رواية روح بلا مأوى الفصل الاربعون
قد يطرأ على المرء لحظات خضوع، عكس مايتمنى وعكس مايرغب، لحظات الهروب من الواقع
كان من المقرر خروجه منذ الصباح، لكنه وللمرة الأولى
يشعر بأنه مقيد بقيود غير مرئية، وتبقيه مكانه عنوة
برودة تتسلل إليه وكأن هناك ما أنطفأ بداخله بعد
معرفة الحقيقة المخزية لمن كان يظنهم السند والأمان
كان مخدوعًا فى اقرب شخص إليه
ومع ذلك لا يريد الخروج من المشفى، فهو فى اسوء
حالاته لم يصل تفكيره إلى ايذاء كنان، لا يعرف
ماذا سيفعل بعد خروجه من المشفى، هو من المفترض
أن لا يرد الضربة بمثلها بل يكتسح عدوه حتى لا يبقى
منه شئ، لكن ماذا يفعل إذا كان هذا العدو كنان
خيوط عقله ستنفجر انها حرب نفسية تنهشه بلا هوادة
داخله اصبح خواء ، يرغب بصراخ لكن صوته لايخرج
يرغب فى البوح لكن سيزيد ألمه، انسدل الدمع من عيناه
التى لم تعهد الضعف قط، اقتربت بيلا مسرعة تمسح
الدمعة باناملها، فرمقها ضياء بنظرة حملت شتى
المعانى المؤلمة، حاولت كبح مشاعرها المشفقة وابتسمت
بهدوء قائلة:
-انت عجبتك قعدة المستشفى وأكل المستشفى
وبتهرب من اكلى صح
لم يبتسم ظل كما هو محدق فى سقف الغرفة بشرود
انكمشت حاجبيها بحزن وانهمرت دموعها فى سباق شهقت بعنف رغمًا عنها، طالعها بأسف ثم مد يده لها وهو يهمس بضعف
-بيلا
ارتمت بثقلها على صدره وانخرطت فى نوبة بكاء هامسة:
-عشاني يا ضياء بلاش كدا لو كانت جرتلك حاجة
كنت هموت كل شئ يتصلح بس متوصلش لكدا
أنا ماليش غيرك متعملش فيا كدا، انا قوية بيك
ومش بس أنا وطنط وكارما، انا بشوف حياتى في
ضحكتك، قبلك كانت شبه الماكينة بتعمل شغلها
عشان اهلى ميحزنوش عليا، مش عايزة ارجع
لبيلا القديمة تانى يا ضياء
رفعت رأسها من على صدره، فتنهد وهو يقول
بمرارة تسد حلقه:
-شوفتى كنان وابوه عملوا أيه فيا يا بيلا
زفرت انفاس يتخللها الألم على حال زوجها الذى كانت نظراته تفيض بحنان يتغلغل فى شقوق روحها
الجافة فيصيبها كغيث بعد سنين عجاف فهمست:
-ممكن ماتفكرش فى حاجة دلوقتى الدكتور قال
التوتر غلط عليك ممكن بس نطمن على صحتك الاول
وبعدين نتكلم
-بس انا مش هسيب حق ابويا لو حصل ايه
اقتربت منه تعاونه على النهوض كى يرتدى سترته قائلة:
-طب خلينا نجهز عشان طنط هويدا وكارما مستنين
تحت فى العربية
*******
وجدها تخرج من الداخل فهب واقفًا متسائلًا:
-ها عاملة ايه دلوقتى؟!
