمغيه في التراب معاكي..."

نظرت شروق إلى عينيه بصدمة هامسة باسمه بلوعة...

"صـالـح..."

"انتي اتخطيتي كل الحدود بعملتك دي... وطلعتيني قليل قوي في نظرك ونظر نفسي...ومش أول مرة تعمليها معايا.. لكن المرادي كانت الناهية يا شروق..."

دفعها صالح بعيدًا عنه دفعةً قاسية جعلتها تتراجع خطوتين قبل أن يلتقطها الحائط خلفها... لتسند جسدها المرتجف عليه من هول الصدمة ومن النهاية التي قرأتها صريحة في عينيه العاصفتين بالغضب....

"يعني إيه... هطلقني؟!"

سألته بصوتٍ مكلوم مثل قلبها الواقف على حافّة الهاوية ينتظر دفعةً أخيرة منه....

أجابها صالح بقسوةٍ وجفاء....

"لو ماكنتيش حامل... كان زمانا خرجنا بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف... بس عيالي اللي في بطنِك ليهم حق عليا... مينفعش أحرمهم من أمهم... ولا أحرّم نفسي منهم..."

أشارت إلى نفسها مذهولة...

"يعني دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليني على ذمتك؟..... اللي في بطني؟!"

هتف بتهكّم...

"انتي مخليتيش حاجة تانية غيرهم..."

أخذت شروق خطوتين نحوه محاولة رأب هذا الصدع قبل أن يتسع بينهما ويصبح مستحيل الإصلاح...

"صالح... ما تقساش عليا... اللي عملته ده غصب عني... دي بنتي..."

صاح في وجهها بنبرة مهيبة جعلتها ترتدّ للخلف..

"وانتي مراتي.. واللي كنتي واقفة عند باب بيته ده كان في يوم من الأيام جوزِك... واخدة بالك انتي عملتي إيه؟.... ولا مستهونِة باللي عملتيه؟!"

ثم استأنف الحديث بغيرة تتلظّى على قلبه...

"لولا وجودي معاكي... كان ممكن إيه يحصل بينكم يا شروق؟!"

فغرت شروق شفتيها مصدومة من السؤال ومن انحدار تفكيره إلى هذا الحد...

"صــالـح..."

تابع صالح حديثه غير مكترث بصدمة وجهها...

"كان ممكن يأثّر عليكي... يضغط عليكي عشان بنتِك ترجعلك... كان ممكن يطاول بإيده عليكي. قوليلي ساعتها كنتي هتعملي إيه؟!"

سألته بغضب....

"يعني إنت مش واثق فيا؟!"

لم يبدُ عليه التراجع وهو يقول بصوت حادّ كحدّ السيف ينحرها بالكلمات....

"انتي ضيعتي الثقة دي... من أول ما كلمتيه في التلفون من ورايا وخبيتي لحد ما روحتي من ورايا ووقفتي قدام باب بيته... وكنتي ناوية تدخلي وتقعدي وتتكلمي كمان...ماهو عادي بقا ما انتي مقرطسة الراجل اللي وثق فيكي... "

صاحت بانفعال معترضة...

"إنت ظالمني.... والله ظالمني... "

لم يتهاون معها وهو يقول بصرامة....

"انتي اللي ظلمتي نفسك...وأنا مش ملاك عشان أسامح في حاجة زي دي... "

ثم سحب سترته على كتفه وأخذ سلسلة المفاتيح في يده ورفع عينيه العاصفتين إليها قائلًا بصلابة

"بنتك هترجع لحضنك زي ما وعدتك...بس اللي مش هيرجع تاني هو حياتنا مع بعض.... انتهت يا بنت الناس... ولو هنكمل فعشان اللي في بطنك مش أكتر.... "

انتفضت شروق بقوة بعد سماع صوت ارتطام باب الشقة يُغلق خلفه في صفعة...صفعة نزلت على قلبها قبل جسدها جعلتها تسقط أرضًا باكية بحرقة...
...............................................................
سارت بخطوات غاضبة إلى خارج الحمام تلفُّ قدَّها بمئزر الاستحمام وفوق رأسها منشفة صغيرة ملفوفٌ بها شعرها المبلل....

رمقته بنظرة باردة تكشف عن حنقها وغضبها فإن كان يظن أن قبلة واحدة كافية لمحو مزاحه الثقيل معها فهو مخطئ وسيرى ذلك بنفسه.....

زمت شفتيها للأمام عابسة أكثر وهي تراه يجلس بأريحية على الفراش والهاتف الذي دفعته هي في البحر بين يديه يبدو في حالة جيدة فلم يتأثر بالماء لحداثته !....

استشاطت غضبًا أكثر لعثوره على الهاتف فلم تجنِ من الأمر إلا وقوعها هي في الماء كمن يفرغ دلواً من المخلفات دون أن يهتم بنظرات من يحيطون بهما....

"إيه الحلاوة دي..."

قالها أيوب بنبرة مناغشة وهو يتأمل طلّتها الناعمة بعد الاستحمام دون نقطة مكياج صافية ناعمة......شهية....

التزمت الصمت رافضة الرد فهي تُشَنّ الخصام بينهما دون لحظة تردّد....فهو يستحق ذلك ليتعلم كيف يعاملها.

جلست نغم على المقعد أمام المرآة وبدأت في وضع بعض الكريمات المرطبة المعطرة على بشرتها....

"تعالي جمبي يا كل الحب... وكفاية مسافات."

ناداها أيوب بصوت لهوف خفق قلبها تجاوبًا معه أمّا هي فزادت إصرارًا....

امتقع وجه أيوب عابسًا وهو ينهض من مكانه مقتربًا منها.....

"نـغـم.... إنتي مش بتردي عليا ليه؟!.... إنتي اطرشتي..... الماية دخلت في ودانِك بجد.. "

أشعل فتيل صبرها فنهضت من مكانها حانقة وهي تنزع المنشفة عن شعرها بحركة لا إرادية ليتحرك شعرها منعكسًا على وجهها بشراسة ورذاذ الماء يضرب وجه أيوب بخفة مع فحيح عطرها الفاخر.....

ابتسم أيوب وعيناه مأخوذتان بتلك اللوحة الفاتنة فمن أقل حركة منها تصبح في عينيه أكثر النساء جاذبية وإغواءً....

ازدرد ريقه وقلبه هائم بها وعيناه مسحورتان بينما عقله غائب عن حديثها الغاضب الذي لم يسمع الكثير منه....

"والله كويس إنك واخد بالك إنك اتعاملت معايا بأسلوب مش لطيف....في حد يعمل كده في مراته وتاني يوم جوازهم؟!.... إنت خدت بالك إنت رمتني إزاي في الماية... والناس كلها كانت حولينا... "

سألها وعيناه تجريان على ملامحها بتأنٍّ...

"وانتي اللي مزعلك إني رميتك في الماية
ولا عشان الناس كانوا حولينا؟"

قالت نغم بغيظ شديد...

"الاثنين يا أيوب.... ليه عملت كده؟!"

