رواية حين تخذلني عيناك الفصل السادس 6 والفصل السابع 7 بقلم هاجر عبد الحليم


رواية حين تخذلني عيناك الفصل السادس والسابع بقلم هاجر عبد الحليم 


استفاقت ليان من نومها، وأصابها صداع شديد جعلها تشعر بحالة من الارتباك. كان عطشها وجوعها يفوقان

المعقول، فتوجهت سريعًا إلى المطبخ، شربت بعض الماء بصعوبة، ثم أعدت لنفسها فطورًا سريعًا، لكنها لم

تكن تستطيع أن تنسى الشعور الغريب الذي كانت تمر به.

بينما هي جالسة تحاول استعادة هدوئها، رن هاتفها فجأة. نظرت إلى الشاشة، وكان الرقم غير معروف.

ليان: )بصوت متعب( ألو؟

الشخص: )بصوت رسمي( مدام ليان؟

ليان: )بتعجب وحيرة( مدام؟! لا، حضرتك أنا مش متجوزة أصلًا !

الشخص: )بدهشة( إزاي؟ ده مستحيل! حضرتك متزوجة من خمس سنين من المدعو قصي محمد خاطر

الجارحي .

ليان: )بتوتر، وقلبها يخفق بسرعة( متجوزة مين؟!

...

استفاق قصي على دقات عنيفة تهز باب الشقة، فهب من نومه مفزوعًا، وهرول نحو الباب دون أن ينتبه لكونه

عاري الصدر. فتح الباب على عجل، وإذا بليان واقفة أمامه، تنظر إليه بذهول.

قصي )مندهشًا(: ليان؟!

ليان )تصرخ بفزع(: ياااا حيوان!

أدارت وجهها بسرعة وهي تغلق عينيها، وقد احمر وجهها خجلًا

قصي )مضطربًا(: يا خبر أبيض! آسف، والله ما أخدت بالي! ثانية واحدة وأغير هدومي!

أغلق الباب وجَرَى إلى غرفته. أما هي، فدخلت إلى الداخل وهي تمسك صدرها من التوتر، أغلقت الباب خلفها

وقد بدا على وجهها الذهول والتشتت .

خرج قصي بعد لحظات وهو يرتدي قميصًا، شعره ما زال فوضويًا. نظر إليها باستغراب.

قصي )بنبرة مرهقة(: في إيه يا ليان؟ والله فزعتيني… يا ريت يكون الخبر يستاهل.

ليان )منفعلة(: لا دا اللي جاي متشوح في زبدة! أنا بقيت خلاص على وش جلطة… كل يوم مصيبة جديدة من

ورا لوحة النحس دي!

قصي )يتنهد ويحاول التخفيف(: طب استني كده… خليني أخمن.

ليان )مقاطعة بسخرية(: دماغك لا هتجيب ولا هتودي للحتة للي جاية عشان اوديك فيها!

قصي )يقترب منها مبتسمًا بخفة دم(: يا ستي، اصبري بس… هو إنتي ليه دايمًا شا كة في قدراتي؟ يمكن أبهرك،

وأكون عارف كل الحكاية من أولها لآخرها… قبل حتى م أنتي تلاحظي.

ليان )تتراجع بخوف خفيف(: إنت ليه بتلعب بكلامك كده؟ لو تعرف قول، لكن طريقتك دي مرعبة…

فجأة، جذبها من خصرها، فتفاجأت، وضعت يدها على كتفه، وعيناها ضاعت في عينيه.

قصي )بصوت خافت(: إيه يا ليان؟ مش هتبعدي المرة دي؟ ولا أخيرًا حسيتي بالأمان؟

ليان )بهمس مرتبك(: أيوه...

قصي )مرتبكًا(: مش فاهم... "أيوه" على إيه؟

ليان )تنظر له بثبات(: إنت جوزي يا قصي.

ساد الصمت... لم يرد قصي، ولم يظهر على وجهه أثر للدهشة.

ليان )بصوت مرتجف(: يعني… متصدمتش؟

قصي )بهدوء(: عشان أنا عارف... يا ليان .

ليان بغضب وحيرة، تزقه بعيدًا عنها

استدارت لتغادر المكان، لكنه أمسك بيدها فجأة.

قصي )بعينين تلمعان بالصدق(: ما تظلمنيش… أنا زيي زيك، ولسه عارف النهاردة.

ليان فتحت فمها لترد، لكن فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما! صرخت وهي تتشبث به، وقد ضرب زلزال

عنيف العمارة بكاملها، حتى تساقط شيء من السقف خلفهما، فاحتضنها قصي ليحميها، وقلوبهما تخفق بتسارع،

ليس فقط من الزلزال… بل من الحقيقة التي لم تعد قابلة للإنكار.

...

سكن الظلام فجأة أرجاء الشقة، والأتربة تتطاير من كل ركن بعد الاهتزاز العنيف. كانت ليان ترتجف، تحتضن

قصي بقوة، بينما هو يشدها لصدره، يحاول أن يهدئ رعشة الخوف التي تسكنها.

قصي، وهو يرمق الشقة بنظرات مضطربة:

– النور اتقطع...

ليان، بصوت مرتعش:

– قصي، في نور عندك في الأوضة؟

قصي:

– آه، علشان أنا حاطط اللوحة هناك، تعالي بسرعة .

ليان، تتراجع بخوف:

– لا، أجي فين؟ أكيد هنشوف تاني مشاهد من ماضيهم... ودي فتحة شكلها مش هتقفل تاني... أنا ماشية!

قصي، يشدها بعنف لكن عينيه فيها رجاء:

– يعني إنتي هتهربي من قدرك؟

ليان، على وشك البكاء:

– بس أنا مش عايزة أسمع اللي بسمعه دا تاني... بيكسرني يا قصي!

قصي، يحتضنها بقوة، يهمس في أذنها بثبات:

– مهما حصل... أنا مش هسيبك، يا ليان.

