رواية اوركيديا الفصل الثالث
تعلقت به ولداً حنونًا و ملتزمًا ، و تعلق بها فتاة رائعة و رقيقة و الأهم من هذا تلميذة متميزة فهى لم تتعبه فى تحفيظ القرآن إلا فى أول شهر ثم تدريجيًا أصبحت تقرأ بطلاقة.
و بإسدالها الصغير المناسب لسنها و حجمها وقفت "أثير" قرب والدتها ، و كلتاهما تقفان خلف "نديم" الذى كبر تكبيرة الإحرام :
_ الله أكبر.
ليدخلوا ثلاثتهم فى الصلاة منفصلين عن ما حولهم.
و بعد فترة رددوا التسليم ، لتجمع "ألاء" السجاد و تطويه تمهيداً لوضعه فى مكانه المخصص.
قررت "أثير" الإنفراد بنفسها فى غرفتها لمراجعة السورة كي تسمعها لـ "معاذ" كما اتفقا.
و أما "نديم" تحرك إلى الطاولة و هو يشعر بالجوع و شرع فى تناول فطوره ، بعد لحظات انضمت إليه زوجته "ألاء" و قالت مستعجبة :
_ البت أثير فين؟! دي بتهجم على الأكل على طول .
و طالعته متسائلة بتفكير :
_ إيه اللى إتغير النهاردة؟
أشار لها "نديم" إلى غرفة ابنتهما قائلاً بلهجة احستها غامضة :
_ هى عندك فى أوضتها ، شوفى بنفسك.
و كعادتها "ألاء" الفضول يتحكم بها و يحركها ، فتحت الباب بحذر و ألقت نظرة خاطفة فـ لمحتها على سريرها و لازالت بإسدالها و تقرأ فى المصحف الشريف، و لاإراديًا ابتسمت بغبطة و فخر ، ثم تحركت بعيداً و اتخذت مكانها بجانب زوجها الرافع لحاجبيه و سائلها :
_ أرضيتي فضولك خلاص؟
_يكونش فضولي مضايقك؟
لفظتها "ألاء" متأففة ، فضحك و رد بمشاكسة ظريفة :
_ أى حاجة من ناحيتك تسعدنى مش تضايقني!
لم تستطع التحكم فى بسمتها فـ طفت على شفتيها ، و التى أخذت تزول رويداً رويداً حين أختتم كلامه بمزاح أزعجها :
_ رغم إن فضولك ده أحيانًا بيكون مش فـ وقته أو زايد عن حده!
_ تمام ، هاخد فضولي و أروح عند بنتي ، و خليك إنت تفطر لوحدك.
تمتمت بها "ألاء" بقليل من حنق و خيبة ، و أزاحت كرسيها واقفة فسارع "نديم" بالوقوف و إمساك كفها تزامنًا مع ضمه إياها لـصدره مضيفًا بشغف و عتاب :
_ بردوا زعلتي؟ ده كان هزار يا حبيبتي!
استشعرت دفئ كلماته تمامًا كـ الحضن و لمست الصدق يفوح من حروفه ، لتومأ إيجابًا و تقول برضا و عيناها تلمعان :
_ خلاص ، مش زعلانة.
هكذا هن النساء مجرد كلمة تحزنهن و أبسط الكلمات ترضيهن.
_ مامي ! أنا جعانة.
سمعا صوت "أثير" الآتية من وراء امها و مرتدية كامل زيها المدرسي ، فـ تنحنحت "ألاء" مبتعدة عنه و حملت ابنتها و اجلستها على الكرسي بينهما و باشرت فى إطعامها ككل يوم.
..................................
خرج الولد "معاذ" من منزله مشيًا ، قاصداً درب المدرسة ، مر أمام منزلها فـ توقف مفكراً ، أيذهب لها و يصطحبها إلى المدرسة؟
مع العلم أن الحافلة لن تأتى لتقلهم ، فسائقها مريض و قد اتصل على أولياء الأمور و أبلغهم بالخبر ليصحبوا أطفالهم بأنفسهم ، أما هو رفض عرض والده فى إيصاله كى لا يأخره عن عمله.
