رواية اوركيديا الفصل الرابع
مرت سنون تصل لإثنى عشر سنة لم يلتقيا بهما بعد أن كانا لا يفارقان بعضهما لعام كامل كان الأحلى و الأكثر بهجة فى حياة كلاً منهما .
فـ بعد رحيل "أثير" رفض "معاذ" أن يترك المدينة مفضلاً البقاء فيها و العيش مع ذكرياتهما الحية الحبيبة ، و تلك الذكريات هى التى أعانت كلاً منهما على فراق الآخر.
إنشغلا بالدراسة سنة تلو سنة حتى مر بهما الزمن و قد قطعا شوطًا كبيراً فى حياتهما الدراسية ، و لم ينسيا _أبداً_ بعضهما.
💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚
فى مطعم فاخر خاص بالأغنياء ، التقى "معاذ" بصديق جامعى مقرب إحتفالاً بحصائد أربع سنوات من الدراسة فى جامعة الحقوق ، فقد حصلا على تقدير إمتياز مع مرتبة الشرف ، و خلال تناولهما للمأكولات المختارة ، ابتدر "غزال" _صديق معاذ_ الحوار ماسحًا طرف شفاهه بظهر سبابته مما جعل "معاذ" يتأفف قائلاً بتوبيخ :
_ من قلة المناديل ! بتمسح بؤقك زي الأطفال كدة ليه؟!
قهقه "غزال" و لم يعقب ، ليخرج من حقيبة بلاستيكية أنيقة كتابًا مناولاً إياه لـ "معاذ" قائلاً بابتسامة مشرقة :
_ بالمناسبة السعيدة دي ، جايبلك هدية متواضعة.
وضع "معاذ" شوكته على جانب صحنه و انتشل منه الكتاب بلهفة ليقول بنبرة تواقة :
_ كتاب إيه ده؟
تأمل إسم الكتاب ، فتراقصت على شفتيه ابتسامة مردداً ببطئ :
_ معًا إلى الجنة ، معًا إلى الجنة.
و عقب على الإسم بسرور قائلاً :
ما شاء الله! إسم جميل!
تنحنح "غزال" ليلفت إنتباهه إليه ، ريثما يعدل جلسته و نطق بمزيج من استمتاع و مكر :
_ و لسة لما تشوف إسم الكاتبة.
إنعقد حاجبا "معاذ" بانزعاج مسيئًا فهمه ، حيث قال موبخًا :
_ معناه إيه الكلام ده؟ إتأدب يا غزال!
انفجر "غزال" ضاحكًا و ضاربًا بقبضته على فخذه و خرجت نبرته مهزوزة:
_ هههههه ، يابني دماغك راحت فين؟
و أضاف ممازحًا :
_ لو حد غيرك قال كدة يا معاذ كنت عزرته ، لكنك عارفني بتكسف من نفسي و بمشي فى الشارع وشي فى الأرض ، الدور و الباقي عليك يا روميو.
تأفف "معاذ" بغير رضا ، و زحزح عيناه عن وجه صديقه إلى الكتاب فوقعتا على الإسم ، إتسع جفناه حتى آخرهما ، و اهتزت يده الممسكة بالكتاب و قبل أن يقع إلتقفه "غزال" و نطق بعتاب مستاء :
_ بقى أنا عملت العجب العجاب عشان اجيبلك الرواية دي و إنت توقعها كدة بالساهل؟
تلجلجت نبرة "معاذ" و بانت مصدومة :
_ إن .... إنت متأكد من الإسم ، معقول ت ... تكون هى ؟!
حك "غزال" طرف ذقنه ، و أراح ظهره إلى الكرسي ، ليجيب بنبرة تحليلية بها شئ من جهل :
_ الصراحة مقدرش أفيدك ، لما صاحبي قالي على إسم الرواية عجبتني ، و جالي فضول أعرف مين الكاتب ، ساعتها إتفاجئت من الإسم و فرحت عشانك قولت يمكن تكون هى.
_ها و بعدين؟
_ طلبت النسخة دي من صديقي لكنه رفض لإنها آخر نسخة موجودة و لما أصريت عليه و جيبت سيرتك و إنى عايز اهديك بحاجة و مافيش احلى من الرواية دي بالنسبالك هو وافق ، و بس.
