رواية عهد الذئاب الفصل الثالث 3 بقلم نون

 

رواية عهد الذئاب الفصل الثالث بقلم نون

الذئب مبيسيبش أنثاه في وسط الكلاب بس الحساب لسه مخلصش



انفجرت السماء بلهب أحمر واختلطت رائحة البارود برائحة "الذبائح" التي كانت تُعد للفرح

 لتتحول الليلة إلى مأتم قبل أن تبدأ. 

سقطت حبات مسبحة "منصور الهواري" الكهرمانية وتناثرت على رخام المندرة، كأنها سنوات عمره التي بدأت تتفرط أمام عينيه.

وقف منصور مشلولاً، يراقب النار التي تأكل هيبته قبل أن تأكل مخازنه. صرخ "عزام" وهو يلطم كفاً بكف، منادياً على الغفر

- "يا مراري الطافح! السلاح.. السلاح بيولع يا رجالة! اقفشوا اللي عمل كدة.. قطعوا لحمه بسنانكم!"

انطلق الغفر ببنادقهم نحو الغرب مثل أسراب الجراد، لكن "زينة" لم تكن تنظر إلى النار.

 كانت عيناها معلقتين فوق تلك الصخرة العالية. هناك، حيث وقف ذلك "الظل" الذي يشبه الذئب. لم تكن خائفة

بل كان قلبها يرقص رقصة غريبة، مزيجاً من الذعر والاشتياق. همست لنفسها بصوت لم يسمعه
احد 
- "بدر؟ هل عدت لتأخذ بثارك.. أم لترد لي روحي التي غادرت معك؟"

في هذه الأثناء، كان "بدر" قد انصهر داخل شقوق الجبل التي يحفظها كخطوط كفه. 

لم يهرب، بل كان يراقبهم من "عين الذئب" (مغارة قديمة تطل على المداخل).

 كان يسمع صياح عزام وتهديداته، فابتسم ابتسامة شاحبة لا تصل لعينيه. 
أخرج من جيبه "مندلاً" (قطعة قماش) قديماً ملوثاً بدم جاف.. دم شقيقه الذي قُتل ظلماً.

 وضعه على أنفه واستنشقه كأنه عطر، وقال بصوت هامس:
- "أول خيط في كفنك يا منصور انغزل الليلة دي

 النار دي مجرد شمعة.. عشان أنور لك بيها طريق القبر."

داخل السرايا، عاد منصور الهواري إلى مكتبه، يغلق الأبواب والنوافذ كأنه يحاول حجب الحقيقة.

 دخل عليه "عزام" يلهث، ووجهه مسودٌ من أثر الدخان:
"يا عمي، المخازن بقت رماد. والحارس اللي سابه الفاعل.. بيقول كلام يجنن. 

بيقول إن اللي عمل كدة قال له (قول لسيدك إن قابيل رجع)

ارتجف منصور وسقط على كرسيه، ضاعت منه نبرة القوة وحلّت مكانها بحّة الرعب

"بدر.. بدر عايش يا عزام. الجبل مبيبلعش اللي زيه. بدر رجع عشان يقطع رقبتي ورقبتك."

رد عزام بغلّ، وهو يشد أجزاء بندقيته

- "ولو رجع من جهنم نفسها، هرجعه ليها تانى بطلقة بين عينيه. النجع ده لينا

وبنتك ليا، والأرض دي مش هتشم ريحة حد غيرنا. أنا هطلع الجبل دلوقت وهقلبه صخرة صخرة."

لم ينم النجع في تلك الليلة. كانت كشافات الغفر تخرق الظلام، والكلاب تنبح بهستيريا. 

وفي وسط هذا الضجيج، تسللت "زينة" من الباب الخلفي للسرايا، متدثرة بشال أسود يخفي ملامحها.

 لم تكن تملك خطة، لكن قدماها كانت تقودانها نحو "بئر الصبر"، المكان الذي شهد آخر لقاء بينها وبين بدر قبل خمسة عشر عاماً.

وصلت إلى البئر وفجأة، شعرت ببرودة نصل يوضع على رقبتها من الخلف وصوت رجولي أجش يهس في أذنها

- "اللي يخرج في ليلة عوا الذئاب يا بت الهواري.. ميرجعش لبيت أهله واصل."

تسمرت زينة في مكانها، لكنها لم تصرخ. أغمضت عينيها، ونزلت دمعة حارة حرقت وجنتها

- "اقتل يا بدر.. لو كان قتلي هيطفي النار اللي في قلبك، اقتل. بس قبل ما تقتلني، قولي إنك بريء

قولي إنك مقتلتش أخوك عشان أقدر أموت وأنا مرتاحة."

ارتخت يد بدر قليلاً، وتحول نصل الخنجر من رقبتها ليصبح أمام وجهها.

 التف حولها ليكون في مواجهتها. ضوء القمر الخافت عكس ملامحهما هو كوحش جريح، وهي كعصفورة تنتظر الذبح.

نظر بدر في عينيها طويلاً، وساد صمت لم يكسره إلا صوت الرصاص البعيد الذي يطلقه رجال عزام في الجبل. 

قال بدر بمرارة
- "أنا متّ يوم ما لبستوني تهمة دم أخوي. واللي واقف قدامك ده جثة

والجثث مابتبرأش نفسها يا زينة. الجثث بتاخد حقها وتمشي."

قالت زينة وهي تمسك بيده التي تحمل الخنجر

- "بوي هو اللي عمل كدة.. صح؟ هو اللي قتل اخوك واتهمك إنت؟"

قبل أن ينطق بدر بكلمة، دوى صوت "عزام" قريباً جداً
- "زينة! إنتي فين يا بت الهواري؟"

تجمدت الدماء في عروق زينة. لو رآها عزام مع بدر، ستكون نهايتها ونهاية بدر في تلك اللحظة

 نظر بدر إليها نظرة أخيرة، كانت مزيجاً من القسوة واللين، ثم جذبها خلف صخرة كبيرة وهمس في أذنها

الذئب مبيسيبش أنثاه في وسط الكلاب.. بس الحساب لسه مخلصش.

 اطلعي من اهنه، وقولي لخطيبك إن الجبل مبيحبش الضيوف الثقيلة.

وفي لمحة بصر، اختفى بدر وكأنه تبخر في الضباب، تاركاً زينة ترتجف

 وعزام يقترب من مكان البئر ومعه عشرة من الرجال المسلحين.

تعليقات