رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثالث 3 والفصل الرابع 4 والفصل 5 بقلم هاجر عبد الحليم



 رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثالث والرابع والخامس بقلم هاجر عبد الحليم 


كانا واقفين أمام الكوبري، والهواء يعبث بخصلات شعرها.

ليان، وقد نفد صبرها:

هتفضل ساكت كده؟!

قصي لم يرد، عيناه شاردة في اللاشيء.

ليان بحدة أكثر:

أنا ما جيتش أقعد معاك علشان تسكت وتبقي شبه ابو الهول كدا والله ثانية وهضربك ف مناخيرك وتبقي زيه من كله

التفت إليها فجأة، صوته مبحوح:

أنتي عيلتك مين يا ليان؟

خفضت بصرها وردت بهدوء:

معرفش.

نظر إليها بدهشة وشيء من الغضب المكبوت:

بتهزي كتافك وانتي بتقوليها كأن الموضوع م يفرقش معاكي!

ابتسمت بسخرية حزينة:

عشان اتعودت عليه... اتولدت لقيت نفسي لوحدي، من غير أم ولا أب. حتى ماعرفش شكلهم إيه، ولا

أسمائهم. بس ساعات بيجيلي تهيؤات كده... بسرح، وأتخيل لو كان عندي عيلة.

نظرت إليه بجدية، ثم همست:

أقولك على سر؟ محدش يعرفه عني... حتى اسمي اللي في البطاقة، راجل ابن حلال هو اللي إداهولي. مراته

كانت هي اللي ربتني، لحد ما كبرت وبقيت أعتمد على نفسي، و سبت البيت والمحافظة كلها، وجيت هنا.

محدش من صحاب الحارة فكر يسأل أنا مين... يمكن عشان دايمًا ف حالي، بروح وباجي من الجامعة بسكوت،

محدش بيحس بيا.

سكتت قليلًا، ثم نظرت إليه بترقب:

عينك، كل ما أشوفها يا قصي... بخاف، وعايزة أهرب. بس ساعات بحس إن جواك لمعة بتشدني ليك.

كان على وشك أن يهم بالرحيل، لكنها مدت يدها وأمسكت بيده فجأة. اتسعت عيناه من الصدمة، ونظر إليها في

ذهول.

قالت بصوت خافت:

سيبني اعرفك ياقصي

رد دون أن ينظر إليها:

 مفيش حاجة في حياتي تهمك اصلا

فاجأته بكلماتها:

إنت كلك على بعضك تهمني

وقبل أن يجيبها، تجمد مكانه. نظر بجوارها، فوقع بصره على فتاة جالسة بجانبها... كانت نسخة مطابقة من

ليان.

اهتزت يده، وارتعشت نظراته.

ليان التفتت نحو المكان الذي ينظر إليه، لكنها لم تجد أحدًا .

شايف حاجة؟

همس كمن رأى شبحًا:

نيارا...

ابتسمت نيارا له، لكنها لم تكن ابتسامة، بل كانت تنهيدة ألم. كانت الدموع تنهمر من عينيها، وعلى وجهها

كدمات واضحة... ثم اختفت فجأة.

قال وهو يلهث:

إحنا لازم نبعد عن بعض. امشي يا ليان... حاولي متشوفينيش تاني. يمكن لو كل واحد فينا راح ف طريق،

اللي بنشوفه ده يختفي.

نظرت إليه بعتاب، ولم تنطق بكلمة.

استدارت... ورحلت.

...

في غرفة شبه مظلمة، جلس قصي على طرف السرير، سيجارته تشتعل بين أصابعه، والدخان يتصاعد في

الهواء كأفكاره المضطربة. وضع يده على صدره فجأة، شعر بوخز مؤلم في قلبه.

همس لنفسه:

"أنا متضايق ليه؟ عشان قلتلها تبعد عني يعني؟ ولا عشان هي فعلا مشيت بسرعة... من غير ولا كلمة كأنها م صدقت تبعد؟

كنت مستني منها إيه يا قصي؟"

زفر بضيق، واقترب من المرآة أمامه. وفجأة...

ظهر فارس خلف زجاج المرآة، يبتسم له ابتسامة شيطانية، باردة كأنها خارجة من كابوس .

أشار إليه قصي بإصبعه، متوترًا:

"إنت... فارس ايوة انا قريت عنك؟"

أجابه بابتسامة ثابتة:

"وعرفتني كويس؟. "

قصي، بعصبية :

"مش كفاية مطاردات بقا؟!"

ابتسم فارس بسخرية:

"أنا مش بطاردك محدش يقدر يجري ورا نفسه."

قصي، بصوت مهزوز لكنه متحدي:

"أنا مش وحش زيك."

فارس، بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:

"هتبقى... لو مسمعتش كلامي."

وفجأة... بدأت المرآة ترتج، وتتحول أمام عيني قصي إلى مشهد من الماضي...

فلاش باك

كانت الغرفة غارقة في الصمت، إلا من صوت أنفاس فارس الثقيلة . نظر إلى نيارا بنظرات غاضبة، بينما

كانت هي تقف على بعد خطوات، تجلس على حافة السرير، وتشد قبضتها بغضب. حاول أن يهدئ من نفسه،

لكنه لم ينجح. اقترب منها فجأة، وصوته يخرج من بين أسنانه.

فارس:

"هاتيهم يا نيارا، متغلبنيش."

لكن نيارا، التي كانت قد ضاقت ذرعًا بتصرفاته، رفضت أن ترضخ . رفعت رأسها، وأجابت بصوت حازم،

وهي لا تخفي امتعاضها من سلوكه وتخفي البرشام بين يديها

نيارا:

"لا، يعني لا. مش هديك القرف ده. انساه تمامًا. روح بقى شوف شغلك. بقالك شهر قاعد في البيت، لا شغلة ولا

مشغلة. وأنا خلاص مليت منك. حياتنا بتضيع بسببك. الديون تراكمت فوق دماغنا، والناس كل شوية بتخبط

علينا عايزة حقها. وأنا مش قادرة أجل اكتر من كدا ده شوية هيرمونا في الشارع."

فارس، الذي شعر بتزايد الضغط، كان واضحًا في توتره. مسح جبهته بأصابعه، وأجاب بعصبية.

فارس بصريخ

بلاش وجع دماغ. أنا مصدع، وقولك حاجة . شكلي كده هطلقك قريب.و تحلي عني شوية. من ساعة ما دخلتي

حياتي، ما شفتش يوم حلو."

لكن نيارا كانت قد تجاوزت حدود التحمل . شعرت أن الوضع قد وصل إلى نقطة لا عودة، فأجابته بغضب كان

يشتعل في قلبها.

