رواية اربعة في واحد الفصل الثالث
كان أدهم في طريقه لحضور المحاضرة وكالعادة دخل متأخرا ليجد دكتور مصطفى في وجهه والذي كان واقفا ممسكا بمكبر الصوت ويتحدث فيه
" أهلا الباشا وصل بعد ما المحاضرة بدأت بنص ساعة ! " سخر مصطفى وهو يلقي عليه بنظرات متوعدة فحرك أدهم رأسه ليجد أحمد وقيس وهشام جالسون في آخر المدرج
" أنا اسف يا دكتور المواصلات حضرتك عارف " أعتذر ادهم بأدب ليجد دكتور مصطفى يشير له إلى آخر المدرج ويردف بسخرية تحمل معان كثيرة
" روح أقعد جنب الثلاثة أصحابك اللي وراء عشان أنت معاهم في مشروع التخرج. "
ابتلع لعابه وتحرك متوجها نحوهم أثناء تعليق باقي الطلاب أعينهم عليه حتى وصل لهم فأفسحوا له مكان حيث جلس على الطرف ونظر لهم ثم همس " هو حطنا في مجموعة واحدة؟
أوما له هشام " المجاميع كلها مكونة من ستة طلاب ما عدا أحنا عارفين ليه؟ عشان يسقطنا. "
" اللي بيتكلم وراء " صاح مصطفى في مكبر الصوت ثم أشار بجهاز الليزر الأحمر في عين هشام الذي نهض بتوتر
" تقدر تقولي كنت يقول أيه من شوية ؟ " سأل مصطفى بنيرة شريرة لكن وجهه تحول للون الأصفر فور إجابة هشام
" حضرتك كنت بتقول ان لازم نراعي المادة اللي هنستخدمها في صنع المحرك وإنها لازم تكون مادة تتحمل الضغط والاحتكاك وإنك هتحاسب على الموضوع ده في المشاريع لو كانت المادة غير ملائمة. "
اعتلى الغيظ وجه مصطفى أكثر وأشار له بالجلوس فجلس هشام ثم نظر لثلاثتهم وهمس هيتحط علينا قسما بالله. ".
خرج أربعتهم بعد المحاضرة ولقد جائت مجموعة من أصدقاء قيس يحيونه ويحتونه على الرحيل معهم فأبي وأخبرهم أنه سينتظر
"طب يا جماعة دكتور مصطفى حطنا في نفس المجموعة إحنا الأربعة ومش كده وبس، ده علم عليدا، يعني مش هتتخرج من القسم ده إلا بعد عمر طويل " قال هشام وهو يطأطأ رأسه
بخيبة
" فككم بقى بلا مشاريع تخرج بلا بتنجان ما دام كده كده ساقطين يبقى تعمله أي مشروع أهيل كده وتركز على هدفنا الأساسي " أردف أحمد فحك أدهم شعره وأجاب
" تعمل مطب بيولد كهرباء مشروع سهل وعبيط. "
" مبدأيا كده أنا شغلني في المشروع ده ممول، يعني أنا هدفع كل الفلوس، بس فككم مني أنا مش هعمل حاجة " أضاف قيس فنقل هشام نظراته الغاضبة بين قبس وأدهم ثم هم ليعترض
" أولا كلنا هنشترك ماجدش قالك إننا تحاتين، ثانيا أنا مش هتخرج بمشروع عبيط في مطب الكهرباء، أنا ناوي أعمل مشروع روبوت .. "
" لا أنت تروح تعمله مع أمك ده " استهزأ قيس وهو يدحرج عينيه بعيدا فزمجر هشام " ولا لم نفسك يلا! "
" أنت قد الكلمة دي ياض ؟ " أمسك به قيس من قميصه فأمسك هشام بسترته ونطق من تحت
أسنانه " أو قدها. "
كانا على وشك التقاتل لكن تدخل أدهم فوزا محاولاً حل النزاع بين هاذان الإثنان اللذان يتحينان أية فرصة للمشاجرة وكان أحمد سيصرخ عليهما لكن هاتفه الذي من أوقفه فتركهم واستقبل المكالمة بابتسامة
" سلمى، وحشتيني. "
فور تفوهه بهذا ترك الثلاثة الشجار واستداروا له ليعلقوا أعينهم عليه