شدها من يدها ودخل بها إلى الغرفة، وهي ما تزال تحتضنه، ترتعش كطفلة في عاصفة. بمجرد أن وصلا إلى

اللوحة، شهقا معًا، إذ أن ملامحها قد تغيرت تمامًا.

شاب يمد يده بالنار تجاه امرأة تصرخ وتحاول الهرب ... كانت الصورة تحترق أمام أعينهم.

ليان، تقفز خطوة للوراء، تهمس بصدمة:

– الملامح مش واضحة... يا فارس!

قصي، يلتفت نحوها بذهول:

– أنتي قولتي إيه؟ قولتي "فارس"؟!

ليان تحبس أنفاسها، تدرك خطأها، وقبل أن تتحدث، اندفعت يد من لهب خارج اللوحة، أمسكت بها فجأة

وسحبتها بداخلها وسط صرخة عالية.

قصي، يصرخ بأعلى صوته وهو يركض نحو اللوحة:

– ليان!!

يحاول أن يمسك بها، لكن يده لا تمس سوى الهواء. اللوحة عادت إلى حالتها الأولى، ساكنة، كأن شيئًا لم يكن.

أمسك بها بجنون، ضربها، حاول تمزيقها، لكن بلا جدوى. جلس على الأرض يصرخ ويضرب الأرض بكفيه،

وعيناه تدمعان... ثم لمح شيئًا.

امرأة تقف على باب الغرفة، بردائها القديم، بعينيها الحزينتين، تنظر إليه بصمت.

قصي، بصوت متقطع :

– نيا... نيارا؟

.....

شعرت ليان بدوار خفيف، وفتحت عينيها ببطء لتتفاجأ أنها في غرفة واسعة ذات طابع قديم، جدرانها مزخرفة،

والأثاث مذهب الطراز. نظرت إلى ثيابها فتجمدت نظراتها، إذ لم تكن ترتدي ما اعتادت عليه.

ليان )بخوف وهمس(:

"دي مش هدومي... هدومي فين؟ أنا فين؟!"

تلفتت حولها لتتأكد من شكوكها، وارتعد جسدها حين عرفت المكان.

ليان )برعب(:

"دا نفس القصر اللي شفته قبل كدا مع قصي... لااا... لاااا أنا عايزة أخرج من هنا!"

قامت مسرعة لتجد الباب ينفتح بقوة، ويدخل منه شاب يبدو في حالة يرثى لها. ، يسيطر ببطء، في

يده سيجارة مشتعلة، وفي الأخرى زجاجة خمر تتمايل مع خطواته غير المتزنة. عيونه حمراء، ووجهه غائم

بالغضب والهوس.

ليان )بذهول(:

"قصي؟!"

لكن الشاب لم يكن قصي، بل فارس، النسخة الماضية منه، وقد بدت عليه علامات الانهيار النفسي.

فارس )يصرخ بجنون وهو يلقي بالإزار على الأرض بعنف(:

"فاكرة إنك هتهربي مني يا نيارا؟! إييييه! بتديني منوم؟! عشان تهربي من القصر؟! بعد كل اللي عملته

عشانك؟! بعد ما حبيتك واتعلقت بيكي؟! نهايتك تبقي الخيانة؟! تفضحيني وسط عيلتك الكبيرة؟!"

اقترب منها بخطوات مترنحة، والسيجارة لا تزال مشتعلة بين أصابعه، وعيناه تبرقان بجنون.

فارس )بغضب مكسو ر(:

"هتروحي تقوليلهم إيه؟ إنك عايشة مع واحد مدمن؟ بيضربك؟ ماسكك من شعرك؟! هتوريهم الكدمات؟... بس

صح يا نيارا، يمكن دا اللي نفسك فيه..."

ليان )بصرخة مليئة بالذعر(:

"أنا ليااااان مش نيااارااا!!"

توقف لوهلة، نظر إليها، وابتسم ابتسامة مائلة للجنون.

فارس )بصوت متهدج وهو يضحك(:

"هو أنا أشرب، وإنتي تتسطلي؟ ! ليان مين؟ ! إنتي عايزة تجننيني؟!"

اقترب منها أكثر، مد يده إليها، وحاول أن يضمها، لكنها أدارت وجهها بعيدًا وهي تبكي، متقززة من رائحة

الخمر والسجائر

ليان )ببكاء وتوسل(:

"بالله عليك، م شيني من هنا... إنت سكران ومش طبيعي!"

فارس )بصوت متهكم وبعين تلمع بجنون(:

"وإيه الجديد؟ دا الطبيعي بتاعي يا نيارا... الطبيعي اللي إنتي اخترتيه!"

....

شعر قصي بحرارة غريبة تشتعل في صدره، كأن نارًا انطلقت من أعماقه تحاول أن تفتك به. ارتعش جسده،

وخطواته بدأت تتمايل بعصبية. خلع قميصه كأن النسيج يؤلمه، وصرخة مدوية خرجت منه دون وعي.

دخلت نيارا فجأة، نظراتها تحمل مزيجًا من القلق والوعي التام بما يحدث

نيارا )بقلق(:

"مالك؟ فيك إيه؟

قصي )وهو يلهث، وعيناه تلمعان بجنون( :

"إنتي عارفة مالي…اي فاكرة نفسك جاهلة ومعندكيش وعي باللي بيحصل؟

اقتربت منه، وضعت يدها برفق على صدره، حيث تتوهج الحرقة.

نيارا )بصوت مرتعش(:

"أنا مش عارفة أساعدك… بس واضح إنك ابتديت تحس باللي جواه لأنك ببساطة… هو."

قصي )بحدة(:

"أنا مش هو قولتلك مليون الف مرة كدا ! اللي حبيتيه انسان مغفل هو حبه ضعيف بس انا بحبها… ووجعها

جوه قلبي! أنا سامع صوتها، حاسس بيها! وديني عندها… دلوقتي!"