نيارا:

"بتقول الكلام ده ليا يا فارس؟ أنا اللي صبرت على قرفك، وحياتك اللي مش بتسر حد . خنتني مع طوب

الأرض، واستحملت، سافرتني بعيد عن أهلي، وقلت: 'معلش، بتحبيه ضيعت عليا هواياتي وأحلامي وشغلي،

وقعدتني جنبك.' وقلت: 'ماشي، بيحبك وبيغير عليكي' لكن دلوقتي، انت عديت كل حدود صبري"

فارس، الذي كان يبدو أنه في حالة من الغضب الشديد، اقترب منها فجأة وأمسك بشعرها بقوة، وهو ينطق

بكلمات قاسية.

فارس:

"هاتيه! "

نيارا )بتحدي(:

"سكوتي هو اللي بوظك يا فارس. وجي الوقت اللي أصلح فيه ده."

ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. رفع فارس يده وضربها على وجهها بقوة. كانت الصدمة تعكس نفسها على ملامح

نيارا، التي هربت منه نحو الباب، محاولة فتحه لكنه كان أسرع منها مما جعل نيارا تشعر باليأس.

نيارا )بصوت متوتر(:

"أنت مش واعي، محتاج تفوق. دماغك لسعت على الآخر."

فارس )بغضب(:

"انتي واقفة قدام واحد مجنون، ومش خايفة على نفسك؟"

نيارا )بتحدي، وكأنها تبحث عن مخرج(:

"عايز تاخدهم؟ تمام، لكن قبلها موتني."

فارس، الذي لم يعد يراعي أي شيء، اقترب منها بسرعة . حاولت الهروب، قفزت إلى السرير، لكن فارس

أمسك برجليها بقوة وثبتها في مكانها. بدأ في محاولة أخذ الأقراص التي كانت بحوزتها.

فارس )محاولًا تهدئتها(:

"اهمدي بقا "

لكن نيارا كانت قد بلغت أقصى حدود التحمل . دفعته بعيدًا عنها، فقال لها في لهجة تهديدية.

فارس )بعصبية(:

"هقتلك، هقتلك يا نيارا."

وبالفعل حاول خنقها بيديه فتألمت بشدة واعطته الأقراص

نيارا )بصوت ضعيف، (:

"فارس انت حاولت تقتلني."

أخذ فارس الأقراص منها، جلس بجانبها وهو يشمها ببطء، وبعد لحظات من الصمت المطبق، هدأ، لكنها ظلت

في حالة من الاضطراب. رفعت يديها إلى رقبتها، غير قادرة على تصديق ما حدث لتوها.

ثم قفزت نيارا فجأة، محاولة الهروب، لكن فارس لم يتركها. أمسك بيدها بقوة مرة أخرى، وحاول أن يهدئ من

نفسه

نيارا )بغضب شديد(:

"إيدك القذرة دي لو لمستني تاني، ياويلك مني. أنت حيوان و ضعيف."

فارس، الذي شعر بحالة من الغضب المتفجر، قال لها بنبرة تهديدية.

"عايزة تمشي صح بس خليني أقولك حاجة. جسمك ده مش هيخرج من هنا غير جثة يا نيارا ."

ولكن نيارا، التي كانت قد أضحت في حالة من اليأس التام، دفعته بعيدًا عنها بعنف.

نيارا )بشدة(:

"يبقى اقتلني يا فارس."

فارس، الذي شعر بشيء من التردد في قرارة نفسه، ابتسم ابتسامة باردة وقال في هدوء:

فارس:

"مقدرش أذيكي."

نيارا:

"مش بقولك مجنون؟ أنت كنت هتخنقني."

فارس )بهدوء(:

"إنتي اللي عصبتيني، بس دلوقت هديت. خلاص، مش هزعلك تاني."

نيارا )بدموع(:

"مفيش منك أمل. مفيش منك فايدة والله العظيم انا تعبت والله تعبت هخلص من دا كله امتى بس ياربي؟"

لكن فارس، الذي كان قد فقد صوابه تمامًا، شدها إليه مرة أخرى. قال لها بعصبية واضحة:

فارس:

"بقولك مش هتمشي."

نيارا )بإصرار(:

"همشي، يا فارس."

ثم، في لحظة لا يمكن لها أن تتحمل أكثر، رفعها فارس بقوة ودخل بها إلى غرفة مظلمة، حيث أغلقت الأبواب

خلفه.

نيارا )بجزع(:

"لا، يا فارس! انت هتعمل إيه؟ بلاش الأوضة دي يا فارس ."

دخل بها إلى الغرفة وأغلق الباب وراءه قائلا بصوت عميق:

فارس:

"لما تعقلي، هخرجك."

ولكن نيارا لم تتمكن من الرد، فقط أطلقت صرخة يائسة، وكان الصوت الوحيد الذي يعبر عن معاناتها.

نيارا:

"فاااااااااااااارس!"

باك

في تلك اللحظة، كان قصي يجلس في مكانه، عيناه مليئة بالدموع. فجأة، نظر إلى المرآة، ولكنه لم ير فارس

أمامه. بدأ يرتعش فجأة وجلس ع السرير، وفي تلك اللحظة، شعر بشيء ناعم على جلده. اذ بها لمسة يد فتاه

نظر إلى يده، ثم وجد نيارا. كانت قد عادت، ولكن كان وجهها مشوهًا بالكدمات.

نيارا )بصوت منخفض(:

"ازيك يا قصي؟"

....

كانت ليان تغط في نوم هادئ، حين شعرت فجأة بأنامل تعبث بخصلات شعرها برفق. فتحت عينيها بسرعة،

لتجد أمامها وجه قصي يحدق بها. اتسعت عيناها رعبًا، فانتفضت من السرير بذعر، وسحبت اللحاف لتستر به

جسدها.

فارس )بصوت منخفض(:

"متخافيش مني."

ليان )بدهشة(:

"قصي؟!"

فارس )بنبرة باردة(:

"مش هتفرق."

حدقت ليان في عينيه، ولاحظت السواد الغريب الذي يكسوهما، حاولت أن تقترب منه في حذر، ثم رفعت يدها

نحوه.

ليان )بقلق(:

"إيدة؟"

فارس )متراجعًا بخوف(:

"ابعدي."

ليان )تراقبه بذعر(:

"عينك سودا أوي… ليه كده؟!"

فارس )بصوت ثقيل ومرهق(:

"من كتر الشرب ."

ليان )بصوت مرتجف وهي تتراجع(:

"فاااارس…؟

...

عند قصي:

انتفض قصي مبتعدًا عن نيارا وقد بدا عليه الذهول والخوف. لم يكن يتوقع ما حدث لتو

نيارا )بابتسامة مريرة(:

"ليك حق تعمل أكتر من كده… طب لو شُفت شكلي"

وفجأة، أمام عينيه، تحولت ملامح نيارا بالكامل إلى ليان!

قصي )مذعورًا(:

"بسم الله الرحمن الرحيم… أعوذ بالله من الشيطان الرجيم !"

لم يتردد لحظة، ركض خارج الغرفة، بل خرج من الشقة بأكملها وهو يلهث رعب

....

عند ليان:

أسرعت نحو الدولاب وسحبت إسدالها بيدين مرتجفتين، فيما كان هو – الغريب – يرمقها بابتسامة هادئة، كأنه

يعلم ما ستفعله بالضبط.

