رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع
تحول البيت في تلك الساعات إلى مساحة مكتظة بالحزن، كأن الجدران نفسها قد اكتست بالسواد، كان المكان يعج بفوضى ثقيلة؛ نساء بملابس سوداء يتحركن في صمت ثقيل، أصوات القرآن تتردد في الأرجاء لتهدئة الأرواح المكسورة، وأيادي تمتد للمصافحة، تتبعها كلمات عزاء تتكرر حتى فقدت معناها من كثرة ما قيلت.
وسط كل ذلك، كانت الدائرة الضيقة من الألم تدور حول رنيم وجواهر، وكأن المصيبة قد اختارت أن تستقر في قلبيهما تحديدًا.
أما سمية، فكانت بعيدة تمامًا عن هذا العالم، جسدها ممدد فوق فراشها كجسد منهك، وعيناها غارقتان في عالم آخر لا يمت للواقع بصلة. لم تكن ترى تلك الوجوه المتعزية، ولا تسمع التلاوات التي تملأ المكان، كل ما كان يملأ وعيها هو صورة حسام داخل أحلامها، يتكرر حضوره هناك كأنه لم يرحل قط. كانت ما تزال ترفض الاعتراف بالحقيقة، متشبثة بوهم يمنحها لحظات إضافية من الإنكار.
في الخارج، كان غريب وتامر وجواد يستقبلون عزاء الرجال. وجوههم متماسكة على السطح، لكن التعب بدا واضحًا في نظراتهم وحركاتهم البطيئة. كانوا يرددون كلمات الشكر والتعزية بآلية، بينما في الداخل كانت أرواحهم مثقلة بعبء الفقد.
جلست جواهر على الأريكة بعد أن خارت قواها تمامًا. لم تعد قدماها تتحملان الوقوف طويلًا، وكأن الحزن قد استنزف ما بقي في جسدها من طاقة. أمالت رأسها على كتف رنيم، وما إن وجدت ذلك السند الصامت حتى انفجرت شهقاتها من جديد، ترتفع وتختنق في صدرها كأنها تحاول إخراج الألم الذي يخنقها.
ربتت رنيم على قدمها برفق، محاولة أن تمنحها بعض القوة التي لم تكن هي نفسها تملكها، وقالت:
"أهدي شوية يا حبيبتي، خليكي أقوى من كده."
تكلمت بصعوبة وقالت:
"مش قادرة اصدق ان بابا خلاص مات، مش هيكون موجود على الكرسي بتاعه الصبح، مش هلاقيه فى الشركة فى مكتبه، مكنتش متخيله أن هيجي يوم وأخسره بالسرعة دي يا رنيم، ده وحشني من دلوقتي، هعمل ايه بعد كده؟"
شدتها رنيم إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تجمع شتات قلبها بين ذراعيها. خرجت منها تنهيدة حارة مثقلة بالذكريات، ثم تكلمت بحزن:
"ربنا أنعم علينا بنعمة النسيان، اه هيفضلوا عايشين جوه مننا، بس الدنيا هتشغلني بهمومها."
رفعت جواهر رأسها ببطء، وعيناها متورمتان من فرط البكاء، ونظرت إليها وكأنها تبحث في كلماتها عن عزاء حقيقي وقالت بصوت ضعيف:
"يعني انتي قدرتي تنسي خالو سلطان وطنط فريدة؟"
أغمضت رنيم عينيها للحظة، وكأن السؤال أعادها قسرًا إلى ذكرى مؤلمة لم تستطع يومًا دفنها. ثم تكلمت بصوت منكسر:
"منستش طبعا، بس طريقة موتهم وان شوفت ماما وهي بتتقتل قصادي وانا طفلة بالشكل ده هتفضل قصاد عيوني لاخر نفس فيا."
في تلك اللحظة خرجت ترنيم من غرفة سمية. وما إن خطت بضع خطوات حتى التقط سمعها كلمات رنيم الأخيرة. توقفت لثانية، وشعرت بوخزة حادة تخترق قلبها، كأن تلك الجملة أعادت إيقاظ جرح قديم لم يلتئم. لم تقل شيئًا، فقط ابتلعت ألمها بصمت، ثم تحركت نحو الخارج.
هتفت باسم جواد، فجاءها سريعًا. تكلمت بصوت مختنق وقالت:
"نادي على جواهر وخليها تاكل هي ورنيم لقمة من الصبح على لحم بطنهم."
أومأ برأسه فورًا، ثم اتجه إلى الداخل. اقترب من جواهر وأشار لها أن تأتي له. نهضت ببطء شديد، كأن كل خطوة تحتاج منها جهدًا مضاعفًا.
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع وقالت:
"نعم يا جواد."
مد يده ومسح على خدها بحنو وقال:
"مش ناوية تبطلي عياط شويه؟ عيونك وجعتك يا جواهر ادعيله بالرحمة وخليكي قوية، علشان خاطري."
حركت رأسها بوجع وتكلمت من بين شهقاتها:
"مش قادرة يا جواد، موت بابا صعب اوي عليا، أنا حاسه ان ده كابوس وهصحى منه."
لم يحتمل رؤيتها على تلك الحالة، فاحتضنها بقوة وقبل رأسها وقال بنبرة حنونة:
"كفايه بقى يا جواهر مش قادر اشوفك كده، قلبي بيتقطع علشانك."
تشبثت به بقوة، وكأن حضنه هو الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار الكامل، وانطلقت صرخاتها بالبكاء الحارق.
أبعدها قليلًا ومسح دموعها بأصابعه، ثم تكلم بنبرة هامسة وهو يعيد خصلة من شعرها خلف أذنها:
"تعالي انتي ورنيم المطبخ اعملكم سندوتش تاكلوا، انتوا من الصبح مأكلتوش حاجه."
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا ماليش نفس، علشان خاطري سيبني براحتي يا جواد."
قبل رأسها مرة أخرى وقال بهدوء: "علشان خاطري كلي لقمة صغيرة، يلا يا حبيبتي تعالي معايا."
نظرت إليه بحزن، ثم أومأت برأسها أخيرًا واتجهت نحو رنيم وقالت بصوت هامس:
"رنيم تعالي المطبخ، جواد هيعمل لينا سندوتشات ناكلها، علشان نقدر نصلب طولنا شوية."