نيارا )بعينين دامعتين(:

"مش بإيدي… اللي يخش اللوحة، يعيشها… يحسها… يفضل جزء منها. والليان اللي دخلت، واجهت روح

فارس، وانت… بقيت امتداد ليه، حتى لو أنضف… حتى لو قلبك لسه بيحب بس خد بالك فارس يستحق فرصة

تانية بجد وإلا انت مكنتش موجود دلوقت."

سكت قصي، صدره يعلو ويهبط بسرعة. ارتبك، وتاهت نظراته في الفراغ من حوله.

قصي )بهمس موجوع(:

"بس أنا بحبها… ونفسي أفهم… الصوت اللي جوايا دا… ليان ولا انتي؟ اتحشروا جوايا أنا بتقطع نصين

يانيارا

لم تجبه نيارا، بل رمقته بنظرة مؤلمة… ثم اختفت، كأنها لم تكن .

أخذ قصي يركض في الغرفة بجنون، يصرخ كأن صوته يمكنه أن يخترق الجدران، أن يصل إليها، أن يوقظها

من الظلمة.

قصي )بصرخة ألم(:

"ليان!!"

لكن لم يكن هناك رد… فقط صدى صوته، يتردد في الفراغ، كأنه ينادي من داخل كهف مغلق

وفجأة، خفتت الأنفاس، وسكن المكان كأن الزمن توقف.

برد مفاجئ لفح جسد قصي بعد لحظات من الحرارة الحارقة، عيناه تجمدتا على اللوحة المعلقة على الجدار…

نفس اللوحة اللي كانت دايمًا هناك، لكنه أول مرة يشوف تفاصيلها بالشكل دا .

قصي )بهمس مذهول(:

"انا اقوي من الحيرة دي لو فعلا انا فارس اللوحة لازم تخضعلي لازم تسمع كلامي

اقترب ببطء، كل ما يقرب، اللوحة تتغير… الألوان تتحرك… الصور تتنفس… وصوت بعيد بدأ يهمس في

ودنه

الصوت:

"رجعلي حقي احميني من نفسك يافارس انا نيارا حبيبتك خلصني انت لسة جواك نضيف

لسة حبك واعي ليا!"

ارتجف جسده، وصدره ضرب بعنف.

مد إيده… لمس طرف الإطار…

وفجاه

كل شيء حوالينه اختفى.

ضوء أبيض ساطع غمره، وصوت صفير عالي شق أذنه… وبعدها، سكون. غمض عينه ثم فتحها

وفجأة، وجد قصي نفسه داخل قصر غريب، جدرانه تنبض بعتمة مألوفة، وسكونه يئن من الذكريات. خطواته

كانت بطيئة، مرتجفة، وكل خطوة تقربه من شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته… أو ربما، كان ينتظر هذه

المواجهة منذ زمن.

وفجأة، دوَّت في الأرجاء ضحكات رجُل… ضحكات مشبعة بالشهوة والشر، كأنها تأتي من جوف الليل . التفت

قصي سريعًا، لتقع عيناه على مرآة ضخمة تتوسط القاعة، لكن ما رآه لم يكن انعكاسه.

بل كان فارس.

نفس الملامح… نفس الجسد… لكنه مختلف، يحمل في عينيه سوادًا كثيفًا. سيجارة مشتعلة في يد، وزجاجة

خمر في الأخرى. ابتسم ابتسامة ملتوية، وقال بصوت ساخر تقيل:

فارس:

"اتأخرت أوي يا نُسخة يا نقية. فاكر نفسك قوي؟ ها؟!

هتقد ر تغير الزمن؟!

قادر تغير نفسك اللي كلها فُقر وظلمة وشهوات؟

اقترب من المرآة، ومد السيجارة ناحية قصي.

فارس:

"شايف دي؟ نفس النوع اللي إنت كنت بتشربه… مش كدا؟"

قصي )بهدوء ثابت(:

"كنت…

ودلوقتي بطلتها. "

فارس )بضحكة خبيثة(:

"عشانها، مش كدا؟"

قصي )نظرة عنيدة في عينه(:

"عشان هي تستاهل مني أبقى نضيف…

فارس )بصرخة مفاجئة، صوته مليان ألم(:

"هتأذيها 

كلنا فينا نفس الوَجع… نفس السواد… ومهما هربت، هو جواك!"

قصي )بحدة وإصرا ر(:

"لا يا فارس، مش هأذيها…

أنا ما بخونش اللي بحبها،

ما بضربش،

ما بهينش،

ما بذلش اللي حطت قلبها في إيدي…

أنا مش إنت!"

فارس )بصوت خافت، متردد لأول مرة(:

"أثبتلي …

لو بتحبها بجد،

دخلني جواك…

عيش إحساسي…

خد وجعي…

من غير كدا، عمرها ما هتخرج من هنا!"

قصي )بتنهيدة ثقيلة( :

"هو إيه اللي حصل اليوم دا يا فارس وكفايا بجد؟

إنت عملت فيها إيه؟!"

عند تلك اللحظة، دق قلب فارس بعنف… نظراته اتكسرت، والمرآة ارتجت كأنها على وشك الانهيار

وفجأة…

دخل فارس إلى جسد قصي،

واتحد الماضي بالحاضر

جسد واحد… وروحين .

اللي اتنين بقوا كيانات متشابكة، تتصارع جوا جسد واحد… صراع الحقيقة والندم.

وقد حان وقت الاختبار الأخير…

هل سيعيد قصي كتابة النهاية؟

أم سيظل الماضي يسكنه… ويقيده؟

.....

"قصي" يدور حول نفسه بعنف، يشد شعره بأصابع مرتجفة، كأن النيران تشتعل في صدره.

الزمن انكسر في عينيه، وتدقق الماضي كالسيل…

وإذا به يرى – ويعيش – ما فعله "فارس" ذات ليلة سوداء.

