رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والثلاثون
وصلت بيسان إلى المشفى وما أن اقتربت حتى هرولت
إليها هويدا تهمس بخوف:
-ألحقينى يا بيسان ضياء جوه بقالهم ساعة
وناس داخله وناس خارجة ومحدش مطمنى على
ابنى، ادخلى وطمنينى يا بنتى
ربتت بيسان على كتفاها بحنان فطرى وهى تخبرها:
-متقلقيش يا طنط أنا هدخل واطمنك ريحى نفسك
أومات لها بالإيجاب ولا زالت دموعها تنهمر على وجنتها
وبالفعل تركتها لتتوجه نحو الغرفة لتجد كارما وبيلا
تقفان امام الغرفة ودموعهم تنهمر دون توقف،
رمقتهم فى صمت ثم طرقت الباب وولجت دون
انتظار الاجابة
مرت لحظات شق فيها الرعب قلوبهم، خرجت بيسان
من باب الغرفة ثم اخذت نفسًا عميقًا وهى تخبرهم
-الحمدلله عدت على خير كانت جلطة ولحقوها
ترنحت هويدا وكادت أن تسقط فكلمات بيسان تدوى كقنبلة وقعت عليها واخذت تردد بذهول:
-جلطة! ضياء ابنى جتلوا جلطة! ابنى
كانت بيلا واقفة وكأنها فقدت قدرتها على نطق بينما
كارما ظلت تنحب بهستريا هاتفة:
-عايزه ادخل اشوفه اخويا حبيبى، عايزه ادخل عنده
سالت دموع بيسان رغمًا عنها على جانبى وجهها هاتفة:
-ياجماعة والله ضياء كويس والجلطة دابت وهو بقى
كويس ساعة وممكن تدخلوا تشوفوه بس لو
سمحتم اهدوا
لم تنتظر بيلا أن تنهى بيسان حديثها وخطت نحو الغرفة
كانت شاحبة كالاموات يكاد قلبها أن يتمزق وينفجر من
نبضاته الهادرة، حاولت اللحاق بها هويدا لكن اوقفتها
بيسان:
-واحدة واحدة ياطنط مينفعش كلكم
هو انتِ لسه مكلمتيش كنان لسه معرفش
اغمضت هويدا عيناها بألم ثم سردت لها ما حدث تحت
ذهول بيسان
فى الداخل
لم تشعر بعبراتها التى فاضت من مجرى مقلتيها وهى
ترمقه على الفراش ساكنًا بلا حركة وجسده موصل بالاجهزة، والابرة فى وريده بالتغذية، تشعر انها فى
كابوس بشع، تنتظر أن تفيق على مرحه الذى يملأ
البيت، تقدمت تجلس على المقعد امام الفراش بضعف
وعجز ثم تناولت يده تقبلها ودموعها تغرق وجهها
رفعت رأسها بألم لتراه ثم همست بمرارة:
-كدا يا ضياء تعمل فيا أنا كدا،
توصل نفسك لكدا عارف دا معناه ايه يا ضياء، يعنى أنا
اقع واتهد انا كنت عايشه حلاوة روح بس قويت بيك
حسيت انى كاملة معاك انت وبس، مش قادرة اتخيل
أنك نايم كدا ومش كل شوية تتصل بيا وتقولى متضحكيش فى وش العملاء، على فكرة لما تصحى
هحاسبك على وجعة قلبى ديه وخضتى عليك
انا معرفتش اعيش غير معاك فى وجودك انت
علت شهقاتها وانتفض جسدها بقوة لترتجف وهى تضغط على يده بقوة، شعرت بيد تربت على كتفاها من
الخلف فرفعت بصرها لتجدها بيسان فسألتها بوهن:
-هو هيفوق امته؟!