رد عليها بنظرة باردة...

"عشان رميتي التليفون في الماية."

صاحت باستهجان...

"التليفون اللي محصلوش حاجة أصلًا؟!"

رد بنبرة جادة...

"مش حتة حصله ولا لأ... إنتي ليه ترميه في الماية... افرضي كانت عايزاني في شغل؟"

أغضبها الرد أكثر فقالت بحدّة...

"وإنت عملت كده فيا عشانها؟!.... طب خليها تنفعك متكلمنيش ممكن... "

رفض أيوب وهو يمسك ذراعها...

"ممكن إيه؟!....ده هو أسبوع اللي هنقضيه
هنا هنكمله نكد...اعقلي يا حبيبتي... عشان مطلعش جناني عليكي... "

نزعت ذراعها بعناد

"والله.... طب طلع جنانك...ووريني هتعمل إيه... "

نظر إليها أيوب قليلًا ثم أطلق تنهيدة مستاءة وهو يبتعد عنها...

"تصدقي بالله... إنتي نكدية وأنا مش هنكد على نفسي..... خليكي قلبه بوزك."

سألته بصدمة وهي تراقبه يرتدي قميصه مغلقًا أزراره بعجلة...

"إنت رايح فين؟!"

تحاشى النظر إليها وردّ بوجوم....

"رايح أكمل سهرتي تحت.... يمكن ألاقي اللي تفرفشني.... "

وأمام عينيها الحانقتين غادر الجناح مغلقًا الباب خلفه بينما بقيت هي في مكانها تشتاط غضبًا تتمتم الكلمة التي صفعت أذنيها....

"تفرفشك؟!..."

بعد مرور ساعتين كانت خلالهما قد قاربت
فيهما على الجنون صدح هاتفها أخيرًا باتصالٍ منه...

نظرت إلى اسمه واجمة قليلًا ثم فتحت الخط على مضض دون حتى كلمة ترحيب وظلّت صامتة....

سمعت تنهيدته الحارّة على الجانب الآخر تتداخل معها أصوات الأمواج وهو يناديها بنبرة يملؤها الشوق....

(أنا على البحر... تعالي مستنيكي...)

أغلق الخط قبل أن يسمع ردها العنيد.

أرجعت نغم شعرها إلى الخلف بعصبية متمتمة...

"على البحر ومستنيني؟!... إيه ما لقيتش
اللي تفرفشك؟!"

كانت تريد أن تقوله له لكنه لم يمنحها الفرصة. قررت أن تذهب إليه كما أراد ولتقل ما تشاء هناك لن يمنعها طالما أنه مُصرّ على إثارة غيرتها وحنقها....

ارتدت ثوبًا أنيقًا مزركش الألوان وتركت شعرها منسابًا على ظهرها.... حرصت على اختيار ثوبٍ طويل ومحتشم حتى لا يغضب منها...

واغتاظت من نفسها كيف تحرص على ألا تُغضبه بينما هو يفعل كل ما يُغضبها
مستمتعًا بذلك؟!

رأته يجلس في ذاك المكان شبه المظلم إضاءةٌ خافتة بالكاد تنير محيطه... كان يجلس مولّيًا ظهره لها ووجهه نحو البحر...

اقتربت بخطوات متمهلة فوق الرمال الناعمة ثم جلست إلى جواره تراقب تقاذف الأمواج العاتية مع الهواء البارد في سيمفونية رائعة لم تسمع مثلها يومًا....

رفعت عينيها نحو السماء اللامعة بالنجوم والقمر ينساب ضوءه على صفحة البحر في لحظة بديعية...

ساعدها الجو كثيرًا على الاسترخاء فتراجع غضبها وبقي السكون والهدوء يتصدّران المشهد وهي تتأمل البحر بقرب الحبيب...

شعور مختلف....وكأن البحر صار ضفة للهوى وكل ما يعتمله يشعل الفؤاد بالعاطفة.....

"هديتي ولا لسه الجنان واخد حقه معاكي..."

أدار أيوب رأسه إليها يتأمل جانب وجهها المرفوع في شموخ.....

قالت نغم بضيق وهي تتلاقى بعينيه المنتظرتين إيّاها بلهفة....

"أنا مش مجنونة يا أيوب...أنت اللي بتتعمد تضايقني بتصرفاتك....وبتزعل لما بعاتبك..."

ردّ عليها أيوب بتهكم....

"عشان إنتي خنيقة يا نغم... أنا كنت بهزر معاكي بدليل إني خرجتك من البحر شايلِك على دراعي لحد أوضتنا..."

امتقع وجهها قائلة...

"والناس كلها في الفندق اتفرجت علينا وقتها..."

ردّ مبتسمًا بفخر....

"معظمهم أجانب وكانوا مبسوطين بينا... عرسان بقى وكده..."

ثم استأنف متذكّرًا...

"وكمان إنتي غلطانة... ترمي تليفوني ليه في الماية؟"

قالت بغيرة نارية...

"عشان ما تردش على الزفتة بتاعتك..."

أجابها ببرود غير مكترث...

"كان ممكن تقوليلي ما تردش... ومش هَرد."

مالت برأسها ساخرة منه...

"يا سلام... على أساس إنك بتسمع مني.."

لمع العبث في عينيه وهو يغمز لها بوقاحة..

"بالطريقة هتخليني أسمع منك... إنتي اللي غبية ومش عارفة الطريقة... مع إن مفاتيح قلبي معاكي..."

منعت الابتسامة من التسلل إلى ثغرها ورسمت الجدية والضيق قائلة...

"أنا عارفة الطريقة بتاعتك... إنت ما بتفكرش غير في الحاجات دي..."

ردّ عليها بصوت أجش...

"ومالها بقى الحاجات دي...حلال شرعًا 
طالما مع مراتي..."

زمت فمها وعيناها تبحثان من حولهما بسخرية وهي تقول....

"أنا ملاحظة إنك قاعد لوحدك يعني... إيه 
ما جتش اللي تفرفشك؟"

أرخى كتفيه قائلاً بزهو...

"لسه ماشية... روقت عليا وفرفشتني أحلى فرفشة..."

لكمته نغم في صدره عدة مرات فضحك منتشيًا بجنونها ثم أمسك قبضتها يمنعها 
من المتابعة...

"إيدك يا بت... لحسان توحشك..."

حاولت نزع يدها بوحشية دون جدوى وهي تقول باهتياج...

"سيب إيدي.... أنا غلطانة إني نزلتلك"

رفع قبضتها إلى فمه وبدأ يطبع القبل حتى ارتخت رغمًا عنها وفتحت كفها كوردة أتاها الربيع....

"إنتي هبلة وبتصدقي... يعني هو في حد يعرف يفرفشني وينكد عليا غيرك؟"

قالها ثم تابع تقبيل كفها من الداخل مستنشقًا عطرها....

قالت بتذمر...

"أنا مش نكدية..."

رفع عينيه إليها قائلاً بمناوشة...

"نمشيها إنك فرفوشة... وربنا يسامحني..."

زفرت قائلة...