.....

فلاش باك

كان الظلام كثيفًا، والجدران تختنق بالصمت.

حمل "فارس" "نيارا" بين ذراعيه، لكنها كانت كالمجنونة…

تعضه، تركله، تصرخ بأعلى صوتها، عيناها تتو سعان بخوف لا يُحتمل.

"أهذا هو فارس؟!"

ذاك الذي كان يحنو عليها كأنها نسمة؟

ذاك الذي كان ينكسر إذا بكت

أين اختفى؟!

أصبح جسدًا بلا عقل، وعقلًا بلا رحمة…

غرق في الدخان، وذاب في الإدمان… حتى تحول إلى ظل هائج.

صرخت وهي تتلوى بين ذراعيه:

"فارس نزلني!! بكرهك… بكرهك يا مجنون… يا اللي مش عارف ربنا!"

"خلاص، مكانك مستشفى مجانين! حلك تموت وتريحنا من شرك! بقيت شيطان ماشي على الأرض!"

اهتز جسده، كأن كلماتها سكاكين تنهش روحه…

اقترب منها، وصوته مبحوح:

"أنا بحبك والله… بحباااااك!"

لكنها تراجعت عنه، تقهقرت وهي تبكي:

"مش عايزة حبك! حبك ده لعنة… بيرعبني… بيخوفني… بكرهك! مبقتش قادرة أعيش معاك… خرجني!"

تجمد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة مشوهة، كأن الجنون قد احتضنه:

"مين هيقبل بيكي بعدي؟ "

"بقايا واحدة أديت مشاعرك لواحد بكل جوارحك !ا انتي خلاص، مابقاش فيكي حاجة تقدميها لحد

سقطت على الأرض، وارتعش صوتها كأنها تنزف:

"بتعايرني بحبي ليك؟! دي آخرتها؟!"

اقترب منها، وعيناه تقدحان بجنون:

"حتى صريخك بقا ليا.

إنتي اتخلقتي عشان تبقي ليا…

فاهمة؟!"

ارتجفت "نيارا"، وهمست بدمعها:

"الحب… عمره ما كان كده…

وأنت… مكنتش كده."

لكنه تمادى… حتى انكسر كل شيء.

العتمة بلعت المشهد

...

فارس جلس على الأرض، جسده يرتعش، عيناه تتنقلان بين يديه الملطختين بالدم، وبين نيارا.

كانت ساكنة.

وجهها شاحب، شفتيها مزرقتين، وعينها مفتوحة، لكنها ما عادت ترى.

هو ابتعد عنها فجأة، مصدومًا من الشكل الذي أصبحت عليه.

كدمات مرعبة كانت تغطي جسدها، حيث كان قد انتزع منها براءتها دون رحمة.

لا شيء منها كان كما كان، وكأن الإدمان قد أدمى كل شيء فيها. كانت عارية، وقد انتزعت منها كل أمانها. من

حبيبها

"نياراااااااااااااا!!!"

ف الحقيقة انه انتهك حرمة جسدها دون رضاها

باك

قصي لم يقدر على تحمل الذكريات التي تجتاح عقله. قلبه يطير بين الماضي والحاضر، بين اللحظات التي

دفعته إلى الحافة. كان يدور حول نفسه بعنف، يمسك برأسه كأنما يهرب من الحقيقة.

وفجأة…

وقف فجأة.

رآها…

ليان كانت بين يديه، وحين نظر إليها، شعر وكأن الزمن عاد للوراء. كانت هي نفسها، عينها المصدومة، وجهها

المترقب… لكنها كانت ليان، تمامًا كما كانت نيارا . كان يراها كما لو كانت صورة طبق الأصل، لكن هذه المرة

هو من يحملها.

نفس الألم، نفس الارتباك، نفس النظرة في العينين… وشيء من الخوف الذي ملأ قلبه.

لحظة صمت قاتلة، ومعها كان يراها في عينيه تتبدل، وكأنها تحولت إلى نيارا. كأن الماضي عاد بكل ثقله

ليغمره مرة أخرى، وكل شيء كان يصرخ داخله: "أنت هو فارس".

ليان

ابعد عني يافارس بقا اعمل حاجة حلوة ف حياتك يااخي دمرت نفسك واللي حبيتك قرب من ربنا واعرف دينك

شوية اكيد بعدك عنه هو اللي دشمل حالك كدا!"

قصي:

)حركته سريعة ومباغتة، يدخلها الغرفة ويرميها على السرير بعنف، عيناه مليئة بالدموع، جسده يرتعش بشكل

غير قادر على السيطرة عليه. أصوات أنفاسه المتسارعة تغطي المكان(.

ليان:

"ارجوك! ابعد عني يافارس، نيارا بتحبك، متستاهلش اللي انت هتعمله فيها ده!"

)صرخت ليان وهي تحاول الابتعاد، لكن القصي خنقها بشدة، ثم رماها على السرير مرة أخرى. صرخت ليان

بعنف(.

)دموعها تسيل على وجهها بينما ينهمر من عينيه هو الآخر، وتوجهت أنظارها إلى وجهه الملطخ بالمعاناة(.

ليان:

دا انت ياقصي؟!!!.."

)اسم "قصي" يتردد في الهواء، يطوق المكان بشكل ثقيل، وكأن الصوت نفسه يبث فيه ألمًا لا يُحتمل(.

)قصي يغلق عينيه بعنف، محاولًا الهروب من هذا الجنون الذي يجتاح عقله وجسده، لكن لا مفر له سوى

اللجوء إلى الله. بيده المرتجفة، يبدأ في ترديد الآيات لتحصين نفسه، مُرددًا بصوت مرتجف(:

قصي:

"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق..."

"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم..."

"اللهم إني أسألك باسمك العظيم أن تفرج عني ما أنا فيه..."