" مشغول بس في مشروع التخرج وكده بس أنت عارفة إنك ما بتخرجيش من تفكيري "
أكمل فرمقه هشام بأعين ضيقة وأدهم بفضول وأخيرا قيس الذي اقترب منه هامنا " مالهاش اصحاب دي ياسطا ؟ "
تجاهلهم أحمد وأكمل " همشي دلوقتي عشان رايح مع الشباب تفكر في المشروع، خلي بالك من نفسك .. سلام. "
أغلق الهاتف ثم نظر لهم وتحدث " فككم من مشروع التخرج النهاردة درس الشقط، إزاي تنقط بنت. "
" هيطلع زي درس كيف تعاكس كده ومتنضرب في الآخر؟ " سخر هشام وهم أحمد ليجيب لكن هاتفه من من جديد فتجاهله وأجاب المكالمة
" قلبي عامل إيه النهاردة ؟ "
جحظت أعينهم حتى قيس الذي بدأ يرمقه بانيهار حقا
" أنت مصاحب اثنين في نفس الوقت !!! " صرخ أدهم بصدمة وكان صوته عاليا فوصل الأذن
الفتاة التي تحادث أحمد على الجهة الأخرى وبدأت مشاجرة معه
" نورهان أنت بتشكي فيا ؟ ... اه؟ .... طب مادام وصلت للشك يبقى تنفصل، أنت ما تستحقيش كم التضحيات اللي ضحيت بيها عشانك وإني ارتبطت بيك وحبيتك بعد ما كنت مقرر أعيش أعزب للأبد بعد ما حبيبتي ماتت. "
سقط فك ثلاثتهم بعد أن قلب الطاولة على رأس تلك الفتاة بطريقة احترافية وكأنه متمرس في ذلك الشيء
روحي يا نورهان روحي اتجوزی این خالتك اللي راجع من الخليج، الجوزي واتبسطي واشتري الصالون المذهب اللي بتحلمي بيه وسافري شهر العسل في رأس البر .
" خلاص الأسف هيفيد بايه بعد ما كل حاجة بينا الكسرت نورهان .... إحنا كل اللي بينا انتهى يا نورهان " مثل نبرة درامية ثم أغلق الهاتف ونظر لثلاثتهم مكملا وكأن لم يحدث شيء " يلا؟ "
" بلا أيه! البت اعتذرت وأنت خاين أصلا يبقى تنفصل عنها ليه ؟ " زمجر قيس فوضع أحمد
السيجارة في فمه وأجاب
" ما دامت شكت فيا يبقى هتد عبس ورايا وهتقعد تزن وتسأل، وأنا مش ناقص وجع دماغ .
كان سيتحرك لكن قبس أخرج هاتفه وأوقفه " لا استنى عبد الكلام ده ثاني، لازم أسجل الملاحظة دي. "
" يا أخي سجلك حاجة تنفعك ! " قال هشام يحتق فتفى أدهم برأسه " على فكرة أظن إنها معلومات عامة صح ؟ إحنا لازم التعلم. "
فوجئ بأحمد ينفي برأسه " لا أنت بالذات تبعد عن موضوع الخيانة ده، أنت عبيط ولو خونت البت منتقفش ومستقبلنا هيضيع. "
عقد أدهم حاجبيه بتفكير فأكمل أحمد " بس استراتيجية قلب الطاولة في سجلها متنفع أي رجل أول ما البنت تهاجمك هاجمها انت كمان ما تدافعش عن نفسك ... أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم، فكرها بكل حاجة أنت عملتها عشانها وحسسها أنها ذاكرة للجميل .. ابتزها عاطفيا وحسنها إنها الساحرة الشريرة وإنك مظلوم امشي بمبدأ الدنيا جاية بضهرها وحطت عليا
وقالتلي لما سألتها أنت الضحية. "
صفق له قيس بإعجاب " مش ممكن أنت من النهاردة مثلي الأعلى. "
عدل أحمد من قميصه بفخر وأكمل هشام إلقاء نظراته المتقززة عليهما بينما أدهم كان قد أخرج دفتره وبدأ يخط تلك الملاحظة كي لا ينساها كعادته في نسيان كل شيء.