تنهدت ببطئ ثم اجابته بارهاق:
-الحمدلله، هى هديت ونامت طبعًا متكلمتش معايا
بس اظن المسكن شديد وهتنام شوية
-بيسان، اسف انى طلبتك دلوقتى بس ماكنش قدامى
غيرك، هى استحالة هترضى تروح معايا عند امى
وهاجر ماكنش هينفع اكلمها انتِ فاهمة
انهى جملته بصوت متحشرج فقطبت حاجبيها لتسأله
بفضول لا تعلم سببه:
-هو انت لسه بتفكر فى بنت عمتك، يعنى لسه بتحبها
ابتسم بمرارة فهو وقع صريع هذا العشق وقتيل خنجره
اغمض عيناه فهو مازال يدفن ملامحها داخل ثنايا قلبه
هز رأسه سريعًا لينقض صورتها وهو يفتح عيناه قائلًا:
-هو احنا بالريموت كنترول
-طب وهى ليه تسيبك بعد الحب كل دا
سألته بفضول ثانيةٍ شئ بداخلها يثير فضولها وهى عكس ذلك تمامًا
كلماتها اشعلت ضجيج قلبه، قلبه الذى اقسم أن يحرقه ولايريحه ولا يطاوعه انتقامًا لها، حتى عقله اتفق مع
قلبه ليؤنبه فهمس:
-تقدرى تقولى أنا حسبتها غلط، او كنت ضامن ومراهن
على حبها فهى ادتنى قلم فوقنى، وعلى فكرة انا مش
بلومها انا كتير وجعتها
ما علينا خلينا فى كيان محتاجة لأيه بحالتها دية
انهى جملته وقد توقف عن الحديث فابتلعت حزنها بصعوبة وشعرت انها على حافة البكاء مشاعر غريبة بداخلها ولا تعرف تصنيفها، فسألها:
-سؤال ومن غير زعل
انت شايفة انه عادى تبقى معايا فى شقة لوحدنا
لأن كيان فى عالم موازى، مش قلقانة منى
ابتسمت بمرارة وهى تشيح عيناها كى تكبح عبراتها
التى تقتل هذا القلب، فماذا يقصد بسؤاله، انها متحررة مثل اهلها، وعلى الرغم من استنكارها
السؤال ونزيف قلبها ألا انها اجابته ببرود:
-لأ مش عادى وعارفة انه غلط وحرام
بس عشان عارفة ظروف كيان وواثقة فيك
بس مش عشان انا سهلة اكيد يعنى ومتحررة
استنكر ما تقول فهز رأسه بنفى مسرعًا:
-مقصدتش كدا انا قصدى انك مأمنه ليا ولا لأ
ضحكت وهى تقول:
-نفس المعنى، غبى انت بردو يا طاهر
-ما تلمى لسانك هو انتِ فاكرة انى هاسكتلك
توسعت عيناها بصدمة:
-هو بذمتك فى حد يكلم انثى كدا
تحمحم بحرج قائلًا:
-على سيرة الانثى انا مكلتش حاجة من الصبح ما تدخلى المطبخ تدورى على حاجة ناكلها اى لقمة
اعض فيها
قهقت عاليًا وهى تحك مؤخرة رأسها قائلة:
-لا والله يا طاهر انا اخرى فى الطب ماليش فى المطبخ
جو الأكل والمواعين دا تخصصك انت
-يخربيت جمال ضحكتك
قال جملته لتطوى هى ذراعيها ثم رفعت احدى حاجبيها فرفع يده سريعًا هاتفًا:
-قصدى برئ بس افتكرتك متعرفيش تضحكى زينا
قبل أن تجيبه كان صوت الصراخ يهز جدران الشقة
هرولت بيسان ومن خلفها طاهر فولجت وضغطت
على زر الأضاءة مسرعة لتقترب منها، ادركت بيسان
انها ترى كابوسًا تقدم طاهر يناديها:
-كيان، كيان مالك
كانت تصرخ وبؤبؤ عيناها يتحرك كبندول الساعة:
-مين طفى النور عليا، مييين انا مش بنام فى الضلمة
ليه تطفوا النور
اغمض طاهر عيناه بقهر وهو يشد خصلات شعره بعنف
قائلًا:
-احنا اسفين يا كيان اسفين ماخدناش بالنا
لم ترد عليه واستمرت فى اهتزازها فهذا الكابوس
ابشع ما رأته حتى أسوء من خيالاتها رأت والدتها
تفتح بطنها لتخرج احشائها وعلى الجانب الاخر
كنان يقف وسط النيران حتى انها بدأت تمسك
بجسده وكان يصرخ مناديًا باسمها اما هى كانت