"إنت رخم على فكرة..."

سحبها أيوب إليه حتى ارتاح رأسها على صدره النابض....

"وإنتي مجنونة قوي... وأنا بعشق جنانك..."

لثم وجنتها ثم يدها سائلاً وهو يضمها أكثر إليه...

"صافي يا لبن؟"

أجابته مبتسمة وعيناها تتابعان تلاطم الأمواج الثائرة كقلبها في حضور سيّده...

"صافي..."

شاكسها قائلاً مازحًا...

"لا...اسمها حليب يا قشطة.. خليكي بنت بلد..."

ضحكت قائلة...
"حليب يا قشطة..."

غمز لها أيوب ناهضًا من مكانه وهو يسحب يدها معه...

"أيوه كده... البلدي يوكل... تعالي..."

سألته وهي تسير بجواره...

"هنروح فين؟"

ردّ وهو يسير معها على الرمال باتجاه آخر كان مظلمًا قليلًا....

"مفاجأة... عشان تعرفي إني ما بضيعش وقت..."

عندما وصلا إلى المكان المنشود طرقع بأصابعه فإذا بالمكان يسطع فجأة كالسحر.
مصابيح صغيرة متلألئة انبعث نورها من حولهما تُحيط بطاولة مستديرة ومقعدين بينما انسدلت الستائر البيضاء حول الجلسة مانحةً إياها خصوصية حالمة لا يشوبها شيء....

فغرت نغم فمها بدهشة واتسعت عيناها ببريق آخذ وهي تنظر إليه بعدم تصديق...

"أيوووب... إنت عملت ده إمتى؟!"

أومأ برأسه مبتسمًا يتأمل فرحتها ودهشتها وقد ملأه الرضا لأنه وصل إلى تلك النقطة معها.

فإبهار ابنة الذوات ليس أمرًا سهلًا أبدًا....

حتى غضبها ليس هينًا... كما أن خصامها يعني إغلاق أبواب الحياة في عينيه...ورضاها هو العودة إلى تلك الحياة....

هكذا هو الحب حين يأتي من امرأة تهواها 
حد الضياع دونها...

أجابها بمداعبة....

"من الصبح بخطط للمفاجأة دي... وكان ممكن مجهودي كله يروح على الفاضي بسبب جنانك...بس الحمدلله الوضع تحت السيطرة..."

"بـحـبـك..."

ألقت نفسها بين ذراعيه فاحتوى أيوب خصرها يضمها إليه أكثر مستشعرًا دفئها بين يديه ورائحتها العطرة وخفقات قلبها وهو يقول بتنهيدة حارة....

"أيوه بقى... فين الحضن ده من ساعتين؟"

أجابته بحرج...

"كنت مضايقة شوية..."

ضحك أيوب قائلًا وهو يبعدها عنه...

"شوية؟!.... أمال لو ياما كنتي عملتي فيا 
إيه...ما علينا... تعالي نتعشى..."

سألته بلهفة وهي تبعد الستائر لتدخل...

"فيه عشا؟"

وبالفعل رأت الطاولة المستديرة وقد وُضعت عليها وجبة عشاء فاخرة من مطعم الفندق.

أجابها أيوب مبتسمًا بمشاكسة...

"أمال إيه السهرة طويلة... مش عايزك تفرهدي مني..."

سحب لها المقعد بلُطف ثم جلست نغم عليه قائلة ببعض الحرج...

"على فكرة أنا مكنتش كده... أنا كان آخري وجبة طول اليوم...مش عارفة مالي اليومين دول معاك..."

رد وهو يأخذ المقعد والطبق بالقرب منها كطفل متيم بأمّه لا يفارقها حتى أثناء
تناولها للطعام....

"فاتح نفسك أنا على الدنيا والأكل... كُلّي بالف هنا..."

نظرت نغم إلى المكان الذي أعده خصيصًا لأجلها فقالت بعدم ارتياح....

"المكان حلو يا أيوب... أكيد كلّفك كتير..."

أجابها أيوب بجدية هادئة...

"إنتي ليه محسساني إني عملت حاجة فوق طاقتي الجيب عمران والحمدلله...اعرفي طالما عملت الحاجة دي... يبقى في استطاعتي أعملها..."

ثم أمسك يدها وطبع قبلة عليها قائلًا بنبرة ذات مغزى....

"ربنا يقدرني وأسعدك... ومتحسيش بأي فرق..."

المغزى فيها أشعرها بالذنب الذي اقترفته يومًا في حقه فقالت بنبرة حذرة خاشية إزعاجه

"إيه الكلام ده يا أيوب...وحتى لو فيه فرق... طالما إحنا مع بعض وكويسين... دي عندي أهم من أي حاجة... بالله عليك... ما تفكرش كده..."

"وانسى الكلام العبيط اللي قولته قبل كده...
أنا كنت بدبح نفسي بيه قبل ما أجرحك..."

لم يظهر أي تعبير مقروء على وجه أيوب.
ظلّ صامتًا هادئًا ينصت إليها بينما تابعت وهي تميل عليه قائلة بحرارة معتذرة...

"صدقني...عمري ما فكرت في اللي بينا بالطريقة دي ولا قارنت حبنا بكام أو هعيش بيه في أي مستوى...أنا كل اللي كنت عايزاه إنت... ولسه عايزاك انت..."

ابتسم أيوب إلى عينيها الشتويتين وهو يرجع خصلة خلف أذنها قائلًا بتوق....

"وأنا مش عايز من الدنيا دي غيرك... بس 
خفي جنان وغيرة..وإنتي هتبقي زي الفل..."

ثم اقترب منها أكثر قائلاً بمداعبة...

"مش ناوية تـأكليني ولا إيه؟"

ضحكت برقة وهي ترفع الشوكة إلى 
فمه...

"اآكلك طبعًا...من عنيا...."

أكل من يدها وعيناه في عينيها تُلقيان قصائد من الغزل الصريح وقلبه الخافق مُدَلَّه بحبها....

"تسلم إيدِك..."

ضحكت نغم بخجل قائلة...

"مش أنا اللي طبخه على فكرة..."

غمز لها قائلًا بأسلوب طريف...

"كده وكده... لحد ما دوق طبيخِك..."

قالت نغم بلؤم وهي تنظر إلى أظافرها الوردية بعناية...

"بس أنا مش بعرف أطبخ... وضُفري ممكن يتكسر..."

ردّ عليها أيوب بحزم...

"تتعلمي... عشان أمي تسيبِك في حالِك..."

سألته متعجبة....

"ومال مامتك بالموضوع؟"

ألقى نصيحته عليها....

"ما هي لو لقتني خاسس وهفتان هتجيب اللوم عليكي...ده غير إن أمي بتحب مرات ابنها تبقى لَهلوبة..."

سألته بعدم فهم..

"يعني إيه لَهلوبة؟"

ردّ بصبر...

"يعني ست بيت شاطرة..."

سألته عابسة...

"وإنت بقى عايزني لَهلوبة؟!"

ابتسم أيوب وومضت عيناه بخبث...