بمجرد أن ارتدت الإسدال، نظرت إليه وابتلعت ريقها ثم قالت بارتباك:

ليان )بخوف(:

"ف الله خير حافظا وهو ارحم الراحمين

وفجأة، قفزت من مكانها وركضت خارج الشقة وهي تصرخ!

.....

في لحظة غريبة، وكأن الزمان اختل والمكان تبدل، كانت ليان تندفع في الشوارع بجسد مرتجف، تنظر خلفها

بخوف، لا تدري أين تجري، وكل طريق تدخله لا يُشبه الذي قبله.

وفي ذات الوقت، كان قصي يركض في الجهة الأخرى، أنفاسه تتلاحق، ووجهه شاحب، كأن شيئًا يطارده دون

أن يراه.

البيوت تغيرت، الألوان بهتت، والإضاءة انطفأت تدريجيًا. الشوارع التي يعرفانها، تحولت إلى متاهة. ومع

ذلك، كأن قوة خفية تسحب كلًّا منهما نحو نقطة واحدة.

وفجأة، في أحد المنعطفات، اصطدم الاثنان ببعض بقوة، فتراجع كل منهما خطوة للخلف، مذهولين.

ليان )بدهشة، وهي تنظر إلى قصي(:

"آه يخربيتك! في إيه؟ داخل عامل زي الطور!"

قصي )بفرحة، يلمس خدها بيديه(:

"ليان ليان حبيتي انتي جيتي بجد؟!"

ليان )تخجل وتبتعد عنه بسرعة(:

"يا قصي عيب ..!"

قصي )بتصميم، بنبرة جادة(:

"من بعد اللي حصلي، مش هخطي أي خطوة غير وانتي معايا، ما تسبنيش لوحدي تاني!"

ليان )بخوف شديد، تهز رأسها(:

"فارس! انا شوفته! لمسني والله كان قاعد على السرير جمبي في بيتي، يا قصي..

قصي )بإصرار، يحاول تفسير ما رآه(:

"أنا شوفتك، بس مش إنتي كانت نيارا! اتحولت وبقت نسخة كربون منك!"

ليان )تنظر حولها بخوف، وتبدأ تشعر بالقلق(:

"إحنا فين؟ إزاي جينا هنا؟ ده مش مكاننا، مش شارعنا!"

قصي )ينظر حوله باضطراب، يكتسح المكان بعينيه(:

"دي غابة، يا ليان...!"

وفجأة، سمعوا صوت بومة تصرخ في الظلام، مما جعلهم يقفزان في رعب . وتشبثوا ببعضهم البعض،،

وقد تجمدا من الفزع .

.....

كانا يسيران في صمت ثقيل حتى سمعت ليان صرخة مدوية.. صرخة نيارا.

توقفا فجأة، وقصي رفع رأسه كأنما يرى شيئًا غير مرئي للعين البشرية. أمامهما بدأ المشهد يتشكل كأنه شاشة

سينمائية، عرض حي من ماضي مؤلم... كانوا داخل قصر "فارس".

فلاش باك

نيارا )بصوت مختنق(:

"أنا عايزة أشوف أمي، يا فارس..."

فارس، جالس على الأريكة بيده كأس خمر، قال ببرود:

" امك ماتت خلاص ابقي شوفيها لما تحصليها."

نيارا )بانكسار(:

"أنا مش طالبة غير أودعها… دا النهاردة هيدفنوها… حرام عليك، خليني أروح."

فارس )وهو يرتشف من كأسه(:

"قلتلك لأ انتي حمارة مش بتفهمي ليه؟."

في لحظة غليان، قامت وسحبت زجاجة الخمر من يده، كسرتها على الأرض، ثم جمعت أقراصه المخدرة

ورمتها من الشباك.

فارس نظر إليها بجنون، عروقه منتفخة، عيونه تشتعل:

"وحشتك أوي علقة كل يوم… صح بقت بتكيفك؟ !"

اندفع نحوها وأمسك أقرب شيء ف ه، وبدأ يضربها به بعنف.

ليان صرخت وركضت محاولة الوصول إلى نيارا، لكن المشهد اختفى فجأة كأنه لم يكن.

تجمدت لثوان، ثم عادا للسير، فإذا بمشهد جديد يتكون أمام أعينهم…

فلاش باك

كانت نيارا جالسة تبكي بصمت، خلف با ب مغلق طرقه "فارس"، ثم دخل .

نيارا )بتوتر(:

"فارس… لأ."

لكنه لم يهاجمها هذه المرة. اقترب منها بعينين دامعتين، وقال بصوت متهدج:

"أنا آسف..."

نيارا )بصو ت مخنوق(:

"كفاية بقى… جسمي مبقاش فيه حتة سليمة من كتر الضرب… ليل ونهار!"

جلس إلى جوارها، وضع رأسه على رأسها، وبدأ في البكاء بصوت مرتجف.

فارس:

"أنا مش قادر أبطل…"

نيارا:

"لازم تبطل… عشان نفسك… وعشاني ."

فارس:

"في وجع جوايا… مش بيهدى غير لما أشرب ."

نيارا )بحنو وانكسار(:

"خلاص… تعال نروح المصحة، وأنا هكون جنبك… مش هسيبك."

رفع عينيه إليها، وقال بصوت خافت:

"إنتي مسامحاني… صح؟"

فأجابت، وهي تُقبل رأسه :

"قدري إني أكون معاك."

ثم تلاشى المشهد فجأة، كما بدأ.

باك

ليان )بهمس مذهول(:

"عشان كده نيارا كانت بتظهر بكدمات… صح؟"

قصي )بصوت حائر(:

"إحنا لازم نعرف إيه اللي حصل لها بالظبط… هي ماتت؟ !"

وفجأة، سمعت ليان صوتًا في أذنيها… صوت "فارس" نفسه، يتحدث بألم:

فارس )بصوت داخلي مرتجف(:

"نيارا اتقتلت… ماتت بسببي… لما ضربتها بالسكينة…"

ترددت الكلمات على لسان ليان، كأن روح نيارا تتحدث من داخلها:

"نيارا اتقتلت… فارس قتلها!"

ثم...

استفاقت ليان فجأة، مفزوعة، تنظر حولها، تلهث، وجسدها يرتجف. كانت لا تزال في غرفتها!

صرخت ونهضت بسرعة لتأخذ هاتفها، فوجئت باتصال من "قصي".

أجابت، وصوتها يتهدج:

"ألو؟"

وبينما تسمعه يتحدث، اتسعت عيناها من الصدمة… لقد حلم الاثنان بنفس الحلم… بكل تفاصيله.

....

 قصي يقف في المطبخ يعد كوبًا من الشاي، وعقله شارد بعيدًا عن كل شيء حوله. أنهى إعداد الكوب،

وعاد ليجلس على الأريكة، يقلب القنوات بتململ، وكأن شيئًا داخله يأبى أن يتركه في هدوء.