أغلقت رنيم عينيها بضيق وقالت بصوت مختنق:
"مش عايزة منه حاجه، روحي انت."
زفرت جواهر بضيق وقالت بنفاذ صبر:
"ده وقته بذمتك يا رنيم."
تكلمت بغضب وقالت:
"اه وقته يا جواهر، اتفضلي انتي روحي معاه، أنا لا طايقه اشوف وشه ولا وش امه."
نظرت جواهر إليها بضيق، ثم تحركت نحو المطبخ وهي تكتم غضبها. جلست على المقعد، وما إن استقرت حتى عادت دموعها تنساب من جديد.
وضع جواد الطعام أمامها وقال متسائلًا:
"امال فين رنيم؟"
تكلمت بصوت مختنق:
"مرضتش تيجي."
أومأ برأسه، ثم أمسك السندوتش وأعطاه لها وقال:
"طيب خدي كلي."
أمسكته وأخذت منه قطعة صغيرة بالكاد تذوقتها، ثم حركت رأسها بالرفض وقالت:
"مش قادرة يا جواد علشان خاطري متغصبش عليا."
زفر بضيق وجلس بجوارها وقال بحزن:
"جواهر اهدي علشان خاطري أنا خايف عليكي، عارف ان غصب عنك، بس ده عمره وانتهى، والعياط مش هيرجعه."
أمالت رأسها على كتفه، والدموع تتسابق على خديها، ثم تكلمت بصعوبة:
"انت عارف انا حاسه بأية يا جواد؟ حاسه ان روحي بتنسحب مني، مخنوقة وباخد نفسي بالعافيه، وبردانه اوي."
ضمها أكثر إلى صدره، وراح يحرك يده على ذراعيها في محاولة لتدفئتها وقال بنبرة حنونة:
"تيجي اخدك لدكتور، علشان ماما مش هتقدر تكشف عليكي وهي فى الحالة دي؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا، بس ضمني جامد، دفيني يا جواد."
اعتدل جواد في جلسته، نزع الجاكيت عن كتفيه ثم جلس مرة أخرى ووضعه حولها، وأحاطها بذراعه بينما أخذ يحرك ذراعه الآخر على كتفيها في محاولة لبعث الدفء في جسدها المرتجف.
مر بعض الوقت ببطء، حتى شعر أن جسدها قد هدأ وسكنت حركتها بين ذراعيه، نظر إليها فوجدها قد غلبها النوم أخيرًا، والدموع ما تزال مرسومة على خديها.
مسح تلك الدموع برفق شديد، ثم حملها بين ذراعيه بحذر كأنها شيء ثمين يخشى كسره. اتجه بها إلى غرفتها، وضعها على السرير بهدوء، وسحب الغطاء فوق جسدها.
انحنى يقبل رأسها في صمت، ثم تحرك نحو الباب، أطفأ الضوء، وخرج من الغرفة بهدوء وأغلق الباب خلفه.
كان الممر هادئًا على نحو غريب، وكأن البيت بعد ضجيج العزاء الطويل قد بدأ يستسلم شيئًا فشيئًا لصمت ثقيل. تحرك جواد بخطوات بطيئة، وما زال ذهنه عالقًا بصورة جواهر وهي نائمة والدموع على خديها، لكن ذلك السكون لم يدم طويلًا.
فجأة، التقط سمعه صوت أنين خافت يتسلل من خلف باب غرفة رنيم.
توقف في مكانه، وتقلصت ملامحه بقلق واضح، اقترب من الباب وطرق عليه بخفة وهو يقول بصوت متوتر:
"رنيم انتي كويسه؟"
لم يصله أي رد.
ازداد القلق في صدره، فطرق الباب بقوة أكبر وقال:
"رنيم ردي عليا، انتي جوه؟"
لكن بدلاً من الإجابة، ازداد صوت الأنين من الداخل، صوتًا ضعيفًا متقطعًا كأن صاحبه يصارع من أجل التقاط أنفاسه. لم يحتمل الانتظار أكثر، فدفع الباب بسرعة.
اتسعت عيناه بصدمة.
كانت رنيم ملقاة على الأرض بجوار السرير، جسدها ساكن بشكل مخيف، وعلى مقربة منها سقط دواء التنفس. بدا المشهد كله كأنه حدث فجأة وبقسوة.
اندفع نحوها بسرعة، ركع بجانبها وحملها قليلًا وهو يربت على وجهها بلطف محاولًا إيقاظها وقال بقلق واضح:
"رنيم ردي عليا، رنيم."
لكنها لم تتحرك، لم ينتظر ثانية أخرى، نهض بسرعة وحملها بين ذراعيه ووضعها على السرير بحذر، ثم اندفع خارج الغرفة بخطوات متسارعة كأن الأرض تضيق به.
هبط الدرج سريعًا يبحث بعينيه عن والدته، وما إن رآها حتى اقترب منها وقال بصوت خافت لكنه مضطرب:
"ألحقي رنيم يا أمي لاقيتها مغمي عليها وجنبها العلاج ده."
انتفضت ترنيم من مكانها كأن الكلمات أصابتها بصاعقة، واتسعت عيناها بقلق حقيقي وقالت:
"الأزمة، رنيم عندها حساسية صدر ومع الحزن والعياط جاتلها الأزمة، روح بسرعه لأقرب صيدليه، وهاتلها البخاخه دي."
أومأ جواد برأسه دون أن يضيع لحظة، ثم اندفع خارج المنزل يركض.
أما ترنيم فصعدت الدرج بسرعة، خطواتها متلاحقة وقلبها يخفق بقوة داخل صدرها، دفعت باب غرفة رنيم ودخلت مسرعة، ثم جلست بجوارها وراحت تربت على وجهها بحنان، بينما انهمرت الدموع على خديها وقالت بصوت مرتجف:
"متخافيش يا قلب وروح ترنيم، أنا جنبك، وهتبقى كويسه."
نهضت بعدها بسرعة وفتحت خزانة الملابس تبحث بارتباك عن جهاز التنفس. كانت يداها تتحركان بعجلة بين الأشياء حتى وقعت عيناها على صورة موضوعة بين الملابس.