كانوا يجلسون في مقهى في وسط البلد في الساعة الخامسة مساء حيث نظر أحمد حوله إلى النساء والسيدات وقال
" هشقطلك واحدة عملي، هنفتح مكالمة من موبايلي لموبايلك بعد ما تمشوا وتفتحوا الاسبيكر. بس مش محدد بالخيط مشقط أنهي واحدة. "
" انقط اللي قاعدة هناك دي ولابسة عباية سودا. " اقترح قيس فتذمر أدهم " يا ابني إحنا
عايزين بنت مش أرملة ! "
ثم لحق به أحمد مقروفا " الله يخربيت ميتين أم ذوقك يا أخي! "
بس يا جهلاء، ايش عرفكم أنتم عن روعة وجمال وشياكة وأناقة العباية السودا .. وخصوصا الستان اللي متضيقة من على الوسط دي، بأموت في الإستايل ده " قال قيس فأضاف هشام ساخرا
" بتحب استايل أم عبير يعني ؟ "
" أيوة بدأت تفهمني أهو من فوق الثلاثين وأنت طالع وحبذا لو مطلقة مرتين أو أرملة ومعاها.
تلات عيال: "
" يكش يجيلك أرملة سوداء تلدغك وتجيب أجلك يارب " همس هشام من تحت أنفاسه فأخذ أحمد نقضا من السيجارة وأخرجه بعدم اهتمام
هم أدهم ليتكلم " أظن إن أنا يحب ال... " لكن أحمد قاطعه " لا أنت بالذات من مسموحلك
يكونلك استايل معين أنت متحب سارة غصبا عنك. "
" أنتوا قولتولي ما حبهاش ! " تذمر فضحك أحمد ونفخ الدخان من فمه وأجاب بطريقة ساخرة "
إحنا قولنالك .. بس أحلق دقني لو ماحبتهاش. *
توسعت أعين قيس ونظر لأدهم بربية ثم اعتدل في جلسته وبدأ بنصحه " ولا يا أدهم اوعى
تحيها أبوها لو عرفك هينفخك. "
أوماً هشام موافقا وأكمل " اسمع مني أبوها ده رجل رزل أصلا، أنا كنت مستحمله عشان
التقديرات. "
تنقلت أعين أدهم بين هشام وقيس ثم علق عينيه على أحمد الذي يضحك بخفوت وهو يكمل سيجارته ويحك ذقته وكأنه واثق تماما من كلامه
" على فكرة أنا عمري ما هحبها أنتم فاكريني يعني عشان الطواني وكده هحب أول واحدة
أكلمها !! " قال أدهم وهو يبتلع لعابه
" هي مش حلوة أصلا " ألقى قيس جملته بلا مبالاة ليجد أدهم يسخر " أم عبير هي اللي حلوة
صح؟ ولا .. أنت تحديدا ما تتكلمش عن الحلو والوحش. "
" أغبياء، ما فيش أي تقدير كده للعباية السودا خالص ... ياريت عندنا في الشيخ زايد فيه عبايات سودا، بس للأسف ما فيش. "
" ليه ؟ دور هتلاقي، أكيد القلل اللي حواليكم فيها خدامين " ضحك هشام عاليا وتبعه أحمد وأدهم فصك قيس على فكيه ولم يتكلم لأنه لم يجد شيئا لقوله
نهض أحمد وهو يقول " أنا هروح للبنت اللي هناك دي، شكلها خجولة شوية .. هتصل بيكم عشان تسمعوا المكالمة. ".