-شوية بس كفاية كدا تعالى عشان الاجهاد غلط عليه
اعادة بصرها إليه وهى تقول:
-مش قادرة اسيبه، مش قادرة
حاولت بيسان أن تكون هادئة فاجابتها بعملية:
-بلاش يصحى ويشوفك كدا لأنه لو شافك منهارة كدا
عشانه هيحس بضعفه وعجزه لازم لما يفوق يلاقيكى
اقوى يلا تعالى معايا بره
نهضت كالجثة الهامدة ووجهها منتفخ من اثر البكاء
فهى كانت تبكى كما لم تبقى من قبل.
*****
لعنة ذاته لانهياره بهذا الشكل امام ضياء، كيف اعترف
بسهولة، كل مرة كان يجد مخرجًا لكن هذه المرة لم
يكن يعرف أن ذلك الخبيث أيمن قد سجل له دون
علمه، حاول التفكير فى مخرج سريعًا ليرمم ذلك
الجبل الذى تفوه به، عليه أن يظل قويًا ولا يضعف
ابدًا
اغمض عيناه بعنف وهو يطلق سبابه على حظه العثر
الذى وضعه فى مثل هذا الموقف لكنه قرر أن يستغل
تشتت ابنه وضياعه ليبث ألاعيبه الرجيمه، فخطى
ليقف امامه قائلًا بثبات:
-اوعى تكون صدقت كلام ضياء، اللى حصل كان
سر بينى وبين المرحوم انا اللى اكتشفت انه بيسرق
وبيتاجر فى ناس ولما واجهته نكر بس انا كنت وصلت
لكل الأدلة وللأسف اصريت افضحه لكن هو انتحر
وكانت وصيته ان مفضحش سره قدام ابنه وعشان كدا زورت موته انه طبيعى، ودا
اللى خلانى اسكت على كل اللى عملوا ضياء، لأنه
هيفضل ابنى وانا اللى مربيه
رمقه كنان بضياع محاولًا ترتيب افكاره ليتخطاه تاركًا
المكان وقد بدأ اولى خطواته فى الذهاب نحو الهاوية
وكل ما فى رأسه معرفة الحقيقة.
******
-ايه اللى قولتيه على الفون دا؟!
وليه رديتى على فون بيلا؟!
كانت تلك كلمات طاهر فاجابته بيسان والحزن يفيض من مقلتيها هامسة:
-ضياء للأسف جاتلوا جلطة، وبيلا اغمى عليها عشان كدا رديت عليك
-ازاى وايه السبب اللى يوصلوا لكدا
اغمضت عيناها بتعب ثم ساد الصمت فعقد طاهر حاجبيه ثم حدثها بجدية:
-على فكرة انا مش متطفل وعارف ان الموضوع ميخصنيش وكنت جاى اطمن مش اكتر
عن إذنك اشوف بيلا
-انا مقولتش متطفل انا لحد دلوقتى مش مصدقه اللى
اتحكى اصلا مش اكتر مفيش داعى تكلمنى كدا، دا غير انى بيلا ركبنا ليها محاليل ومش هينفع تشوفها عن إذنك
وقف امامها يتمتم بندم قائلًا:
-مقصدتش اكلمك كدا ولو ماكنش الموضوع يخص بيلا
حقيقى ماكنتش سألت بس دا جوزها واكيد هى محتاجلنا
حواليها فاهمنى
حاولت كبح دموعها هزت رأسها بتفهم وسرعان ما ارتدت قناع الصلابة وهى تسرد له ما حدث انهت حديثها
وهى تجلس على المقعد المعدنى خلفها والدموع
ترقرق بعيناها إلا انها ابت الضعف
شل عقله لبرهة يحاول استيعاب ما قالته فحدثها قائلًا:
-ازاى كل دا يحصل بينهم دا اللى يشوفهم يفتكرهم
اخوات
-هما اخوات وانا متاكدة أن كنان ميعملش كدا نهائى
بس ضياء معذور الصدمة كانت كبيرة
انتصب فى جلسته وحدثها بانفعال طفيف:
-بعد كل دا بتقولى واثقة فيه وبعد اللى عملوا هو وابوه
-كنان ميعملش كدا اونكل زهير ايوه انا من زمان مش بستريح ليه
اطرقت رأسها ثم قالت بأسف:
-هو أى حد يعرف شلة بابى ومامى تتوقع منه أى حاجة
التو ثغره بسخرية من دفاعها عن كنان ونهض واقفًا يدس يده فى جيب بنطاله وهو يطالع ما ترتديه، قميصًا
ذا كم قصيرًا وبنطال بلون الابيض ليسألها باستنكار:
-ايه اللى انتِ لابساه دا؟!