وفجأة، لم يعد وحده.

التفت ببطء... كانت نيارا بجواره.

لم يصرخ، لم يتحرك، فقط حدق فيها، ورغم الخوف الذي يعتريه كلما ظهرت، إلا أن عينيه امتلأتا بالقلق، لا

الرعب.

نظرت إليه بعينين تغرقان في الألم، وهمست بصوت مكسور:

نيارا:

"متخليش اللي حصلي يحصل ليها، يا قصي... أرجوك، لازم تحميها منه"

ثم اختفت.

قام على الفور، التقط مفاتيحه وهاتفه، واندفع خارجًا نحو سيارته. قلبه يخفق بقوة،

ضغط على زر الاتصال:

قصي:

"ألو؟"

في الجهة الأخرى، كانت ليان تضع آخر قطعة من ثيابها في الحقيبة.

ليان:

"أنا مسافرة."

قصي: )بصوت متوتر(

"رايحة فين؟!"

ليان:

"همشي من البلد كلها، ياقصي"

قصي: )بحزن عميق(

"وتسيبيني يا ليان؟"

ليان: )تتنهد(

"أنا لو عليا، عايزة أسيب الدنيا كلها."

قصي: )بوجع يخترق صدره(

"أموت قبلك عشان أكون مرتاح... ومش أعيش في الدنيا لوحدي."

ليان: )بصوت مكسور(

"أنا مش عارفة أبقى بخير هنا، يا قصي."

قصي: )بعصبية وحزن دفين(

"هتروحي مني... زي ما هي راحت من فارس؟ !"

ليان: )بتوتر

"بس إيه دخل حياتنا بحياتهم؟!"

ساد الصمت.

ليان: )بقلق(

"مخبي عني إيه؟"

أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يروي لها ما قالته نيارا، وكل ما رآه.

ليان: )بدموع على الخد(

"أنا عايزة أعيش يا قصي... مش عايزة أموت! هو قتلها؟ مين هيقتلني أنا؟! أنا مش فاهمة حاجة !"

قصي: )بحنان موجوع(

"حطي وجعك وهمك جوا قلبي... وأنا أشيله بدالك. أوعدك، اللي حصل في الماضي مش هيتكرر تاني. المهم،

خليكي مكانك، أنا جايلك."

ليان:

"لا، أنا هنزلك... عيب تطلعلي."

قصي: )بهدوء فيه حب(

"اللي يريحك يا ليان."

ليان:

"مستنياك، يا قصي."

قصي:

"مسافة السكة."

....

كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق السماء، والهواء العليل يداعب أطراف الأشجار، حاملا معه وعدًا بمطر

قريب.

وقفت ليان عند باب منزلها، تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن رعشة قلب تائه، وعيناها لا تزالان

تبحثان في عتمة الطريق عن نور تعرفه.

وما إن لمحت أضواء السيارة، حتى تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بين الخوف والرجاء.

توقفت السيارة، وخرج منها قصي كأن الزمن استعجل خُطاه، ركض نحوها، وما إن وقف أمامها حتى بدت كأن

المسافة بينهما اختُصرت لعناق لا يُقال.

تأمل ملامحها التي طغى عليها الحزن، وخرج صوته حاملا كل قلقه

"كنت هموت من القلق عليكي يا ليان."

ليان )بصوت مهزوز وعيون دامعة(:

"قلبي مربوط في الأرض يا قصي... روحي بتتسحب مني ومش قادرة أتحرك، رجلي بترتعش من كتر

الخوف."

قصي:

"أنا شايلك جوا قلبي... واللي بيوجعك بيوجعني. ومش هسمح لحد يقربلك ولا حتى يلمس شعرة منك.

أنا بحبك... بحبك أوي يا ليان."

ليان )بهمس ودموع تغلب صوتها(:

"أنا كل يوم بصحى على خوف... بخاف أنام وأصحى مش لاقية نفسي... بخاف أعيش اللي عاشته نيارا من

تاني."

قصي:

"بس إنتي مش هي... وأنا مش فارس.

أنا هنا، ومش هخلي كابوس من الماضي ياخدك مني، ولا حتى يلمس نورك."

ليان:

"هتفضل تحبني حتى لو موت؟"

قصي 

"لو مشيتي... قلبي هيمشي معاكي.

بس بالله عليكي، متسيبنيش.

ووعد من قلبي لقلبك... هنفضل نحمي بعض لحد ما نفهم هما عايزين مننا إيه."

سكنت الكلمات، وسكنت هي خطوة أقرب إليه، نظرت في عينيه وهمست:

ليان:

"أنا تعبت... بس وجودك بيهون كل حاجة.

خليك جنبي... متسبنيش."

قصي: )بصوت ثابت ودافي(

"أنا مش ناوي أبعد.

إنتي أماني يا ليان... وإنتي الحياة اللي بستناها كل يوم."

....

كانت ليان جالسة في الغرفة، تغرق في صمت الليل، حتى قررت أن تمسك بكتاب قديم كان موجودًا على

الطاولة أمامها. فتحته، ولكن بمجرد أن قلبت الصفحة الأولى، وقع نظرها على رسالة مكتوبة بخط غير مألوف:

"انقذي نفسك. أنا مقدرش. قصي هيروح في سكة فارس. احميه يا ليان، احميه."

ليان صرخت فجأة، ويدها اهتزت بينما رمت الكتاب بعيدًا 

ليان: "مش فاهمة... أنا مش فاااااهمة!"

كانت تصرخ، وترتعش بشدة، كما لو أن شيء ما كان يضغط على صدرها، يقيد حركتها.

...

تاني يوم

كان الليل يلف المكان بصمت ثقيل، وفي ركن من غرفة المعيشة جلس قصي أمام لوحته، يحاول أن يُفرغ ما

بداخله من شتات. أنامله أمسكت بالريشة، لكنها لم تعد طوع أمره.

فجأة، تحركت يده من تلقاء نفسها، كأن قوة خفية تقودها. الخطوط تشكلت سريعًا على الورق: رجل منهك،

رأسه منكس، يجلس في بار موحل، بينما في الخلفية تظهر امرأة تُحاصر من ثلاثة رجال. ملامحها تصرخ،

عيناها تطلب النجدة... والدماء على الأرض تشهد على جريمة لا تُغتفر.

شهق قصي بصوت مرتجف حين اكتملت اللوحة، ثم سمع الصوت خلفه، دافئًا وموجوعًا:

نيارا:

تفتكر اللوحة دي بتصرخ بوجع مين المرة دي يا قصي؟

استدار بسرعة، وعيناه تتسعان بالدهشة. وجدها تقف خلفه، متجسدة كطيف مألوف، تحمل الوجع في قسماتها.

قصي )بصوت مبحوح(:

مش أنا اللي رسمت دا! إيدي كانت بتتحرك لوحدها... نيارا! فهميني، دا معناه إيه؟!

نيارا )بهدوء وحزم(:

ليان في خطر دلوقتي... لازم تروحلها، حالًا .