"والله أنا ما عنديش مشكلة لو قضّينا عشانا رقص..."

قطّبت جبينها باستغراب...

"رقص؟!"

أومأ برأسه بانشراح مضحك...

"رقص بلدي..."

اتسعت عيناها قليلًا ثم قالت بانزعاج...

"أنا ما بعرفش أرقص يا أيوب... وماليش في الجو ده..."

تبرم أيوب مدعيًا الحنق وهو يقول...

"يعني لا كده ولا كده؟!.... أقنع أمي بيكي
إزاي دلوقتي؟"

قالت بابتسامة متعجرفة..

"إحنا اتجوزنا على فكرة... يعني لازم تقتنع... مفيش حل تاني..."

"خلاص... اقنعيها بشطارتِك..."

ألقى الكرة في ملعبها فقالت بعد تفكير...

"أوكيه... أنا بعرف أعمل سكين كير حلو قوي...
ممكن أعمله لها في أول زيارة لينا عندهم..."

تنهد أيوب براحة سائلًا...

"كويس قوي... ده طبق حلو....ولا حادق؟"

انكمشت ملامح نغم وهي توضّح....

"ده مالوش علاقة بالأكل أصلًا... ده روتين عناية بالبشرة..... مجموعة منتجات هايلة لبشرتها... هعلمها تحطها إزاي...هتفرق جدًا
في بشرتها يا أيوب..."

ارتسمت على وجهه الصدمة مع ارتفاع حاجبيه متهكمًا....

"أنا أمي مش بتاعة الكلام ده... الكلام ده للبنات... وبالذات ندى هتعملك ماسكات ما تقوليش لعدوّك عليها... "

سألته بحيرة...

"أمال إيه طيب؟"

ادّعى أيوب التململ قائلًا بجدية...

"زي ما قولتلك... اتعلمي الطبيخ... يا الرقص.
حاجة من الاتنين..... شوفي الأسهل ليكي."

ثم مال عليها هامسًا....

"والرقص أسهل على فكرة..."

تلون وجه نغم بحمرة الخجل فضربته في كتفه قائلة...

"ممكن تسكت..."

ضحك أيوب مستمتعًا باحمرار وجهها وخجلها الشهيّ في عينيه....

"أنا جوزِك على فكرة..."

أسدلت جفنيها تلهي نفسها بتناول الطعام...

"ماشي يا جوزي... اسكت بقى..."

مسح أيوب فمه بالمنديل ثم أمسك هاتفها وهو يقترح....

"أنا شبعت... تعالي نرقص سوا..."

قالت رافضة...

"قولتلك... ماليش في الجو ده."

ابتسم أيوب بسمة جذابة وهو يقول بعذوبة

"ومين قال إننا هنرقص بلدي هنرقص زي أول مرة رقصنا فيها مع بعض... فاكرة؟"

وضع الهاتف على الطاولة فانطلقت منه نغمة موسيقية ناعمة... لحن يتسلل في الهواء بانسيابية كأنه يُدلّل اللحظة ويغمرها بالحميمية....

تسللت الابتسامة الناعمة إلى ثغرها وهي تنهض معه بخفة كالفراشة قائلة بتأكيد...

"على الرصيف... ودي حاجة تتنسى؟!"

ما إن انطلقت الموسيقى حتى وقف أمامها
ثم اقترب منها وأخذ خطوة نحوها في دعوة مغرية لم تقاومها.... 

وضعت يدها في يده والأخرى على كتفه 
بينما هو سحب خصرها إليه بامتلاك حتى تلاقت أنفاسهما وخطت قدماهما أول خطوة...

تحركا معًا بانسيابية جميلة وكأنهما يتنفسان اللحن.... كتفها ترتكز على صدره بدلال بينما أصابعه تنزلق على خصرها برفق لا يخلو من الشوق إليها...

رفعت وجهها إليه وعيناها تتأملانه بحب 
وهي تتمايل معه... أما عيناه فمأسورتين بها وكأنه يخشى أن يفلت هذا القرب الرائع بينهما...

كانت خطواتهما البسيطة تحمل من الشغف ما يكفي لإشعال الليل بالعاطفة الحميمية...

حين دارت حول نفسها بدفعة خفيفة من يده تبعها بعينين هائمتين وكأن حياته كلها تدور في مدارها وحدها...

كان دورانها بين يديه أشبه بنجمة تدلت من السماء لتصبح له وحده...

أعادها أيوب إلى صدره ثم احتواها بذراعيه.
فتلك المرة تمايلا معًا على الموسيقى وهما متعانقان يذوبان في عناق طويل لا يريدان انقضائه...
..............................................................
عاد إلى بيته في وقتٍ مبكر بعد أن أنهى عمله على أكمل وجه خلال تلك الأيام السابقة فمنذ زواج أيوب وهو يخرج من البيت مبكرًا ويعود في منتصف الليل...

مباشرًا العمل من حيث الإشراف على العاملات ومكائن الخياطة أو متابعة وتسجيل البضائع التي تخرج للتجار في مواعيدها...

حتى انقضى الأسبوع بأكمله على خير دون تقصير منه في شيء وقد تحدث مع أيوب عبر الهاتف وأبلغه أنه سيعود إلى العمل منذ الغد...

فتح باب الغرفة التي يقطن بها ونادى عليها وعيناه تفتشان عنها بلهفة....

"عـزة... وزة... أنا جـيـت..."

لم يسمع ردًا ويبدو أنها عند خالتها كما تخبره كل ليلة أنها ستذهب إليها لرعايتها إلى أن تستعيد صحتها وتتعافى...

رفع الهاتف إلى أذنه مجريًا اتصالًا بها فوجد الهاتف مغلقًا على غير العادة... قطب جبينه عابسًا وبدأ القلق يتسلل إليه...

خرج مجددًا من الغرفة وأغلق الباب وهو ينوي الذهاب إلى بيت خالتها...

في عمارة ومسكن مشابه لوضعه الحالي وغرفة فوق السطح.... 

طرق على الباب منتظرًا وهو يحمل بين يديه أكياسًا من الفاكهة المتاحة في السوق لزيارة السيدة المريضة التي لم تطأ قدماه مسكنها منذ أن تزوج ابنة أختها...

سمع خلف الباب صوت خطوات الخالة مع صوت سعالها الجاف ثم فُتح الباب لتظهر الخالة المريضة وهي تلتف في وشاح أسود صوفي وقد بدا عليها التعب الشديد حتى إنه شعر أنها كبرت فوق عمرها الحقيقي...

"سـلامـة..."

قالت المرأة بدهشة وسعالها يزداد حدّة وهي تضع يدها على فمها...

ابتسم سلامة في وجهها قائلًا بتودد...

"ألف سلامة عليكي يا خالتي... معلش الزيارة متأخرة... بس غصب عني والله مسحول في الشغل..."

ردّت الخالة وهي تبتعد عن الباب مشيرة إليه بالدخول...

"ربنا يقويك يا بني... عزة بتقولي... ادخل يا سلامة....اتفضل..."