صورة تجمع سلطان وفريدة ورنيم.
تجمدت للحظة.
حملت الصورة ببطء، ونظرت إليها بعينين ممتلئتين بالألم. مرت الذكريات في ذهنها كوميض سريع، لكنها لم تسمح لنفسها بالاستسلام لها. أعادت الصورة إلى مكانها بسرعة، ثم واصلت البحث حتى وجدت الجهاز.
التقطته فورًا، واتجهت به نحو السرير وبدأت في تجهيزه بيدين مرتجفتين. رفعت رأس رنيم برفق، وضعت القناع على وجهها وضبطت موضعه جيدًا، ثم ضغطت على الزر.
جلست بجوارها بعدها تمسك يدها، تتحسس نبضها وتراقب حركة صدرها بقلق شديد. ومع مرور اللحظات بدأ صدرها يهدأ قليلًا، فتنفست ترنيم بارتياح خفيف.
انحنت تقبل يدها بحب، ثم همست بصوت دافئ:
"هفضل جنبك يا زهرتي، اخد بالي منك وارعاكي، انتي اصلا جميلة اوي ومهما كبرتي والزمن غيرك، هتفضل ملامحك بريئه زي ما هي، وحشتني ايامنا سوى يا رنيم."
وبينما كانت كلماتها تنساب بحنين قديم، بدأت رنيم تحرك رأسها قليلًا. رفرفت جفونها ببطء حتى فتحت عينيها.
وما إن وقعت نظراتها على ترنيم حتى انتفضت فجأة، محاولة نزع القناع عن وجهها.
تكلمت ترنيم بسرعة وهي تمسك بيدها:
"أهدي يا رنيم مينفعش تشيلي المسك دلوقتي لحد ما جواد يجيب البخاخة، انتي الأزمة جاتلك، ولولا ستر ربنا وجواد سمعك كان زمانك مرمية فى الاوضة محدش حاسس بيكي، حمدالله على السلامه يا بنتي."
أغلقت رنيم عينيها بحدة، ثم نزعت القناع بعصبية وقالت بغضب:
"اطلعي بره، مش عايزة اشوفك، وملكيش دعوة بيا اتعب ولا اموت دي حاجة متخصكيش."
تنهدت ترنيم بألم، وكأن الكلمات أصابتها في موضع حساس، ثم قالت بصوت مختنق:
"يا ابنتي أنا خفت عليكي، قمت بدوري گ دكتورة قبل أي حاجة، زمان لما جالك نفس الدور، كنت أنا أول واحده تكون جنبك وقتها، رغم كان قلبي لسه مجروح من ابوكي، بعدين، لا ده وقته ولا ده مكانه، اهم حاجه تبقى كويسه دلوقتي."
دفعتها رنيم بقوة بعيدًا عنها وقالت بغضب أشد:
"أنا عمري ما هكون كويسه طول ما انتي قصادي، اطلعي بررره."
هزت ترنيم رأسها بالرفض، وعيناها تلمعان بدموع حبيسة، ثم قالت بصوت مختنق:
"انتي مستحيل تكوني اخده قلب ابوكي الطيب، انتي اخده حقد وقلب امك الاسود، أنا وعد ابوكي أن هحافظ عليكي لاخر نفس فى عمري، وانا قد الوعد ده وهحميكي، حتى لو ده كلفني عمري كله يا رنيم، ربنا يهديكي ويصلح حالك يارب."
أنهت كلماتها بصعوبة، ثم غادرت الغرفة بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تقتطع جزءًا من قلبها.
ظلت رنيم تنظر إلى الباب الذي خرجت منه للحظات، وعيناها تشتعلان ببريق قاتم، حتى بدا لونهما كأنهما تحولا إلى لون الدم.
ثم قالت بصوت مليء بالحقد والكراهية:
"اصبري عليا، وانا هوريكي سواد وحقد امي اللي بتقولي عليهم بجد."
جلست بعدها على السرير ببطء، وأرجعت شعرها إلى الخلف، بينما كان الغضب يغلي في صدرها كجمر لا ينطفئ.
**************************
مرت عدة أيام…
كان الحزن ما يزال مخيمًا على المكان كغيمة ثقيلة لا تريد أن تنقشع. الصمت أصبح ضيفًا دائمًا في البيت، حتى الجدران بدت وكأنها فقدت صوت الحياة الذي كان يملؤها. لم تعد جواهر تلك الزهرة المتفتحة التي كانت تملأ الأرجاء بعطر حضورها وضحكاتها الدافئة؛ صارت تتحرك ببطء، بنظرات شاردة وابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها.
أما رنيم…
فكانت تحاول أن تبدو قوية كما اعتاد الجميع رؤيتها، لكن الحقيقة التي لا يعلمها أحد أن تلك القوة لم تعد سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها هشاشة موجعة. داخلها كان شيء ما يتكسر بصمت، بين الحزن والغضب والفراغ الذي تركه حسام خلفه.
علاقتها مع ترنيم ما زالت متوترة؛ نظرات باردة، كلمات مقتضبة، وصمت طويل مليء بأشياء غير قيلت.
وفي وسط كل ذلك، كان جواد يحاول أن يبقى صامدًا، يحاول أن يكون السند الذي تحتاجه جواهر، يعوض ولو جزءًا بسيطًا من الفراغ الذي تركه حسام. كان يفعل ذلك بصمت، بكلمة طيبة أحيانًا، وبوجوده الهادئ أحيانًا أخرى.
أما الشركة…
فقد بدأت عجلة العمل تعود للدوران ببطء، لكن شيئًا واضحًا كان مفقودًا، خبرة سنوات طويلة.
كان حسام هو العقل الذي أسس كل شيء، الرجل الذي يعرف كل تفصيلة صغيرة في هذا المكان، والآن، اختفى فجأة.
وأصبحت رنيم وحدها في المواجهة.
كانت هذه أول تجربة حقيقية لها لتدير شركة بهذا الحجم بمفردها.
جلست على مقعدها خلف المكتب في أول يوم عمل لها بعد وفاة حسام.
بدت وكأنها لم تنم منذ أيام؛ ملامح وجهها باهتة، والهالات الخفيفة تحت عينيها تكشف إرهاقها. حتى ذلك البريق المعتاد في عينيها، اختفى، وكأن الحزن سرقه منها.