إحساسك هيعرفك مكانها، بس ما تتأخرش... الوقت بيخلص، والقدر لازم يتحقق.

اقترب منها خطوة، لكن الهواء حوله تغير، وحين مد يده نحوها... اختفت كما ظهرت، بلا أثر.

تجمد في مكانه لحظة، ثم قفز واقفًا، يلهث، وقلبه يدق بعنف. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن شعورًا داخليًا

كان يجره بقوة... كما لو أن روحه تعرف الطريق

.....

كانت ليان تحت تأثير الرسالة الغامضة، وقلبها يدق بسرعة، وذهنها تائه.

لم تكن تدري لماذا، لكن شيئًا ما كان يُشعرها بضرورة الذهاب إلى قصي، كأن القدر يجرها إليه.

خرجت من بيتها، تمشي بسرعة، عيونها تبحث عن أي مارة في الشارع، لكن فجأة سمعت صوت بكاء طفلة

ضعيف ومؤلم، يتردد في الهواء.

اقتربت ليان بحذر، ثم رأتها، جالسة على الرصيف، عيناها مليئتان بالدموع، ويدها ترتجف بينما تشير إلى

مكان بعيد.

ليان: "إيه ياحبيتي، مالك؟"

الطفلة )بصوت خافت، ويدها تشير نحو البار(:

"الحقيني... ماما جوه... محبوسة... مش عارفة أخش."

ليان )بتوتر(:

"طب استني، يمكن نلاقي شرطي يساعدنا؟"

الطفلة )باليأس(:

"لا... مفيش شرطة هنا... مفيش حد، بصي حواليكي! انتي الوحيدة اللي تقدري تساعديها... المكان هيتحرق !

هينفجر!"

نظرت ليان حولها، وكان الشارع خاليًا، كأنها كانت الوحيدة الحية في هذا العالم.

شعرت بشيء غريب يسحبها نحو البار، قدمها تتحرك رغم إرادتها، كان قلبها ينبض بشدة، كأن هناك خطر

يقترب.

ليان )بتنهيدة متوترة(:

"طيب، حاضر... استني هنا."

لكن حين استدارت لتطمئن على الطفلة...

لم تجدها.

استبدلت الطفلة بهيئة نيارا، التي ظهرت أمامها، كأنها جزء من الظلام، عيونها تدمع، وأشعتها الخافتة تكاد

تلتهمها .

نيارا )بصوت متألم، وكأن الوجع يمزقها(:

"هنشوف... قصي هيقدر يوصلك ويحميكي منهم؟

ولا التاريخ هيفضل يعيد نفسه يا ليان؟

مش عايزة أصرخ... من جوه قلبي الميت، وأنا شايفة ليان بتمشي نفس الطريق اللي مشيته.

بس القدر عنيد... والروح لما تتكسر، لازم حد يصلحها

فارس... ماعرفش ينقذني. كان ضعيف، كان تايه...

لكن قصي... هو ممكن يقدر.

لو اختار الطريق الصح لو قدر يحميكي

يمكن أنا أرتاح، ويمكن هما يعيشوا.

أنا بدي لروحي فرصة جديدة...

مساعدتك يا ليان هو الطريق لنهاية صح... النهاية اللي أنا ماعرفتش أوصلها.

عشان كده... وديتك للمكان دا ... نفس المكان اللي تأذيت فيه...

يلا يا قصي، روح... انقذها... ومتتأخرش زي ما هو اتأخر عني."

ثم اختفت، تاركة خلفها فراغًا غامضًا، وصوت قلب ليان الذي كان ينبض بإيقاع مختلف تمامًا .

...

في داخل السيارة، كانت الأنوار لخافتة تومض وسط الظلام، والهواء داخل السيارة يبدو ثقيلا . كان قصي يقود

سيارته بسرعة، قلبيًا لا يعرف إلى أين يقوده، لكن إحساسًا غريبًا كان يضغط على صدره، وكأن شيء ما يتدفق

داخل روحه. وفجأة، شعر بشيء غريب يغزوه، وكأن شخصًا ما يجلس بجانبه، غير مرئي ولكن قوته واضحة.

ثم، في لحظة مفاجئة، روح فارس السكران تجسدت داخل قصي. كان فارس أمامه، لكنه لم يكن هو نفسه، بل

كان نسخة مشوهة من فارس الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب السكر والإدمان. عينيه كانت غائبتين، وجهه

مشوه من الذنب والحزن، وأصابعه ترتجف كما لو أنه ما زال غارقًا في الماضي.

روح فارس )بصوت مشوش، يتخلله الإحساس بالإدمان(: "أنت مش هتقدر... مش هتقدر تنقذها... زي م

اقدرتش انا كمان. ليان مش هتكون ف امان مهما عملت...أنا ضيعت كل حاجة... مش هتقدر انت فاكر نفسك

مين انت انسان وسخ زيي بالظبط."

قصي )بصوت متوتر، يحاول أن يتمالك نفسه(: "انا خلاص هبطل شرب مخدرات مش هحط سجاير ولا

حشيش ف بقي تاني اكيد لو فضلت كدا هتحول وابقي زيك انسان ضعيف بيجري ورا شهواته بيأذي اقرب الناس ليه"

روح فارس )يضحك ضحكة مجروحة، متسائلة(: " انت هتشيل نفس الحمل ونفس الوجع ياقصي لأنك انت

نسخة مكررة مني انا جواك وهفضل طول عمري جواك!"

قصي )غاضبًا، يصر على المضي قدمًا(: "لا، مش هعيش زيك. مش هكرر نفس الغلط. أنا مش ههرب زيك

ورا الشرب والقرف اللي بسببه ضيعت حب عمرك منك.

فجأة، تحول الجو داخل السيارة، وبدأ جسد قصي يشعر بثقل، كأن روحه مغلولة بيد فارس السكران . لكنه قاوم،

محاولًا أن يتحرر من قبضته.

روح فارس )بصوت هادر، يتردد في أذنه(: "هتقف عاجز قصاد القدر انا لو كنت فايق كنت انقذتها لازم تعرف

شعوري عشان متغلطنيش"

ثم شعر قصي بشيء غير مرئي يعصف بجسده. شعر أن قدميه تتحرك بشكل غير إرادي، وهو لا يستطيع

إيقاف نفسه. كانت روح فارس تحاول السيطرة عليه، وكأنها تجره إلى الماضي المظلم، حيث لا أحد يستطيع

الخروج.

لكن، في لحظة ما، شعر قصي بشيء داخلي أكبر من كل هذه الظلال. كما لو أن روحه تفجرت بمقاومة جديدة،

تحررت من سيطرة فارس .

قصي )بصوت قوي، وهو يحاول التخلص من تأثير فارس(: " لا، مش هخليك تمنعني. أنا مش فارس! أنا قصي

قصيييييي."

اختفت روح فارس فجأة، وكأنها تبخرت في الهواء، تاركة قصي وحيدًا في السيارة، لكن إحساسه كان أقوى.

