رواية هوس الريان الفصل الثالث
في جانب آخر، وخلف الزجاج الكاشف للحديقة كان يقف ويكاد يقسم من يراه أن هنالك أدخنة تتصاعد من أذنيه، عيداه حمرواتان بقسوة وشفتيه غرست بأسنانه تطلب منه الرحمة، وكفه قابض على كوب من المياه، وبقوة ألقى الكوب الزجاجي على الأرض، كاد أن يصدق .. يصدق براءة وجهها و عيناها، ولكن لم يكن يعلم أن هنالك قناع تختفي خلفه ليست سوى عام رها نعم ... قربهما هذا لا يقل إلا على أن هنالك أكثر من هذا يحدث بينهما .. يكاد يقسم أن الدم يغلى بعروقه، ضرب على سطح مكتبه بكفيه مرة تلي الأخرى يشبها في نفسه، يريد أن يفصل رأسها عن جسدها عله يهدا ...
جلس على مكتبه تطوف في ذاكرته ذكرياتهما سوى عندما كانت أصغر بكتير، يتذكر اليوم الذي كان على وشك السفر فيه، عندما كانت لا زالت في الثانية عشر من عمرها، وكان هو في الخامس والعشرون كانت تعانقه و : و هي تبكي تشدد على احضانه و تنسود صدره تقول برجاء أبيه ريان ... متسبنيش عشان خاطري يا أبيه ... طب خدني معاك و أنا مش هدايقك والله
هتف زبان بحتان يريت على ظهرها
يا قلب آینه زبان مش هينفع ... مدرستك و حياتك كلها هنا
نفت برأسها تقول و هي تخرج من أحضانه و تنظر له :
لاء لاء .. إنت حياتي أنا عايزة أفضل عايشة معاك يا أبيه!
ابتسم على براءتها وحاوط وجنتيها يزيل دمعاتها:
و إنت قلبي .. بس لو عايزة فعلا تفرحيني تركزي في مذاكرتك ... عايز أشوفك أشطر بنونة في
الدنيا اتفقنا يا حبيبتي ؟
اومات له مسرعة ببراءة، لتعود وتدف من نفسها بأحضانه و تبكي ويربت هو على ظهرها و خصلاتها، تتمسك بقميصه وتقول ببراءة
- منتأخرش يا أبيه ...
نظر لهم من حولهم في مزيج من الدهشة والحزن، في دليلة و عصام يطالعونهما بحزن على مغادرة ابنهما وعلى تلك اليتيمة التي قد تعلقت به بشكل كبير و دهشة من جانب سيف و إسراء التي كانت تماثل عمرها .. بينما الحقد كله يأتي من شهير التي همست لـه دليلة البنت جريئة أوي يا دليلة ... مش كبرت على الأحضان دي ؟
قالت دليلة بدهشة:
ايه يا شهير التفكير ده ... ليل لسه صغيرة وبريئة و إنت عارفة متعلقة بـ زيان أد إيها
صمتت شهير تمصمص الفتيها به استنكار بينما اقد تلعت ليل ذاتها من أحضانه و وقف على جنب تراهم يودعوه، ألقى عليها نظرة أخيرة يشاور لها في إزداد بكاءها و هي تشير له
استفاق من شروده يفرك جانبي رأسه بتعب و صداع يفتك بهما .. تلك ليست صغيرته البرينة التي كانت لا تطمئن سوى بأحضانه ها هي بين أحضان سيف دون ذرة خجل .. ناهيك عن تلك الصور التي كانت تؤخذ لهما وترسل له من قبل إسراء التي لم تكن راضية عن علاقتهما وهذا ما كانت توضحه برسالاتها. ورغم قربهما إلا أنه علن أن الأمر عاديا أو إسراء هي التي تضخم من الوضع لأنه يعلم جيدا الغيرة التي تكلها لـ ليل
لكنه لم يكن يتخيل أنه سيأتي ويرى تلك المشاهد المثيرة للإشمئزاز أمامه، على الدم في عروقه و نهض يطوي الأرض أسفله قاصدا غرفتها، قابل والدته في منتصف الطريق تقول بحنان رايح فين يا حبيبي ... هتنام؟
قال و هو يحاول أن يسكن نبضات قلبه العالية:
هجيب شوية ورق من أوضتي يا أمي و هنزل أكمل شغلي .. و شوية و هدام!