مدت يدها ببطء وأمسكت سماعة الهاتف، ثم ضغطت الزر وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الاختناق الذي يسكنه:
"هات الملفات اللي محتاجه توقيع وجهز أجتماع بكل الاداريين كمان ساعة."
أنهت كلامها وأعادت السماعة إلى مكانها، ثم أسندت مرفقيها على المكتب ورفعت يدها إلى مقدمة رأسها تفركها بأصابعها ببطء، كأن الألم يتجمع هناك. أغمضت عينيها لثواني قصيرة محاولة أن تستجمع ما تبقى من قوتها.
بعد لحظات قليلة فتح الباب ودخل السكرتير، تقدم بخطوات هادئة ووضع مجموعة من الملفات على سطح المكتب بعناية، ثم تنحنح قليلًا قبل أن يقول بصوت مهذب يحمل شيئًا من التردد:
"باشمهندسة رنيم، استاذ شاهين الرواي بره وعايز يقابل حضرتك."
في اللحظة التي نطق فيها الاسم، تغيرت ملامح رنيم تمامًا.
اختفى الإرهاق من وجهها فجأة، وحل مكانه غضب حاد اشتعل في عينيها. رفعت رأسها ببطء شديد، ونظرت إليه من أسفل نظارتها الطبية بنظرة باردة كأنها شفرة حادة.
قالت بصوت منخفض لكنه قاطع:
"دخلوا."
أومأ السكرتير بسرعة وغادر المكتب.
لم تمر سوى ثواني معدودة حتى دوى طرق خفيف على الباب، ثم فتح ببطء، ومن خلفه ظهر شاهين.
وقف للحظة عند العتبة، بنظراته الباردة التي حملت شيئًا واضحًا من الشماتة. كانت عيناه تتجولان في المكتب ببطء، قبل أن تستقر على رنيم.
تقدم إلى الداخل بخطوات واثقة، بطيئة، وكأنه يتعمد أن يستفزها.
لم يلقي التحية، لم يبدي أي احترام، فقط سحب المقعد المقابل لها وجلس عليه بكل كبرياء، واضعًا قدمًا فوق الأخرى وكأنه صاحب المكان.
راقبته رنيم بصمت لثواني.
ثم نزعت نظارتها الطبية بعصبية خفيفة وألقتها على سطح المكتب، وأسندت ظهرها إلى المقعد خلفها محاولة أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي بدأت تشتعل داخل صدرها.
وتكلمت بهدوء حذر:
"خير؟ ايه الطلة اللي مش مرحب بيها دي؟"
ارتسمت على وجه شاهين ابتسامة بطيئة، ابتسامة هادئة لكنها مليئة بالاستفزاز. أمال رأسه قليلًا وهو ينظر إليها كأنها مشهد ممتع أمامه، ثم أجابها بنبرة رجولية واثقة:
"أنا اديتك وقتك تزعلي على جوز عمتك بما فيه الكفاية، مش يلا بقى نبدأ شغلنا! ولا أيه رأيك يا صغنن؟"
في تلك اللحظة انقبض فك رنيم بقوة حتى كاد صوت أسنانها يسمع.
قبضت أصابعها على طرف المكتب محاولة أن تتحكم في نفسها، لكن الغضب كان يتصاعد داخلها كالنار.
تكلمت باستهزاء واضح:
"وانت متخيل أن بعد اللي حصل بسببك لأونكل حسام؟ هاجي واقولك أوامرك يا سيد الناس، انت أهبل؟ أنا وأنت بقى بينا عدواه نهايتها الدم يا شاهين."
رفع شاهين كتفيه بلا مبالاة، وكأن كلماتها لا تعنيه بشيء، وقال ببرود مستفز:
"والله العداوة دي انتي اللي بدأتيها مش أنا، وأنا باخد حقي منك بطريقتي، وموت حسام ده كان البداية، ولسه اللي جاي كتير."
اتسعت عينا رنيم للحظة، ثم نهضت فجأة من مقعدها.
تحركت نحوه ببطء، خطوة بعد الأخرى، نظراتها مثبتة عليه كأنها تتحداه. كانت المسافة بينهما تقل تدريجيًا حتى وقفت أمامه مباشرة.
قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
"انت بدأت أول خطوة واللي جاي كله بتاعي."
ثم رفعت ذقنها قليلًا وأضافت بتحدي واضح:
"وهعرفك اللي يفكر يلعب مع بنت سلطان الدسوقي آخرته أيه؟"
لكن قبل أن تستوعب ما يحدث،
تحرك شاهين فجأة.
مد يده بسرعة وسحبها نحوه، لتجد نفسها في لحظة تسقط داخل أحضانه.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، بينما أجلسها على قدمه وأحكم ذراعه حولها بقوة تمنعها من الحركة. اقترب من أذنها وهمس بصوت خافت دافئ لكنه يحمل خطورة واضحة:
"بيعجبني اوي اللعب اللي بيبقى كله تحدي، وبالذات لما يكون مع واحدة قويه وجميله زيك، بستمتع اوي، بس فى الآخر، المكسب بيكون على حجري زيك كده يا صغنن."
اشتعل الغضب داخل رنيم أكثر.
بدأت تتحرك بعنف محاولة الإفلات منه، تضرب بيديها وتدفعه بكل قوتها، لكنه كان ممسكًا بها بإحكام شديد.
وفجأة اقترب بوجهه منها أكثر، بدرجة جعلت أنفاسه الساخنة تلامس وجهها.
تحدث قرب شفتيها مباشرة دون أن يلمسهما:
"بس طبعا كل خساره ليها حكم، وانا حكمي هيكون صعب عليكي يا صغنن، بس متشوق ليه اوووي."
وفي اللحظة نفسها كانت يده تتحرك بطريقة مستفزة على جسدها.
انفجرت رنيم بصراخ حاد وهي تدفعه بكل ما لديها من قوة:
"أبعد عني يا حيوان، أنا قرفانه منك، أنا هوريك يا شاهين، هدفعك التمن غالي."
تركها أخيرًا، لكن ببطء شديد، كأن إطلاقها كان جزءًا من اللعبة. ظل يراقبها وهي تبتعد عنه وعيناها تشتعلان غضبًا.