انتِ مش سعقانة فى جو دا ؟!
ابتلعت باحراج ثم نظرت له قائلة بخفوت:
-سقعانة، بس لما كارما اتصلت جيت على طول وكنت
نازلة المستشفى كدا الصبح عشان الجو بيبقى حر
بنهار بس دلوقتى بقى برد هقوم ادور على أى جاكيت فى اوضة الدكاترة
خلع سترته واعطاها لها، نظرت له مليًا لأول مرة تدقق
النظر فى عيناه خاصة مع ذلك الاطار الذهبى المحاوط
خضرواتيه الممتزجه بالازرق، اخفضت رأسها سريعًا
وهى تحدثه:
-لا شكرًا انا هدخل اوضة ضياء او كنان اكيد هلاقى
حاجة ألبسه وبالمرة هكلم كنان عن إذنك
فى لمح البصر كانت تسير امامه فى رواق، بينما بقى هو ينظر فى اثرها ثم فرك وجه بعنف نادمًا على طريقته معاها فهى تبدو من الخارج كجبل من الجليد لكنها من الداخل اضعف من القلم الرصاص ثم طالع الجاكت بيده:
-احسن ألبسه انا لو اخدت برد نوجا مش هتدخلنا البيت وكمان اكلم روميو بتاعنا
*******
بدأ المطر يقرع الأرض، وهبت الرياح الشتوية الباردة،
وقلبه ينتفض صريع الصدمة، اوقف سيارته اسفل
بنايتها، تائة، حزين، ما اقسى التقلبات الحياة
هى الآن بعيدة لكنه بحاجتها، بحاجة أن يرتمى بين
ذراعيها لكن كبرياؤه يمنعه من ذلك، انخرط فى نوبة بكاء عنيفة، لا يعلم على من يبكى، لكنه كان يبكى على
نفسه يشعر بالقهر والضياع، اسند رأسه على عجلة القيادة بضعف، فهو عليه أن يتأكد بنفسه وأن يجد
اثبات لا يقبل الشك لحساسية الموضوع، لكن يبقى
سؤال يقتله ماذا سيفعل أن صدق ضياء
أو أن صدق والده، قطع تفكيره إلحاح هاتفه بالاتصال
ضغط زر الأجابة هاتفًا بوهن:
-ايوه بيسان
-انتِ بتقولى ايه؟! فين المستشفى عندنا
انا جاى حالًا
وقعت كلمات بيسان عليه كالصاعقة ليس من السهل
أن يجد رفيق العمر يصارع الموت، ويتخلى عنه
نظر نحو مدخل البناية بتردد لكنه حسم امره وفى لمح البصر كان ينطلق نحو المشفى ولم يعبأ بما سيحل به وبداخله وجع أن وزع على بلد بأكملها سيكفى ويفيض
******
ولج كنان إلى المشفى وتوجه إلى غرفته مباشرة وبعث
رسالة إلى بيسان، ثوانٍ قليلة وكانت تطرق الباب وما
أن ولجت حتى حدثها:
-اخباره دلوقتى؟!