وضع الأكياس على أقرب طاولة فقالت الخالة بحرج....

"ليه تاعب نفسك بس..."

ابتسم سلامة قائلًا بوئام....

"لا تعب ولا حاجة يا خالتي... أنا بجيب لأمي هو أنا جايب لحد غريب؟"

قالت الخالة من بين سعالها الحاد....

"كتر خيرك يا بني... اقعد تشرب إيه أعملك شاي؟"

رفض سلامة وهو يجلسها بالقرب منه على الأريكة المتهالكة....

"لأ اقعدي ارتاحي متتعبيش نفسك... مالك لسه دور البرد ده عندك؟"

أخفضت الخالة وجهها بحزن وهي تقول
بوهن...

"ياريته دور برد...دي طلعت حاجة أكبر..."

تجلى القلق في عيني سلامة وهو يسألها باهتمام...

"حاجة أكبر....... إزاي يعني...."

أجابته الخالة بعد تنهيدة ثقيلة....

"حاجة على الرئة... بس علاجها هياخد وقت. ادعيلي بالشفا... أهو بأخد العلاج وبتابع مع الدكتور..."

رق قلب سلامة لحالها فقال بتعاطف...

"لا ألف سلامة عليكي... إن شاء الله تقومي بالسلامة قريب..."

"يارب..."

ثم استأنفت الخالة حديثها بنبرة يشوبها الامتنان....

"كتر خيرك يا سلامة... على اللي بتعمله معايا... من ساعة رقدتي في البيت..."

رد سلامة عليها بهدوء حانٍ....

"على إيه يا خالتي...انتي ليكي حق على عزة أكتر مني... انتي أمها وانتي اللي مربياها..."

قالت الخالة بابتسامة صغيرة والحرج يتجلى على ملامحها المنهكة....

"عِزّة بنت حلال وربنا يجبر بخاطرها زي ما بتجبر بخاطري... بس مش ده قصدي... أنا قصدي على الفلوس اللي بتبعتها والعلاج 
اللي بتجيبه ليا..."

ضاقت عينا سلامة بعدم استيعاب وهو يردد باستفهام....

"الـفـلـوس؟!"

تحركت أصابعها في حجرها ببعض التردد ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة امتزج فيها خجلها منه بامتنانها بعد ما فعله معها في محنتها التي ما زالت مستمرة....

"إيوه يا بني كتر خيرك... أنا عارفة إن العلاج غالي عليك...وانت برضو فاتح بيت وعندك مسئولياتك... ورغم كده مقصرتش معايا...أنا والله بدعيلك كل صلاة فجر إن ربنا يكرمك ويزيدك من فضله..."

تصلب وجه سلامة وتجمد التعبير على محياه كما أظلمت عيناه وهو يسترجع الأيام الماضية تلك الشكاوى العابرة من عزة عن ألم ظهرها وتعب قدميها وعودتها المتأخرة واحمرار بشرتها من وهج الشمس...

كلها إشارات مرت عليه دون تدقيق والآن تتجمع كقطع لغز موضحة الصورة كاملة...

لم يتوقع أبدًا أن يصل إلى ما وصل إليه الآن.

حديث الخالة أشبه بصفعة مهينة تلقّاها على مؤخرة عنقه أربكته لوهلة قبل أن يتحول إلى رجلٍ عاجز أبلَه لا يعرف كيف يلملم شتات نفسه ؟!...

تضاعف غضبه منها فقد وضعته في تلك الصورة المهينة وتصرفت من تلقاء نفسها
دون أن تضعه في أبسط حساباتها....

ولو كانت تراه رجلًا بحق ما كانت تركت الأمور تنحدر بهذا الشكل...

فيما تابعت الخالة بنبرة يكسوها احترام لم تُظهره من قبل...

"أنا مكنتش أتوقع يا سلامة إنك جدع بالشكل ده... صحيح المواقف هي اللي بتحكم على معادن الناس... وانت معدنك أصيل يا بني... كتر خيرك..."

أطلق سلامة تنهيدة طويلة ثقيلة على 
صدره وهو يحافظ على رباطة الجأش....

"انتي زي أمي يا خالتي... أنا ما عملتش حاجة..."

ثم سألها بتحفظ...

"انتي شوفتي عزة النهارده؟"

لم يثر سؤاله شكًا في نفسها فأجابت بهدوء..

"زي كل يوم...عدت عليا الصبح قعدت ساعتين ومِشِت عشان تلحق تعملك الغدا... هي فين صحيح؟"

جاء رده مصحوبًا بابتسامة هادئة مطمئنة...

"في البيت... أنا طلعت من الشغل عليكي..."

نهض سلامة قائلًا برفق...

"عايزة حاجة مني يا خالتي؟"

نهضت الخالة خلفه متعجبة...

"ما انت قاعد يا بني..انت ما شربتش حاجة"

"المرة الجاية... أنا مش غريب... خدي يا خالتي....خلي دول معاكي..."

أخرج مبلغًا من المال من جيبه وقدّمه لها إلا أن الخالة رفضته بحرج شديد....

"مستورة يا بني... عزة لسه جايبالي العلاج النهارده الصبح..."

سألها مستفسرًا....

"علاجك بيقعد قد إيه يا خالتي؟"

أجابته باستغراب...

"أسبوع يا بني... بتسأل ليه؟"

رد عليها سلامة بنبرة هادئة...

"قبل الأسبوع إن شاء الله هتلاقيه عندك... هبقى آخد الروشتة من عزة..."

ثم غادر الغرفة مغلقًا الباب خلفه متجهًا إلى وجهةٍ معينة واثق أنه سيجدها هناك...
................................................................ 
تنتقل من محل إلى آخر توزع الطلبات من شايٍ وقهوةٍ على حسب ما يطلبه الزبائن…

يشكرها هذا ويتغزل فيها ذاك بنظراته وأحيانًا يمدح في مذاق الشاي في مزاحٍ يحمل مقصدًا 
بعينه.....

تستقبل كل ما يأتي منهما بملامح جامدة ونظرةٍ باردة لا تعرف ابتسامًا تضع المشروبات أمامهما ثم تعود إلى نَصْبَة الشاي…

على مدار أسبوعين كانت تعمل هنا لتجمع المال اللازم لعلاج خالتها وسد حاجاتها.... 

لم تُرِد أن تطلب من سلامة مالًا إضافيًا حتى
لا تثقل على كاهلة فرد اخر يحمل مسئوليته
يكفي ما يشعر به....

لذلك قررت أن تعمل بنفسها وتخبر خالتها أنّ سلامة هو من يتكفل بمصاريفها منها تحسن صورته في عيني خالتها وترأب الصدع بينهما وفي الوقت نفسه تقتني المال دون أن تضع حملًا جديدًا على زوجها....

لكنها الآن متعبة حقًّا فالسوق وأهله لا يرحمون والوضع تجاوز قدر تحملها فبعد زواجها أصبحت في نظر الكثيرين مطمعًا 
أكبر والكل بات يراها ليلةً عابرة....