دق باب منزلها و كل دقة يدق معها فؤاده إضطرابًا و حماسًا ، زفر بـ هدوء ليضبط توتره ، و حينها فُتِحَ الباب ليقابله صدر والدها.
أخفض "نديم" نظراته و حدق فى عيني معاذ سائلاً :
_ مش إنت معاذ؟
_ أه .. أه .. أ .. أنا.
ابتسم "نديم" بـ بشاشة ليخفف عنه ما يعانيه ، و رحب به قائلاً بحبور :
_ إدخل يا بني ، خير؟
نفى "معاذ" بتلعثم :
_ لأ ، م ..... مش جاي أقعد.
و قال مردفًا بطريقة عفوية :
_ كنت جاى آخد يعني ... أوركيديا.
ظن "نديم" أنه لم يسمع جيداً ، فـ استفسر بجهل مضحك :
_ هااا ؟! تاخد مين؟!!
صحح "معاذ" زلة لسانه محرجًا :
_ قصدي آخد أثير.
رفع "نديم" حاجبيه و ردد بصدمة :
_ تاخدها؟! ليه و فين؟
_ أصل يعنى الباص مش جاي النهاردة و أنا كدة كدة همشي فـ قولت آخدها فـى طريقى .
قالها "معاذ" بسرعة يزيح بها أثقالاً على ظهره ، و قبل أن يعطى "نديم" أى ردة فعل ، أطلت "أثير" من ورائه و أخبرته موافقة :
_ يلا بينا ، أنا موافقة نتمشي مع بعض.
نظر لها "نديم" بإندهاش لظهورها و ردها المباغتان ، ثم أعاد ناظريه إلى "معاذ" الذى يحارب ليمنع توتر نفسه ، فقال هو الآخر متنهداً :
_خلاص مادام موافقة فـ أنا موافق.
لاحظ تبدل تعبيرات "معاذ" للإرتخاء و الراحة ، و قفزت "أثير" ببهجة ، فسأله بنبرة جادة :
_ هتقدر تاخد بالك منها و توصلها للمدرسة بالسلامة؟
و بلا تردد أو إنتظار قال "معاذ" باندفاع :
_ إن شاء الله هتكون بألف خير ، مش هخلى أى حاجة تأذيها.
أوصاه "نديم" بقوله المشدد :
_ دي أمانة يا معاذ ، أوعى تضيع منك!
قال "معاذ" بصدق :
_ دي فى عنيا يا عمو.
إطمأن "نديم" قائلاً :
_ تسلم عنيك يا ابني.
ثم سار "معاذ" جنبًا إلى جنب مع "أثير" المتبخترة بـ فرحة ليس بعدها فرحة و يده لا تفارق يدها.
رآهما ولد من المتنمرين عليها ، فهو دومًا ما كان يراقبهما كلما صادفهما معًا ، نظر لها بغيظ و حقد فـ رغم محاولاته لتخريب علاقتها بكل زملائها وجدت صديقًا تركن إليه ، توعد لها بمصيبة قريبة :
_ هتشوفي يا أثير الكلب هعمل إيه!
...............
بقى "نديم" يراقب ابتعادهما و هو شارد ، فـ ربتت زوجته "ألاء" على كتفه و سألته بتعجب تستوضح منه :
_ سيبتها تروح كدة عادي؟!! و هو مين الولد ده أساسًا؟!!
إلتفت لها كليًا و قال بنبرة واثقة استغربتها :
_ ده ولد إسمه معاذ ، معاها فى المدرسة .
_ و لو ، إزاي تسيبه ياخدها ببساطة كدة؟! جايب الثقة دي فيه منين؟!
هو نفسه مستغرب من ردات فعله تجاه هذا الولد ، لا يعرف لماذا وافق على هذه الصداقة الغير متكافئة لإختلاف أعمارهما عوضًا عن أنه ولد و هى فتاة ، لكن ما يعلمه هو أن من يحفظ القرآن سيكون جديراً بحفظ ابنته و حمايتها حتى و إن كان طفلاً.