شرد "معاذ" يمنى نفسه بلقاء قريب معها و لكن فى الحلال فـ مثلها غالية تستحق أغلى المشاعر و بالطريقة العفيفة و أيضًا قلبه غالٍ ، لا تناله أى واحدة إلا برضا الله ، استفاق من شروده و سأله مجدداً :
_ متعرفش حاجة تانية ، تفصيلة نسيتها مثلاً؟
أكمل "غزال" تناول وجبته و قال بدهاء لطيف:
_ سمعت عن معرض للكتاب فى محافظة كدة ، جايز تحضر سندريلا.
"غزال" يعلم الحكاية بتفاصيلها لأن "معاذ" إئتمنه على سره و أودع معه كل مشاعره و أخبره بلا حرج عن حبه الوليد منذ الطفولة لـصاحبة الخصلات الحمراء المجعدة ، و حكى له عن هيامه بــ"أوركيديا"
🤍🤍💛💛🤍🤍🖤🤍🤍♥️♥️💖💖🤍🤍💞💞🤍🤍💓💓
_ مش ممكن يا روفان ! مصدقتش وداني لما صاحب دار النشر قالي إن النسخ كلها اتباعت ، غريب إن فى لسة ناس بيحبو الروايات اللى فيها طابع ديني!
قالتها شابة رائعة الجمال بملامح آسرة و صوت ناعم ساحر و شعرها الأحمر ثائر فى الهواء و عيونها الزرقاء تومض بالزهاء.
جاءتها الجملة هاتفيًا من صديقتها :
_ يا أثير الدنيا لسة فيها خير.
_ فعلاً ، استحضرني حديث للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام....
قاطعتها "روڤان" بترديد مُحب لنبينا :
_ اللهم صلى على محمد ، حبيبي يا رسول الله!
فـ أكملت "أثير" باندفاع مستحب :
_ الحديث بيقول :الخير فى أمتى إلى قيام الساعة.
عقبت "روڤان" على الطرف الآخر بابتسامة رائقة :
_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أردفت سائلة باهتمام حقيقي :
_ بيقولوا فيه معرض للكتاب فى اسكندرية ، هتروحي؟
جلست "أثير" على سريرها و أسندت ظهرها إليه ، و ضبطت الهاتف على أذنها مجيبة بوله تجاه أى شئ يخص الأدب :
_ أكيد يا بنتي ، أنا أول الحاضرين بإذن الله.
و أتبعت حديثها بـتساؤلها :
_ تنسيقات الجامعة نزلت ، قررتي تدخلي إيه؟
بغير تفكير يذكر صفقت "روڤان" بحماسة قائلة :
_ كلية هندسة مافيش جدال!
ضحكت "أثير" للمصادفة و قالت مدهوشة :
_ سبحان الله! نفس الإختيار ! طول عمرنا تفكيرنا واحد و ميولنا واحد.
ابتهجت "روڤان" لتطابق تفكيرهما ، و تباهت بقولها المغتر :
_ أه يا بنتي ، أومال أنا سميتك رفيقة الروح من فراغ.
إزدادت ضحكات "أثير" الآسرة و عيناها تضيآن بوهجٍ جذاب ، فـابتسمت "روڤان" لأنها مصدر هذه السعادة الواصلة إليها من خلال الهاتف ، حيث إنها
منذ تعرفت إليها و صارتا صديقتين مقربتين و هى تستغرب شرودها الطويل
و لمحة من حزن تطفو على نظراتها فــ تعكر صفاءها و الأغرب من هذا هو شعورها الدائم بالحنين لشئ أو شخص ما.
تسائلت "روڤان" كثيراً بينها و بين نفسها عن السبب و لم تصل لحل يفيدها فى مساعدتها لتخطو نحو الأفضل ، و انتظرت و ستظل تنتظر حتى تصرح لها بما يؤرق راحتها.
تثائبت "روڤان" عبر الهاتف و قالت بخمول :
_ طيب يا حبيبتي ، روحي نامي الوقت سرقنا.
رفعت "أثير" الغطاء الخفيف عليها و قالت بنعاس :
_ تصبحي على جنة عرضها السماوات والأرض.
_ اللهم آمين يارب العالمين، و إياكي ، سلام يا أثير.
_سلام يا أوفا.