شعر بالحرارة تتدفق في جسده، كأن روحه تجد طريقها للحرية.

رغم ما حدث، كانت السيارة تندفع بسرعة نحو البار، وقلب قصي كان يتسارع مع كل ثانية. وهو يعلم أن

الوقت قد ضاع، ولكن قد تكون من لديه فرصة واحدة فقط.

....

دخلت ليان إلى البار، محاطة بالضباب الخفيف، وكأن الأجواء نفسها تراقب ما سيحدث . فور دخولها، وقعت

عيناها على ثلاثة رجال يتبادلوا الحديث بصوت منخفض، لكن سرعان ما توقفوا حين لمحوا وجودها.

الرجل الأول )مبتسمًا(: "إوعى، شايف البت الموزة دي؟"

الرجل الثاني )ممازحًا(: "صاروخ أرض جو، يا باشا ."

الرجل الثالث )بتعليق ساخر(: "لا، دا جسم مقسم، ومصروف عليه."

ثم اقترب الرجل الأول منها، وهو يبتسم ابتسامة مشبوهة، قائلا : "إيه يا موزة، رايحة على فين؟"

ليان )بتوتر، وهي تحاول الحفاظ على هدوئها(: "أنا آسفة، جيت غلط ."

لكن بينما كانت تحاول الخروج، أمسك أحدهم بذراعها بقوة، مما جعلها ترتبك للحظة. بسرعة، قامت برفع يدها

وضربته بالقلم على وجهه، ثم ابتعدت عنه.

الرجل الثاني )يضحك، بينما عينه تلمع بسخرية(: "قطة شرسة! إحنا بنحب النوع ده أوي."

...

كانت ليان تصرخ بأعلى صوتها، بينما الرجال الثلاثة بدأوا في محاولاتهم الشريرة. شعر جسدها بالضعف، لكن

روحها لم تستسلم.

ليان )بصوت متقطع، وهي ترفسهم(: "خرجوني!

الرجل الأول )بابتسامة خبيثة، وهو يحاول الإمساك بها(: "بس لما ناخد كيفنا منك، يا حلوة."

أمسكوا بها أكثر، ورموها على الأرض بعنف، وأخذوا يقتربون منها، لكن ليان لم تستسلم . كانت تصرخ، وتدافع

عن نفسها بكل قوتها، لكن في لحظة من اللحظات، شعرت بشيء غريب، إحساس كما لو كان قد مر عليها من

قبل. كان كأنها تعيش هذا المشهد مرة أخرى، وأن هناك شيئًا في ذاكرتها يربطها بما يحدث الآن.

......

في تلك اللحظة، كان قصي قد وصل إلى البار، فتح الباب بعنف، وعينيه تبحث عن ليان، وعقله مشوش بما

حدث. وما أن دخل، حتى صدم بالمشهد الذي أمامه. ثلاثة رجال يحاولون اغتصاب ليان، وهي على الأرض،

تصرخ وتقاوم.

وهنا ييدا الصراع الحقيقي بين الماضي والحاضر

.....

ما إن لمحها قصي، حتى اندفع نحوها بكل جوارحه، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ لينقذها، لكن قوى خفية،

قدرية، منعته من التقدم. ظهر فارس أمامه فجأة، وقف في وجهه، وابتسم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم... توقف

الزمن. توقفت الأحداث من حولهما، وكأن المشهد بأكمله تجمد في لحظة غامضة.

قصي )بحدة(: اوعى من سكتي!

فارس )بهدوء مشوب بالغموض(: انت ليه بتتعامل معايا كإننا مش واحد؟

قصي )بعينين مشتعلتين(: عشان فعلا احنا مختلفين! أنا عمري ما اسمح لنفسي أكون زيك. زمان، نيارا

اتغتصبت، وانت ولا كان على بالك! سمعت صريخها، كانت بتنادي عليك، بتتوسل تنقذها... بس انت، كانت

شهواتك أهم.

فارس )نبرة صوته مزيج بين الحزن والتحدي(: احنا واحد يا قصي... بس خد بالك، أنا مش ضدك. بس لو

حابب تغير الواقع، مفيش حل غير إن العدالة تحصل. ولازم أشوف اللي فيا... فيك. اتهامك ليا باطل، مكنتش

في وعيي، وهي اللي جت برجليها للبار... للمكان ده.

)ينظر حوله ويشير بيده(

بص حواليك يا قصي... المكان ده مؤذي من زمان. بس ليان جت هنا عشان الذنب والظلم اللي نيارا شافته.

ليان بتشيله عشان تريحها، عشان هما مرتبطين ببعض.

وطالما شايف نفسك شجاع، وبتقول إنك تقدر تحميها... يبقى لازم تواجه القدر اللي أنا واجهته.

قصي )بصوت مخنوق(: جيتوا لحياتنا ليه؟ عايزين تبوظوها ليه ؟

فارس )بابتسامة هادئة تتلاشى ببطء(: انتو... أمنية نيارا.

انتو... أمنية نيارا.

انتو... أمنية نيارا.

ترددت الجملة في الأجواء، بصدى كأنه ارتطم بجدران القدر نفسه، وكأن لغزًا قديمًا قد تم حله. وفي أقل من

ثانية... اختفى قصي، ووجد نفسه واقفًا في نفس المكان، لكن كل شيء تغير، كأن الزمن عاد، لكن على هيئة

أخرى.

...

الماضي

وجد قصي نفسه واقفًا أمام البار، لا يدري كيف وصل إلى هناك، المكان غارق في ظلال الليل، والهواء يعبق

برائحة الخطيئة.

وفجأة... لمح نيارا .

كانت تجري، ملامحها مذعورة، ودخلت البار بخطوات مضطربة.

قصي )بصوت مختنق(:

"لااا نيارا! امشي ! متروحيش هناك، أرجوكي… ابعدي!"

انطلق يجري خلفها، دخل المكان، مد يده إليها… لكنها مرت من بين أنامله كأنها بخار، كأنها ظل، كأنها ليست

من هذا العالم. لم تشعر بوجوده، ولم تلتفت.

نظر حوله مذهولًا… ورآه.

فارس، جالس على الطاولة، رأسه منكس، غارق في سُكر قاتل، كأنه جثة تتنفس.

قصي )بيهزه بعنف( :

"فارس! قوم ! فوق يافارس ! نيارا هنا! فوق بقى!"

لم يتحرك فارس، كأن روحه تاهت في العدم .

اقتربت نيارا منه… عيناها تلمعان بالدموع، ويدها تمتد ترتجف فوق وجهه.

نيارا )بصرخة محروقة(:

"قوم بقى! فوق! حرام عليك اللي بتعمله في نفسك دا! قوم!"

لحظة واحدة… لحظة فقط كانت كافية لانهيار العالم .

ثلاثة رجال ظهروا فجأة من الظلام، شدو نيارا بعنف، وبدأوا يجذبونها بعيدًا وهي تقاوم وتصرخ بجنون.