تصرخ عليه كى يبتعد ويتركها خوفًا عليه من النيران
غطت اذنيها بيدها فازداد الطنين وكأن سرب من
الدبابير اجتاح رأسها، اخذت تبكى من شدة حزنها
فامها التى من المفترض ان تكون سندها هى اول
الطاعنين والغادرين لها، ثبت نظرها على من تهدهدها
وجدتها بيسان، فاسندت رأسها على كتفاها بضعف
ثم همست بخفوت لكن بيسان التقطت بعض همهماتها:
-كنان عارف انى بخاف من الضلمة واتعودت انام فى
حضنه مشى وسابنى ليه
اغمضت بيسان عيناها بألم ثم ضمتها إليها ونظرت إلى
طاهر قائلة:
-تصبح على خير يا طاهر انا هنام مع كيان اقفل الباب
وراك
هز رأسه بالإيجاب وسحب الباب خلفه، اما بيسان
ضمتها وسحبت الغطاء عليهم
******
راح يذرع الغرفة ويحوم حول نفسه فى أسوء كوابيسه
لم يتخيل أن تلك النهاية لم يعتقد أن يصل لتلك المرحلة سريعًا، عبرات ابنه لم ترحمه، يتذكر وجهه
وهو يتوسل إليه أن يقتله انتفض قلبه بذعر أن
يضعف ابنه ويفعل شئ بنفسه، وجه بصره لغرفة
ابنه ثم تحرك نحوها ومد يده يمسك بمقبض الباب
ليفتحه بحذر، لتقع عيناه عليه يجلس على الفراش
ويضم ركبتيه إلى صدره كطفل صغير تأمله بشفقة
وقد استنبط ما يمر به ابنه
رفع كنان نظره بإنكسار يشعر بأنه امام طوفان عتيد
يواجهه بمفرده بعد أن نجا الجميع تاركين اياه ان يحدد
مصيره بدون مقدمات او سفينة يستنجد بها
وما اقترب زهير ألقى كنان نفسه بين احضان والده وهو يبكى كطفل
فى الخامسة قائلًا:
-ابويا انا ميعملش كدا مثلى الأعلى الحضن الدافى
انا مُت خلاص، انا هموت اعمل ايه قولى يا بابا
ضميرى اللى انت ربتنى عليه هيموتنى اهون حاجة
ان اموت نفسى، انا هعيش كدا ازاى
قد يبدو الأمر غير مألوف لكنه كان بحاجة لحضن والده
اخذ زهير يشتد على عناقه بقوة خائفًا من خسارته،
كان يشعر بانهيار ابنه لكن عجز لسانه عن البوح وبعد
مرور ساعة وقف زهير وحدثه بكلمات صادقة:
-كل حاجة فيك حلوة او انا علمتها ليك كان نفسى
تكون فيا، بس الشيطان ممكن كان اقوى منى، نام
دلوقتى واعمل اللى يقول عليه ضميرك يا كنان
********
خرج من المرحاض يجفف ذقنه بعد أن حلقها وما ان
انتهى توجه نحو سترته ليخرج منها كيسًا مخمليًا ثم
توجه نحو هاجر يطبع قبلة على رقبتها فاستدارت له
فمد يده بالكيس فاخذته وفتحته ثم التو ثغرها متسائلة:
-ايه دا يا هاجد
-غويشتين اية مش حلوين
-مش قصة حلوين ولا مش حلوين بس اتنين بس
ليه هو انت فاتح محل شوكولاتة دا محل دهب
يعنى تجبلى خمسة ستة كدا اشخلل بيهم
رفع حاجبه متسائلًا:
-تشخللى ايه يا هاجر وهو مش انا جايب شبكة
لكزته فى صدره وهى تقول بغنج:
-وهما يغلوا عليا وبعدين هى الواحدة ايه
غير دهبها ولا انا مستاهلش يا قلب هاجر
ابتلع بصعوبة لتتحرك تفاحة ادم صعودًا وهبوطًا وهو يقول:
-قلب هاجر وكل دلع دا ليا دا المحل وصاحبه واللى شغالين فيه تحت رجليكى
ثبتت عيناها على حركة شفتاه لا تعلم عما يتكلم
لم تسمع ما يقوله، وهى بين ذراعيه رائحته تغمرها؛ رائحة جلده مختلطة مع معجون الحلاقة اغمضت عيناها
شعور لا مثيل له، حبست انفاسها عندما اشتدت يده
على خصرها ليقربها اكثر، علت صوت رسائل هاتفها، فابتعد عنها لتجيب فشعرت فجأة بالصقيع
بينما هو قطب حاجبيه متسائلًا:
-مين؟!