أنهت "أثير" المحادثة و ارتمت على السرير متثائبة ، مدت يدها إلى "الآباجورة" و أطفأتها ليتثنى لها النوم بشكل مريح.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹💙💙🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
و مع شروق الشمس دخلت "ألاء" إلى غرفة "أثير" و ايقظتها هاتفة بضيق :
_ بت انتى ، قومي و فوقى عشان تفطرى.
_ يا مامي سيبيني حبة كمان بالله عليكي ، سهرانة من امبارح.
_ حد قالك تسهري؟
جذبت "ألاء" الغطاء رافعة إياه من فوق ابنتها و أضاءت أنوار الغرفة بالكامل مما أعاق نوم "أثير" التى استوت جالسة و فاركة عينيها ، مددت يديها قائلة بنبرة ناعسة :
_ مهو مجانيش نوم يا مامي ، فضلت سهرانة مع أوفا و نمت قبل الفجر بساعتين ده غير إنى صحيت و صليت الفجر و يادوب نمت و انتى صحيتيني.
عنفتها "ألاء" بنبرة أمومية بحتة :
_ تستاهلي عشان تبطلى سهر ، قومي يلا الفطار جاهز و باباكي مستنينا.
استنشقت "أثير" بعض نسمات الصباح العليلة فى محاولة لطرد النوم و الإفاقة من دوامة الدوار الذي صاحب استيقاظها ، و تمتمت بوجه مصفر قليلاً :
_ روحليله يا مامي و هتلاقيني فى ديلك.
حملقت فيها "ألاء" مصدومة ، و عبست قائلة بلهجة مستنكرة :
_ ديلي؟!
كتمت "أثير" ضحكة تكاد تنفلت منها لولا يدها ، ثم تحكت بنفسها و فسرت بقولها :
_ يعني هاجى وراكي.
💙💙💙💙💙💙💙💙💙❤️❤️💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
لم تمضى ثواني على مغادرة والدتها الغرفة حتى ركضت إلى خزانتها و عبثت فيها و من ثم أخرجت منها صورة قديمة و تأملت تفاصيلها باشتياق و همست بشرود :
_ يا ترى يا معاذ لسة فاكرني زي ما أنا لسة فاكراك؟
تنهدت "أثير" بحرارة و ضربات قلبها وصلت لدرجاتها القصوى حين أكملت و كأنها تحدثه وجهًا لوجه :
_ و فاكر ذكرياتنا و لعبنا ؟!
إزدات خفقات قلبها جنونًا و هى تضيف بتقدير و ود :
_ و لسة فاكر لما كنت بتحفظنى القرآن و آجى كل يوم و أسمعه ليك.
أردفت بعينان ملأتا دموعًا و ببسمة حانية و عيناها على الصورة :
_ و فاكر لما كنا بناكل سوا فى الفسحة ، و ... و اللى عملته عشاني يوم ما وقعت من السلم لما زمايلي رموني؟!
تساقطتت دموعها على خديها الزهريان و هى تستكمل بلوعة و حرقة :
_ و لما افترقنا و عطيتني صورتك؟! لسة فاكرة كلامك ، يا ترى إنت لسة فاكر؟!
مسحت "أثير" دموعها قائلة بتصميم :
_ بس بردوا كل ده ميسمحليش أعترف ليك بحبي لإن ده حرام.
عزمت أن تخفى هذا الحب فى قلبها حتى يأتي الوقت المناسب للإعتراف به و أكدت تلك الفكرة لما قالت بحزم :
_ مش هتاخد منى إعتراف حتى و إنت مش موجود ، لو ربنا أراد يجمعنا فى الحلال هعترفلك ساعتها ، و ناخد بإيدين بعضنا للجنة.
💓💓💓💓💓💓💓💓💓💙💙💙💓💓💓💓💓💓💓💓💓
لازال على سريره مستلقيًا و لكنه مستيقظ ، و حاله تماما كحالها و هو مثلها يطالع إحدى نسخ صورها التى احتفظ بها بموافقتها منذ الصغر و حتى الآن و سيحتفظ بها فى المستقبل أيضًا.
ابتسامتها الخلابة تزين ثغرها و التى دومًا ما كان يخفق لها قلبه إنجذابًا ، و لمعة عينيها تكاد تطل من الصورة.
