رواية بقاء الفصل الثالث 3 بقلم رباب حسين



 رواية بقاء الفصل الثالث بقلم رباب حسين 

 مرض


بقلم الكاتبة: رباب حسين


تنام متعبة... تشعر بإعياء شديد، وبرغم ذلك التعب كانت نائمة بعقلٍ يقظ، تتسأل بداخلها: ماذا فعلت كي أنال هذا العقاب. 

كل ما كانت ترغب به أن تحمي عائلتها، لكن تكن تعلم إن الثمن سيكون باهظًا، أن تدفع الثمن من كرامتها وكبريائها، والآن لا سبيل سوى أن تتحمل، وليس لديها إلحق أن تشتكي. 


ظلت نائمة حتى الساعة التاسعة صباحاً، ثم سمعت طرقات على باب الغرفة، تحاملت على نفسها وقامت بفتح الباب وجدت 


سعيدة : الفطار يا ست الدكتورة. 


ليل بإعياء : مش جعانة 


سعيدة : بس الكبير جال لو مكلتيش دلوك مفيش وكل تاني إلا على الغدا. 


ليل : ماشي يا سعيدة مش مشكلة على الغدا. 


ذهبت سعيدة وعادت ليل إلى الفراش، تشعر بحرارة جسدها المرتفعة فبحثت عن الأسعافات الأولية، ثم تناولت بعض الأدوية وعادت إلى النوم. 


أما صقر كان يراقب الدرج ووجد سعيدة تنزل دونها، علم إنها لم تحذر من تهديده، فتوعد لها في داخله، ثم نظر الهلالي إلى جهاد وصقر وقال. 


الهلالي : إيه اللي حوصل عشية ديه يا صجر؟


صقر بهدوء : إيه اللي حصل؟ 


الهلالي : اللي عملته في مراتك عشية. 


صقر : ولا حاجة المندرة كانت مش نضيفة و طلبت منها تنضفها. 


الهلالي : والخدم بيعملو إيه؟ 


صقر : أظن من حقي آمر مراتي باللي عايزه وهي تنفذ. 


الهلالي : دلوك بجت مرتك؟! وتنضف بنص الليل وتغسل على يدها ليه يا ولدي؟ 


صقر بغضب قليلًا : جدي إنت عارف أنا مش بحب حد يتدخل في اللي يخصني. 


الهلالي : وكمان بجت تخصك؟


تأفأف قليلًا صقر وقال : في ده تخصني.... آمر وهي تنفذ ولو منفذتش تبقى جابته لنفسها. 


الهلالي : أول مرة أعرف إنك بالجسوة ديه يا صجر. 


ترك الطعام ونهض من مكانه، ثم توجه صقر إلى المندرة حيث كان هناك جلسة بين أهالي البلد للتشاور في أمور خاصة بين عائلتين، جلس صقر ليحكم بالعدل بينهم، وتعالت أصوات الرجال في القاعة. 

ظل النقاش حتى ساعتين، وعندما قُضي بينهما؛ ذهبو جميعاََ بعد الاستماع إلى حكم صقر والرضوخ لتنفيذه. 

وبعد وقت من ذهاب العائلتين؛ دخل المندرة رفعت؛ رجل في عمر الأربعين، يمشي بعجز في قدمه اليسرى، ثم جلس أمامه بعد أن حياه. 


صقر : أهلا يا جوز عمتي إتفضل. 


رفعت : إزيك يا صجر؟ مبروك يا عريس. 


صقر : بلاش تفكرني يا عمي... إيه اللي جابك مش قولتلك أرتاح عشان رجلك وسيبك من الشغل؟


رفعت : مجدرش أجعد في البيت يا صجر، وأنا بخير جادر أتحرك، وعمتك عايزة تجي تباركلك، صرعت راسي. 


صقر : تبارك علي إيه بس ما هي عارفة اللي فيها. 


رفعت : جولتلك يا صجر بلاش الجوازة دي. 