-دا ساهر بيقول لازم اروح لكيان عشان تعبانة ومش معاها حد غير طاهر
عند ذكر طاهر اشعلت به اعتى نيران الغيرة فتحولت ملامحه:
-يعنى ايه قاعدة مع طاهر ويعنى ايه تروحى انتِ
-فى ايه يا هاجد مالك بقولك تعبانة وانت عارف
ان مالهاش حد
جذبها من معصمها لترتطم بصدره قائلًا
-فى وفيه وفى كمان انا بصراحة مش بستحمل اللى
اسمه طاهر ومش بستحمل يبص عليكِ، مجرد اسمه
بس بيجننى يا هاجر بيخلينى واحد تانى ممكن اعمل
اى حاجة استحالة اتخيلها، بغير منه يا هاجر فهمتى
-سيب ايدى انت ماسكنى كدا ليه يا هاجد، غيرة ايه وبتاع
ايه بقولك البت لوحدها ومالهاش حد تقول كلام فارغ
اشعلت كلماتها الفتيل بينهم فاجابها بخذلان:
-غيرتى كلام فارغ مشاعرى وحبى مالهمش قيمة
عندك
تركها وتوجه للغرفة الاخرى بينما هى لعنت غباءها على
اندفاعها فى الكلام فذهبت إليه، دخلت الغرفة وجدته
ممدد على الفراش يضع معصمه على وجه، فاقتربت
تجلس على طرف الفراش لتزيح يده هامسة بندم:
-ماكنش قصدى بس عشا.
قطع كلامها:
-خلاص يا هاجر انا تعبان وعايز انام
-حقك عليا متبقاش غيور وكمان قماص
التو ثغره قائلًا:
-وكمان قماص شكرًا ياست
ابتسمت بمكر وهى تضع يدها على موضع قلبه قائلة بغنج قد اسلب عقله:
-يا هاجد قد هاجر قلب هاجر إليك فهل من وصل
حركتها وكلماتها اذابت قشرته الجليدية فوضع يده فوق
يدها قائلًا:
-فتحت قلبى له ووقفت ضلوعى ترحيبًا بقدومه
والله فهو النبض لقلبى
انهى كلماته وهو يجذبها فوق صدره ليأخذها فى جولة
عشق جديدة
*****
فى صباح اليوم التالى
صرخة هزت جدران الفيلا انتفض كنان راكضًا نحو
الصوت وجد والده مستلقى على الأرض جثى
على ركبتيه سريعًا يفحص عرقه النابض، توسعت
عيناه بفزع محاولًا فتح جفنيه لكنه اصبح جثة هامدة
جسد والده، جثة باردة برودة الصقيع، انهمرت
عيناه بدمع يعلم خطأ والده لكن يكن له مشاعر محبة
ذكريات عديدة جمعته بوالده، نصل سكينة ينغرز
فى قلبه ويصل إلى اعماقه، ضمه إلى صدره بقوة
وهو يبكى بقهر، من اعتبره فى يوم سند فارقه
تاركًا له وصمة عار:
-قولتلك موتنى أنا قولتلك موتنى، لأ بردو سابتنى مع
كل دا كدا حرام عليك، فاكر بموتك هرتاح ازاى بس، قوم الله يخليك قولى انى بحلم قوم انت ضهرى
وسندى انت ليه عملت كدا فينا ليه لييييه
اه يا ابويا يا وجع قلبى
اختار بملأ ارادته أن يحيا خائن، وأن يرحل مكللًا
بالذنوب، منبوذًا بلعنة الأرواح التى فرط بها مات
وحيدًا باختياره...
******