" لو سمحت يا انسة " قال فرفعت القناة عينيها له بتساؤل " نعم ؟ "
" الظاهر إن الباريستا بدل طلبي بطلبك " أكمل فنظرت الفتاة لكأس العصير ثم رفعت رأسها له وسألت " أنت طالب ايه ؟ "
" عصير مانجا، " أجاب فحمحمت الفتاة " طب هو ده نفس طلبي ممكن تكلم الجرسون ... " ابتسم وقضم شفته السفلى ثم قلب عينيه وهمس " أنا أسف ... بصي أنا مراقبك بقالي نص
ساعة ومالقيتش طريقة أكلمك بيها غير دي، أنا المفروض أمشي من ربع ساعة بس حسيت إني لو مشيت من غير ما تتكلم هضيعك وممكن ما أقابلكيش تاني أبدا. "
شعرت الفتاة بالصدمة وتوردت وجنتيها ولم تجد شيئا ترد به فاکمل بصوت دافئ وهادي " ممكن أقعد خمس دقايق ؟ "
لم ينتظر إجابتها وسحب كرسي ليجلس ممثلا التوتر مع ابتسامة خجولة مزيفة تعلو شفتيه
وتمتم " أنا عمري ما تصورت إلي ممكن أعمل كده أبدا ....
امتدت يد الفتاة نحو العصير التشرب منه بتوتر محاولة تمالك أعصابها
" أنا أحمد، مهندس ميكانيكا من الزمالك .. وأنت؟ "
نا أخفضت كأس العصير برجفة يد وهي تجيب " بسنت .. "
" بسنت .. اسمك مميز زيك " قال بابتسامة جانبية ساحرة ورأى وجه الفتاة يتورد أكثر
وأخفضت عينيها نحو يدها المرتعشة
" بسنت أنا عارف أن طلبي ممكن يتفهم غلط جدا بس صدقيني أنا مش شخص وحش وأول مرة في حياتي أعمل كده، أنا مهندس محترم وجد جدا بس حقيقي حاسس إني عايز أتعرف عليكي أكثر بس الوقت مش سامح لأني لازم أمشي دلوقتي عشان عندي شغل الصبح بدري
ويادوب أرجع بيتنا أكل وأخلص حبة حاجات فلو ممكن او مش هيزعجك أخد رقمك وممكن
نبقى تتواصل مع بعض ؟ "
شعرت القناة وكأنها في دوامة، إنها متذبذبة ما بين أنه يبدو لطيف ومهذب ووسيم وما بين أن هذا لا يجوز في مجتمعنا الشرقي
" لو مش موافقة فممكن تاخدي رقمي أنت صدقيني أنا عمري ما مضايقك، يتمني إنك تستشفي
صدقي لأني مش عيل من العيال الزبالة اللي بيلعبوا بالبنات. "
" ماشي .... " قالت الفتاة بتردد وبدأت تملى عليه رقمها حيث أخرج هو الهاتف وبدأ بتسجيله
بابتسامة واسعة ثم نهض وودعها واتخذ طريقه للخارج نحو ثلاثتهم
فور وصوله بدأ قيس بالتصفيق له " معلم واحنا منك تتعلم. "
" بتصقفله على الخيبة !! ذنبها ايه البنت تتعلق بيه وتستناه يتصل !! هي دي متعتكم اللعب
ببنات الناس ؟ " تهكم هشام فرمقه قيس بقرف وسخر
" ما تعملناش فيها شيخ، ما أنت موافق على اللي هنعمله في سارة عشان التعيين كلنا في الهوا
سواء "
تركهما أحمد يتجادلان ونظر لأدهم باهتمام " ها؟ أيه الدروس المستفادة اللي أنت خرجت بيها يا أدعوم ؟ "
اكتسى التوتر معالم أدهم الذي شعر بأنه في درس من دروس الثانوية والمدرس يسأله سؤالا وسط جميع الطلاب وإن لم يجيبه فسيضربه وسيخسر كرامته وسط الجميع فأجاب باندفاع وبدون تفكير
" أقولها أني كنت طالب مانجا ؟ "
سقطت ابتسامة أحمد بينما توقف هشام وقيس عن الشجار لينظروا لأدهم بخيبة
" يعني أنا بقالي عشر دقايق بعلق في البت وعامل فيها محترم وابن ناس وأنت كل اللي ركزت عليه المانجا ؟! "
وضع يده على قلبه وهمس " أه قلبي ... هتشل، هنشلوني منكم الله . ".
أحمد: هاتلي الحباية من على الجمل بسرعة