لم يتجرأ أحد على طلب شيءٍ صريح منها
وإلا لوجد حذاءها يرتطم بوجهه لكن الشراهة في أعينهم تقول ما يعجز لسانهم عن التصريح به.....

"مسا الفل ياعزة......"

آتى صوتُ ذلك البغيض تزامنًا مع احتدامِ غضبها وهي تسترجع في ذهنها تجار السوق ووقاحتهم التي بلغت ذروتها معها هذا اليوم.

زفرت زفرة محتدة وهي ترفع عينيها نحو
مرسي الملقَّب في السوق بـ(ابن الجوهري) ذاك الذي كان يومًا سببًا في زواجها من سلامة بعد الشجار الذي افتعلَه معها ودفاعِ سلامة عنها...

"خير يابن الجوهري.....عايز إيه....."

مال قليلًا نحو الحاجز الخشبي الفاصل بينهما وقال بخفوت:

"عايز شاي.... سكر زيادة.... يا سِكر إنت."

وضعت الكوب الفارغ بعصبية شديدة على الحاجز الخشبي ذاته وهي تقول....

"الشاي خلص..... والسكر كمان."

ارتد مرسي للخلف مبتسمًا منتشيًا من رفضها الصريح له والذي من وجهة نظره يُسمّى دلالًا زائدًا....

"ده إنتي على كده مروحة بقى؟!"

بإيماءة عصبية قالت...

"بالظبط.... هلم العدة وهِمشي."

هتف مرسي بازدراء ساخط...

"آه.... عشان تلحقي تعملي أكل للنطع اللي مِسَرحِك... "

اشتعل صدرها غضبًا كأُتون حارق وهي ترمقه بشراسة....

"مسرّحني؟!.... مسرحني إزاي يعني؟! وبعدين إنت مالك بيا... طلبت الشاي وقولتلك خلص شطبنا.... لسه واقف عندك ليه... "

ردّ ردًا سئيلًا...

"أنا أقف في الحتة اللي تعجبني... وأقول اللي يعجبني.... مش هتمنعيني."

بدأت عزة تلملم العِدة وهي تقول بضيق...

"اللهم طولك يا روح... طب وسع بقى خليني ألم العدة وأغور من هنا."

أثناء انشغالها بجمع الأغراض أمعن النظر إليها وهو يقول بوقاحة مبطنة...

"مش لو كنتي لينتي دماغِك الناشفة شوية… كان زماني مستتك بدل المرمطة اللي إنتي فيها دي."

جزت على أسنانها بضيق أكبر دون أن تنظر إليه وقالت على مضض...

"أنا مش متمرمِطة.... والشغل مش عيب ولا حرام... وبعدين أنا واقفة مكان خالتي لحد 
ما ربنا ياخد بإيديها وتخف..."

عقب مرسي بسخرية...

"والنطع اللي معاكي... ما يصرفش ليه عليكي إنتي وخالتك... بدل البهدلة دي؟"

ثم تابع باحتقار حاقد على ذلك الساقط في عينه...

"عشان واخدة واحد بيكُح تراب... زي أي صُبّي عندي.... أنا مستغربِك بجد يا بنت يا عزة.. ما لقيتيش غير ابن الحرام ده... وتتجوزيه؟!"

رفعت رأسها بوجه مشتعل بالغضب وقالت بحدة شرسة....

"عندك لحد هنا يا مرسي....سلامة ابن حلال وسيد الرجالة كمان....ومالي عيني وبيتي ومكفيني."

"وإن خرجت الأسبوعين اللي فاتوا دول… فزي ما قولتلك عشان أقف مكان خالتي والزباين تفضل تروح وتيجي على نصبة الشاي....

مش عشان مصاريف جوزي مش مخلّيني محتاجة حاجة... لا أنا ولا خالتي... الحمد
لله... "

جاء رد مرسي هازئًا...

"كلام ما يدخلش دماغ عيل صغير."

لوحت بيديها بتشنج وهي تنطق بحدة نافذة الصبر...

"إن شاء الله ما دخل إنت مين أصلاً عشان يدخل الكلام دماغك ولا لأ؟!... زيك زي أي تاجر في السوق... آخرك كوباية الشاي..
وممكن تطلبها من القهوة وتريحنا."

بنظرة لئيمة قال مرسي...

"الحق عليا إني أجيبلك شغلانة تانية أحسن من واقفتك دي... وفلوسها أكتر من بيع الشاي والقهوة...."

بضيق متململ قالت عزة....

"شكرًا... أنا راضية بالشاي والقهوة. طريقك أخضر بقى...."

حاول مرسي إقناعها...

"يا بت اسمعي مني... دي مصلحة سُقع وساعتين تشتغليهم وتروّحي بيتك."

حسب أن صمتها يشجعه على الاسترسال
فقال بنبرة حزينة..

"إنتي عارفة أمي ست كبيرة وعندها
القلب...وقاعدة في بيت طويل عريض
وأنا وإخواتي كل واحد متجوز وقاعد في بيته... حتى أبويا... بيقضي يومه يا في المحل يا عند واحدة من مراتاته التانيين...

يعني الست لوحدها... وعايزة واحدة معاها
كل يوم.... تكنس تمسح تطبخ.... كده يعني."

رمقته عزة بنظرة ممتعضة وقد انعقد حاجباها في انزعاج منه....

جاء الصوت من خلف مرسي صوت رجولي متقد بالغضب الأسود....

"وليه تجيب واحدة... وابنها موجود ولا إنت حاسب نفسك من ضمن الرجالة.... "

شهقت عزة واتسعت عيناها رعبًا وقد تجمدت أوصالها حين أبصرته واقفًا قبالتها بوجه مظلم وملامح مشدودة ونظرة غاضبة لا تخفي الوعيد....

"سـي سلامة... "

ابتسم مرسي بسمة ملتوية ساخطة وهو يقول بتحقير...

"أهلا بجوز عزة.... إيه جاي تطمن على الغلة اللي عملتها النهارده....شكلك مزنوق في قرشين.... فجاي تاخدهم منها؟"

كان الرد على مرسي… لكمة قوية أطاحت به أرضًا فالتفت المارة وانتبه بعض التجار من بعيد.

"سي سلامة.... والنبي بلاش فَضايح…"

قالتها عزة برجاء وهي تقف أمامه تربّت على صدره محاولة تهدئته لكنه أبعدها عنه بغضب واقترب من مرسي مائلًا نحوه وهو يقول بصوت مسموع...

"أنا حاضر عزا أمك الست الكبيرة اللي عندها القلب... من سنتين بالظبط مش كنت بتاخد عزاها انت وأبوك؟!"

ثم صمت لحظة وأضاف باحتقار...

"صحيح إزاي نسيت؟!.... إنت جيت متأخر يومها... ومدهول على عينك من كتر 
الشرب... "

فرك مرسي فكه المتورم وابتسامة خبيثة تتسلل إلى شفتيه وهو يقول بمسكنة...