......................................
لم يدع "معاذ" كفها طليقًا إلا عند مدخل فصلها ، و ظل يملي عليها تعليماته :
_ الولاد و البنات اللى مش بيحبوكي اقعدي بعيد عنهم ، و لو ضايقوكي قولي للميس ، اتفقنا؟
_ اتفقنا.
_ أنا رايح اللجنة بتاعتى ، ركزي فى الأسئلة عشان ده آخر امتحان ، و بعدين نتقابل فى الفسحة.
_ حاضر.
فور مغادرته بدأت المضايقات من الفتيات و الفتيان و تنمرهم وصل بهم إلى حادث فظيع.
حيث كانت تهبط الدرج بعينين مليئتين بالدموع تأبيان البكاء من سخرية هؤلاء المشاغبين الجارحة لقبها النقى ، و أثناء هبوطها صدمها عدد منهم.
لا تعلم أبقصد أم لا!
مما أدى إلى تدحرجها على الدرجات العشر المتبقية لتقع أسفل الدرج و ينطرح جسدها على الأرض و مازالت تصرخ و تستغيث .
..............................
فى ظرف ثوانى أتاها "معاذ" بهرولة مزعوراً عليها ، و يصيح بــ :
_ إيه؟ حصل إيه؟
إرتمى بقربها و تفقدها بعينيه فوجد أنفها ينزف و عيونها دامعة و قدمها مكدومة و متورمة ، استنتج من ذلك أنها كُسرت ، أجلسها برفق ، فـ صرخت بألم باكية :
_ آآآي ، دي بتوجع!
ليتأسف لها بخفوت و خوف :
_ آسف ، و الله آسف!
أخرج منديلاً من جيبه ليوقف به نزيف أنفها بكفه المرتعش ، ريثما يأتى أحد المدرسين لنجدتها.
..............................
لم يأتيهما أى أحد ليسعف "أثير" و التى لم تنفك تبكي و تنوح و تتأوه ، غير أن عدداً من الطلاب المشفقين عليها و المتعاطفين معها إلتفوا حولهما.
زالت الغشاوة عن عيني "معاذ" و اهتدى إلى فكرة _غير مضمونة العواقب_ لإنقاذها لأنه لتوه تذكر أن المدرسين فى غرفة الإجتماعات و لن يعلموا بما حدث.
نظر إلى أعلى الدرج بعد أن قام من مكانه بجوارها ليلاحظ من دفعوها يشاهدون ، بعضهم قلقين على أنفسهم ، و بعضهم شامتين.
مرر "معاذ" يداً أسفل ركبتها و يداً تحت ظهرها و حملها ، فـ هو لا يأمن مكرهم فـلا ضامن له من ناحية عدم تعرضهم لها ، لربما استغلوا وجودها منفردة ليكملوا أذيتها.
.........................
حمل ثقلها حتى العيادة المدرسية ، و شعر أن وزنها _رغم خفته_ يضغط على أنفاسه لأنه طفل مثلها ، لكنه تحمل هذه المشقة صابراً فكل شئ يهون فى سبيل سلامتها.
هرولت إليهما الممرضة و حملتها عنه و وضعتها على سرير الكشف و قالت تنبهه لخطأه غير المقصود :
_ كنت ناديت لحد أكبر منك ، كدة ممكن يحصلها مضاعفات.
نهج بإجهاد ، و تلألأت عيونه بالعبرات و شرح لها بنبرة مرتجفة :
_ ملاقيتش حد من "التيتشرز" أو "الميسز" عشان هما فى إجتماع .
تنفس بعمق ليزيل تلك الغصة العالقة بحلقه من مظهرها المثير للشفقة ، و أكمل نادمًا :
_ و هى كانت تعبانة و بتعيط جامد و معرفتش أعمل إيه ، روحت جيبتها هنا.