مسحت على وجنته تقول برقة:
طيب يا حبيبي .. تصبح على خير
أمسك بـ كلها يقبله و هو يقول بإبتسامة:
و إنت الخير كله يا ست الكل
تركته و عادت لجناحها مع زوجها، وأكمل هو صعوده لغرفتها و هو ينتوي الكثير
كانت قد صعدت ليل من جلستها مع سيف ترتدي قميص للنوم بلون الورد الروزي ... بنصف أكمام ويصل تريكتيها و مفتوح الصدر قليلا من خامة الليكرا، وتصفف خصلاتها و تهتم ببشرتها قبل أن تدلف الفراش علها تلهي عقلها عنه
لكن جسدها بأكمله قفز بفزع عندما فتح الباب التفتت منتوية أن تصب كامل غضبها على من فعل لكن جحظت بعيناها و تجمعت حبات العرق على جبينها عندما وجدته هو، لتتراجع تجذب ما ترتدي الأسفل لعله يخفي قدميها:
أبيه ريان في .. في حاجة ؟
لف ريان وأغلق الباب خلفه في توترت أكثر، لاسيما تلك النظرات التي لم ترحمها ... كان ينظر لها بمزيج من الإشتياق و الغضب معا .. مزيج مهلك ها هي صغيرته قد كبرت و بانت انتي مكتملة الأنوثة، وبذات الوقت غاصب منها إلى حد فاق توقعاته هو لا يعلم كيف غلب غضبه و اقترب منها يشير لها بسبابته:
- القذارة التي كانت بتحصل في غيابي دي مش هقبل بيها في وجودي أبدا يا ليل !!
قطبت حاجبيها و ثلج جسدها تقول بأعين مصدومة:
- قذارة؟ مش فاهمة ؟
امتدت يداه لتقبض على ذراعيها العاريان يقول بحدة
أنا مش عايز استعباط فاهمة !!
تابع و هي تنكمش يخوف منه لأول مرة:
- المسخرة اللي دايرة بينك و بين سيف دي متنفعش ... لو هنم سوتي عليه و عايزة تتجوزيه
أوي كدا قوليلي !!
هتف جملته الأخيرة بكل غضب ... صمتت و لازالت الصدمة منملكة منها، ليتابع بكلمات أشد قسوة كالسوط:
على الأقل يا شيخة إعملي حساب اللي ربوكي واعتبروك بنتهم و متمر مفيش سمعتهم و شرقهم في الأرض
كلمت شهقتها في جوفها، وإتملات عيناها بالدموع و هي تقسم أن ليس هناك ذرة واحدة من الدماء في جسدها، لم تجد ما تقول ... لست الحروف ولست كيف تتحدث، فقط تنظر له بأعين
دامعة و ذاهلة
نفضها من ذراعيه في تراجعت للخلف خطوات ... و غادر كما أتى مسرعا و دون مقدمات، جلست هي أرضا تحاول السيطرة على رجفة جسدها لا تردد سوى: - أنا عملت إيه .. معملتش .. حاجة .. والله !
نشيج من البكاء جعلها تستلقى على الأرض وتضم قدميها لصدرها كالجنين تبكي بحرقة لا
مثيل لها
اليوم الموالي، جلسوا على سفرة الإقطار الجميع حاضر عدا هي، في قالت دليلة بقلق لـ احدى الخادمات
سالي اطلعي نادي ايل هانم ... شوفيها منزلتش ليه لحد دلوقتي !
شرد قليلا قبل أن يكمل أكله، قطب حاجبيه عندما قالت سالي بهدوء: مرضیتش خالص يا هاتم ... حتى قولتلها أطلعلها القطار فوق بس بردو مرضيتش
قطبت دليلة حاجبيها بقلق في قال سيف و هو ينهض :
مطلع أنا آزادیها با عملوا
اومات له دليلة في طرق الأخير بـ ملعقته على السفرة يقول و قد انفجر غضبا: أقعد يا سيف !! تطلع أوضتها إزاي يعني إفرض لابسة خفيف ولا مش لابسة خالص ... أقعد و اللي مش عايز ياكل عنه م طفح !!