"الحق عليا إني بحاول أساعدها بدل واقفتها في الشارع عشان كام مليم.... يعني لو جت تخدم في بيت من بيوتي… هديها أكتر من
اللي بتاخده من خدمتها هنا."

أطبق سلامة على أسنانه بعنف والغضب يتفجر في عروقه فأخذ خطوة نحوه عازمًا على إزهاق روحه....

لكن عزة وقفت في وجهه باكية متوسلة...

"بالله عليك كفاية يا سي سلامة... أنا محقوقة لك.... الله يخليك نمشي من هنا... الناس اتفرجت علينا."

قبض على ذراعيها بقسوة تكاد تسحق عظامها وهو يزمجر بوحشية مخيفة...

"إنتي اللي فرجتيهم علينا...إيه اللي يخرجك من البيت... وترجعي للشغلانة دي تاني...ومن ورا ضهري؟!.... بتستغفليني؟!"

سالَت دموعها بغزارة وهي تُخفض رأسها مذعورة...

"لا عِشت ولا كنت… لا عشت ولا كنت…"

شدّ ذراعيها بقوة مؤلمة وهو يصرخ بضراوة في وجهها بينما كانت تنكمش بين يديه في ضعف منها كمن لا حول لها ولا قوة....

"عيشتي وكنتي وخليتي الناس تاكل
وِشي أنا داخل السوق حاسس إني عريان
عريان بسببك....عريتيني وخليتي كلب زي ده يشوف نفسه عليا....ويسمعك ويسمعني كلام زي ده..."

قالت بصوت خافت متوسل...

"حقك عليا... حقك عليا والنبي... غصب 
عني... "

نظر سلامة حولهما وقد بدأ المارة يتجمّعون من حولهما فقال بوجهٍ صلب قاسٍ وهو يجذبها من ذراعها قائلًا بتهدّج....

"يلا بينا.... مش هنتكلم هنا."

.................

أثناء صعودها على السلالم خلفه في العمارة التي تقطن بها خالتها سألته بتردد....

"جايبني ليه عند بيت خالتي يا سي سلامة
مش هنروح بيتنا؟"

هتف سلامة بملامح جافية...

"مفيش مرواح.... هتقعدي هنا مع خالتك."

وقفت مكانها تصفع خدّها بصدمة...

"يا لهوووي هطلقني...هطلقني يا سي 
سلامة. "

توقّف هو أيضًا واستدار إليها بنظرة مشتعلة بالغضب والوعيد قائلا من بين أسنانه....

"المفروض أكسر دماغِك قبل ما أرمي اليمين عليكي.... "

انهمرت دموعها وهي تقول باستنكار...

"على إيه ده كله؟..... هو أنا جرمت؟... أنا كنت بشتغل مـ... "

ضرب سلامة على الدرابزين بجواره بانفعال مقاطعًا إياها بصوت غاضب...

"ومين طلب منك زفت شغل.... وإزاي تعمّلي كده من ورايا...مليكيش راجل ماشية على 
حل شعرك ***** أنا في نظرك مش كده؟!"

حدجته عزة بنظرة معاتبة وهي تقول
بحزن...

"على حل شعري الله يسامحك... أنا ما حبيتش أتقل عليك وأشيلك الهم معايا 
قولت أتصرف.... "

لاحَت على شفتيه نصف ابتسامة ساخرة 
من ردها وتفكيرها المحدود ثم عقب بحدة مستنكرًا...

"ونعمة التصرف والله... تشتغلي في السوق وتبقي مطمع في الراحة والجاية لكل واحد
اللي  يقدم عرض وطلب واللي يطبطب ويواسيكي ما هو الراجل اللي معاكي مش مكفي بيته ولا الست اللي معاه... "

امتقع وجهها بالغيظ فقالت بغضب مدافعة
عن نفسها....

"الله يسامحك تاني... إنت بتتهمني في شرفي يا سي سلامة أنا ما جرمتش لما اشتغلت غلطتي إني خبيت عليك وفي دي عندك حق.
بس شغلانتي لا عيب ولا حرام ستات كتير في السوق زي حالاتي متجوزين وبياعين وبيشتغلوا ويساعدوا جوازهم... دي حاجة
ما تعيبش حد.. "

تعالى صوت أنفاسه بالغضب المقتد فلوّح بيديه في اهتياج قائلا...

"انا ماليش دعوة بحد.... أنا ليا في نفسي
أنا ما طلبتش منك تشتغلي ولا أنا مقصر معاكي كان ممكن تعرفيني اللي عندك وأنا هساعدك من قبل ما تطلبي لكن مش انتي لوحدك اللي غلطانة...

أنا كمان غلط إني لما عرفت بتعب خالتِك
وما جيتش لحد عندها وزورتها...وغلط إني
ما سألتش إذا كانت محتاجة حاجة أو ناقصها حاجة…

لو كنت عملت كده ما كنتيش انتي اتصرفتي من دماغك ونزلتي الزفت تاني…"

ثم مسح وجهه بكفه بعصبية مرجِعًا شعره الناعم للخلف بضيق وهو يأمرها بالصعود بعدما ضاق صدره وفاض به الكيل...

"اطلعي يا عزة..... اطلعي لخالتك وكفاية كده...."

قالت بعينين مترجّيتين عطفه...

"أروح معاك.... أحضر لك لقمة تاكلها…"

رفض سلامة بملامح لا تلين...

"مش عايز.... خليكي مع خالتك رعيها واديها علاجها في معاده.... وخدي دول خليهم معاكي... "

وضع في يدها مبلغًا من المال وتابع بخشونة

"وعلاج خالتك وأي حاجة تحتاجيها... اطلبيها مني... وأنا هعدي عليكم كل يوم بعد الشغل."

سألته عزة بارتجاف وعيناها تبحثان عن الإجابة بين ثنايا وجهه...

"سي سلامة... إنت بتتكلم بجد إنت ناوي تطلقني؟"

رفض النظر إلى عينيها وهو يأمرها بنفاد
صبر...

"اطلعي يا عزة.... وكفاية كلام."

تشبثت بذراعه تحدق في جانب وجهه بنظرة حزينة تستعطف قلبه وقالت بنبرة اختلط فيها الحب بالرجاء...

"سي سلامة.... أنا بحبك... وبموت في التراب اللي بتمشي عليه....بالله عليك ما تكسرش قلبي أنا مليش في الدنيا غيرك.. "

اعتصر عينيه بقوة رافضًا النظر إليها ولأول مرة يخفق قلبه على نحو خاص مع حديثها…

ثم قال بخشونة فقد حدتها في تلك اللحظة
تحديدًا....

"اطـلـعـي.... "

همست بنبرة مرتجفة....

"ليك حق تزعل مني وتخصمني...بس بالله عليك ما تقسى عليا.... القسوة مش من طبعك... "

انتزع سلامة يدها عن ذراعه بقسوة رافضًا مسامحتها بتلك السهولة وردّد أمره بصيحة حادة أغلقت الأبواب في وجهها...