صقر : جدي اللي أصر يا عمي وإنت عارف الهلالي لما بيأمر لازم ننفذ. 


رفعت : يا صجر إنت كيف ولدي اللي مخلفتوش، كيف الكبير يتجوز إكديه؟! ده إنت تجف وتشاور وبنات البلد كلياتهم يجو تحت رجليك. 


صقر : مش هتفرق يا عمي بكرة أتجوز تاني اللي على مزاجي. 


رفعت : زي ما تحب يا صجر جوم نروح لعمتك. 


ذهبا وجلسا مع عمة صقر (ابتسام) هي إمرأة طيبة القلب كثيرا، حنونة رغم أنها لم ترزق أطفال، ولكن تحب زوجها رفعت بشدة، وكيف لا وهو يرفض الزواج من أخرى رغم عدم قدرتها على الإنجاب، وقد ضحى بحياته في سبيل إنقاذ صقر حينما حاول أحدهم قتله بعيار ناري، وتأذت قدمه بسبب ذلك، ومنذ ذلك الوقت وهي تشعر بأن حبه تزايد في قلبها، فهو يعلم جيداً أن صقر وأخته بمثابة أولادها تماماً. 


مضى الوقت، وجاء وقت الغداء، وقامت رقية بإيقاظ ليل مرة أخرى، أبلغتها بموعد الغداء، وأصرت أنها يجب أن تأكل، حيث أنها تعلم غضب صقر، وقد رأت كيف أمرها أن تحضر ليل من غرفتها، فإذا حذر صقر من شيء يجب أن ينفذ. 


تحاملت ليل ونزلت إلى أسفل، وجدت أن هناك أفراد أخرين معهم على الطاولة، احتارت أتذهب وتأكل معهم حتى لا أحد يلاحظ أنها تأكل في المطبخ أم لا.


تقدمت ببطئ منهم حتى نظرت إليها جهاد نظرة مرعبة، وأومأت برأسها لها مشيرة إلى مكان المطبخ، لاحظها الجميع وشعر الهلالي بالضيق ولكن لم يتحدث فلا جدوى، والآن بعد مرضه الشديد أصبح يشعر بالتعب إذا تحدث كثيراََ، لذا فضل الصمت. 


ابتسام : خير يا أم صجر راحت على فين العروسة؟ 


صقر : متشغليش بالك يا عمتي. 


صمتت ابتسام فهي لا تفهم شيء. 


ذهبت ليل لتناول طعامها، كانت جائعة جداََ ولكن شعورها بالمرض منعها من تناول الطعام جيدًا، فهي لا تستطيع مضغ الطعام وتتنفس بصعوبة. 


لاحظت ذلك هنية فقالت : مالك يا بتي تعبانة ولا حاجة؟ 


ليل : لا أنا بخير الحمد لله. 

وكالعادة تبتسم رغماََ عنها. بعد قليل، دخل صقر المطبخ وقفو جميعاً عدا ليل، وتحدثت فاطمة: تأمر بحاجة يا كبير؟ 


أشار بيده لها كي تجلس، ثم ذهب إلى ليل وأخذ طبق الطعام من أمامها، ثم ألقى ما به في القمامة. نظروا جميعاََ إليه ثم إلى بعضهم البعض وتحدث. 


صقر : الدكتورة كلت خلاص ومفيش أكل تاني النهاردة. 


ابتسمت ليل بهدوء ولم تجب، ثم ذهب صقر خارج المطبخ وقامت ليل من مكانها دون حديث، هي تعلم ما يفعله صقر جيدًا ولكنها تركت له المجال ليفعل ما يشاء، وكأن هناك من يخبرها بأن بالنهاية هو من سيندم على ما يفعله. 

أوقفتها هنية التي تراقب ما يحدث بحزن ثم قالت : على فين يا بتي إستني؟ 


ذهبت هنية وأحضرت لها تفاحة، ثم وضعتها في يدها وقالت 


هنيه :خدي ديه يا بتي، كليها إنتي مكلتيش عاد. 