-هو كويس ونايم متقلقش، كنان كل شئ هيتحل بليز تكون اقوى عشان الدنيا تظبط انت بنسبة لضياء زى
العمود الفقرى استحالة يقف تانى من غيرك
كيف يكون قوى
بل كيف يكون الأقوى، اغمض عيناه بألم ثم حدثها:
-عايز ادخل ومحدش يشوفنى
أومات بالإيجاب قائلة:
-تمام، اصلا طنط اديتها مهدئ ومعاها كارما وبيلا أغمى
عليها وفى اوضة ومعلقة محاليل
*******
يقف من بعيد يراقبها حينما ولجت للمرحاض، كان ينتظر خروجها
وفى ثانية، ثانية واحدة فقط كان يسحبها لأول غرفة ووجدت نفسها محاصرة، اغمضت عيناها وشريط من ذكريات المؤلمة تمر امامها، فتحت عيناها ببطئ وجسدها يرتجف وعيناها منتفخة اثر البكاء
ليسقط فكها بصدمة حينما طالعت وجه، حاولت أن تستخدم جميع مفاتيح عقلها لكن لم يسعفها عقلها فتمتمت بذهول:
-انت اتجننت صح؟!
التو ثغر كرم قائلًا:
-شبر ونص ومش باينة اما لسانك دا مترين وعلى الاغلب مش بيطلع غير عليا
-انت ايه اللى جابك هنا وازاى تسحبنى كدا ها؟!
بالتأكيد لم يروقه الأمر واسلوبها معه لكن ليس وقته
فاجابها:
-الف سلامة على اخوكِ، وقولت اجى الحقك قبل ما
تنهارى وتيأسى وتنتحري والمشرحة مش ناقصة
دموعها التى انهمرت على خديها اجابت عنها ثم همست بضعف
-وانت يخصك ايه اصلًا
تنهد كرم بحنق ثم قال بجدية:
-اسمعى بقى الكلام كويس، انتِ مش صغيرة وعيلتك
بتمر بأزمة ولازم تبقى اقوى من كدا وإلا
المرة دية هتخسرى كل حاجة، ومستحيل تتعوض تانى
والدتك بتنهار على حال اخوكِ وانتِ لو ضعفتى هى
كمان هتضعف وتنهار لازم تقفى جنب اخوكِ احسن لو جرت ليه حاجة هتعيشى عمرك كله
فى ندم اجمدى عشان مامتك واخوكِ، جه الدور عليكِ
تبقى سند ليهم
بايدك تكونى السبب فى لمة العيلة او ميبقاش فيه
عيلة اصلا، مفيش حد بيجى الحياة وواخد عليها
تعهدات انه ميتئذيش، كلنا بنتئذى وبنتوجع بس
لازم نقوم وبلاش تفضلى بتمدى ايدك عشان حد
يقومك، اعكسى الصورة وشديهم انتِ على فكرة
انتِ تقدرى يا كارما
دمعة وحيدة شاردة فرت مقلتيها اليسرى كأنها خرجت
لتطيب جروح قلبها النابض لتقول بضعف:
-ضياء جاتلوا جلطة، اخوي القوى اللى بيضحك على
طول انا هعمل ايه
اخذ كرم نفسًا عميقًا محاولًا اخمد نيران قلبه قائلًا:
-القوى ربنا يا كارما هو بس القوى، ومفيش حد بيضحك
على طول استحالة احنا لازم نبكى ونعيط ونتوجع عشان نعرف قيمة الفرح
-اشمعنا احنا اللى بيحصل معنا كدا
هز رأسه بسلب قائلًا:
-اولًا مفيش حاجة اسمها اشمعنا دا اسمه عدم احترام
للبلاء واعتراض انت فى حضرت قضاء ربنا احمدى وبس
لأن فى غيرك بيقول اشمعنا انتِ تمشى وهو لأ
انتِ بتشوفى وهو لأ، كلها قسمة من ربنا احمدى عشان
المحنة تعدى، وخليكِ قدها انا لازم امشى من هنا
عشان لو اتقفشنا هنا شكلنا هيبقى وحش اوى
وبرستيجى هيضيع
تركها خلفه وفتح الباب وولج للخارج، كانت كلماته
