رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون 


قطبت حاحبيها ونظرت لها بتعابير منطفئة بعد
أن علمت هويتها لكنها لم تفطن سبب مجيئها 
التو ثغر والدتها قائلة بإمتعاض: 

-جرى أيه يا بنت بطنى مش هتدخلينى 

تنحت كنان جانبًا لتسمح لها بالدخول ورأسها يتخبط بالافكار كيف عرفت طريقها ما الذى جاء بها، وقف 
ساهر ليستئذن بالرحيل لكن والدتها وقفت فى وجهه 
قائلة: 

-انت ابنه صح؟! شبهه اوى؟! 

رمقها ساهر من اعلاها لأدناها بنفور ثم وجه حديثه لأخته: 

-كيان هنزل شوية واطلع 

-استنى استنى يااخويا دلوقتى بقت كيان وقاعدين فى شقة ايه مفتخرة على الاخر، ودلوقتى عرفت أن ليك اخت 
وطبعًا اتصالحتوا على قفا ابنى، طالعة لابوكِ ياختى نكرت
خير قوم نسيتى انهم هما اللى رموكى ومعترفوش بيكِ 
وخالتى هى اللى لمتك من الملجأ، تقومى تعملى حلف 
على اخوكِ، ضد أخوكِ تانى 

زجرها ساهر بحدة قائلًا: 

-جرى ايه ما تتكلمى بطريقة احسن من كدا حلف ايه 
واخوها ايه مش فاهمك 

دارت عينيها فى الشقة تطالعها بإنبهار قائلة بغل: 

-ايوة يا واد اعملهم عليَّ ماانت زى ابوك، اخوها اللى انت 
وقريبك دخلتوه السجن ظلم عشان قضية اختك 
.
هى اللى حبته وحملت منه وماكنتش عايزة العيل 
نصيبها بقى خلص ابنى ايه ذنبه 

صرخ ساهر وهو يقبض على ذراعها ليسحبها امام 
كيان متسائلًا بغضب: 

-الست دية بتقول ايه ياكيان؟! 

كانت حالتها لا تقل صدمة عنه هزت رأسها بهستريا: 

-معرفش معرفش انا مش فاهمة حاجة 

نفضت ذراعها منه لتجذب كيان بحدة قائلة:

-شوف البت اتعلمت اللؤم من عيلة ابوها ازاى 

وضعت يدها على اذنها تصرخ: 

-بس اسكتى اسكتى انتِ بتقولى ايه 

-لما انت متعرفش وهى متعرفش اومال مين اللى سحل 
الواد وخده مش قريبكم بس ربنا نصره وخرج غصب 
عنكم بس حقى اللى مأخدوتش زمان هاخدوا دلوقتى 
من عينيكم

سحبها ساهر ليرميها خارج الشقة: 

-احمدى ربنا انى مشيتك بس دا عشانها لكن ورب 
الكعبة الكلب ابنك هجيبه وهدمركم زى ما دمرتوا
حياتنا

 ثم صفع الباب بوجهها واستدار نحو كيان التى زاد 
التنفس عندها عن الطبيعى وسيطر عليها التوتر 
ومع كل خطوة كان يخطيها نحوها كانت ترتجف 
كليًا كانت كتائه لا تعرف إلى اين تذهب يمينًا أو 
يسارًا، بالأخير تحركت نحو غرفتها مسرعة
حاول اللحاق بها لكنها اغلقت الباب فارتمى 
على المقعد خلفه فما سمعه كان كالصاعقة على 
اذنيه

*******

هذا ما كان ينقصه جنان اخيه توقف فجأة ليسأله:

-كرم يا حبيبى رايح فين انا داخل المستشفى وانت؟! 