جلس سيف مدهوسا من طريقته التقول دليلة باستغراب
- إيه يا ريان مالك يا حبيبي إهدى - خلاص مطلع أنا!
يا أمي لو سمحت أقعدي ... مدام مش عايزة تنزل هي خرة مش هند محايل عليها .. أقعدي
كملي أكلك بدل م أقسم بالله هقوم أروح شغلي
أسرعت دليلة تجلس لا تجد سبنا لذلك الغصب لكن قالت:
- خلاص یا زیان قعدت
طالعه عاصم للحظات و صمت بينما شملت إسراء بما يحدث تنظر لأمها بنظرات ذات مغزى في بادلتها سهير نظرات خبيثة
أكل الجميع وغادر زيان .. في صعدت دليلة لها بالطعام لكنها كانت متكورة على الفراش رافضة أي شيء، و ظاهر على جفونها المتورمة أنها قضت ليلتها تبكي، وضعت الصينية على الطاولة و
ركضت لها تبعد عنها الغطاء وتمسمح على شعرها تقول بلهفة :
يا حبيبتي يا بنتي .. مالك في إيه، بتعيطي ليها
نظرت لها ليل و أجهشت في البكاء بأحضانها تقول:
هو أنا وحشة يا ماما دليلة؟ زعلتكوا في حاجة قبل كدا؟
قالت دليلة بدهشة:
يتطقع لسانه اللي يقول كدا ده أنا انت أحلى وأجمل و أرق بنت في الدنيا ايه يا حبيبتي مين
قال كداء
نفت براسها تقول بالم:
مافيش يا ماما انا كنت بفكر كذا مع نفسي
تنهدت دليلة بحزن تقول بحنو
طب يا حبيبتي بلا قومي كلي و بعدين هاخدك و تنزل أجيبلك لبس و اللي نفسك فيها
نفت برأسها تقول برجام
لاء يا ماما ممكن معلش تسبيني بس لوحدي النهاردة ... والله م قادرة أعمل حاجة
قال دليلة بضيق :
- مستحيل أسيبك كدا .. قومي طيب كلي لقمة !
نفت براسها تقول:
لاء يا ماما والله م قادرة والله حاسة إني لو كنت حاجة هجيب كل اللي في بطني !
لا إله إلا الله .. طيب يا حبيبتي هسيب الصينيية عندك و لما تجوعي كلي
اومات لها ليل، في خرجت دليلة تضرب كف على آخر و تقول:
لا حول ولا قوة إلا بالله
ظلت على وضعها، رافضة الأكل ووالشرب ليوم كامل ... وكلما تصعد لها دليلة ترى الطعام كما هو .. حتى عندما أتى ميعاد الغداء و التقوا جميها حول الطاولة كانت هي الوحيدة التي لم
تجلس، لم ينكر قلقه عليها، وسواله الضمني عنها في قالت دليلة بحسرة:
مكلتش حاجة من الصبح يا ريان .. ابقى اطلع شوفها يابني يمكن ترضى معانا
أومأ لها و في دوخله لن يصعد لها أبدا، هو لا يريد رؤيتها ولا يريد التعامل معها بعد آخر موقف جمعهما، لم يأكل هو الآخر و عاد لعمله مقررا على عدم العودة سوى بعد منتصف الليل، وبالفعل أنهى كشفه مع النساء اللواتي حضرن ليكشفن و عاد مرهقا في وجد القصر دامس الظلام عدا نور خافت يأتي من المطبخ ذهب ناحيته و كما توقع وجدها تقف أمام الثلاجة وتشرب، كانت ترتدي منامية حريرية محتشمة وتلملم خصلاتها للخلف، لم تنتبه له و جلست على الطاولة تستند براسها فوق ذراعيها عليها، لا يعلم لما نغزه قلبه و شفق عليها، اقترب منها و قال بهدوء و هو يشرب و كأنه أتى فقط لذلك الغرض:
- إيه اللي مقعدك هنا دلوقتي؟