ثم تعالت ضحكته.
نهض من مكانه واستقام بجسده وقال بتسلية واضحة:
"اللعب معاك مسلي، يا صغنن."
دفعت رنيم صدره بقوة وهي تصرخ:
"اطلع بره يا حيوان، اطلع بررره."
نظر إليها لحظة أخيرة، ثم استدار متجهًا نحو الباب، ضحكته الخافتة ما زالت تخرج منه وكأنه خرج منتصرًا من معركة ممتعة.
فتح الباب وغادر.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه، انفجرت رنيم.
ضربت سطح المكتب بقبضتها بقوة حتى ارتجت الملفات فوقه، وصرخت بصوت مليء بالغضب والاحتقان:
"هقتلك يا شاهين هقتلك."
**************************
وصلت أروى إلى جامعتها الخاصة في وقت مبكر من الصباح، كانت الشمس قد بدأت تشرق بخجل فوق مباني الحرم الجامعي، بينما امتلأ المكان بحركة الطلاب وأصواتهم المتداخلة.
سارت أروى بخطوات هادئة عبر البوابة، حقيبتها على كتفها ونظراتها شاردة قليلًا. كانت تحاول أن تبدو طبيعية، أو ربما كانت تحاول فقط أن تتجاهل شيئًا بداخلها.
لكن خطواتها تباطأت فجأة، على بعد عدة أمتار منها، كان يقف ميرو، لم يكن وحده.
كان واقفًا بجوار تلك الفتاة، يتحدث معها ويضحك، وكأن العالم كله لا يعنيه. كانت الفتاة تقترب منه بطريقة واضحة، تميل نحوه وهي تتحدث، بينما هو لم يبد منزعجًا إطلاقًا.
توقعت أروى أن تشعر بشيء، غضب، غيرة، ألم، أي شيء.
لكن الغريب، أن قلبها ظل هادئًا.
لا نبضة تسارعت، ولا نار اشتعلت داخل صدرها.
فقط ابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالتهكم، وكأن المشهد أمامها لم يكن أكثر من نكتة سيئة.
ثم أكملت طريقها وكأنها لم تر شيئًا.
لكن قبل أن تبتعد كثيرًا، سمعت صوته يهتف خلفها:
"أروى!"
توقفت في منتصف الطريق.
لم تلتفت.
وقفت ثابتة في مكانها، وكأنها تمنح نفسها ثانية واحدة فقط لتقرر، هل يستحق حتى أن تنظر إليه؟
اقترب منها بسرعة، حتى وقف خلفها مباشرة، ثم أمسك يدها فجأة وقال بصوت بدا فيه شيء من الحنين المصطنع:
"وحشتيني."
نظرت إلى يده التي تمسك بها لثواني، ثم سحبت يدها منه ببطء وكأنها تخلص نفسها من شيء مقرف، وقالت بتهكم واضح:
"وحشتك؟ امم، لا واضح فعلا أن وحشتك، اخبار الويك أند أيه؟ حلو؟"
ارتبك ميرو فورًا، تبدلت ملامحه للحظة، وكأن السؤال أصابه في نقطة لم يكن مستعدًا لها، نظر حوله بسرعة ثم عاد ينظر إليها وقال بتلعثم:
"ها، ا اه حلوه بس كانت نقصاكي."
ارتسمت على وجه أروى ابتسامة ساخرة، ابتسامة خفيفة لكنها مليئة بالاستهزاء.
أومأت برأسها ببطء وقالت:
"روح للعسل اللي كانت واقفه معاك ميصحش تسيبها لوحدها."
تغيرت ملامح ميرو بسرعة، وقال مستعجلًا وكأنه يحاول إنقاذ الموقف:
"ل لا والله مافيش ما بينا حاجه، حتى حاولة تقرب مني كتير بس كنت بصدها، انتي عارفه أن مافيش غيرك فى قلبي."
عقدت أروى ذراعيها على صدرها، وثبتت عينيها عليه بنظرة طويلة جعلته يتوتر أكثر.
ثم قالت بهدوء متعمد:
"ميرو، هو أيه اخرت علاقتنا دي؟ يعني ناوي تعمل ايه بعد كده؟"
تجمد للحظة.
تنحنح وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكنه فشل تمامًا، وقال بعدم فهم مصطنع:
"م مش فاهم، لزمته ايه السؤال ده دلوقتي؟"
ابتسمت أروى ابتسامة هادئة، لكنها كانت ابتسامة شخص اتخذ قراره بالفعل، وقالت:
"هو ايه اللي لزمته السؤال ده دلوقتي؟ مش بسألك علشان اعرف ايه الخطوة الجايه فى حياتنا أنا وأنت؟"
مرر يده في شعره بتوتر واضح، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
"ا اكيد يعني هيكون ف في ارتباط."
أومأت أروى برأسها ببطء، وكأنها تحلل كل كلمة خرجت من فمه، ثم قالت بتساؤل هادئ لكنه مباشر:
"ايوه ما أنا عارفه أن هيكون فيه أرتباط، بس ارتباط من أنه نوع؟"
ازدادت ملامح التوتر على وجهه، وبدأ يشعر أن الحديث يسير في اتجاه لا يريده.
تنحنح مرة أخرى وقال:
"انتي فيه أيه؟ مالك النهارده غريبه كده؟ كل ده علشان مجتيش معايا؟"
في تلك اللحظة، اختفت الابتسامة من وجه أروى تمامًا.
زفرت بضيق، ونظرت إليه بنظرة مليئة بالاحتقار وقالت بغضب واضح:
"انت واطي وجبان، كل حاجه عملتها انت والقطة التانيه، وصلتلي صوت وصورة، بجد خالو تامر كان عنده حق فى كل كلمة قالها عليك، حسك عينك تشوفني فى مكان وتيجي تكلمني فاهم."
أنهت كلامها واستدارت لتغادر.
لكن قبل أن تخطو خطوتين، ركض خلفها وأمسكها بقوة من ذراعها.
استدارت إليه بعنف، بينما هو كان ينظر إليها بنظرة مختلفة تمامًا، نظرة رجل جرح غروره، وقال بغضب واضح:
"لا يا حلوة فؤقي لنفسك وأعرفي انتي بتتكلمي مع مين كده، أنا مافيش واحده تسيبني، أنا اللي اسيب لما مزاجي يعوز كده."