تنهد "معاذ" متسائلاً بنبرة ملؤها الحنين :
_ يا ترى شكلها زي آخر مرة شوفتها و لا اتغيرت؟
هز رأسه للجانبين و جاوب نفسه من فوره :
_ كل شئ بيتغير.
باغتته والدته حينما فتحت الباب على حين غرة فـ سرت بـ بدنه ارتعاشة كاد ينفضح لها ، ابتلع ريقه بوجل و هو يراها تقبل عليه و على محياها علامات تنذر أنها قبضت عليه بالجرم المشهود ، فـ رفع وسادته ملقيًا الصورة أسفلها و عيناه على عيني والدته التى بدورها رأت ما فعل ، فـ اهتزت حدقتاه بــ إضطراب حين قالت مباغتة إياه :
_ بتخبي حاجة عليا يا معاذ و لا بيتهيألي؟!!
زاد من ضغط كوعه على الوسادة و سايرها بقوله الحريص مغلف بالمرح الظاهري :
_ لأ بيتهيألك يا سمكة!
ضاحكته "أسماء" رافعة حاجبها بغير تصديق ، لترد بمزيج عجيب من حنان و تعنيف :
_ إتلم يا واد أنا مامتك!
قبل جبينها و خديها و كعادته قال لها :
_ أحلى ماما فى الدنيا.
قالت "أسماء" بعاطفة أمومية لامست قلبه :
_ تسلملي يا حبيبي.
تنحنح عابثًا فى خصلات شعره و سألها خائفًا من ردها :
_ كنتى جاية عشان حاجة يا ماما؟
رمته "أسماء" بنظرة ماكرة و قالت بخبث الأمهات المصريات :
_ هو ممنوع أدخل أوضة ابني ؟!
و لمحت لشئ تعله هى جيداً :
_ إلا إذا كنت مش عايزني أشوف حاجة!
ذاك الخبث اللذيذ فى نبرتها أضحكه حتى دمعت عيناه ، فـقال بمرح :
_ نظراتك مش مريحانى يا حجة!
ركزت فى عينيه مباشرة و أخبرته بتلميح آخر :
_ المثل بيقولك : اللى على راسه بطحة بيحسس عليها.
إنسابت حبات العرق على جبينه و تشاغل عن نظراتها بأثاث الغرفة و لم يعلم كيف يتصرف فى هذا الأمر الشائك.
جاء نداء والده "سمير" كنجدة له من هذه الورطة ، فقد وصل الحوار بهما إلى حائط سد :
_ يا أسماااااء ، يا أم معااااذ!
حثها "معاذ" على الذهاب بقوله المتسرع المتوتر الذى زايد من شكوكها :
_ إلحقي يا ماما ، أبو سمرة بينادي عليكي.
إنتبهت للقب الذي ينادى والده به كنوع من التدليل ، فقالت تحذره :
_ أه لو يسمعك!
مثل المرح بقوله :
_ بابا؟!! ده حبيبي ، ده إحنا مصاحبين بعض.
_ حاضر يا سمير جاية أهو!
هتفت بها "أسماء" ترد على نداءات زوجها المتصلة.
لم يكد "معاذ" يأخذ أنفاسه إلا و انحبست فى صدره فـ قبل إغلاق الباب إلتفتت إليه بوجهها البشوش النضر بعض الشئ رغم سنها الذى قارب الخمسين ،
و ألقت فى وجهه جملة كالحجارة و لم تخطئ التصويب :
_ بعد كدة أما تحب تخبي صور متخبيهاش تحت المخدة.
سقط فكه فانفرجت شفتاه ، و هتف مصعوقاً :
_ كانت عارفة ، كانت عارفة و بتحور عليا!
وضع "معاذ" كفه على جبهته من هول الصدمة فوالدته العزيزة لن تتزحزح عن التفتيش وراءه حتى تعرف القصة بحذافيرها .
قام من مكانه مسيطراً على مشاعره المضطربة الآن آخذاً صورتها هى ..... حب الطفولة و هيام الشباب و حنينه الأزلي ، تمعن فى تفاصيلها الغالية ، مطبطبًا على قلبه_مجازيًا_ و مؤازراً نبضاته المتلاحقة بعنفوان بقوله الحالم :
_ يمكن اللقاء يكون قريب!
تذكر "معاذ" آية قرآنية مريحة كأخواتها من الآيات الكريمات ، فـ تلاها بيقين :
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. .................
.........................