نيارا )بتصرخ بصوت يمزق الصمت(:

"فاااااارس!! فاااااارس!! الحقني! لاااااااااا! أبعدوا عني! حرااااام عليكم!!"

كان صراخها يضرب جدران المكان، لكن فارس ظل صامتًا، رأسه ما زال منكسًا… ويداه مثقلتان بالذنب.

وقصي… واقف في المنتصف، بين الماضي والحقيقة، بين الذنب والخلاص.

..

وقف قصي، مشوشًا، عاجزًا عن فهم ما يحدث. عينيه لم تفارق المشهد المروع أمامه: نيارا تُغتصب، وهو

عاجز عن فعل أي شيء.

في لحظة مفاجئة، شعر بشيء غريب يطرأ عليه. جسده ارتعش، وصدره امتلأ بشعور بالذعر، كأن هناك قوة

خارقة تجذب روحه إلى فارس . في لحظة لم يكن يتوقعها، لمس جسد فارس، وكأن الروح التي كانت تسكنه

أصبحت متشابكة مع روحه. شعر فجأة أنه يمكنه أن يدخل في جسد فارس، وبالفعل تلبسه

فجأة، وبدون أي تحذير، انتقل إلي

 الحاضر

، حيث وجد نفسه جالسًا في نفس المكان، ولكن بعينين مختلفتين،

وعيون ملبدة بالكحول والضياع. لم يعد هو، بل أصبح فارس، وعقله مملوء بالضباب .

ثم، جاء الصوت الذي أفزعه، كان صوت ليان، لكنه لم يكن الصوت الذي اعتاده.

ليان )بصوت مفعم بالألم(:

"قصيييي! الحقني يا قصي! خليهم يبعدوا عني!"

قصي نهض بعنف، محاولًا مقاومة الواقع الذي أدخله فيه فارس. همس لنفسه، وهو في حالة من التوهان:

قصي )بصوت مرتجف(:

"أنا قصي، مش فارس... أنا قصي، مش فارس..."

لكن جسمه تحرك تلقائيًا، وكأن الخوف والرحمة اجتمعوا فيه، فركض نحو الرجال الذين كانوا يحيطون بها.

بيدين ملتاعة، بدأ يضربهم، وكأنها الضربات الأولى التي أخذت من جسده ما أخذته، ولكن هذه المرة كانت

معركة على الحياة والموت.

الرجال الثلاثة لم يستطيعوا الصمود أمامه، سقطوا أرضًا واحدًا تلو الآخر، وكأنهم انتهوا فجأة.

حين نظر إلى ليان، وجدها تغطي نفسها، تحاول الحماية من العالم الذي كان قد حولها إلى فريسة . جرى إليها

بأقصى سرعته، وقف أمامها، وهو يحاول أن يثبت نفسه في هذا الوضع الغريب.

قصي:

"ليان..."

ليان )بصوت مرتجف(:

"قصي..."

وارتميا في أحضان بعضهما البعض، كأن الزمن توقف للحظة، كأن الكون كله اختصر في هذا الحضن.

ضمها إليه بقوة، وكأنه يعانق روحه التي كادت تُسحق أمام عينيه. كانت دموعه تنهار بحرقة، يتنفس من خلالها

وجعه، تاريخه، ندمه، وكل ما لم يستطع إنقاذه في السابق.

شعرت ليان بدفء غريب يسري في عروقها، كأنها اختبأت أخيرًا في حضن حبيبها، كأ ن هذا هو ملاذها الذي

خُلقت له.

قصي )يبكي وهو يهمس(:

"خلاص يا ليان... خلاص، اهدي... الموضوع انتهى... أنا هنا معاكي."

ليان )تشهق باكية(:

"قصي... نيا..."

قصي )يمسح على شعرها برفق(:

"ششش ... اهدي بقولك... كل حاجة هتبقى تمام."

ليان )بهمس موجوع(:

"خرجني من هنا... بالله عليك يا قصي، خرجني ..."

نظر إليها، واحتوى نظرتها المنكسرة بعينيه، ثم انحنى قليلًا، رفعها من الأرض بين ذراعيه، كأنها أثمن ما

يملكه في الدنيا.

أسندت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها بارتياح، كأنها قررت أن تثق به، أن تترك ألمها بين يديه.

في الخلف، كانت نيارا وفارس يشاهدان المشهد بدهشة وذهول، ممزوجين بالأمل.

مد فارس يده ولمس وجهه، فوجد أن السواد الذي كان يغمر عينيه قد اختفى.

نظرت نيارا إلى جسدها، ففوجئت أن كل آثار الألم ... كل الكدمات، كل العلامات، اختفت، وكأنها لم تكن يومًا

هناك.

نيارا )بصوت مرتعش(:

"في أمل... صح؟"

اقترب فارس منها واحتضنها بشوق عاشق خائف من الفقد، وهمس في أذنها:

فارس:

"أيوه... أيوه يا حبيبتي، في أمل...

....

في منزل ليان...

كان يحملها بين ذراعيه، وجسدها يرتجف من هول ما مرت به، فيما رأسها يستند إلى صدره كأنها تبحث عن أمان فُقد وانكسر.

أما هو... فكان يمشي بخطى مثقلة، لا يشعر بثقلها، بل بثقل الذنب الذي تراكم داخله، حتى وإن لم يكن ذنبه.

"الصورة دلوقت بدأت توضح... إن ليان تعيش اللي عاشته نيارا،

وفارس يخليني أعيش اللي شافه،

عشان أحس بيه كأنهم بيستنجدوا...

كأنهم عايزين مساعدة مننا..

ليهم... هما نفسهم...

إحنا... أنا وانتي، ياليان...

نسخة مكررة منهم،

بس الفرق..."

كان كل شيء داخله يصرخ:

" أنا مش فارس، وانتي مش نيارا!"

نظر إلى ليان بين ذراعيه، وعينيها المغلقتين، فشعر بقلبه يختنق، كأن الألم بداخلها يُسكنه هو.

"الزمن رجعني...

مش عشان أتفرج، ولا ألوم،

رجعني عشان أكون اللي ماقدرتش أكونه زمان، ياليان...

رجعني عشان أنقذها،

وأريحها من العذاب اللي هي فيه،

وفي المقابل...

تسيبك ليا،

عشان أعيش بيكي."

كان، مع كل خطوة، يرى وجه نيارا في ذاك الليل الملعون،

ووجه ليان الآن...

كأن القدر منحه فرصة جديدة ليُعيد كتابة النهاية، ولكن هذه المرة، بقلب مفتوح، ويدين لا ترتجفان.

"أنا عديت من النار...

عشان أطلعك منها، ياروحي."

ومع كل شهقة من ليان، كان قلبه يهمس:

"دلوقت لازم نعرف احنا فين من الماضي...

ياليان، لازم نتجوز بأسرع وقت."

..

في غرفة ليان ...