في اللحظة التالية، دفعت أروى يده بعيدًا عنها بقوة.
ثم رفعت يدها وصفعته على وجهه صفعة قوية دوى صوتها في المكان.
وقالت بحدة شديدة:
"أبعد عني يا حيوان، ولو فكرت تتعرض ليا تاني أنا اللي هعرفك أنا مين وبنت مين، فاهم."
لم تنتظر رده. استدارت بسرعة وتحركت بعيدًا عنه بخطوات سريعة، بينما كانت أنفاسها تتصاعد من شدة الغضب.
أما هو، فبقي واقفًا في مكانه لثواني، يضع يده على خده مكان الصفعة، وعيناه تشتعلان غضبًا وكرامة مجروحة.
نظر إلى أثرها وهي تبتعد، وقال بصوت منخفض مليء بالوعيد:
"ماشي يا حلوة مبقاش أنا، لو مكنتش ادفعك التمن غالي اوي."
ثم استدار ببطء وعاد إلى تلك الفتاة مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت عيناه تتجهان نحو الطريق الذي اختفت فيه أروى، نظرة تحمل وعدًا واضحًا بالانتقام.
**************************
عند جواهر…
كانت تجلس على مقعدها كتمثال فقد روحه.
عيناها لا تنظران إلى شيء محدد، فقط تحدقان في الفراغ أمامها وكأنها تبحث فيه عن شيء ضاع ولن يعود.
وجهها شاحب بشكل واضح، والهالات السوداء تحت عينيها بدت أعمق من المعتاد، كأن النوم هجرها منذ أيام طويلة.
كانت الدموع تنساب على خديها ببطء دون أن تحاول حتى أن تمسحها.
كلما مرت صورة من ذكرياتها مع والدها في عقلها، وهي طفلة تمسك يده، أو وهو يضحك معها، أو صوته وهو يناديها بحب، كان قلبها ينقبض أكثر.
الاشتياق له أصبح ألمًا حقيقيًا يسكن صدرها، ألم لا يهدأ مهما حاولت أن تتماسك.
في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بهدوء.
دخل جواد بخطوات مترددة قليلًا.
بمجرد أن وقعت عيناه عليها، توقف مكانه للحظة.
كان المشهد أمامه يوجع القلب.
رآها جالسة بلا حركة تقريبًا، نظراتها شاردة والدموع تنساب على وجهها دون توقف، وكأنها لم تعد تملك القدرة حتى على مقاومة حزنها.
تنهد بحزن عميق، ثم اقترب منها ببطء.
جلس على حافة المكتب أمامها، ومد يده يمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن تنكسر بين يديه.
ثم تكلم بصوت رجولي دافئ، حاول أن يخفي فيه قلقه:
"طيب وآخرت اللي انتي فيه ده ايه؟ على طول سرحانه ودموعك مش بتوقف، ولا بتاكلي ولا بتشربي، ولا بتتكلمي، وحشتني ضحكتك يا جوجو."
بمجرد أن سمعت صوته، انهارت.
تعالت شهقاتها فجأة وكأن الكلمات كسرت السد الذي كانت تحاول أن تبنيه داخلها.
وقالت بصعوبة بين دموعها:
"بابا وحشني اوي يا جواد، الحياة وحشه اوي من غيره، أنا نفسي يرجع لو ثانيه واحده بس احضنه واشم ريحته، أنا حاسه ان حياتي وقفت من اللحظه اللي بابا سابني فيها."
انقبض قلب جواد بشدة وهو يسمع كلماتها.
مال بجسده للأمام ببطء، وقبل رأسها بحنان شديد، ثم أمسك وجهها بين يديه بلطف، وأجبرها أن تنظر إلى عينيه.
كانت عيناه مليئتين بالصدق والقلق عليها.
وقال بهدوء عميق:
"أنا حياتي واقفه عليكي يا عمري، نفسي اشوف ضحكتك من تاني، وحشتني جواهر الفرفوشة اللي مكانتش بتبطل ضحك وهزار، وحشتني المصايب بتاعتك، والمشاكل اللي كنتي بتعمليها ليا، ارجعيلي يا جوجو، وأيدي فى ايدك نعدي الصعب سوا، ونوصل لبر الآمان."
أغلقت جواهر عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تحبس دموعها، لكنها فشلت.
وقالت بصوت متكسر بين شهقاتها:
"صدقني يا جواد نفسي ارجع زي زمان، بس كل ضحكه بتيجي قصادي صورة بابا، تسبقها دمعه، أنا حاسه نفسي مش كويسه خالص، ا أنا بيجيلي افكار وحشه اوي وانا لوحدي، كل ما افتكر ان بابا خلاص مات ومش هشوفه تاني، بلاقي دماغي تخدني أن أعمل حاجه فى نفسي علشان اروح ليه، انا بقيت اخاف اقعد لوحدي يا جواد."
تجمد جواد في مكانه للحظة.
شعر وكأن قلبه انقبض بقوة داخل صدره.
فكرة أنها قد تؤذي نفسها، كانت كفيلة بأن تبث الرعب داخله.
حرك رأسه بسرعة بالرفض، وازداد تمسكه بيديها وقال بترجي صادق:
"اوعي يا جواهر ارجوكي، انتي لو عملتي اللي بتقولي عليه ده، يبقى بتحكمي عليا بالموت أنا كمان، انا عايش علشانك انتي وبس."
ظل ينظر إليها لحظة طويلة، كأنه يفكر في شيء ما، شيء ظل يدور في رأسه منذ فترة.
ثم تنهد ببطء، وقال بصوت مليء بالمشاعر:
"تتجوزيني يا جواهر؟"
رفعت جواهر رأسها فجأة.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وكأنها لم تستوعب ما قاله.
وقالت بدهشة واضحة:
"اتجوزك! دلوقتي يا جواد؟"
أومأ برأسه بهدوء، ثم قال موضحًا:
"ايوه يا جواهر، انا اصلا كنت ناوي اخد الخطوة دي واتقدملك، بس قولت استنى لما أروى تتخرج السنه دي، لكن خلاص مش قادر أستحمل بعدك عني اكتر من كده، أنا محتاجك وانتي محتاجاني، هكتب كتابك دلوقتي، والفرح بعد ست شهور علشان الوقت دلوقتي مش مناسب، ايه رأيك؟"
انخفضت نظرات جواهر مرة أخرى.