"اطـلـعـي..... مـش هـقـولـهـا تـانـي... "

تحركت أمامه على السلالم بخوف دون أن تنطق كلمة أخرى بينما كان هو يشيع ابتعادها بملامحٍ صخرية شديدة التعقيد ونظرة محتدّة لا ترحم.....
.................................................................
عاد ياسين إلى البيت وبين يديه حقيبة لا يحملها معه عادة... فلا يأخذ حقيبةً معه إلى العمل ولا  يعود بها أبدًا...

لذلك ما إن رأته عبلة حتى سارت خلفه بخفة ووقفت عند باب غرفته الموارب تراقبه وهو يضع الحقيبة على الفراش ويفتحها… لتلمع أمام عينيها رزمٌ من الأموال الجديدة ينساب منها عبقُ الرخاء.....

لو كانت تملك مثل هذه الأموال لكانت استمتعت كما تحب بدل جلستها شبه الأسيرة في هذا السجن...

اسيرة بين حوائط شقتها القديمة بعيدة عن عالمها الصاخب عن حفلاتها واصدقائها وعن زوجها الشاب الذي تشتاق إلى جرعةٍ من شبابه...جرعة تعيد إليها عمرها وصباها ؟!...

عضّت شفتيها بغيظ واتسعت عيناها تكادان تخرجان من محجريهما مشدودتين إلى الحقيبة وما تحتويه.....

سمعت ياسين يتحدث عبر الهاتف قائلاً....

"الفلوس معايا.... هوديها البنك بعد بُكرة...
إنت عارف إن البنك أجازة بكرة."

أطلق تنهيدة طويلة ثم أضاف بشفقة...

"الله يكون في عون عمي... يعني فوق ضغط الشغل اليومين دول كمان عنده مشاكل في البيت.... يا رب يلاقيها كلنا بندعي... البيت 
كله في هم وغم...."

ثم انخفض صوته واغتم وبدت في عينيه لمعة صدقٍ وهو يقول....

"الحقيقة اللي اكتشفناها اليومين دول... إن ملك مش بنت شروق لوحدها ولا غيابها مأثر بس على أمها... إحنا كمان عرفنا الأيام دي قد إيه هي فرد مهم في العيلة زيها زينا.... "

التوى فم عبلة بغيظ أشد واشتعلت الغيرة في صدرها...يغار قلبها من طفلةٍ يعتبرها ابنها فردًا من العائلة بينما هي أمّه خارج الدائرة مستبعدة... ومنبوذة من الجميع وهو اولهم......

تابعت بنظرات حذرة إغلاقه للحقيبة ثم وضعها داخل الدولاب في ضِلفةٍ تُغلَق بالمفتاح.

تحركت مبتعدة قبل أن يلمحها ياسين وهي تتلصص عليه ثم اتجهت إلى باب الشقة فقد كانت تستعد للخروج قبل دخوله المفاجئ... والآن ذاهبة كما خططت للخروج..... إلى مكان معين وشخصٍ يشتعل جسدها شوقًا لرؤيته..

تمرغت على الفراش بدلال وجسدها العاري يختفي أسفل الغطاء نظرت إلى زوجها بحب قائلة بنعومة

"كنت وحشاني أوي يا هيثومي... مش قادرة أصدق إني غبت عنك كل الفترة دي.. "

بملامح باردة جافية كان يقف هيثم أمام النافذة المفتوحة يتجرع من كأس الخمر في يده بينما الأخرى تحمل سيجارته التي ينفث دخانها بشراهة بعد أن أخذ التفكير حَيّزًا أكبر لديه....

"الفلوس خلصت يا عبلة... ومن ساعة ما روحتي عند ابنك وانتي ما نفذتيش حاجة من اللي اتفقنا عليها... دا غير العلقة اللي خدتها من ابنك وقتها. استفدنا إيه من ده كله؟"

ردت عليه عبلة وهي تتناول القليل من الخمر مثله مجيبة بتشفٍّ....

"استفدنا إني حرقت دم صالح ومراته وعيشتهم في غم وهم من ساعة ما بنتها أخدها طليقها...في استفادة أحسن من كده؟"

استدار إليها هيثم بملامح غاضبة يصيح بتهكم...

"والخطة اللي عملتيها دي هتخلينا معانا فلوس؟.... انتي طالعة من هنا واتفقنا إنك تخلي ابنك في صفك وتقنعيه يبيع نسبته في المصانع والمحلات... أو يدخلك شريكة معاه ونستفيد... عِرفتي تعملي كده؟"

هزت رأسها نفيًا بوجوم قائلة....

"لأ... بس أكيد هعمل كده الموضوع هياخد وقت...."

استنكر هيثم ردها وقال بقرف...

"وقت إيه؟!...انتي بتقولي إنه عايزك تنقلي في شقة تانية... يعني بيبعدك عنه وعن كل اللي في البيت."

قالت عبلة وهي تبرم خصلة من شعرها حول إصبعها بتفكير...

"مش مشكلة... أكيد هييجي يزورني مش هيسيبني.واحتمال كبير أقنعه يكتبلي الشقة باسمي... ساعتها هنكون طلعنا منه بحاجة....."

ظهر الاستهجان على وجه هيثم وهو يقول بحنق شديد....

"أنا محتاج فلوس.... اتصرفي مش بعد كل الخطط دي أطلع من الحوار ده بشقة تمليك بس... "

رمقته بدهشة متعجبة من تلك النبرة الغريبة التي بات يتحدث بها معها....

"جرالك إيه يا هيثم؟!....انت ليه بتكلمني وكأني بنك متحرك؟!"

اقترب منها هيثم وجلس بجوارها ثم مرر إصبعه على ذراعها العاري قائلاً بنبرة ذات مغزى...

"ما انتي فعلًا بنك متحرك يا حياتي.... وجودنا مع بعض عشان نستفاد من بعض.... أنا بفلوسك وانتي بـ…"

تفحّص جسدها بنظرة مهينة معبرة عن طبيعة علاقتهما والمنافع العائدة على كل منهما....

سألته عبلة ببغض....

"ولو ماعرفتش أجيب فلوس... هتعملي إيه؟"

أجابها دون تردد بحقارة غير منتهية...

"يبقى كل واحد يشوف طريقه... أنا أستثمر شبابي ورجولتي مع اللي تقدرهم... وانتي دوري على غيري بسعر أقل."

جزت عبلة على أسنانها وفارت الدماء في عروقها وهي ترفع يدها تنوي صفْعه...

"يا حـقـيـر... "

أمسكَ ذراعَها وهو ينظر إليها بدناءة قائلًا بمقت..

"مقبولة منك يا عبلتي.... فكري عشان ما تخسريش كل حاجة... انتي عارفة إن خسرتي ما تتعوضش خصوصًا إن ما فيش حد طايقك في الدنيا دي.... غيري."

تبادلت معه النظرات لبرهة وقد تراخى ذراعها بين يديه بضعف فهو ضغط على جرحها بتلك الحقيقة المخزية....

إنها وحيدة ولا أحد معها... يتقبلها سواه فما المانع من بعض الأموال التي تضمن بقاءه لفترة أطول......


تعليقات