"اللهم احفظني من الشيطان الرجيم، ومن كل عين وسحر، واجعلني في حفظك ورعايتك."

)شيئًا فشيئًا، بدأ السواد يختفي من عينيه، وعادت له قدرته على التحكم في جسده. كما بدأ يشعر بشيء من

الراحة في قلبه، لكن قلبه ما زال يدق بشدة، والذكريات الحزينة لا تفارقه(

.قصي )وهو يرفع يديه، يتلو الآيات بتركيز، وعينيه مملوءة بالعزيمة والإيمان، محاولًا الحماية من تأثير السحر

الأسود الذي لا يزال يسيطر على فارس المدمن(:

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم..."

)يأخذ نفسًا عميقًا، ويحاول استعادة قوته، بينما يلتفت نحو ليان التي كانت في حالة من الضياع(:

)يواصل ترديد الآيات بصوت مرتجف، بينما يحاول سد تأثير فارس المدمن الذي يقترب منهما(.

ليان )وهي تحاول فهم ما يحدث، لكن عينها تركز على قصي، وتحس أنها بدأت تتذكر شيئًا غريبًا، جزءًا من

الماضي يعود لها. تبدأ الدموع في التساقط من عينيها، وهي تشعر بهويته رغم ما يحدث(:

"قصي انت جيت الحمد الله يارب

قصي )وهو يتقدم نحوها بثبات أكبر، وعينيه مليئة بالعزيمة، متجاهلًا تأثير فارس المدمن الذي أصبح ضعيفًا

مع مرور الوقت، بعدما دخلت الآيات في أذنه(:

"اللهم إني أعوذ بك من شر ما نزل، ومن شر ما يعرج..."

)يستمر في ترديد الآيات، وكلما قالها، يتنفس بعمق، وكأن سحر فارس المدمن يتراجع شيئًا فشيئًا(.

ليان )وهي تذرف الدموع، تشع ر بطمأنينة غريبة في قلبها، وتحاول التماسك، لكن الإحساس بالراحة يدفعها

لتشكر الله(:

فجأة، خرج فارس من جسد قصي، واهتزت الأرض من حولهم. كان فارس يصرخ، تتساقط دموعه بغزارة،

وجسده يرتعش بعنف، وكأن روحًا ثقيلة قد خرجت منه فجأة. قلبه كان يخفق بسرعة غير طبيعية، وعينيه

مليئتان بالذهول .

قصي اقترب من ليان، يضع يديه برفق حولها( وهي ترمي نفسها داخل احضانه:

" الحمد الله ياحبيتي الحمد الله ربنا نجانا من اللي احنا فيه."

ليان )دموعها تتساقط بحرقة، مشاعر مختلطة من الفرح والخوف، وهي تنظر إلى قصي وكأنها تراه لأول

مرة(:

"نجحت يا قصي! نجحت ! الحمد لله، أنا كنت خايفة ومش قادرة أصدق إنك هتنقذني من اللي انا فيه بس دلوقتي

احنا مع بعض اوعي تبعد عني تاني ياقصي."

)تبتسم بصعوبة، لكن قلبها مليء بالسلام بعد العاصفة التي مرت بها (.

قصي نظر الي فارس ف وجده نسخة منه

فارس )يئن بصوت مكسور، عينيه مليئة بالصدمة، يحاول الوقوف بصعوبة، كل عضلة في جسده ترتجف كما

لو أنه عاد للحياة بعد موت طويل(:

فارس )صوت منخفض وكأنه يخرج من أعماق قلبه(:

"تعالوا معايا... لازم تروحوا معايا، هوريكوا إيه تأثير اللي عملتوه فيا.

قصي ينظر إلى ليان للحظة، ثم يمسك يد فارس بكل قوة، ويتنهد عميقًا، كأنما يقبل مصيره، ثم فجأة... في

لحظة لا يمكن أن تُصدق، اختفى الثلاثة معًا كما لو أن المكان ابتلعهم جميعًا، وأصبحوا في مكان آخر تمامًا،(.

.....

قصي وجد نفسه ممسكًا بيد ليان داخل نفس الغرفة، وفي نفس اللحظة اكتشف ما يحدث حوله. كانت نيارا

وفارس في وضع مأساوي، حيث كان فارس يحاول الاعتداء على نيارا. لكن، فجأة، أغلق فارس عينيه، وذكر

الله كما فعل قصي في لحظات سابقة، محاولًا إصلاح ما وقع، وكأن النهاية أخذت طابع العدالة. نيارا كانت في

قمة السعادة، إذ أخيرًا عاد فارس إلى وعيه.

قصي، في حالة من الصدمة، نظر إلى ليان، ثم احتضنها بشدة وهو يضحك بصوت مرتفع. رغم أن ليان كانت

مشوشة، إلا أنها شعرت بشيء غريب، كأنها كانت تعيش في قصة حب مختلفة تمامًا مع قصي.

نيارا )بقلق(:

"فارس... أنت كويس؟ في حاجة؟ مالك؟ احكيلي، حاسس بإيه؟"

فارس اقترب منها، وحضنها بقوة، وكان قلبه ينبض بشدة .

فارس )بصوت خافت وببكاء(:

"مش عارف ... أنا حاسس إني مكنتش بخير، حد عمل لي حاجة، يا نيارا... أنا متأكد . خديني في حضنك، بالله

عليكي، أنا ساقعان أوي."

نيارا احتضنته بقوة، ودموعها كانت تتساقط، لكن ضحكتها أيضًا لم تغب. كانت مشاعرها مختلطة بين الفرح

والحنين.

نيارا )وهي تبكي وتضحك(:

"ربنا هيشفيك يا فارس، والله هيشفيك، حسبي الله ونعم الوكيل في كل مؤذي."