تنهدت بوجع عميق، وكأن قلبها عاد إلى نفس النقطة المؤلمة.
وقالت بصوت مختنق:
"كان نفسي بابا يكون موجود دلوقتي، كان هو اول حد هجري عليه واترمي فى حضنه من الفرحه، اااه يا بابا ليه سبتني دلوقتي وانا محتاجلك ليييه؟"
لم يحتمل جواد رؤيتها بهذا الشكل أكثر.
فتح ذراعيه وجذبها إلى صدره بقوة.
احتضنها وكأنه يحاول أن يحميها من العالم كله، وربت على ظهرها بحنان وهو يقول بصوت هادئ:
"علشان خاطري اهدي يا جواهر."
تمسكت به جواهر بقوة، كالغريق الذي يتمسك بطوق النجاة.
وظلت تبكي، تبكي بحرقة ووجع، وكأن كل ما بداخلها يخرج في تلك اللحظة.
****************************
بالمساء…
كان الهدوء يخيم على الغرفة، لا يسمع فيها سوى صوت أنفاس هادئة تتردد في المكان.
كانت الإضاءة الخافتة تنعكس على الجدران بلون دافئ، لكن ذلك الدفء لم يكن كافيًا ليبدد الحزن الذي يسكن قلب ترنيم.
تمددت على فراشها بجوار غريب، جسدها بدا مرهقًا كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
ملامحها كانت شاحبة قليلًا، وعيناها تحملان ذلك الحزن الصامت الذي لا يحتاج إلى كلمات ليفهم.
لاحظ غريب حالتها.
نظر إليها لحظة طويلة، ثم مد ذراعه نحوها بابتسامة حنونة، وكأنه يفتح لها ملاذًا آمنًا يهرب إليه قلبها المتعب.
وقال بلطف:
"تعالي يا قلبي."
نظرت إليه ترنيم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة حزينة، كأنها محاولة خجولة لإخفاء ما بداخلها.
اقتربت منه ببطء، ثم دخلت بين ذراعيه واستقرت في حضنه، وكأنها وجدت المكان الوحيد الذي تستطيع أن تضع فيه رأسها دون خوف.
قالت بصوت مختنق قليلًا:
"أنا زعلانه اوي على سمية، من يوم موت حسام وهي على طول نايمه بتهرب من الواقع، مش قادرة تصدق، أن حسام مات بجد وسابها، كتر خيرها، حسام بالنسبه ليها مش مجرد شخص عادي، حسام كان دنيتها كلها ابوها واخوها وابنها وحبيبها وجوزها وأبو بنتها، أنا اكتر واحده حاسه بيها، علشان حضرت معاها اول دقة قلب ليها، وقفتها ليه فى الشباك، فرحتها لما يسلم عليها، دخلت هندسه مخصوص علشان تبقى زيه، حبه عاش معاها جميع مراحل عمرها، مش سهل عليها تتقبل فكرة موته بالسهولة دي."
بينما كانت تتحدث، كانت عيناها تلمعان بدموع حاولت أن تخفيها، وكأن كلماتها تعيد أمامها شريط حياة كاملة عاشتها سمية مع حسام.
ربت غريب على ذراعها بحنان، حرك يده ببطء كأنه يحاول أن يهدئ ذلك الحزن المتدفق من صوتها.
وقال بنبرة هادئة:
"ربنا يصبرها ويقويها، الفراق مش سهل، وبالذات لما يكون حبيب عمرها."
أغمضت ترنيم عينيها ببطء.
كأن تلك الكلمات أعادت إلى ذاكرتها شيئًا حاولت أن تنساه.
خرجت منها تنهيدة طويلة ساخنة، وقالت بصوت مختنق:
"عندك حق، الفراق أكتر حاجه مؤلمة ميحسش بيه غير اللي مر بوجعه."
ساد صمت قصير بينهما.
كأن كل واحد منهما غرق في أفكاره الخاصة.
لكن ترنيم لم ترد أن تبقى في تلك الذكريات المؤلمة أكثر، فحاولت أن تغير الحديث سريعًا.
رفعت رأسها قليلًا وقالت:
"جواد عايز يتقدم لجواهر يا غريب."
رفع غريب حاجبيه بدهشة واضحة، ونظر إليها باستغراب قبل أن يقول:
"دلوقتي! انتوا شايفين أن الوقت مناسب لحاجة زي كده؟"
تحركت ترنيم قليلًا في حضنه، ثم قالت بهدوء محاولة أن تشرح له وجهة نظرها:
"أنا شايفه أن ده انسب وقت يا غريب البنت مدمرة خالص بسبب موت ابوها، محتاجه جواد جنبها يقويها، وكمان دلوقتي هما مش معاهم راجل، وميصحش ابنك يكون داخل خارج عندهم من غير حاجة رسمي، الناس هتتكلم، هو قالي هيلبس شبكة ويكتب الكتاب على الضيق كده، والفرح هيخليه بعد ست شهور، يكون الدنيا هديت شويه ويكون جهز الدور بتاعه."
ظل غريب صامتًا لثواني، يفكر في كلامها.
ثم تنهد بهدوء، وكأنه اقتنع بما قالته، ورد عليها بنبرة دافئة:
"تمام يا حبيبتي اللي انتوا شايفينه صح أنا معاكم فيه."
ارتسمت على وجه ترنيم ابتسامة حقيقية هذه المرة.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه بحب وقالت:
"ربنا يخليك لينا يارب يا حبيبي."
ابتسم غريب بحنان، ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها بحب وقال:
"ويخليكي ليا يا أجمل حاجه حلوة حصلت فى حياتي."
ضمها إلى صدره أكثر.
أحاطها بذراعيه بقوة وكأنه يريد أن يحتفظ بها داخل هذا الحضن إلى الأبد، وبدأ يملس على شعرها بحنان، بحركات هادئة مطمئنة، ومع ذلك الدفء، ومع ذلك الأمان، استسلمت ترنيم أخيرًا للنعاس، وبعد دقائق قليلة، كانا قد غرقا معًا في نوم عميق.