-معاك طبعًا عيب عليك هتدخل المستشفى واسيبك

اجابه موضحًا: 

-يابابا انا مش داخل مريض انا جاى زيارة يلا وسع سكة 
كدا هتفضحنا، وبعدين كرم متهزرش البت اللى جوه دية تعلقها ميدالية فى بنطلونك مالك ومالها 

التو ثغره قائلًا: 

-خليك فى حالك يا عسل 
وعلى فكرة انا كمان جاى زيارة لبيلا 
وسع كدا واتكل على الله يا طاهر 

تقدم كرم للداخل بينما فرك طاهر وجهه وهو يقول بسماجة: 

-هو ضياء مش هيقوم من الجلطة دية أنا عارف

فى الغرفة 

طرق طاهر الباب وولج بعد أن سمح له بالولوج 
تقدمه كرم قائلًا: 

-حمدلله على السلامه يا درش كدا تقلقنا عليك 

قطب ضياء حاجبيه وهو يطالع بيلا فاجابه كرم: 

-انا اخو طاهر وحضرت فرحكم وعقبال كدا ما احضر 
فرح عيالكم ونكون كلنا عيلة 

رمقته بيلا باستنكار: 

-فرح عيالنا وعيلة

دهس طاهر قدم اخيه وهو يبتسم لضياء: 

-حمدالله على السلامة تنذكر وما تنعاد 

رمقه كرم بحدة ثم اقترب ليجلس بجوار هويدا على الاريكة ليتناول 
يدها ويطبع قبلة عليها قائلًا:

-اخبار صحتك يا ست الكل 

توسعت اعين الجميع بصدمة اما طاهر همس بخفوت: 

-يخربيت معرفتك هتودينا فى داهية 

ربتت هويدا على كتفه قائلة بحنو اموى: 

-الحمدلله يا حبيبى تسلم 

نهض واقفًا امام كارما وهو يغمز لها فى الخفاء قائلًا 
بجدية مصطنعة: 

-حمدلله على سلامته يا استاذة كارما 

بينما ضياء كان فى عالم اخر شاردًا فى الفراغ لا يتكلم 
وكأنه بعالم اخر، صدح رنين هاتف طاهر بإلحاح 
فذهب إلى الشرفة ليجيب: 

-ايوة يا ساهر

-مش فاهم حاجة منك اهدى 

-خلاص هاجى عند كيان سلام يلا 

ولج للداخل قائلًا باسف:

-معلش يا بيلا هنمشى ونرجع تانى لو احتاجتوا حاجة 
كلمينى يلا يا كرم 

-روح انت وانا قاعد هنا 

جز على اسنانه وهو يسحبه من يده لخارج الغرفة 

وما أن غلق الباب زجره بحدة: 

-ايه ياض الغتاته دية 

ايه اللى انا قاعد هى حنة امك 

-انا هقول لحسين على فكرة وهيشدك من ودانك 

-يلا انجز فى مصيبة مع ساهر عند كيان وانا مش مطمن

-يلا جتكم القرف عيلة نكد
*******
نحن لسنا كما كنا البارحة نتغير حسب المواقف والصدمات
كان يصرخ بقهر ودموعه تغرق عيناه، سيوف حادة 
بداخله تنهش قلبه وعقله، انتفض زهير ونهلة على 
صراخه وهرولوا للأسفل كانت ملامح كنان لا تنذر
بالخير، وقف يطالع والده بانكسار 

لا استطيع كرهه فهو والدى روحًا لروحى كان قلبه 
يصرخ بهذه الكلمات حتى يكتمه صوت العقل الذى
كان يحاول بكل الطرق جعله يكن له كره

اغمض عيناه فكل نظرة تزيد جرحه، والمزيد من 
الجروح، حياته تحولت إلى احزان، احزان تفتك به 
وبقلبه النازف، ماذا فعل هو بحياته حتى تنقلب 
إلى جحيم؟! بماذا اخطأ حتى يستيقظ على واقع مؤلم هكذا؟! همس بضعف: 

-ليه عملت كدا؟! ليه وازاى؟! 

تصلب زهير مكانه كمن وقعت عليه كومة جليد فى ليلة قارصة البرودة، وعلم 
انها لحظة انهياره فاجابه مدعيًا الحزن: 

-انت رجعت تتكلم فى الموضوع دا تانى قولتلك 
ان دا كان صاحب عمرى ومرضتش افضحه وانت 
لازم ..