وهنا تصدع اغنية تعبر عن الحنين والأمل بعد الفقد والضياع

"أيامنا بتودينا

تبعدنا وتجمعنا

مشوار ومكتوب لينا

ياخدنا ويرجعنا"

"لا لقانا كان بأيدينا

ولا حتى اخترنا وداعنا

وان ما قدرت إيدينا تاني تمسح دموعنا"

)الأغنية تستمر، وتعبر عن لحظات المأساوية التي حدثت ف الماضي من محاولة اغتصاب فارس لنيارا (.

"لسة الأحلام بتبان في عنينا

والحب هيفضل عايش فينا

يرسم على أيامنا وليالينا

ضحكة نونس بيها دموعنا"

:الاغنية تستمر وتعبر عن مشهد محاولة قصي لأصلاح ما فسد من الماضي وانقاذ ليان

فارس )وهو يمسح دموع نيارا(:

"الحب هيفضل عايش فينا يانيارا وهيرسم ع ايامنا وليالينا من تاني كل الضحك والسعادة اللي ف الدنيا بحالها."

نيارا تحتضن فارس وهو غارق في حبها، وكأنهم وجدوا أخيرًا طريقًا للسلام الداخلي بعد كل ما مروا به.

نيارا )وهي تحتضن فارس بحب(:

."ضحكة نونس بيها دموعنا

....

فجأة، استفاقا ليان وقصي مفزوعين، فوجدوا أنفسهم مستلقين على السرير. تبادلا النظرات للحظة، ثم انفجرا في

ضحك عفوي. ألقيَا بأنفسهما مجددًا على السرير، وظلا يضحكان وينظران إلى بعضهما البعض. ثم شبك قصي

يده في يد ليان، وقب لها بحب.

لكن السؤال الذي بقي في أذهانهما: هل هذه هي النهاية؟ أم أن هناك فصلا جديدًا ينتظرهما

الفصل السابع

وضعت ليان كوب الشاي أمامه برفق، وجلست مقابلة له، تتأمله بعينين يملؤهما الحنين، بينما كان الصمت

يتسلل بينهما كزائر مألوف.

ناولها قصي نظرة شكر، ثم مد يده نحو الكوب.

– تسلم إيدك، قالها بنبرة دافئة.

ابتسمت بخجل، ووضعت خصلات شعرها خلف أذنها، ثم تمتمت بصو ت خافت:

– تصدق؟ حظي طلع حلو أوي.

رفع حاجبيه في دهشة طفيفة، وأجاب بابتسامة جانبية:

– علشان اتجوزنا يعني؟

ضحكت بخفة، ثم هزت رأسها:

– أيوه… لأني من أول مرة شفتك فيها، عيني وقعت عليك… وقلبي ما ارتاحش لغيرك

نظر إليها طويلًا، كأنما يبحث عن إجابة في ملامحها، ثم سأل:

– فرحتك أكبر؟ ولا صدمتك لما عرفتي؟

ترددت قليلاً، ثم ردت وهي تشبك أصابعها ببعضها :

– يفرق معاك تعرف دا حصل إزاي؟

– طبعًا يفرق… هاتي رقم الراجل اللي كلمتيه وقالك على الخبر.

أشارت إلى الهاتف الموضوع بجانبها:

– تليفوني أهو، هتلاقي آخر رقم اتصل عليا كان هو

مد يده نحو الهاتف، بينما نظرات الحيرة بدأت تلون وجهه، وكأن شيئًا أكبر من كل التفسيرات ينتظر في الأفق.

قصي:.الو

محمود: أيوة، حضرتك قصي؟ أهلا بيك.

قصي)بنبرة مشوشة، مستغرب( – عرفتني منين؟

محمود:)بهدوء، مع بعض الفضول( – أيوة، أنا المأذون اللي كتب كتابك على مدام ليان من خمس سنين.

قصي:مندهش، محاولا استيعاب ما يسمع( – إزاي جينا عند حضرتك في اليوم ده؟ 

محمود:)يتنهد قليلاً، وكأنه يسترجع ذكريات قديمة( – بصراحة، اليوم ده كان غريب جد اً. اللي حصل إنه...

.......

فلاش باك

كان محمود جالسًا في مكتبه، يراجع بعض الأوراق، حينما فُتح الباب فجأة، ودخل قصي ممسكًا بيد ليان . كانت

الأجواء مشحونة بشيء غريب، إذ شعر محمود بشيء غير طبيعي وهو يراهما معًا، لكنه تمالك نفسه.

قصي، بنبرة حاسمة:

"أنا عايز أكتب كتابي ع اللي واقفة قدامك دي."

محمود، متفاجئًا:

"بس يا فندم، الوقت متأخر جدًا ومش هقدر أكتب كتاب في الوقت ده، وبعدين، أنا محتاج شهود."

ليان، بصوت منخفض، ولكن بإصرار:

"مش عايزين شهود، انا وهو كفاية. انت بس اعمل اللازم مش مطالب منك اكتر من كدا ."

محمود، وهو يحاول تهدئة الموقف:

"أنا آسف، مش هقدر أعمل ده دلوقتي."

قصي، وقد ارتفع صوته وهو يغضب امسكه من جلبابه وقال:

"أنا ظابط، ولو مكتبتش الكتاب دلوقتي هقتلك وأدفنك هنا. ومحدش هيدري عنك غير لما ريحتك تطلع!"

محمود، وقد بدأ يشعر بالتهديد:

"يا فندم، عيب كده. أنا ماذون محترم. ياريت تشيل إيدك عني، وإلا هبلغ البوليس."

ليان، بصوت مكسو ر وحائر:

"أرجوك، لازم تكتب الكتاب. أهلي ممكن يقتلوني لو عرفوا."

محمود، وقد ازدادت حيرته، محاولًا فهم الوضع:

"انتوا ايه حكايتكم بالظبط؟ "

ليان، وقد شعرت بالضغط النفسي قالت وهي تبكي

"أنا بحبه، وأهلي مش عايزيننا لبعض. ف للأسف حصل بينا..."