*************************
في مكان آخر…
كان المكان غارقًا في سكون ثقيل، سكون لا يشبه الطمأنينة بقدر ما يشبه ترقب العاصفة قبل أن تنفجر، الهواء بدا راكدًا، مشبعًا بشيءٍ خفي من التوتر، وعلى أحد المقاعد جلس شاهين مستندًا بظهره إلى الخلف، يراقب الشاب الجالس أمامه بعينين ضيقتين، تتأملانه بفضول ممزوج بشيء من السخرية الخفية.
كان الشاب يبدو مثقلًا بضيق واضح، ملامحه مشدودة، وكتفاه منحنيتان قليلًا كما لو أنه يحمل فوقهما عبئًا لا يرى. كان الصمت بينهما ثقيلًا، يتسلل ببطء بين الأنفاس، قبل أن يقطعه شاهين أخيرًا بنبرة تحمل تساؤلًا واضحًا:
"خير يا أخرت صبري؟ قاعد شايل الهم ليه؟"
رفع الشاب عينيه نحوه بوجه متجهم، وفي نظرته ضيق مكتوم يكاد يفيض، لم يكن الأمر مجرد ضيق عابر، بل كان خليطًا من الغضب والإحراج معًا، كأن ما حدث له ترك داخله أثرًا لم يستطع تجاوزه بعد. أجاب بصوت مختنق، وكأنه ما زال يشعر بحرارة الصفعة التي تلقاها:
"البنت اياااها قفشت عليا النهاردة، وضربتني بالقلم، وامك لو عرفت مش بعيد تقتلني."
لم يتحرك شاهين كثيرًا، بل اكتفى بابتسامةٍ ساخرةٍ ارتسمت ببطء على شفتيه، ابتسامة تحمل استخفافًا واضحًا، كأنه وجد في الأمر مادة للسخرية أكثر من كونه مشكلة حقيقية. قال بنبرة خفيفة لكنها لاذعة:
"هو انت فاشل فى كل حاجه يا ابني؟ حتة بنت مش عارف توقعها."
أطلق زفرة حادة، حاول بها أن يفرغ شيئًا من ضيقه المتراكم، ثم قال بصوت ما زال يحمل اختناقًا واضحًا:
"أعمل ايه البت قعدت تسألني اخرت الحب ده ايه وهنرتبط ازاي والكلام ده، وحد صورنا فى الويك اند أنا ومرام وبعتلها فيديو صوت وصورة."
ساد صمت قصير بعد كلماته، صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف لثواني. ثم استقام الشاب في جلسته قليلًا، كأنه يحاول أن يبرر موقفه أو يوضح ما كان يخطط له منذ البداية، وقال:
"كنت خلاص هنفذ اللي أمك طلبته مني فى الإجازة دي بس ابوها رفض أنها تسافر معانا."
أما شاهين، فقد بدت عليه ثقة باردة، تلك الثقة التي لا تهتز بسهولة. وضع قدمًا فوق الأخرى في هدوء تام، وكأن كل ما يسمعه لا يثير داخله أي توتر، ثم قال بنبرة واثقة، كمن يعطي درسًا يعرفه جيدًا:
"عبيط، البنات مش عايزه السرعه، على الهادي، واديها وقتها لحد ما تلين معاك وتسلمك نفسها برضاها، أتعلم من أخوك الكبير يا بأف."
ارتسمت على وجه الشاب ابتسامة ساخرة، لكنها لم تكن خالية من التحدي، وكأنه وجد الفرصة ليرد بسخرية مماثلة. مال قليلًا للأمام وقال بنبرة لاذعة:
"واخويا الكبير عمل ايه أن شاءالله، ما البت ماسحه بي الأرض ومش عارف ياخد معها، لا حق ولا باطل."
للحظة قصيرة خيم صمت ثقيل بينهما، لكن شاهين لم يظهر أي انفعال واضح. على العكس، بدا هادئًا بصورة مريبة. اقترب منه قليلًا وربت على كتفه بحركة بدت عادية في ظاهرها، لكنها حملت في طياتها شيئًا مخيفًا من البرود، ثم قال بنبرة منخفضة هادئة، لكنها تحمل خلفها قسوة واضحة:
"لااا، رنيم مش بنت عاديه زي البنات، البنت دي شخصيتها قويه ومش هتيجي بالعند، أنا شغال معاها على الهادي، شوية اقسى وشوية ألين، لحد ما تستوي على نار هادية، اللي خلانا نستنى السنين دي كلها مش هتيجي على كام شهر ولا حتى سنة، والكل هيحاسب على المشاريب."
كانت كلماته باردة، مدروسة، كأنها خرجت من عقل اعتاد التخطيط طويلًا قبل أن يتحرك. لم يكن في صوته تردد، بل يقين مخيف بأن ما يريده سيحدث، مهما طال الوقت.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انشق الصمت على صوت نسائي قادم من خلفهما، صوت يحمل نبرة فخر واضحة، كأن صاحبته كانت تستمع إلى حديثهما منذ البداية:
"خمسه عليك يا قلب امك، هو ده ابن مريم بجد."
استدار الاثنان معًا نحو مصدر الصوت، وقد تبدلت ملامحهما في لحظة واحدة. لم يكن ذلك الصوت غريبًا عليهما، بل كان صوتًا يعرفانه جيدًا ويحمل في داخله سلطة لا يمكن تجاهلها.
اقتربا منها بسرعة، وفي حركة تكاد تكون تلقائية، جلسا على ركبتيهما أمام المقعد المتحرك. كانت تلك الحركة تحمل مزيجًا غريبًا من الاحترام والطاعة، وكأنها طقس اعتادا عليه منذ زمن.
انحنى كل منهما يقبل يدها بسعادة واضحة، لكن تلك السعادة لم تكن بريئة كما قد تبدو، فعندما رفعا رأسيهما ونظرا إليها، كانت نظراتهما تحمل شيئًا آخر تمامًا، وعيدًا باردًا، وعزمًا مظلمًا، كأن خلف تلك اللحظة الهادئة، تختبئ نار لم تبدأ بعد، لكنها حين تشتعل، لن تنطفئ بسهولة.