لها واقع غريب فى نفسها كانت منبهر بها، دائمًا ما
كان اخيها يعاملها كطفلة مدللة، وكأن عيناها ابصرت
للتو راغبة أن تنهال من خبرته كطالبة فى محراب علم جديد
***
وقف امام باب الغرفة محاولًا أن يهدأ الألم القابع فى نفسه ولكنه الأكثر علمًا بأن الألم سيتضاعف حينما يراه
راقدًا على الفراش
ولج للداخل وألجمته الصدمة بمشاهدته انهيار ضياء
الذى لم يسبق له أن رآه عليه حتى فى اصعب لحظات
حياته، فاخذت خطواته بتقدم نحوه، قلبه يتمزق ثم
همس:
-مفيش حاجة كسرتنى غير أن اشوف كدا حتى لما رفعت المسدس فى وشى كنت مراهن جوايا استحالة تعملها، انت ياض فوق ولا انت بتعمل كدا عشان مزعلش
منك، قوم كلمنى، ضياء قوم طب انت عندك حق واضح
انى شخص مش مناسب انا اتكره يا ضياء انت صح منفعتش اكون حبيب ولا زوج ولا حتى اخ او صديق
صمت مشاعر متضاربة انكسار، خذلان، مرارة الفراق
احساس مؤلم حينما ننجرح من احبتنا فتشعر بأن
قلبك قد نحر بنصل سكين بارد
فتح باب الغرفة فجأة فانتفض واقفًا لينظر لتلك التى
تقف عند الباب تكتم شهقاتها، نظرة واحدة فى عيناها
جعلته يشعر بأنه يتجرع كؤوس من العلقم فتقدم
نحو باب الغرفة دون حديث فأوقفته هى متسائلة:
-انت كويس يا ابيه؟!
-ابيه!!
-ايوة طبعًا وهتفضل على طول ابيه انت وضياء انا عارفة أن ضياء غلط بس انت بتحبه
وهتسامحه هو ماكنش يقصد انت عارف انت بالنسبة
ليه ايه
رمقه من خلف كتفه قائلًا بقهر:
-انا مش عارف غير أن مهما كان اللى حصل بينا يا كارما
استحالة ارفع سلاح فى وش ضياء استحالة اقول كلمة توجعه وتهدوا، بس مش مهم
اهم حاجة دلوقتى سلامته خلى بالكم منه يا كارما
******
-انتِ مش هتروحى عشان اوصلك
كانت هذه كلمات طاهر بينما فركت رقبتها بارهاق
قائلة:
-لأ روح انت انا هبات هنا وهطلع الصبح على المستشفى
قطب حاجبيه ليسألها بنفاذ صبر:
-هتباتى هنا ازاى يعنى ديه مستشفى
قهقة عاليًا ثم اجابته:
-ضحكتنى يا طاهر وانا حزينة بجد
هنام فى أى اوضة على اى سرير، فى عمليات حتى
انا ممكن ادخل المشرحة انزل ميت من على سرير
وانام انا دكتورة يا طاهر وجراحة يعنى المستشفى
بيتى
توسعت عيناه بصدمة قائلًا:
-تنامى مكان ميت
جبارة صحيح هما بيقول الجراحيين دول معندهمش مشاعر
هذه الكلمة نقطة ضعفها فدائمًا اختها تنعتها بمعدومة
المشاعر، باردة الدماء إلا انها حاولت الحفاظ على ثباتها قائلة:
-طب خاف على نفسك وانت ماشى وخد فى ايدكاخوك
اللى عامل زى خفاش الليل دا وكل شوية ينط لكارما
عشان الموضوع دا مريب
التو ثغره قائلًا:
-هو الكبير بس جايب ليا الكلام
على العموم احنا لسه على ميعادنا هنلعب ماتش قصاد
بعض
-تصبح على خير يا طاهر
*****
بعد مرور ثلاتة ايام
ما شعورك عندما تعلم انك كنت تحيا داخل قشرة واهية
لتشعر فجأة التشتت بين الماضى والحاضر
بدأت نيران الحرب بالاشتعال داخله بين ما يريده عقله