-بس بس كفاية بقى أنا مش مستحمل وبموت والله حرام كفاية و 

لم يستطيع أن يكمل جملته اغمض عيناه بحسرة وهو 
يبكى فهو الآن يتحمل فوق طاقته ثم فتح عيناه ببطئ
متسائلًا: 

-اعمل ايه بعد اللى عرفته ممكن تقولى اعمل ايه 
هاعيش ازاى، انا دورت على الحقيقة بنفسى وعرفتها 
روحت للرجل اللى انت بعته عشان يورينى المقاول اللى مش موجود اصلا، وقال انك اللى بعته ليا

جز زهير على اسنانه بغضب فهو طيلة الأيام الماضية 
كان يمحو أى دليل ضده ونسى ذلك الشخص، تنهد وهو 
يهمس داخله انها القاضية، وقد سقط قناعة فصرخ بجبروت :

-اللى حصل دا ميخصكش ومالكش دعوة بيه يا كنان 
دا كان ماضى وانتهى وخلصنا احنا ولاد النهاردا  ولو 
على ضياء انا اعرف اراضيه ومش هخليه يصدق حاجة 
والموضوع دا يتقفل وكلامى يتنفذ ومتنساش انى انا 
ابوك 

لم يكن حديثه إلا وقودًا صُوب فوق غضبه فصرخ 

-والناس اللى ماتت واللى بيوتها اتخربت واللى اتيتموا 
فى رقبة مين، وصاحب عمرى ابص فى عينه ازاى وانا 
وانا

-ماهو عشانك انت انا عملت كل كدا، عملتلك اسم وامبرطورية، فتحتلك بدل المستشفى تلاتة انت وصاحب عمرك 

جحظت عين نهلة من هول الصدمة وهى تهز رأسها بعدم استيعاب بينما طالعه باحتقار واشمئزاز ولكنه لم يهدأ وزادت ثورته 
 وحطم كل شئ امامه وهو يقول: 

-بنيت مستشفيات على ارواح الناس على دمهم اللى 
فى رقبتك، على سمعتى أنا، على وجعى على رفيق 
عمري ماكناش محتاجين ولو حتى كنا لومحتاجين 
مش مبرر 

انهى كلماته وجثى على ركبتيه بانهيار ينحب ببكاء مرير كطفل صغير اقتربت نهلة مسرعة تعاون كنان على النهوض وهى ترمق زهير باشمئزاز، فهمست لكنان: 

-عشان خاطرى يا حبيبى ما تعملش فى نفسك كدا 
اوعدك كله هيتنفذ زى ما انت عايز 

 بينما زهير انذار الخطر لديه ينذره انه ارتكب خطأ عندما صارحه بالحقيقة، اقترب منه كنان وهو يترنح 
فى خطواته يتوسله بضعف: 

-عايز اطلب منك طلب

موتنى، ارحمنى من اللى انا فيه 
انا مش عارف ازاى اسكت ودا استحالة، وازاى اسلمك 
لحبل المشنقة ودية استحالة،  اقتلنى انت ارحمنى انا صحيت على 
كابوس انا عايز اموت نفسى بس مستحرم بص انا 
هسامحك لو خلصتنى من كل دا وموتنى 

صرخت نهلة بفزع وهى تكمم فم ابنها وتسحبه معاها 
للأعلى بينما الرجفة سيطرت على جسد زهير كيف 
يصل بخياله أنه يضحى به هو قرة عينه، وليد فؤاده
ارتمى على المقعد خلفه يضع رأسه بين كفيه

******

عقلها لم يكف عن التفكير كلما اتصلت به يأتيها البريد 
الصوتى أن الهاتف مغلق زفرت باختناق وقد اوشكت على البكاء لعدم توصلها إليه مرت دقائق كالساعات 
وكان الباب يفتح لم تعرف لِمَا توقف الكلام فى حلقها
عندما رأته كانت صامتة، لكتها سريعًا ارتمت باحضانه 
كانت تفتقده، تشتم عنقه ذو رائحة القهوة الصباحية 
احتبست انفاسها لتحبس معاها رائحته المنبعثة منه 
لم تشعر بنفسها إلا وهى تقبله، تلاقت انظارهم وتاهت 
فى سحر نظراته، لكنه رأى ما زلزل كيانه فسألها: 

-ليه الدموع يا هاجر؟! 