ليل : لا يا خالة هنية أنا شبعت، وبعدين لو عرف هتتعاقبي معايا فا بلاش. 


مسكت بيد هنية ووضعت التفاحة بيدها شعرت هنيه بحرارة يدها، فا قالت بقلق


هنية : إنتي محمومة يا بتي. 


ليل :أنا بخير متخافيش. 


وتركتها وذهبت خارج المطبخ، فوجئت بصقر يقف بجانب باب المطبخ، نظر إليها بابتسامة باردة وقال. 


صقر : برافو عليكي، بدأتي تتعلمي، لو كنتي خدتي التفاحة كان زمانها مطرودة برا البيت، تاني مرة لما آمر تنفذي، قولت تنزلي على الفطار تنزلي، وأوعي تستهوني بتحذيري مرة تانية. 


لم تتحدث ليل، فقط نظرت إليه نظرة عتاب وصعدت إلى غرفتها وعادت للنوم مرة أخرى. 


أما عند الهلالي فقد ذهب إلى حديقة المنزل بعد أن أنهى طعامه، ولحقت به ابنته


ابتسام : مالك يا بوي فيك إيه؟


الهلالي بحزن : من يوم موت أبو صجر وأنا صحتي في النازل، ودلوك مبجاش ليا كلمة في بيتي. غلطت لما خليت صجر يمسك كل حاجة ويحكم في المندرة مكاني؟


ابتسام : صجر يمكن مش ابنك يا بوي اه، هو حفيدك بس إنت اللي مربيه. فاكرة زين زمان كان يجولك يا بوي وهو صغير، مصدجش عاد إنه مش هيسمع كلمتك يا بوي. 


الهلالي : حذرته أكتر من مرة، جولتله البت ديه طوج نجاتك معيسمعش كلامي، بيعاملها كيف الخدم هو أمه، لو أهلها عرفو هيطخوه، الطار عندهم دلوك يعني صجر اللي عليه الدور، سامحت اللي جتلو ولادي عشان صجر يعيش، عشان عيلة الهلالي ميتجطعش نسلها واصل. 


ابتسام : وهو نفذ يا بوي، نفذ وإنت خابر زين إن صجر ما عيتغصبش على حاجة. 


الهلالي : خابر إني غصبته لكن عشان مصلحته، لكن ليه بيعاملها إكديه؟ عمره ما كان أكديه. 


ابتسام : متنساش إن أبوه مات على يده يا بوي، وده مجصر فيه ويمكن البت مش عجباه. 


الهلالي : مخبرش. 


ابتسام : إنت أتحدت معاها؟ 


الهلالي : لع ومش جادر أتحدت معاها. 


ابتسام : طيب ليه بتلوم على صجر وإنت بتعمل زيه يا بوي، معجول البت تحت سجف بيتك وتعاملها أكديه، ديه حتى لو ضيفة ليها حج ما بالك ديه مرت حفيدك الوحيد، ويمكن تكون أم ولاده، إعطيها فرصة حتى. 


الهلالي : حاضر يا بتي، معاكي حج والله، أنا كمان بحسابها على حاجة معملتهاش. 


ابتسام : ناوي تعمل إيه مع صجر ؟


الهلالي : ولا حاجة، مش عايز أتحدت معاه عيتعصب عليّ. 


ابتسام :خلاص عاد يا بوي، مش عايزة أشوفك متضايج إكديه، أنا مليش غيرك. 


الهلالي بابتسامة بسيطة : حاضر يا بتي. 


عند صقر، كان يتحدث في الهاتف بمكتبه مع صديقه حاتم. 


صقر :طيب وأخبار السماد اللي جي من برا إيه؟


حاتم : (علي) كلمني من شوية من القاهرة وقالي إن الشحنة هتوصل قريب، هيبدأ يوزعها على منافذ البيع عنده، وهيبعت الكمية اللي إحنا طلبناها على هنا. 