بينما إرتخت جفون "أثير" تكاد تنغلق من شدة تعبها ، و لم تنطق بحرف.
تبسمت "الممرضة" فى وجهيهما بلطفٍ تحاول طمأنتهما و راودها شعور بالندم فهى بكلماتها زادت خوفه دون قصد ، تفقدت قدمها برقة فـ صرخت "أثير" متألمة :
_ آآآه.
إندفع "معاذ" لها لاهثًا ، و ضم كفها بين راحتيه ليجعل محور نظراتها صوبه هو ، و إخترع بعض القصص القصيرة كى لا تركز مع الممرضة و يخف ألمها.
تكلمت "الممرضة" بتعاطف :
_ الحمد لله هى كويسة ، يادوب بس فى جزع بسيط فى رجلها غير شوية كدمات ، بس هتبقى تمام.
تابع "معاذ" الممرضة و هى تعاين حجم الأصابات و مع كل دمعة أو أهة تصدر من "أثير" كان يتألم ، لم يتمكن من كبح جماح دموعه المناسبة على خديه بسخاء تضامنًا مع آلامها.
................
أقام والدها "نديم" شجاراً حاداً مع مدير المدرسة أفدى إلى سحبه لأوراق ابنته ، فيكفي ما أصابها من ضرر جسيم.
لم يكن يتوقع أن يفعل أطفال صغار هكذا بطفلة مثلهم ، و أنكشفت الحقيقة و علم الجميع أن زميلاً لها هو من قام بتحريض باقي زملائها عليها.
ما ضايقه حقًا أن "أثير" لم تذكر له سابقًا أى تصرف عنيف فعله زملاؤها لها إلا من بعض كلمات ساخرة و كم تناقش "نديم" فى هذا الشأن مع المدير ليمنع هذه التصرفات العنصرية .
و هو منذ أدخلها هذه المدرسة ما انفك يعمل بجد لينقلها إلى مدرسة أخرى فى محافظة مغايرة ، و هذا ما حدث بالفعل .
فـ بعد تماثل "أثير" للشفاء رحلت مع والديها _مجبرة _ و انتقلت إلى مدينة بعيدة ، و التحقت بمدرسة أكثر تطوراً و فخامة ، و كونت العديد من الصداقات و لكنها لم تجد أحداً يضاهى "معاذ" صديقها الفريد و الذى لازمها طوال فترة علاجها و حتى ميعاد رحيلها حيث شملها فى حضن برئ و ربت على خصلاتها حبيبته (الخصلات هى اللى حبيبته ) ، و ترك لها آخر كلماته الغالية :
_ كل حاجة هتبقى وحشة من دونك يا أثير ، خلى بالك من نفسك.
هذه أول مرة يناديها باسمها الحقيقي بدلاً من لقبهما المفضل و سرعان ما انزلقت من بنيتاه دمعة متمتمًا بــ صـوت حـزيـن صـادق :
_ هفضل فاكرك دايمًا يا أوركيديا.
بكت "أثير" تأثراً بمشاعرهما الغير ناضجة ذات البراءة و العفة ، و أبصرته يخرج من جيبه ورقة مستطيلة و قدمها لها ، أمعنت النظر فيها فــ وجدتها صورة له بزي مختلف عن زي المدرسة ، فـ ضمتها بين كفيها و إلى قلبها ، فـ قال "معاذ" بتعب معنوى مفسراً :
_ أنا معايا صور ليكي إللى وافقتي آخدها ، خلى الصورة دي معاكي عشان كل واحد فينا يحس إن التاني موجود معاه.
أرادت "أثير" أن تقول شيئًا ما و لكنها لم تجد الكلمات المناسبة فـ اكتفت بأيماءة صامتة .
لوحت له مودعة فلوح لها و كلاهما يبكيان ، و لا تفترق نظراتهما حتى بعد ركوبها سيارة والدها واصلت مشاهدته من الزجاج الخلفى و هى تبتعد عنه و هو يختفى عن ناظريها.
...........