قصي، محاولًا كتمان غضبه، جذبها إليه وأغلق فمها بيده، متأثرًا بنبرة عالية:

"بلاش فضايح قدام المأذون. أنا صلحت غلطتي، خلاص."

محمود، وقد شعر بثقل الموقف، رد وهو يبتسم بحذر:

"ربنا يستر ع ولايانا. فهمت خلاص، أمري الله. هاتوا البطاقة."

وبعد لحظات من الصمت، كتبا عقد زواجهما في جو من الارتباك، وسرعان ما غادرا المكان دون أن يتبادلا

كلمات أخرى.

....

باك

)بعد أن أغلق قصي الهاتف مع المأذون، نظر إلى ليان بتركيز، كأن هناك شيء في ذهنه يعكر صفو الأمور.(

قصي )ينظر إليها، ثم يتكلم بجدية(:

– أكيد الراجل ده كداب.

ليان )بتوتر، تكاد تشعر بالحيرة(:

– دا بيقولك انه معانا عقد الجوازكمان ازاي دا؟ هو بيخرف ولا احنا اللي كنا مش واعيين؟

قصي )بصوت جاد، وهو يحاول فهم الموقف(:

– يبقى لازم نقلب الدنيا عليه لحد م نلاقيه ياليان .

ليان )وقد شعرت بالقلق، تنظر إليه بعيون مليئة بالشك(:

– لو دورت عندي، مش هتلاقي حاجة، صدقني

قصي )بثقة عالية، وهو يحاول أن يكون هادئًا(:

– لو مش عندك، هادور عليه عندي. هفتش كويس ف كل حتة وأقولك، ربنا يستر.

ليان )وبصوت مكسور، تتمنى أن تكون الأمور أسهل(:

– لا، يا قصي، خدني معاك. رجلي ع رجلك مش عايزة اكون هنا لوحدي واستحمل افكار زيادة فوق دماغي

)وأثناء حديثهما، قررا أن يخرجا من المكان ويتجهوا نحو السيارة. وبينما هما في طريقهما، حدث شيء مفاجئ

لا يتوقعه أحد.(

.....

سارت السيارة في صمت ثقيل، الطريق أمامهما بدا مألوفًا في بدايته، لكنه ما لبث أن انحرف بهم إلى منعطف

لم يعرفه قصي من قبل . يده كانت على عجلة القيادة، لكنها لم تكن تتحكم بها كما اعتاد . شي ء ما كان يجره إلى

وجهة لا يعرفها، كأن قوة خفية هي من تمسك بالمقود.

قصي كان يحدق في الطريق، جبينه يقطب، أنفاسه تتسارع.

ليان )بقلق(:

– انت هتودينا فين؟ دا مش طريق البيت!

قصي )نظرة متوترة وهو يحاول يثبت إيده على الدركسيون(:

– علمي علمك.

ليان )ترفع صوتها بخوف(:

– مش إنت اللي بتسوق دلوقتي؟ يعني في حد غيرك ماسك الدركسيون؟!

قصي )بهمس مش مصدق نفسه(:

– حد غيري... فعلا !

ضربت الريح نافذة السيارة، واهتز جسدها الصغير في مقعدها بجانبه، ارتعش قلبها.

ليان )بفزع(:

– طب بالله عليك وقف العربية! وقفها ياقصي!

قصي )يحاول يضغط فرامل ويتحكم في الاتجاه(:

– بحاول... بس مش قادر... مش قاد ر أتحكم فيها!

بدا الطريق ينحدر أمامهما تدريجيًا، ثم ظهر فجأة من الضباب برج ضخم كأنه فندق قديم، بلا أضواء، بلا اسم،.

السيارة توقفت فجأة أمامه. لحظة صمت خيمت. قصي وليان تبادلا النظرات، كانت عيونها تمتلئ بالتساؤل،

وعيونه بالذعز

ليان )بصوت متقطع( :

– إيه دا؟ إيه المكان دا يا قصي؟

قصي )يتنفس ببطء، يحاول يستوعب(:

–اكيد رسالة تانية منهم

فجأة، وبدون سابق إنذار، اهتزت السيارة بشدة وبدأت تتحرك بسرعة من تلقاء نفسها نحو الطريق الجبلي خلف

المبنى. صراخ ليان شق سكون الليل.

ليان )تصرخ(:

– قصييي!! العربية بتتحرك لوحدها!

قصي )يحاول يستعيد السيطرة وهو يضغط على المكابح دون فائدة(:

– امسكي في أي حاجة! ا

الطريق الجبلي كان منحدرًا حادًا، والصخور متناثرة على الجانبين، والموت يلوح من أسفله. قصي نظر من

النافذة، أدرك أن النهاية باتت وشيكة إن لم يتصرف.

قصي )يصرخ(:

– نطي! ياليان نطي بسرعة!

ليان )تبكي(:

– مش هسيبك! مش هعملها!

قصي )بعينيه دموع وخوف وهو يفتح الباب بصعوبة(:

– بقولك نطي يا ليان!! ماينفعش إحنا الاتنين نضيع !

وبدون تفكير، دفعها بقوة خارج السيارة... ارتطم جسدها بالأرض، تدحرجت بعيدًا. وقبل أن تستوعب ما حدث،

كانت السيارة تهوي من أعلى الجبل، تتلاشى وسط الظلام.

صرخت من أعماقها، بصوت كاد يُمزق قلبها:

– قصييييييي!!

ووقعت مغشي ا عليها

........

استفاقت ليان وهي مُلقاة على الأرض، رأسها يلف من أثر الصدمة، والغبار يملأ الهواء من حولها. رفعت

نظرها بتثاقل، وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها... لوهلة، لمحَت شابًا يقف على بُعد خطوات. كان وجهه

مشوهًا، تغطيه آثار الحروق، والدم يسيل حول جسده كأنه خرج لتوه من حادث مروع . حاولت أن تر كز

ملامحه... لكنه اختفى فجأة وكأنه لم يكن.