صقر : (علي) بقاله فترة منزلش سوهاج، مش المفروض يبقي عندنا دم ونروح نساعده. 


ضحك حاتم وقال : هو اه، بس إنت عارف (علي) أدها، وبعدين لما بيرجع عمي رفعت بيقعد يزن عليه على الجواز، وإنت عارف (علي) مش عايز يتجوز، وهو أصلًا مفيش واحدة هتعبره ببوظه ده. 


صقر : ما عشان كده خاله رفعت عايز يجوزه غصب عنه، إلحق نفسك إنت كمان لا تتجوز غصب زينا. 


حاتم : لا يا عم أنا لو ملقتش اللي تخطف قلبي مش هتجوز. 


صقر : حلو إن يبقي عندك رفاهية الاختيار، أنا للأسف مخترتش ولا حتى كنت بفكر اختار بأي مواصفات، كنت عايش طول عمري خايف من الطار ولما خلص الطار لقيت نفسي لابس، بس ملحوقة هفكر بقى دلوقتي واختار براحتي. 


استمع إليه وهو يرى أن معه كله الحق، فقد عاش صقر حياة جافة مرعبة طوال حياته، والآن متزوج من قتاة لا يريدها، بل يكرها أيضًا. 

أنهى المكالمة مع حاتم وخرج من مكتبه، وجد أحدهم يطرق على باب المنزل، وقامت هنية بفتحه، وجدتها زهرة. 


هنية : أهلًا يا زهرة اتفضلي يا بتي. 


زهرة : إزيك يا خالة هنية؟


هنية : بخير يا بتي. 


نظرت زهرة أمامها ووجدت صقر ينظر إليها بابتسامة، تاهت بين ملامحه،كم كانت سعيدة لرؤية حبيب طفولتها أمامها، كم اشتاقت إليه فهي لا تراه كثيرًا، ولكن علمت من خالها رفعت إنه عنده بالمنزل، وطلبت منه المجيء لتهنئته على الزواج، ربما انهم برؤية وجهه من بعيد، وعلى الرغم من زواجه حديثًا إلا أنها تعلم جيدًا أن صقر لن يقبل بها كزوجة، فلم تفقد الأمل، ثم تحدث صقر : أهلًا يا شقية، إزيك ؟


زهرة : بخير يا كبير مبروك. 


قالتها بنظرة يطغى عليها الحزن. 


صقر : على إيه هو! فيه حاجة يتبارك عليها أصلًا. 


نظرة له زهرة وقد أطمئنت إنه مازل غير راغب بهذا الزواج، وتأكد ظنها الذي كانت تراهن به نفسها. 


ثم أكمل : تعالي أدخلي خالك هنا. 


زهرة :خابرة، ما أنا جيت لما جالي إنه إهنيه. 


صقر : إنتي جاية عشانه يعني مش عشان تباركيلي؟! ما شاء الله زي أخوكي بالظبط ولا عبرني لحد دلوقتي. 


ابتسمت زهرة وقالت : علي جالي أخاف اكلمه يجتلني. 


صقر بابتسامة : فاهمني أوي علي.


دخلا إلى البهو معًا، وجلسو جميعًا وأخذو يتحدثون ويضحكون، فا صقر يعتبر زهرة بمثابة أخته، بالرغم من أنه يعلم من نظراتها له أنها تكن له شعور آخر، وخطر له وهم يتحدثون؛ لما لا يتزوجها؟! فهي البنت الصغيرة التي تربت على يده، يذكر كيف كانت تحب المكوث معه أكثر من علي رفيقه الثاني المقرب، ثم قال في نفسه : فكرة حلوة عشان أحرق قلبها زيادة، بس مش دلوقتي لما أبوها وأمها يمشو. 


لم يكتفي بهذا العقاب الذي يصبه عليها، بل الآن يريد أن يجرح كرامتها كأنثى. 

إلى متى ستتحمل بعد؟! 

الفصل الرابع من هنا


stories
stories
تعليقات