وما يرجحه ضميره لكن كانت النتيجة محسومة
فى منتصف الليل كان يقف فى زواية وبالكاد يلتقط انفاسه ليس التعب البدنى وحده من يرهقه لكن الذعر من تلك الحقائق التى يبحث عنها، وصوت ذلك التسجيل يدوى داخل رأسه كالقنبلة
وما أن ظهر امامه ذلك الرجل انقض عليه ليطلق
وحوش غضبه نحو وهو يهمس بفحيح افاعى:
-بتهرب منى ليه؟! ليه بتهرب منى
اجابه ذلك بتهكم قائلًا:
-اهرب منك ليه يابيه بس انا مشغول فى شغلانه كدا
اظلمت عيناه وتحول لوحش كاسر سيفتك به:
-مش انت قولتلى تعرف المقاول اللى كان السبب فى
وقوع العمارة
-اه يا بيه بس خلاص هو اختفى تانى
-بقى كدا،
طب انت بقى تيجى معايا القسم وتقول كدا هناك
ابتلع بصعوبة قائلًا:
-يابيه انا مالى ومال الكلام دا انا كنت هعمل حاجه
خير، ودلوقتى مش عارف وعايز اربى عيالى ابعد
عن سكتى بقى
كان ابعد بكثير عن العقل وكأن تلبسه جان:
-مش هبعد وهسلمك للشرطة لو متكلمتش بكل حاجة
تعرفها ومش بس كدا مراتك وعيالك هيجوا فى رجلين
لكن انا هديك الامان لو قولت الحقيقة مش هتشوف
وشى تانى
-انا كان مالى ومال المصلحة الزفت ديه عيالى لسه صغيرين وعايز اربيهم
ارتفع صوته بنفاذ صبر:
-مش هفتح كلام مع حد بس قول اللى عندك لكن
لو متكلمتش هطلع من هنا على الشرطة وانت عارف
الباقى
تنهد الرجل بقلة حيلة قائلًا:
-دا واحد جه لكبير الحتة هنا وكان عايز حد يقولك
كدا وانا كنت قاعد وقولت ماشى
اقولك انا اعرف المقاول اسوحك يعنى شوية واخد القرشين
اظلمت عيناه وازدت قتامة وهو يسأله
-اسمه ايه الرجل دا؟!
-كان اسمه منير، مظهر،
اه افتكرت زهير
-زهير
شعر بالبرودة والحرارة بنفس الوقت لم تريحه تلك الكلمات بل وضعته على بداية طريقه إلى الجحيم والهلاك، استقل سيارته وانطلق مسرعًا
لحظات وكان يقتحم الفيلا حتى وصل إلى الباب ترجل من سيارته وهو يلهث كمن كان يركض فى سباق ماراثون وضع سبابته على الجرس
بالحاح مما جعل الخادمة التى تفتح الباب تكاد تقذفه
بسباب لاذع وما أن ولج وقف فى الاستقبال يصرخ بحرقة:
-يا زهيررر
*****
-انت يا بت انتِ بذمتين على فكرة
قال تلك الجملة ساهر بينما كيان سحبت من الصحن
بتذمر قائلة:
-ساهر امشى من هنا يلا بدل ما تحمد ربنا انك نايم عندى بقالك يومين وبفطرك واغديك واعشيك
كمان بتتأمر
-بذمتك دا منظر الأكل اللى عملتيه فى تلفزيون انهارده
دا منظر دا ولا لازم احط لايك عشان الاكل يبقى
حلو فين الضمير، بعدين انا اخوكِ هتذلينى يعنى
دا انا مصدقت ان الواد تامر مسحول فى الغردقة
مع الافراح وجبت هدومى وقولت اونسك الحق
عليا
طرقت كفًا بالاخر قائلة:
-ما شوفتتشش فى بجاحتك على فكرة هتغسل المواعين
انت مشغلنى عندك من الصبح
قبل أن يجيبها صدح جرس الباب توجهت لتفتح لتجدها
والدتها ألجمتها الصدمة حتى أن قدمها لم تقو على حملها
*****