-بقالى كتير بتصل عليك غير متاح قلقت جدًا 

معقولة انها احبته لهذه الدرجة، مسح دموعها باناملة قائلًا:

-الدموع دية متنزلش ابدا انهاردا اخر الشهر وكان 
عندنا تقفيل حسابات والفون فصل منى ومرضتش
اتصل قولت نمتى 

-مش بنام غير لما انت ترجع وبعدين انا اتعودت انام 
وانت جنبى لو سمحت الحركة دية متتكررش تانى 
واعتذر يلا

امسك كفيها الناعمتين ليقبلهم وهو ينظر لعيناها البنية 
ثم همس بصدق اقرب للرجاء:

-حقك عليا يا هاجر، 
هاجر اوعى تسبينى يا هاجر انا من غيرك اضيع 

تعلقت فى رقبته قائلة: 

-استحالة وهجيب منك دستة عيال كمان

فى لمح البصر كان يحملها متوجهًا للداخل تعالت ضحكاتها متسائلة:

-ايه اللى بتعملوا دا ه

-هعتذر وكمان هنشوف حوار دستة العيال

******

-انت ليه خبيت عليا ياطاهر

كانت هذه كلمات ساهر وهو يقبض على مقدمة قميص 
طاهر، فنزع طاهر يده بحدة قائلًا:

-فين اختك؟! لما نطمن عليها نبقى نقعد رجالة ونتكلم 
كرم خد ساهر واستنونى تحت

تقدم طاهر نحو الغرفة وطرق الباب ولم يجد اجابة
فادار مقبض الباب وفتحه بحذر وخطا للداخل لتقع 
عيناه عليه بشفقة فهى لا تستحق كل ذلك تحرك 
يجلس امامها على الأرض كانت تنظر امامها بشرود 
لكنه ثبت نظره عليها وعيناها تلمع بدموع القهر
والانكسار كانت تهمس وكأن مسها الجنون: 

-اللى هو اخويا هو اللى عمل كدا فى اللى مفروض 
اختى اللى مفروض اخويا، وهى كانت بتهددنى 
دور على اختى عشان ينتقموا ومدورتش عليا انا

شهقة طويلة خرجت منها شاعرة بمرارة الحياة 
لتتهافت عليه المصائب واحدة تلو الأخرى منذ أن 
فتحت عينيها على تلك الحياة تخلف لها الأسوأ 
فقط، لم تكتمل لها فرحة إلا وانقلبت عليها وكأن 
الحياة حاسدة حاقدة عليها او قطعت وعد إلا تتركها بحالها، كل ماتطلبه فقط الرحمة 

كان طاهر يحدق بها بحزن امالت رأسها بإجهاد تستند 
على الجدار خلفها وهى تنحب فى صمت فهمس 

-كيان انتِ كويسة خلينا نتكلم، طب تعالى روحى معانا
مش هينفع اسيبك هنا لوحدك 

صمت مطبق فقط صوت انفاسه نهض من امامها ليجرى
مكالمة

*****،
نام كنان بحضن والدته لتلتقط دموعه بين يدها بغزة
بقلبها وهى تنهض لتعتدل من جلستها وتطفئ الانوار 
عليه لتخرج متجهة لزوجها بغضب عارم صفعت الباب 
بقدمها هاتفة بغل: 

-ضيعت ابنى يا زهير لكن ورحمة ابويا ما هارحمك 
استحملتك كتير اوى بتجرى ورا القرش طول عمرك 
واقول كله لينا دا حتى معرفناش نخلف عيل تانى
بسببك بسبب طمعك وانانيتك انت جاحد يا زهير
قتلت صاحب عمرك انا اكتر واحدة شاهدة عمل 
معاك ايه بس انت واطى 

-نهلة ألزمى حدودك انا مش ناقص

-مفيش نهلة عارف ابنك هيموت نفسه وتعيش بحسرته
مش هيستحمل خيبته فيك، ولا هيستحمل يسلمك 
للشرطة لو بايدى كنت قتلتك بس عشان واحد زيك 
اخسر دنيتى واخرتى، لكن انت عشت كافر وتموت 
كافر عادى وبالمرة ترحم ابنك من عارك وكفاية اللى 
خسره انت خسارة فيك كلمة بنى ادم مش اب 
كنت بتتاجر فى ارواح الناس عشان ايه ها ناقصك 
ايه، انت طماع طماع وزى ما خلصت من صاحبك 
خلص على نفسك طباخ السم بيدوقه يا زهير 
اعمل حاجة صح لابنك وارحمه من عار هيلحقه
عمره كله

*****

تعليقات