شهقت من الذعر، ثم شعرت بيد دافئة تُمسك بكفها برقة. التفتت سريعًا، والدهشة تسبق الكلمات على لسانها.

كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها "نيارا" وجهًا لوجه.

كانت نيارا تجلس على كرسي متحرك، جسدها ضعيف، لكن عينيها تلمعان بشو ق وألم غائر

نيارا )بابتسامة حزينة(:

– إزيك يا ليان... وحشتيني أوي.

ليان )مصدومة(:

– نيارا؟... إنتي نيارا؟

نيارا )برأس مائل، ونظرة حنونة(:

– أيوه، أنا هي... نيارا اللي سمعتي عنها كتير.

ليان )عيناها تمتلئ بالدموع وهي تحدق في الكرسي(:

– إيه اللي عمل فيكي كده؟!

نيارا )بهمس وانكسا ر(:

– حادثة العربية...

ليان )بصوت متسارع وقلق(:

– وفارس؟... مات؟

نيارا )ته ز رأسها نفيًا، وصوتها يختنق( :

– لا... عاش، بس و شه اتحرق، واللي شُفتيه دلوقتي كان هو...

ليان )ترتجف(:

– طب مين اللي كان السبب؟... مين اللي عمل كده فيكم؟!

نيارا )تنظر بعيدًا، بنظرة غامضة فيها خوف وندم(:

– مش هينفع أقولك... لازم تعرفي بنفسك، أنا آسفة...

وفجأة... بدأ جسد نيارا يتلاشى، وكأن الريح حملته معها، ثم اختفت تمامًا، كما ظهرت، دون أثر.

شهقت ليان بقوة وهي تفتح عينيها من جديد كان حلم كالعادة، وكأنها فاقت من حلم مرعب. نظرت حولها

بجنون، قلبها يقفز بين ضلوعها.

فجأة، تذكرت قصي!

صرخت باسمه، وهرعت تجري نحو حافة الجبل ... تركض دون أن تشعر بالألم، تبحث عنه وسط الحطام،

والدموع تنهمر على خديها:

ركضت ليان على الصخور، رغم الألم، رغم كل شيء. كانت تصرخ باسمه، وعيناها تفتش المكان كالغريقة

التي تتشبث بأي طوق نجاة.

وفجأة، رأته.

قصي... ملقى قرب حافة الجبل، نصف جسده تحت الركام، ويده اليمنى تمتد لتقبض على صخرة يحاول أن

ينهض بها. وجهه مغطى بالغبار، لكن عينيه... كانتا تبحثان عنها.

اقتربت منه تتعثر، ثم سقطت جواره على الأرض، تلهث بأنفاس متقطعة:

ليان:

– قصي هات ايدك بسرعة

قصي )بصوت مجهد(:

– كنت عارف إنك هتيجي...

مدت ليان يدها تمسك يده المرتجفة، ولحظة التلامس...

توقفت الأرض.

تجمد الهواء.

الزمن انكسر.

صوت غريب بدأ يرن في الأفق، ووميض أبيض اجتاح المكان.

وفجأة... وجدا نفسيهما في عالم آخر.

.......

دفعت ليان باب الفندق، وكأن شيئًا يسحبها من عالمها إلى آخر مجهول. لم تكن تدري لماذا تسير، أو من يقود

خطاها، لكن كل شيء في الداخل بدا مألوفًا رغم أنها تراه لأول مرة.

اقتربت من مكتب الاستقبال، أنفاسها تتسارع، وصوت قلبها يعلو على خطواتها.

ليان )بصوت متوتر(: لو سمحتي... هو المكان دا إيه؟

موظفة الاستقبال )بابتسامة هادئة(: حضرتك في فندق ذا جريت إيست... أفخم فندق ف المنطقة دي. تحت أمرك .

ترددت ليان، لكنها وجدت نفسها تنطق دون وعي:

ليان: أنا جاية لأستاذ فارس... هو فين؟

نظرت لها الموظفة بتمعن، قبل أن تطبع على وجهها ابتسامة مصطنعة.

موظفة الاستقبال: ثانية واحدة...

أخذت تبحث في جهاز الكمبيوتر، ثم رفعت عينيها:

موظفة الاستقبال: أيوة، أستاذ فارس في أوضة رقم تلاتة، الدور التالت. بس حضرتك تبقي مين؟

ليان )بتلقائية(: مراته.

تغيرت ملامح الموظفة للحظة، لكنها أخفت دهشتها بسرعة :

موظفة الاستقبال: من فضلك أشوف البطاقة.

بدأت ليان تبحث في ملابسها بتوتر، غير متأكدة مما ستجده... لكن يدها وقعت على بطاقة غريبة. رفعتها،

قرأت الاسم، فاتسعت عيناها:

"نيارا؟!"

يدها ارتعشت وهي تمد البطاقة.

أخذتها الموظفة، قرأتها بهدوء، ثم أعادتها:

موظفة الاستقبال )بابتسامة باهتة(: تمام يا فندم... تقدري تطلعي. تحبي حد يوصلك للأوضة ؟

ليان )بتوتر(: لا... شكر اً.

قبل أن تستدير ليان للمصعد، لحظت شيئًا في عيني الموظفة... نظرة غريبة، كأنها تعرف أكثر مما تقول.

ليان )بتردد(: هو... أستاذ فارس لوحده فوق؟

ترددت الموظفة، ثم ردت بنبرة حيادية:

موظفة الاستقبال: معرفش يا فندم... إحنا ما بندخلش جوه الأوض.

ابتلعت ليان ريقها، وشعور بالقلق تسلل إلى قلبها وهي تتجه نحو المصعد. كأن هناك شيئًا يُنتظرها في

الأعلى... شيء لن يعود كما كان بعده أي شيء.

الفصل الثامن من هنا

stories
stories
تعليقات