كانت ليان مستلقية على السرير، عيناها مغلقتان بإحكام، وكأنها تحاول الهروب من ماضيها الذي لا يمكن لها

نسيانه. لم تعد تستطيع التفرقة بين الواقع والكوابيس التي تقفز بين شرايينها. جسدها كان يرتجف وكأنها تخشى

حتى الهواء الذي يحيط بها، ولم تستطع أن ترفع رأسها، فكلما حاولت فعل ذلك، كانت ذكريات تلك اللحظات

القاسية تتسلل إليها، تلاحقها، تكاد تقطع أنفاسها.

كانت أنفاسها تتقطع مع كل همسة، وكأن كل نفس تأخذه هو عذاب جديد. والدموع كانت لا تتوقف عن السيلان،

ليست دموعًا عادية، بل دموع صنعتها آلام لا يمكن لأحد أن يدرك عمقها. كانت صرخات قلبها تنادي، لكنها لا

تستطيع إخراجها من حنجرتها. كل شيء فيها كان صامتًا إلا من صرخاتها الداخلية التي تكاد تملأ المكان.

وفي تلك اللحظة، قصي، الذي كان جالسًا على حافة السرير، شعر بشيء غريب يتفجر داخله. مشاعر اختلطت

في قلبه بين الغضب، والحزن، والعجز، والخوف. كان يقف عاجزًا أمام معاناتها، لا يعرف كيف يهدئها، كيف

يُجبرها على فتح عينيها كي يرى تلك النظرة التي طالما رآها فيهما قبل أن يُغرقها الظلام.

لكن فجأة، وفي لحظة ضعف تام، شعرت ليان بيده تبتعد عنها، فشدت يده بكل قوتها، وصرخت صرخة مريرة

كأنها تطلب الخلاص. كانت صرخة سلبت منه القدرة على التنفس، وكانت تشق قلبه إلى نصفين. كان الألم

يعتصره، وكان وجعه أعمق من أن يتحمله أي شخص.

ليان، بصو ت مخنوق، كانت الكلمات تكاد تنسل من بين شفتيها بالكاد:

"أنا مش قادرة.. تعبت ياااارب انا حاسة اني خلاص مش قادرة ياقصي ساعدني ونبي الرجالة دول مجرمين

انتهكوني ياقصي انا خلاص روحي راحت مني.."

كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تغرز في قلب قصي. كان يتمنى لو يستطيع أخذ كل آلامها، لو كان بإمكانه

أن يمحو تلك اللحظات المظلمة من حياتها. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن ما مرت به ليان لا يمكن أن يُنسى

هكذا، ولا أن يُمحى من الذاكرة، مهما حاول أن يخفف عنها فجاه شعر بملمس يد اصبح يعرفها جيدأ وهي لمسة

يد نيارا

نيارا بضحكة: "عايزني أساعدها؟"

قصي بأندفاع: "ياريت، يانيارا."

لم يكن قصي يعرف كيف يعبر عن شعوره، كيف يعبر عن الحاجة التي تمزقه بين كونه شاهدًا على معاناة ليان

وبين رغبته الشديدة في إنقاذها. لكنه شعر أنه في هذه اللحظة، نيارا هي الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئًا.

نيارا، بنبرة مفعمة بالاطمئنان: "عشان انت ريحتني، أنا هعمل دا عشانك، ياقصي، بس متاخدش ع كدا."

قصي: "شكراً،"

نيارا: "أنا هنا مش بفهمك، ياقصي. أنا هنا عشان أديك لمحات، مش أكتر، وصدقني هتفهم لوحدك.

. وكلما نظرت نيارا إلى ليان، كانت يديها تتحركان بحذر حول قلب ليان، كأنها

تمسح آلامها وتعيد لها الحياة.

وبينما كانت نيارا تركز على قلب ليان، كانت تسحب منها كل الألم والخوف، كأنها تدخل إلى أعماقها لتحررها

من أغلال الماضي، لمساتها كانت كعلاج يشق الطريق إلى الفرج.

في لحظة واحدة، فجأة، وعندما تركزت يد نيارا على قلب ليان، حدث ما لم يتوقعه قصي: فتحت ليان عينيها

بشدة، شهقة خرجت من قلبها كما لو أنها خرجت من البحر بعد أن كادت تغرق، وكأن الحياة عادت إليها بشكل

مفاجئ.

وقصي، الذي كان يراقبها بصمت، شعر بارتياح عميق. كانت تلك اللحظة لحظة عودة الروح، وعندما أشرق

الأمل، أضاءت عيون ليان التي أصبحت الآن مستعدة أخيرًا للقتال من أجل نفسها.

ليان: "قصي...

ارتمت بين ذراعيه كأنها تبحث عن دفء يعيد لها الحياه

قصي بابتسامة خفيفة عاملة اي ياحبيبي؟"

لكن ليان لم ترد عليه بكلمات عادية، بل قالت بصوت غير مستقر:

ليان: "حلمت حلم جميل أوي يا قصي."

كان واضحًا من صوتها أنه كان شيء يُريحها قليلا وسط كل هذه المعاناة.

قصي بدهشة: "حلم جميل؟"

ليان: "أيوة والله، حذر فذر."

كانت كلماتها غير مفهومة بالكامل، لكنها أشارت إلى شيء يُشعرها بالراحة،

قصي بابتسامة خفيفة: "هي فذورة ولا إيه؟"

ليان: "مش هتتصور.. حلمت بنيارا وفارس."

كان حديثها مزيجًا من الحلم والواقع. كانت كلماتها متسارعة، ثم توقفت لتكمل:

"وفارس عرف ينقذها من الخطر اللي كانت فيه. تصور كان في تلاتة بيغتصبوها، بس رغم إنه كان تعبان،

قدر يضربهم، وايداهم حتة دين علقة كانت دما ر... ياريتك تشوف."

قصي بتساؤل: "آخر حاجة فاكرة كانت إيه يا ليان؟"

ليان: "الحلم بتاع الغابة صحيت كلت وقعدت اقرا شوية انت جيت هنا ازاي؟

قصي بابتسامة شبه حائرة: "المفتاح كان تحت السجادة."

ليان بدهشة: "بس أنا مش بحط مفاتيح تحت السجادة!"

هنا شعر قصي بحيرة شديدة، ولم يكن يعرف كيف يرد على ما قالته ليان

لكن في اللحظة التي كان قصي يهم بالحديث، شعرت نيارا بحاجة للقيام بشيء ما. اقتربت من ليان ووضعَت

يدها برفق على وجهها، وكأنها تُحاول تهدئتها. بالفعل ليان غطت ف سبات عميق

نيارا بصوت هادئ: "دلوقت لازم تمشي. هي هتصحي، ومش هتفتكر أي حاجة."

كانت كلماتها مريحة، وكأنها تحاول إرشاد قصي لما يجب فعله في تلك اللحظة.

قصي بقلق: "مش هتظهري تاني ؟"

نيارا: "استعد للخطوة الجاية يا قصي."

الفصل السادس من هنا

stories
stories
تعليقات